سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

التدهور البيئي في عهد البعث.. واقع كارثي أم حتمية مناخية؟/ فارس الذهبي

 

2025.11.11

يمكن وصف سياسات الدولة السورية، خصوصاً في حقبة البعث، بأنها عبثت بالبيئة عبر مزيجٍ من تجفيف الأراضي الرطبة، وتوسّع الريّ غير المستدام، وبناء السدود من دون ضوابط بيئية كافية، مع ضعفٍ مزمنٍ في إدارة المياه والتخطيط الحضري.

تجفيف مستنقعات سهل الغاب حوّل فسيفساءً رطبةً عالية القيمة البيئية إلى سهلٍ مرويٍّ عالي الإنتاجية، لكنه قضى على موائل الطيور المائية وبدّل ديناميات نهر العاصي لصالح قنوات صرفٍ وبزلٍ مكثّفة؛ دراسات عديدة تضع الغاب ضمن مناطق خصبة ازداد فيها الضغط الزراعي والمائي مع الزمن، بما فيه استنزاف جوفيٌّ وتدهور نوعية المياه إذا لم تُصَن الشبكات بصرامة.

في دمشق، تدهورت منظومة بردى/الفيجة بصورة رمزية وخطيرة معاً؛ نبع عين الفيجة الذي كان يزوّد العاصمة بنحو 70% من مياهها تعرّض لضرباتٍ قاسية بسبب انتهاك حوض بردى بشكلٍ استثنائي عبر آلاف الآبار الجوفية التي امتصّت المياه تحت النبع وحول مجراه، مما أدّى إلى جفافٍ كاشفٍ عن هشاشة البنية التحتية وغياب خطط الطوارئ، إذ تشير تقارير إلى استمرار الأزمة تحت تأثير الجفاف وضعف الطاقة والتلوّث.

أمّا بخصوص تلوّث بردى المزمن فمصدره اختلاط مياهه بعوادم الصرف الصحي ومتبقيات الصناعة وسوء الإدارة، وهو نموذجٌ صارخٌ على كيف تُقوّض الحوكمة الرديئة نهر مدينةٍ تاريخية.

في سياقٍ متصل، تكشف تقارير ESCWA وأبحاثٌ متخصّصة أنّ بناء السدود الكبرى في أحواض الفرات وروافده، كما أنّ التوسّع الزراعي على جانبي الحدود مع تغيّر المناخ، خفّضا الجريان المتاح، وزادا الاعتماد على المياه الجوفية، فتكرّر جفاف أنهارٍ أو مقاطع واسعةٍ منها موسميّاً مثل الخابور والبليخ والساجور، بل وتحوّل نهر قويق في حوض حلب إلى مجرى يعتمد غالباً على مياه عودة الريّ والتصريف.

وفي حوض بردى/الأعوج تحديداً، توثّق دراساتٌ علميةٌ اتساع العجز المائي خلال العقد الأول من الألفية بفعل النمو السكاني، والحفر غير المرخّص للآبار، والريّ غير المدروس، مقروناً بجفاف 2006–2010؛ وهو عجزٌ قدّرته مصادر مختلفة بمئات ملايين الأمتار المكعّبة سنويّاً.

هذه السياسات لم تعمل من فراغ؛ فقد زادت موجات الجفاف المرتبطة بتغيّر المناخ حدّة الأزمة على مستوى المشرق، وبيّنت دراسة منشورة في PNAS أنّ جفاف ما قبل 2011 كان الأشد في السجل الحديث، وأنّ الاحترار البشري المنشأ رفع احتماليّته وشدّته.

تقارير إقليمية أحدث لِـESCWA تؤكّد اتجاهات ارتفاع الحرارة وتراجع الهطل وزيادة التبخّر في حوض الفرات، ما يفاقم آثار الإدارة السيئة.

يمكننا إضافة عمليات التحطيب للغابات أثناء الأزمات واندلاع الحرائق بشكلٍ استثنائي، مع توقّف زراعة الأشجار بشكلٍ شبه تام بسبب الحرب، مضافاً إليها قائمة أسبابٍ أخرى أدّت إلى دمار البنية البيئية.

