العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 14 تشرين الثاني 2025

أمهات على طاولة السياسة: أم الشهيد كرمزٍ عاطفي معلق في إطار/ بتول الشيخ

        في الصورة، إمكانية لإيقاف الزمن، القبض على لحظة وتجميد الحركة في إطار، ولتحويل الزمن الجاري إلى زمن مُعلّق. تتكثف الانفعالات وتعلق على الحائط كذكرى في الصور، لكن ما يُعلَّق ليس الحياة بل شبحها، ليس الفعل بل أثره. هكذا تتحوّل الطاقة إلى رمز، والرمز إلى صمت.

        من هنا، وُلدت أيقونة «أم الشهيد» في المخيال السوري: امرأة متحركة في واقعها، لكنها محبوسة في صورة صامتة. يُحتفى بها في الشوارع، في نشرات الأخبار، في جدران البيوت، كرمز للتضحية والصبر. غير أن هذا التبجيل يُخفي عملية منظمة لتجريدها من الفاعلية السياسية وتحويلها إلى أيقونة مُستهلكة عاطفياً. لا يبدو من المبالغة القول أنّ المرأة السورية، سواء تحت نظام الأسد أو في فضاء المعارضة ولاحقاً في سوريا الجديدة، لم تُقدَّم كفاعل في صياغة المستقبل، بل كرمز معلَّق يضمن تعبئة العاطفة وشرعنة السلطة.

        الإعلام وصناعة الرمز

        النساء في الإعلام السوري الناشئ عنوان بحث أصدرته شبكة الصحفيات السوريات عام 2016، ووثق الاستراتيجيات والأدوات التي استخدمها الإعلام الناشئ في صياغة صور النساء، الاستراتيجيات ذاتها التي تُفسّر كيف تُنتَج الرمزية على حساب الفعل.

        تشمل هذه الاستراتيجيات كلاً من الافتراضات المُسبقة، فالأَفعال المرتبطة بالنساء غالباً تضعها في موقع خاضع أو مفعول به، نادراً ما يُمنح لهن إمكانية التفكير في المستقبل أو اتخاذ القرار، والتعميم والتجميع حين يصوّر الخطاب السائد النساء ككتلة واحدة، سواء كضحايا أو أمهات، لإخفاء خصوصية التجارب الفردية وإبطال أي وعي سياسي خاص. التخصيص بعلاقة النساء بالرجال أداة أخرى، فغالباً يُعرفن باسم علاقتهن بالرجل («زوجة فلان» أو «أم فلان»)، بدلاً من هويتهن المستقلة، وكذلك الاحتفاء بالمرأة على أساس دورها البيولوجي أو العاطفي، لا على الإنجاز أو المشاركة السياسية، والحذف والإقصاء حين يتم استبعاد الغضب والأسئلة النقدية والمشاركة السياسية، وحتى حضور المرأة في الصور أحياناً، بما يضمن أن يبقى صوتها خارج أي منصة سياسية.

        إذا أسقطنا هذه الأدوات على صورة «أم الشهيد»، يظهر أن خطاباً عاماً ساد على مدى عقودٍ في سوريا، لم يُحررها من الإطار القديم، بل أعاد إنتاجه بديكور جديد. الأم موجودة في الصورة واللافتة والوقفة الصامتة، لكنها غائبة عن اللجان الوطنية، عن هيئات العدالة الانتقالية، عن أي مساحة يُصاغ فيها المستقبل. هي حاضرة رمزياً، مُستثمرة عاطفياً، لكنها غائبة سياسياً.

        هذه العملية ليست طارئة على السياق السوري، بل هي جزء من البنية الثقافية الأوسع الشائعة في الفضاء العربي: الأمومة مُحمّلة دوماً بدلالات قومية ودينية. الأم تُصبح مرادفاً للوطن، وتضحيتها تجسيداً للتضحية الوطنية، وتُستدعى رموز مقدسة كالسيدة مريم أو الزهراء لتُمنح دمعتها معنى لا يُنتقد. وهكذا يترسخ الإطار الرمزي عبر الأجيال، حتى يُصبح تكريم المرأة في صورته أقرب إلى أداة إقصاء ناعمة.

        الأمهات كنساء ولدن من الألم

        إن كانت «أم الشهيد» قد تحوّلت إلى أيقونة رمزية في الإعلام والخطاب العام، فما الذي يختبئ خلف هذه الصورة؟ من هي هذه الأم فعلاً، خارج الكاميرا وخارج المنصة؟

        أعود إلى ذاكرتي، التي تعج بالأمهات أمام هذا السؤال. نشأت في بيئة تتصدر فيها النساء المشهد، فيما الرجال ظلال مطاردة أو محاصَرة. طفولتي لم تكن عادية: عشتُ الحصار والملاجئ والقصف والحواجز، ومع ذلك كانت الحياة تُدار بفضل نساء استطعن تحويل القبو إلى مدرسة، والمأوى إلى بيت، والموت المحدق إلى فسحة أمل.

        لو كتبتُ سيرة حياتي لامتلأت صفحاتها بالحواجز: حاجز للأسد، وحاجز لداعش، وحواجز الفصائل وقسد. بين تلك المتاريس، كانت النساء دوماً تعبرنَ العوالم المختلفة بقوة نابعة من العاطفة والحنان، يجلبن الدواء والطعام ويُواجهن السلاح. لم أرَ فيهن ما أراده الإعلام: لا الضحية المستسلمة ولا الصنديدة الخارقة. عرفتُ امرأة ثالثة، فاعلة، تختار. امرأة لم أجدها في السرديات الرسمية، بل في الحياة نفسها.

        آخر مرة واجهتُ هذا الحضور النسائي كانت في متحف السجون الذي يوثّق سجن صيدنايا والمعتقلين، في دمشق. هناك رأيتُ نساء يرتدين السواد، يحملن لافتة كُتب عليها بالأبيض: «بناء الوطن يبدأ بالعدالة، كشف الحقيقة والمحاسبة» جلستُ بينهن أستمع. إحداهن كانت تقول إنّها ترى من اعتقل ابنها طليقاً، وإن لم تستطع أن تستعيد جسده، فهي على الأقل تُريد محاسبة الجلاد. أخرى أمسكت بالميكروفون، وسألت بغصّةٍ بادية في صوتها: «لماذا تُخاطب الحكومة الانتقالية الدول الخارجية والمنظمات الدولية ولا تخاطبنا نحن، أصحاب الجرح والفقد؟».

        إحدى النساء ذكرت أنها تتابع صفحات السوشال ميديا يومياً، وأعصابها تَتلفُ،أحياناً تجد نفسها تُعيد قراءة القوائم ذاتها.

        بعضهن رفضنَ الترحُّم على من يخصهنّ دون دليل قاطع على موتهم، أو إجابة مُحددة عن مكانهم وكيفية اختفائهم. معظمهن أكدن أنّ التواصل الرسمي مع اللجان المُشكَّلة للبحث عن المفقودين شبه معدوم، وأنهنّ يعتمدن على المعلومات المتناثرة عبر وسائل التواصل، يختبرن صحتها بحذر، ويعشنَ حالة مستمرة من الانتظار والترقّب، بين الأمل والوجع.

        مشهدهنَّ هناك لم يكن غريباً عليّ، بل كان امتداداً لما خبرته طوال حياتي: نساء يحوّلن معاناتهن إلى طاقة سياسية، حتى لو جاءت من خارج القنوات الرسمية. طاقة لا تتجلى في بيانات أو لجان، بل في البكاء الذي يتحوّل إلى مطالبة، وفي الفقد الذي يُصرّ على العدالة.

        في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن حضورهنّ هو ما يمنح العدالة معناها، وأنّ إقصاءهنَّ عن طاولات التفاوض ولجان الحقيقة ليس مجرد نسيان، بل استمرار لجريمة أخرى.

        أستعيد هنا مقالاً  لزين الأحمد، قدّم لوحة شديدة الدلالة عن الأمهات في مواقع مختلفة من الجغرافيا السورية: أم في إدلب، أخرى في الساحل، ثالثة كردية، ورابعة في دمشق. الكاتبة تصنع الرابط بينهنَّ، تحيكُ الخيوط بين قصص متناثرة، وتضعنا أمام مشترك إنساني لا يحتاج إلى وسيط سياسي كي يُفهَم.

        الفكرة الضمنية التي تبرز من نص الأحمد أنّ ألم فقد الأبناء واحد، لكن النظام الأبوي للحرب لا يكتفي باستغلال دموع الأمهات، بل يحرص أيضاً على إبقائهنَّ منفصلات، لأن التقاءهنَّ قد يُشكّل خطراً سياسياً حقيقياً. تخيّلوا لو أن زهور وفاطمة ومزكين وخولة جلسن معاً في غرفة واحدة، وتشاركن السؤال ذاته: «ما جدوى هذه الحرب؟» سيكون ذلك اللقاء في حد ذاته فعلاً سياسياً مؤسساً، عابراً للطوائف والانقسامات، يُهدّد منطق الحرب لأنه يكسر عزلتهنَّ ويحوّل الوجع الفردي إلى خطاب جماعي.

        حيث يوجد الشعب توجد النساء

         (لقاء مع ويندي بيرلمان)

        التقيت البروفيسورة ويندي آر بيرلمان، الأكاديمية الأميركية التي كرّست عملها منذ عام 2012 لتوثيق الانتفاضة السورية عبر الشهادات الشخصية، بعدما اكتشفت أن القصص الفردية أغنى وأقوى من أن تُختزل في بحوث أكاديمية جامدة. رأت أن هذه الشهادات ليست للتاريخ فقط، بل هي فعل سياسي في حد ذاته، لأنها تحمل الألم الإنساني وتحوّله إلى قوة خطابية قادرة على إقناع الآخرين وتغيير وعيهم.

        تقول بيرلمان إن السياسة تبدأ بالكلمات: بالمعلومات والأفكار، لكنّ القصص الشخصية – بآلامها وتفاصيلها اليومية – تدخل القلب والعقل بعمق لا تستطيع الأرقام فعله، وهي من أقوى أدوات تغيير الرأي العام والسياسات.

        وعند الحديث عن النساء بعد سقوط النظام، وإمكانية تحويل طاقتهنّ إلى فعل سياسي في إطار العدالة الانتقالية، قالت:

        «النساء بنينَ مؤسسات ومبادرات كثيرة مثل ‘عائلات لأجل الحرية’ و’عائلات قيصر’. هؤلاء النساء يعملن على الأرض منذ سنوات، تحدّثنَ أمام مؤسسات دولية وبرلمانية، جمعنَ معلومات لمحاكم، وأطلقنَ حملات توعية. بعد سقوط النظام، ما زلنَ مستمرات، والآن هناك إمكانية مختلفة: هؤلاء النساء لن يقبلنَ بالاستسلام، لديهنَّ مطالبات قوية وواضحة. كنَّ يَسعَينَ لتحرير أحبائهن، والآن يُردنَ معلومات وأجوبة ومحاسبة. نعم، يُردن العدالة والمحاسبة، وملف المفقودين والمعتقلين من أهم الملفات لدى السوريين، وهؤلاء النساء هن الأقدر على تمثيل هذه القضية».

        وأكدت: «العدالة الانتقالية لا تتحقق إلا بوجود النساء. لديهنَّ خبرة وشبكات تواصل راكمنَها على مدى سنوات قبل سقوط النظام، ودورهنّ قياديٌّ وليس هامشياً. هنَّ صاحبات القضية الحقيقيات، ولن يقبلن بأقل من ذلك. من المفترض أن يكن في مواقع القيادة، وليس على الهامش».

        وتطرقت إلى تعيينات اللجان المختلفة وغياب النساء المعنيّات عن الصفوف الأولى، مؤكدة ضرورة وجودهنَّ في المؤسسات الحكومية والرسمية، لا في المجتمع المدني وحده: «من الصعب تخيل أشخاص آخرين أولى بهذا الدور من هؤلاء النساء».

        وحذرت من اختزال أم الشهيد كرمز صامت: «يجب أن تتحدث عن نفسها. فكل جهة قد توظف هذا الرمز كما تشاء، وتتجاهل أنها إنسانة قادرة على التعبير عن نفسها. وكل طرف سياسي يُحاول استخدام رمز المرأة وأم الشهيد لتحقيق مصالحه. الجميع يدّعي أنه يهتم، لكن في الحقيقة لا أحد يصغي أو يهتم».

        وتذكّر أيضاً أن هناك نظرة فوقية للأمهات، إذ يُصوَّرن كضحايا مثيرات للشفقة، ويُحصر دورهن في البكاء والصمت، فيما يُتجاهل فكرهن ومطالبهن. «التعاطف مهم»، تقول، «لكن يجب أن يصاحبه احترام. المرأة التي بنت مؤسسات وروابط قوية، وتحدثت أمام البرلمان والأمم المتحدة، ليست ضعيفة. لديها خبرة سياسية وتجربة وفهم، ويجب احترامها».

        عن دور النساء السياسي وإمكانيته في المرحلة المقبلة تُضيف بيرلمان أنه: «حيث يكون الشعب تكون النساء! الآن، إذا كانت هناك إمكانية للتحول الديمقراطي الذي يوفر التمثيل والحقوق والمشاركة، يجب أن تتواجد النساء في المؤسسات الحكومية والحياة السياسية الرسمية. نعم، النساء مستمرات في العمل السياسي على مستوى المجتمع، لكن إذا أرادت الحكومة أن تعمل بشكل صحيح، يجب أن تكون النساء حاضرات مثل الرجال. خلال سني الحرب لم يحملن السلاح كما الرجال، لكن شاركن في كل شيء: من المظاهرات إلى بناء المجتمع المدني، والآن يجب أن يتواجدن أيضاً في الحكومة».

        وكررت مراراً أنه إذا أتيح للشعب السوري المشاركة في السلطة والحكم بشكل بديهي ستكون النساء متواجدات.

        واختتمت مبتسمة: «لا يجب أن نشكرهنَ الآن، شكراً على كل ما قدمتن، عُدن إلى بيوتكن».

        كلمات بيرلمان هنا تُعيدنا إلى جوهر الفرضية: أن «أمّ الشهيد» ليست مجرد رمز للتبجيل أو الشفقة، بل صاحبة خطاب وتجربة سياسية مغيَّبة.

        نشرت مجلة ييل للقانون الدولي (2025) دراسة بعنوان «الأمومة النضالية: كيف غيّرت الأمهات القانون الدولي» (Maternal Activism: How Mothers Changed International Law). هذه الورقة تبرهن أنّ ما بدا في الأرجنتين أو كولومبيا فعلاً عاطفياً – خروج أمهات للمطالبة بكشف مصير أبنائهن – تحوّل مع الزمن إلى قوة سياسية هائلة. لقد أعادت أمهات ساحة (مايو) تعريف الأمومة: من قيدٍ اجتماعي إلى استراتيجية مقاومة، ومن حضور هامشي إلى سلطة دفعت الأمم المتحدة نفسها للاعتراف بالاختفاء القسري كجريمة ضد الإنسانية، وصولاً لاعتماد اتفاقيات دولية كاتفاقية 2006 لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

        بهذا المعنى، لا تبدو التجربة السورية معزولة، بل امتداداً لمسار عالمي يؤكد أنّ طاقة الألم قادرة على صياغة القانون. الفارق الوحيد أنّنا ما زلنا نحبس هذه الطاقة في صورة معلَّقة، بدلاً من تحويلها إلى مشروع سياسي. هل ستبقى «أمّ الشهيد» جدارية معلَّقة على حائط الذاكرة السورية، أم ستجلس على الطاولة التي يُصاغ عندها مستقبل العدالة؟

موقع الجمهورية

———————————–

الزومبي” في سوريا: التباس الموت وسطوة جداول “أكسل”/ عمّار المأمون

10.11.2025

 افتراض الموت، إهانة للضحايا ولأهلهم، خصوصاً إن كان بلا دليل، لكنّ فحش الموت والعنف في سوريا يتجاوز “الكرامة الإنسانية”، المفاهيم التقليدية لا تنجح ربما، خصوصاً أن سقوط نظام الأسد، لم يوقف المقابر الجماعية، والأهمّ غياب سلطة إعلان الموت، ترك القضيّة لكلّ على هواه ومزاجه الثوري.

نشرت المؤسّسة المستقلّة المعنيّة بالمفقودين في سوريا، عبر صفحتها على فايسبوك، بياناً توضح فيه أنها تعمل”وفق مبدأ افتراض الحياة عند البحث عن المفقودين. ويُعدّ هذا المبدأ معياراً إنسانياً يوجّه جميع جوانب ولايتها”، شرح لسوء فهم في الترجمة!

لكن ما يهمّنا، أن كلّ مختفٍ حيّ حتى يعلَن موته. والإعلان هنا، ليس فقط كلمات تنطق ذات أثر أدائي، أو صورة جثّة تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل عمليّة بيروقراطية- إدارية يُشرك فيها ذوو الضحايا/ أولياء الدم، أصحاب الحقّ، بإعلان أن أحدهم لم يعد هناك، أي احتمال لوجوده بيننا، مات.

في سوريا، منذ بداية الثورة، اختلّ مفهوم الحياة والموت، ظهرت فئات جديدة، أبرزها المختفي قسراً، إذ لم يعد السوري ميتاً أو حيّاً فقط، فبينهما مراتب عدّة (الحياة العارية، شلوان بلا جسد، جثّة بلا ملامح أو اسم…)، إحدى هذه المراتب، هي “الزومبي”: الموتى- الأحياء، أو اللاأموات واللاأحياء، من تلتبس علينا منزلتهم، ضمن عمليّة سياسية وإعلامية شديدة العنف، تشتّت صرامة التصنيف، وتميّع قدرتنا أنفسنا على التمييز!

هؤلاء، نتاج جهود النظام السياسي، أيّ نظام سياسي، بوصفه القيّوم على إعلان الحياة والموت عبر إجراءات إدارية، وتعطيل هذه الإجراءات أو التلاعب بها يفعّل الترويع ويُذهب القدرة على الحسم، ويخلق التباساً وعجزاً عاطفياً وإدارياً، والأهمّ،  يخلق ما يسمّى Uncanny، شعور بالرعب يضرب الروع، ويمكن ترجمته إلى العربية: “المألوف المخيف، المعروف المريب، المميّز حدّ الرعب، الغريب بألفته، والمفزع بحضوره، الموحش بريبته، المحيّر بفحشه، والفاحش بيقينه، ذو الوضوح المبهِم والمبهَم”.

“الزومبي” وأثر الرعب

وظّف نظام الأسد مفهوم “الزومبي” مرّات عدة، وفي سياقات متعدّدة، اللواء سهيل الحسن (النمر) واحد من أبرز الأمثلة، يموت ويحيا، يتغيّر شكله ويلتبس على الناظر، محيّر وفاحش هذا الالتباس، ما أكسبه بعداً مريعاً، ففي كلّ مرّة كان يقال إنه مات، يظهر على الشاشة حيّاً، نحدّق به، فيختلف محيّاه وأحياناً وجهه، أيعقل أن جنرالات الأسد لا يموتون؟

وظّفت ماكينة الأسد الإعلامية “الزومبي”، وصور الجثث، لبث الرعب وضرب سردية الثورة، إذ لم تعد الجثّة دليل موت أو حياة، وأصبح “الجدل” يقع على الصورة نفسها وسياقها.

القاشوش، تعدّدت نسخه، نسخة نُزعت حنجرتها وصُوّرت جثّتها، ونسخة حيّة تغنّي خارج سوريا، اختلطت الجثث والأسماء وضاع اليقين حينها.

الأمر ذاته مع زينب الحصني، التي ظهرت على التلفاز حيّة بعد “موتها”، وهنا المريع، جثّة من كانت تلك التي رأتها والدة زينب من دون رأس أو أوصال؟ هل سُجّل اللقاء قبل قتلها أم بعده؟ كلّ الأسئلة والالتباسات التي تضرب قحف الرأس، وتهدّد إيقاع التنفّس بخصوص الحياة والموت، نتاج السلطة التي تتلاعب بهاتين المنزلتين وما بينهما! يومها عنونت “سي أن أن” خبراً عن الحصني بـ”لمن تعود الجثّة المقطّعة الأوصال؟”.

صور قيصر المثال الأشدّ فحشاً وتهديداً للقدرة على إدراك الموت، هي أدلّة على جريمة، لكن يلتبس على المحدّق بها حقيقة حياته لا فقط موت الجثّة، صور لأبدان هشّة ومتهتّكة، تشبه الجميع، جميع السوريين، لكن، هل هؤلاء، موتى أم أحياء؟ من لم يجد صورة قريب أو حبيب، ما زال ينتظر، ومن وجد “علامة” يعرفها في الجسد الذي أضحى عظماً ولحماً، وفّى من يحبّ، لكن ماذا عمّن التبست عليه الصور، هل يعني هذا أن من يبحث عنه حيٌّ في مكان ما؟ أم في قبر جماعي لم يكتشَف بعد؟

السيناريست عدنان الزراعي، أُبلغت عائلته أنه توفّي في عام 2018، لكنّهم لم يصدّقوا، قيل إن صورته وُجدت بين صور قيصر، لكنّ العائلة لم تعلن وفاته إلا بعد سقوط النظام، بقي “لا حيّاً” لسنين، علّق اختفاء عدنان حداد الأسرة وكلّ من حوله، فلا موت إلا بجثّة أو قرار، وفي حالة عدنان، قرار زوجته كان الحاسم.

“كلّ السوريين” حاضرون في صور قيصر، وكلّ من في الصور ميت وحيّ في الوقت ذاته، هم لا أحياء،  كلّ سوري له شبيه أو قرين بين آلاف الجثث التي نُشرت صورها ولم نجدها، كابوس متكرّر يراود الجميع، أن لا يبقى ممّن يحبّ سوى صورة جثّة! بلا اتّهام ولا إدانة، أو وصف للحظات الأخيرة، نظام الأسد أمعن في القتل حتى تهديد الموت نفسه، ذاك الذي التبس على الأحياء!

عادت السلطة الجديدة عبر ماكينتها الإعلامية لتوظيف “الزومبي” وخلق الشروط المناسبة لظهوره، هذا ما حصل في ظاهرة الخطف الطائفي في سوريا، نسف السردية تمّ عبر القسم بالله ثلاثاً، وتصريح رسمي من وزارة الداخلية، و”زومبي” الفتاة نغم عيسى، التي انتشرت صور لها أنها ميتة، ثم ظهرت حيّة، ضمن حكاية لم تعد الحقيقة فيها مهمّة.

“حياة” نغم نفت اختفاء الكثيرات وخطفهن، “زومبي” واحد قادر على نفي سردية كاملة إن تمّ توظيفه واستعراضه، كونه يخلق مناخاً من اللايقين، لتتحوّل “الحياة” إلى تهمة تنفي اختفاء أخريات، والأهمّ ضمن كلّ ما سبق، نحن نتعامل مع صور، لا قرارات رسمية، ولا أبدان فارقتها الروح، صور تكرّر وتعاد وتنشَر وتدور حولها الحكايات، هكذا الزومبي، مولّد للشكّ ومهدّد للروع، يستنسخ نفسه ويتقمّص “كلّ” المختفين ويتّهمهم بـ”الحياة”.

التجرّؤ على اللاموت- اللاحياة

سقط نظام الأسد، وفُتحت السجون، ولم يخرج منها “الجميع”، التبست أوجه المعتقلين الخارجين من “المسلخ البشري”، وتشابهت مع آلاف المختفين قسراً ، وتزامن “التحرير” مع اكتشاف مقابر جماعية، بعضها مفتوح للعابثين والفضوليين، وبعضها اكتشفنا كيف نقله النظام من مكان إلى آخر، ففي سوريا، المقابر الجماعية تمشي على عجلات، تُنقل الجثث أكواماً من لحم وعظم وأيدٍ وتراب وديدان، بلا أسماء، بلا صور. كتل من لحم ميت، تختزن الرعب والذاكرة، أما الهيئة الوطنية للمفقودين، فلم تعلن إلى الآن عن اسم أيّ مختفٍ تمّ إيجاده!

الكثيرون من السوريين لا موتى ولا أحياء، ولا جهة رسمية لإعلان الموت، ولا جثث يتمّ التعرّف عليها، وحداد معلّق وصور مختفين في الشوارع، والبعض ما زال ينتظر، باحثاً في الأوجه وبقايا الجثث. وعلى رغم العقبات الإدارية الناتجة من عدم “توفية” أحدهم (الميراث والحضانة وغيرهما)، الكثيرون من أولياء الدم ما زالوا يحدّقون بصور اللحم المتهتّك بحثاً عن علامة تنفي الحياة، وتثبت الفناء، في سوريا، لا الموت سرمدي، ولا الحياة مضمونة.

في حالة المختفين قسراً، لا يحقّ لأحد حسم أحد الوضعيتين (حياة – موت) إلا أولياء الدم، مع ذلك يتنطّح البعض لإعلان موت أحدهم، ومصادرة حقّ الأسر بإعلان الرحيل، ففي منشور عبر حسابه الشخصي على إنستغرام، أعلن مازن الناطور نقيب الفنانين السوريين، أن زكي كورديلو “قتلته عصابات النظام البائد”، وأكّد أنه وابنه مهيار وقريباً لهم “تمّ قتلهم”، و”ترحّم على أرواحهم”، الناطور أعلن موت أشخاص، من دون أيّ اعتبار لأسرهم، هم مختفون يا نقيب، من أعطاك صلاحية إعلان الموت؟

كرامة الموتى، الأبدان التي غادرتها الأرواح، تلك التي يخونها الزمن فتتلاشى داخلياً، محاطة بطقوسية الدفن، شهود على الموت، وفي حال كان الأخير بيروقراطياً وآلياً حدّ الجريمة ضدّ الإنسانية، اختفى إثرها اللحم الذي كان شخصاً، تحفظ هذه الكرامة في قلوب أولياء الدم، أصحاب الحقّ بنزع من أحبّوا من دواخلهم، وتسليمهم روحا وجسداً لسطوة الفناء، مادّية وجود الميت لا تقتصر على الجثّة، بل عمليّة إعادة موضعته ضمن النظام الإداري، وتسيير الحداد، ونقل الملكيّة، ومواجه الفناء نفسه عبر ترسيخه مرّة واحدة، سرمدياً لا عودة منه للبدن، لكن في سوريا “ريل إنستغرام” يختصر كلّ ما سبق!

سطوة “أكسل”: من يعلن الموت؟

في زلّة لسان ربما، أعلن فضل عبد الغني المدير التنفيذي لـ “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، أن غالبية المختفين قسراً عند النظام مقتولون. وصف أو تعميم لا يحقّ لأحد أن يطلقه، اللايقين هو بالضبط ما يحافظ على الأمل، ويحرّك العمل نحو إعلان الموت أو الحياة، والأهمّ المحاسبة، أمام ماكينة موت اختزلت قتل الكثيرين بـ”ذبحة قلبية”، هشاشة هذا اللايقين هو ما يجعله محطّ التلاعب، تصريح من هنا، تعميم من هناك، والأهمّ، تسييس و”تجارة” بمصائر المجهولين.

 افتراض الموت، إهانة للضحايا ولأهلهم، خصوصاً إن كان بلا دليل، لكنّ فحش الموت والعنف في سوريا يتجاوز “الكرامة الإنسانية”، المفاهيم التقليدية لا تنجح ربما، خصوصاً أن سقوط نظام الأسد، لم يوقف المقابر الجماعية، والأهمّ غياب سلطة إعلان الموت، ترك القضيّة لكلّ على هواه ومزاجه الثوري.

منذ سقوط الأسد انتشرت قوائم لا نهائية بأسماء معتقلين ومصائرهم المتعدّدة، ملفّات “أكسل” من مختلف فروع الأمن، أسماء لا متناهية، كلّ منها جزء من ماكينة كبرى للقتل، أسماء تنشَر بصورة متفرّقة، وأخرى تحتكَر، بعضها ظهر ضمن تقرير تلفزيوني، عن مؤسّسة غامضة تدعى “الفاتح 115” لا نعرف عنها شيئاً، استعرضت لنا ملفّ “أكسل” يحوي أسماء آلاف المعتقلين، ولا يمكن الحصول عليها، بل تطلب معلومات من أيّ سوري يريد إيجاد اسم أحدهم، وهكذا نرى الباحثين عن طيف مختفٍ أو أثر له، يقدّمون معلومات شديدة الحساسية، لجهة مجهولة، لا نعرف عنها شيئاً سوى صفحة فايسبوك، وتقرير إخباري في قناة أجنبية.

 مؤسّسة أخرى أنشأت تطبيقاً، يمكن البحث عبره عن مختفٍ قسراً، هكذا يتحوّل الموت إلى شأن إحصائي، مطابقة أسماء فقط، لا حكايات، ولا اتّهامات، لا جثث، ولا وثائق،  موت- حياة المختفين قسراً أصبحت رهن  برمجة محرّكات البحث!

الأمر ذاته مع صفحات وناشطين محسوبين على الثورة، تُنشر بصورة شبه يومية وثائق تنفيذ أحكام الإعدام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نعي هنا وحداد هناك، وترجّ للبحث عن اسم أحدهم في التعليقات، إعلان الموت يحيط به الغموض، بل ولا منهجية واضحة، خصوصاً أن وثيقة واحدة لا تكفي، فإعلان أن أحدهم لم يعد جزءاً من عالمنا ولا موضوعاً تطبّق عليه قوانين الأحياء، عمليّة بيروقراطية من جهة، واستعداد لأولياء الدم لتقبّل “الخبر”، ولا تختصَر بمنشور واحد، أو ورقة تحتوي علامة مائية لضمان حقوق الملكيّة! أيعقل إذاً أن يعلّق مصير آلاف المختفين قسراً بناشط ومزاجه الثوري ووقت فراغه؟

الموت السوري ما زال ممتداً، لم يتوقّف مع سقوط النظام، لا حداد وطني، ولا جهد كافٍ لفرز  العظام المتناثرة، تشرذمت ماكينة الموت وآثارها لتضيع الحكاية، “أُعدم شنقاً حتى الموت”، هكذا تختزَل “حياة” نيراز سعيد، المصوّر الفلسطيني السوري، وثيقة بلا أصل، صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، علامة مائية، وعزاء رقمي. هكذا، يصبح الموت “منشوراً” آخر، لا حرمة له ولا كرامة، رهان على اقتصاد الانتباه وشركة عابرة للقارات، وسباق على أولوية إعلانه!

جهود هذه المؤسّسات والأفراد ومصادر معلوماتها الغامضة، واستباحة الوثائق والقوائم والملفّات، ذلك كله لا ينفي أنها فعّلت الحداد لدى الكثيرين، ممن لم يصلهم أثر عن أحبائهم. في الوقت ذاته، في عالم ما بعد الرعب، والقتل الشديد الذي شهدته سوريا إثر نزاع مع النظام وبين الفصائل استمرّ سنوات، سيّس الموضوع، ولم يعد المختفون قسراً قضيّة إنسانية فقط، بل شأناً سياسياً، إذ لا أسئلة عن أولئك الذين أخفتهم الفصائل أو “قسد” أو “تنظيم الدولة”، لا حديث رسمي عنهم، وكأن هناك هرمية في الضحايا، ودرجات بين من يستحقّ أن يخرج من مساحة الأحياء نحو تصانيف الأموات.

لكن ماذا عن أولئك الذين لم تذكَر أسماؤهم ولا مؤسّسات تمتلك قوائم “أكسل” بتواريخ إعدامهم؟ هؤلاء ما زالوا أسرى “أرض اليمبوس” في اللامكان، بين الذاكرة وتراب سوريا وقبورها الجماعية، أشباحهم تتحرّك على شفاه أولياء دمائهم، ومخطّطات ناطحات السحاب المفترض بناؤها في سوريا.

درج

————————————–

 الهيئة الوطنية تستمع للضحايا في حمص: مطالب واضحة وخشية من إفلات الجناة من العقاب/ صبا حمود

2025.11.13

عقدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بالتعاون مع محافظة حمص لقاءً حوارياً خاصاً، الأربعاء، بهدف التعريف بالهيئة من حيث تشكيلها ومهامها وآلية عملها وأهدافها، إضافة إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع الضحايا والناجين وذوي المفقودين والمهتمين بالشأن العام، للاستماع إلى رؤيتهم وتطلعاتهم حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا.

وخلال اللقاء الذي حضره موقع تلفزيون سوريا، كشف رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف أن العمل جارٍ حالياً على إعداد قانون العدالة الانتقالية، الذي سيُعرض قريباً على خبراء قانونيين ومنظمات المجتمع المدني، قبل نشره للرأي العام عبر موقع الهيئة، تمهيداً لتقديمه إلى مجلس الشعب في دورته المقبلة.

وأشاد عبد اللطيف بالحضور الواسع، معتبراً أن ذلك يعكس اهتمام أهالي حمص الكبير بهذا الملف، خاصة وأن المدينة كانت من أكثر المناطق تضرراً خلال السنوات الأربع عشرة الماضية.

وأوضح عبد اللطيف أن مرسوم تأسيس الهيئة صدر في شهر أيار الفائت، مشيراً إلى أن الهيئة تتألف من ست لجان رئيسية تشمل:

1.    لجنة الحقيقة وكشف الحقائق،

2.    لجنة المساءلة والمحاسبة،

3.    لجنة جبر الضرر والتعويض،

4.    لجنة الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى،

5.    لجنة الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار،

6.    لجنة السلم الأهلي والمصالحة الوطنية.

وأضاف أن تشكيل الهيئة ضمّ أشخاصاً عانوا من الانتهاكات ومن ذوي الشهداء والمفقودين، وتشكل النساء 45% من أعضاء المجلس.

وبيّن عبد اللطيف أن الهيئة، وبعد مرور شهرين على تأسيسها، أنجزت نظامها الداخلي، وأجرت نحو 70 إلى 80 لقاءً وزيارة في الداخل والخارج للاطلاع على تجارب الدول في العدالة الانتقالية، مثل رواندا، إضافة إلى التواصل مع منظمات دولية وناجين من المعتقلات. وأكد أن الهيئة تنفذ حالياً جولات ميدانية في المحافظات لجمع آراء السوريين، خصوصاً المعتقلين السابقين، حول رؤيتهم للعدالة الانتقالية وتوقعاتهم من عمل الهيئة.

قانون العدالة الانتقالية ومؤتمر دولي مرتقب

وكشف عبد اللطيف خلال اللقاء أن العمل جارٍ حالياً على إعداد قانون العدالة الانتقالية، الذي سيُعرض قريباً على خبراء قانونيين ومنظمات المجتمع المدني، قبل نشره للرأي العام عبر موقع الهيئة، تمهيداً لتقديمه إلى مجلس الشعب في دورته المقبلة.

كما أعلن عن مؤتمر دولي مرتقب في نهاية الشهر الجاري لعرض خطة عمل الهيئة واحتياجاتها، لا سيما ما يتعلق بأدوات كشف الحقائق كأجهزة تحليل الحمض النووي (DNA) والتدريب المتخصص للعاملين.

وأكد أن مدة عمل الهيئة محددة بخمس سنوات، وهي فترة يُنتظر خلالها تحقيق خطوات ملموسة على طريق العدالة والمصالحة الوطنية.

أصوات من الضحايا والناشطين: العدالة قبل المصالحة

خلال اللقاء، تحدثت خبيرة تعمل ضمن لجنة جبر الضرر من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ياسمين مشعان، أنه في كل مرة يذهلهم  السوريون والسوريات بتجاربهم. وقالت إنهم كمجموعة خبراء جاؤوا ليتعلموا منهم، وهم يستمعون مباشرة إلى الضحايا وذويهم ليفهمون منهم شكل العدالة الانتقالية كما يرونها هم، فهم أصحاب الحكاية. على حد تعبيرها.

وأضافت مشعان لموقع تلفزيون سوريا: “الناس يعطوننا دروساً كثيرة. فمثلاً من قال: أريد أن أعرف أين قبر أمي، فهذا الشخص يرى أن مجرد معرفة مكانها يمنحه القدرة على المسامحة. وآخر يريد المحاسبة، وآخر يطالب بجبر الضرر. كل الحاضرين خبراء بحكم معاناتهم، وهم من يعلّموننا كيف نصوغ العدالة الانتقالية”.

وأوضحت مشعان أن اللجنة تعمل حالياً على وضع استراتيجية شاملة لجبر الضرر تشمل الجبر الجماعي والمؤقت والعاجل وغير ذلك، بالتعاون مع خبراء تقنيين ومن خلال الاستماع المباشر إلى الضحايا وذويهم.

كما أشارت إلى وجود كمّ هائل من الوثائق والتقارير لدى منظمات المجتمع المدني والمراكز الحقوقية داخل سوريا وخارجها تم جمعها خلال 14 عاماً، مؤكدة أن هذه البيانات تشكّل قاعدة قوية لمحاسبة المجرمين وعدم البدء من الصفر.

وأضافت لموقع تلفزيون سوريا: “بمجرد أن يصبح التشريع جاهزاً سنباشر العمل فوراً. حالياً نبدأ بجمع المعلومات من منظمات المجتمع المدني ومراكز التوثيق والمنظمات الدولية، لدينا حقائق وإثباتات ووثائق تدين المجرمين والمنتهكين”.

وعلّقت على مسألة العبث بالوثائق الرسمية في الفترات الماضية بقولها: “هناك قاعدة بيانات موازية قادرة على جبر الضرر وإنصاف الضحايا حتى في حال ضياع أو تلاعب بالوثائق الرسمية”.

أما علاء الأتاسي المعتقل السابق في سجون النظام الخلوع، والذي خرج عام 2015 بعد سنوات من الاعتقال في فرع فلسطين ثم سجن صيدنايا، فتحدث قائلاً: “الناس متفاعلون مع مسار العدالة، لكن أعضاء اللجنة قالوا إن الخطة التي تمتد لخمس سنوات وهذا الأمر سيمنح برأيي، المجرمين الكبار، من عناصر الشبيحة وغيرهم، فرصة للهروب خارج البلاد، وكثيرون منهم فعلوا ذلك بالفعل”.

وأضاف الأتاسي متأثراً لموقع تلفزيون سوريا: “أنا كمعتقل سابق أطالب بمحاكمة القضاة الذين حاكموا الشعب السوري في زمن الأسدين، ضمن القانون والمنطق. المجازر التي ارتُكبت راح ضحيتها ملايين الشهداء، ويجب تجريم المسؤولين عنها وعدم مراعاة أي انتماء مناطقي أو ديني. المجرم يبقى مجرماً أياً كان”.

واستذكر تجربته القاسية قائلاً: “لقد كنت بالمعتقل ومات والدي قهراً علي، وعشت كل أشكال العذاب في صيدنايا، رأينا كل أنواع التعذيب، جميع المجرمين يجب أن يُحاسبوا، فلا تسامح مع من تلطخت أيديهم بالدماء”. وأكد الأتاسي أن العدالة هي الأساس لبناء وطن جديد قائم على القانون والكرامة.

من جانبها، قالت الناشطة الإغاثية والإعلامية ندى حوا، إن الجلسة بالغة الأهمية رغم تأخرها، مضيفة: “هذه الجلسة مهمة جداً، لكنها جاءت متأخرة في رأيي. كنا نتوقع أن تكون مثل هذه اللقاءات من أولويات الأشهر السابقة، لأن معالجة ملف العدالة الانتقالية لا يحتمل التأجيل”.

وتابعت ندى لموقع تلفزيون سوريا: “نطالب بإصلاح شامل في القضاء، ومحاسبة القضاة الذين شاركوا في جرائم القتل والاعتقال والتعذيب، عندما يرى المعتقل السابق أو ذوو الشهداء والمفقودين أن القضاة المجرمين يُحاسبون، يشعرون براحة نفسية وطمأنينة، ويبدأ نوع من التوازن الداخلي بالعودة إليهم”.

وترى حوا أن مدة خمس سنوات مدة طبيعية لكشف الحقائق، فنصف الشعب السوري اليوم لديه مظالم، بين شهيد ومفقود ومعتقل، وكل هؤلاء يحتاجون إلى أدلة وقرائن واضحة لإنصافهم

مداخلات الحضور

تنوّعت المداخلات بين ذوي الضحايا والمفقودين والمعتقلين السابقين، فقد عبّر العديد منهم عن استمرار معاناتهم وذاكرتهم الحية بأسماء الجناة، مشيرين إلى أن بعضهم ما زال يشغل مناصب رسمية.

وطالب الحاضرون بـكثير من المطالب كان أبرزها:

     محاكمات علنية للمجرمين والمتورطين في الانتهاكات.

     توضيح آليات تقديم الشكاوى وتوثيق الضحايا.

    تحديد العلاقة القانونية بين الهيئة والمجلس التشريعي.

     ضمان تعويض المعتقلين وتمكينهم اقتصادياً وصحياً وتعليمياً.

    تطبيق العزل السياسي والإداري للفاسدين والمتورطين بالانتهاكات.

    ملاحقة الفارين خارج البلاد والمتورطين في الجرائم ضد السوريين.

العدالة الانتقالية في حمص: حوار مفتوح والضحايا يطالبون بالإنصاف قبل المصالحة (تلفزيون سوريا)

العدالة الانتقالية في حمص: حوار مفتوح والضحايا يطالبون بالإنصاف قبل المصالحة (تلفزيون سوريا)

كما انتقد المشاركون بطء مسار العدالة الانتقالية واستمرار ممارسات مثل حجز الممتلكات الصادر عن محاكم الإرهاب، متسائلين عن كيفية استمرار تصنيف الضحايا كمحكومين بالإرهاب بعد سقوط النظام.

وأكدوا على ضرورة توثيق تاريخ سوريا الحديث بشكل موضوعي عبر الإعلام والسينما والثقافة، وتشكيل صندوق لاسترداد الأموال المنهوبة واستخدامها في دعم الضحايا والمعتقلين.

وفي ختام النقاش، قالت اللجنة أنه سيكون لها مقر في كل مجافظة، وأجمع الحضور على أن العدالة الانتقالية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق من دون اعتراف واضح بالجرائم واعتذار علني من وجهاء المناطق التي شارك أبناؤها في ارتكاب الفظائع بحق الشعب السوري، مؤكدين أن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية.

——————————-

العدالة الانتقالية + العلاقات مع روسيا

السجل الأسود لروسيا في سوريا/ فضل عبد الغني

تشكل الذكرى العاشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، الممتد من 30 سبتمبر/أيلول 2015 حتى سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، محطة ضرورية لإعادة فحص السجل التوثيقي لانتهاكات تلك الحقبة.

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بدقة نمطا من الانتهاكات الواسعة والمنهجية التي بدلت مسار الصراع جذريا، وانحازت كليا إلى نظام الأسد ضد مطالب الانتفاضة الشعبية بالحرية والعدالة والانتقال السياسي.

الطابع الممنهج للانتهاكات

تظهر الانتهاكات الموثقة التي ارتكبتها القوات الروسية في سوريا نمطا واضحا من الاستهداف الممنهج يتجاوز حدود الأعمال القتالية المشروعة؛ إن القتل المتعمد للمدنيين، مع نسبة مرتفعة على نحو غير متناسب من النساء والأطفال ضمن 6993 وفاة موثقة، يدل على استهداف واسع لمناطق مأهولة، ويثير إشكالات جوهرية بشأن الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات في القانون الدولي الإنساني.

ويظهر التوزيع الزمني لهذه الخسائر مرحلة أولى شديدة الكثافة، إذ قتل 3564 مدنيا في السنة الأولى من تدخلها العسكري، بينهم 1029 طفلا و404 نساء، بما يعكس سياسة متعمدة لتعظيم الأثر على المدنيين خدمة لأهداف إستراتيجية.

ولا تقف المنهجية عند حدود الإصابات المباشرة، بل تمتد