من هنا، تبدو الدعوة إلى صلاة الاستسقاء تفسيراً روحانياً لأزمةٍ أسبابها ماديةٌ سياسية: سوء الحوكمة، غياب تقييم الأثر البيئي، دعم محاصيل شرهةٍ للماء، ضعف إنفاذ القانون على سارقي الآبار والملوّثين، وإهمال صيانة الشبكات، لا سيما أنّ العوامل المناخية الواسعة النطاق لا تُعالَج بالطقوس بل بالسياسات المتكيّفة والحوكمة الرشيدة.

ما حدث في الغاب وبردى ليس حدثاً منفرداً، بل جزءٌ من نمط تحويل الأنظمة المائية إلى آلات ريٍّ كهربائيةٍ كبيرةٍ دون خطوط رجعةٍ بيئيةٍ ولا حصافةٍ في الطلب على الماء، فكانت النتيجة تجفيفاً موسمياً، أو دائماً، في الخابور والبليخ وبردى والأعوج وقويق، وتراجعاً في جودة المياه وتزايد هشاشة الأمن المائي.

العلاج يبدأ من الاعتراف بالخطأ: إعادة الاعتبار للأراضي الرطبة المتبقية واسترداد بعضها حيث أمكن، إدارة متكاملة للأحواض، ضبط الضخّ الجوفي، تحديث الريّ، حماية مصادر الشرب كمرافق استراتيجيةٍ محمية، وربط التخطيط الزراعي بالميزانية المائية لا بالشعارات والصلوات.

كان سهل الغاب حوضاً مائياً منخفض الانحدار تستقبله تعرّجات نهر العاصي (الآسي) بين جبل الأنصارية غرباً وجبل الزاوية شرقاً. الإيقاع السنوي كان واضحاً: في الشتاء والربيع يعلو منسوب المياه فتتسع المستنقعات والبحيرات الضحلة، وتكسو الحواف أحزمة كثيفة من القصب والبردي؛ وفي القيظ تنكمش المسطحات فتظهر سباخ رطبة وجزر طينية.

هذه البنية الهيدرولوجية جعلت الغاب محطةً محورية على مسار هجرة الطيور في الشق السوري/الأفريقي: أسراب البط والإوز واللقالق والبلشونات وأنواع الخرشنات، إضافةً إلى حوامٍّ مثل “المرزة الباهتة” في مواسم العبور. تقرير “المفاتيح الحيوية العذبة للبحر المتوسط” يضع مجرى العاصي في الغاب ضمن بؤر التنوّع، مع التنبيه إلى حساسية النظام المائي لتجفيف الرطوبات وضخّ المياه الجوفية.

تحت السطح، كان النهر وروافده خزّاناً لأسماك المياه العذبة على تنوّعها في حوض العاصي، إذ تؤكّد مراجعةٌ علميةٌ حديثةٌ لسوريا تسجيل أكثر من مائة نوعٍ بالمجمل الوطني، مع حضورٍ بارزٍ لأنواعٍ نهريةٍ شرق متوسطية، ومنها السلّور الأوروبي الذي انتشر في حوض العاصي عبر الاستزراع والصيد. هذه الخلفية تفسّر وفرة الصيد التقليدي في وادي الغاب قبل إعادة تشكيل النظام المائي.

كان الغاب صانعاً لطقسٍ محليٍّ رطبٍ مقارنةً بما حوله: تبخّر (نتح) عالٍ من سطح الماء والقصب، وضباباتٌ ليليةٌ في الفصول الباردة. لكن هذا التأثير محليّ النطاق؛ فهو لا يحدّد مطر الإقليم الذي تسيّره أنماطٌ دورانيةٌ أوسع على حوض المتوسط الشرقي.

بين مطالع خمسينيات القرن الماضي ونهاية ستينياته، شرعت الدولة السورية في واحدٍ من أكبر مشاريع إعادة تشكيل الأراضي الرطبة في البلاد: مشروع الغاب، الذي سعى في جوهره إلى تصريف مياه المستنقعات الدائمة والموسمية، وشقّ شبكات صرفٍ وبزلٍ، وإنشاء شبكات ريٍّ بالجاذبية، بالتوازي مع السدود التنظيمية على مجرى العاصي لتمكين الزراعة الدائمة.

في هذا السياق أُنجزت محطاتٌ رئيسيةٌ مثل سدّ الرستن (1960) وسدّ محردة (1961) ضمن حزمةٍ هدفت إلى ريّ مساحاتٍ واسعةٍ في سهول الغاب والعشارنة، مع إنهاء الفيضان المزمن في المنخفض. خُطِّط للمشروع أن يخدم نحو 88 ألف هكتار (الغاب + العشارنة) عبر قنوات ريٍّ وصرفٍ متكاملة. لاحقاً، تواصلت برامج التنمية الريفية في الغاب ضمن أطرٍ أمميةٍ وحكومية.

كيف أُديرت الأرض؟ رافق ذلك تشريعياً توزيع الأراضي المستصلحة بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، ما خلق حيازاتٍ متجانسةٍ نسبياً، وشجّع أنماطاً مكثّفةً من الزراعة المخططة على أساس دوراتٍ محصوليةٍ وريٍّ منتظم.

كان لمشروع تجفيف مستنقع الغاب نتائج عديدة، منها إنهاء الفيضان المزمن وإتاحة استقرارٍ سكانيٍّ وزراعيٍّ واسع، وخلق قاعدةٍ زراعيةٍ مرويةٍ عالية الإنتاجية في أهم المناطق الزراعية في سوريا، فبات من أهم المشاريع الكفيلة بزيادة خصوبة التربة وتحقيق تنوّعٍ مثمرٍ للمحاصيل.

أمّا سلبياته فتجلّت في فقدانٍ شبه كاملٍ للأراضي الرطبة التي كانت تمتد على طول مجرى العاصي في الغاب حتى أواخر الستينيات، وما تبعه من تراجعٍ لملاذات الطيور المائية والمهاجرة، وتحوّل النهر إلى مجرى مقنّنٍ أقل ديناميكيةٍ بيئية. إضافةً إلى اعتمادٍ متزايدٍ على الاستخراج الجوفي والريّ المكثّف، وهو ما وثّقته دراساتٌ حول العاصي، لاحظت تراجع موارد المياه مع مرور الزمن تحت ضغط الضخّ الزراعي.

مشكلات صرفٍ وتملّحٍ في بعض المقاطع المروية على المدى الطويل إذا لم تُصن الشبكات بانتظام (ملاحظةٌ عامةٌ موثّقةٌ في الأدبيات السورية للتوسّع المروي).

في خمسينيات القرن الماضي وستينياته طغت سردية “مكافحة الملاريا وزيادة الإنتاج” على الأصوات المدافعة عن مشروع التجفيف، لكن مع تشكّل الحساسية البيئية وتراكم الخبرة الميدانية، ظهرت قراءاتٌ نقديةٌ معتبرةٌ لفقد الأراضي الرطبة وتدهور جودة المياه في حوض العاصي، خصوصاً في مطالع تسعينيات القرن الماضي. تقارير البيئة الوطنية والدولية تسجّل تدمير (تدهور) كثيرٍ من أراضي المياه الداخلية بفعل التجفيف والتحوّل للزراعة، وتلفت إلى ضعف الحماية المؤسسية للأراضي الرطبة.

ولأنّ النهر لا يعيش وحده، فالحرب والاقتصاد زادا الطين بلّة: ازدياد التلوّث الصناعي والصرفي على مجرى العاصي (مثال: مصنع سكر تل سلحب) أثّر في الأسماك والمحاصيل، ما أعاد فتح النقاش حول جودة الإدارة والرقابة البيئية.

في المحصلة، لم تكن عملية إدارة البيئة والموارد المائية بالنسبة للحكومة السورية شأناً بعيداً عن السياسة وآليات التحكم والسيطرة، بل كانت جزءاً أساسياً من منظومة الفساد والولاء، دفع ثمنها ما يعاني منه اليوم الشعب السوري من واقعٍ بيئيٍّ متردٍّ نستطيع تلمّس سوءه وأذاه بشكلٍ واضحٍ فاضحٍ على طول البلاد وعرضها.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى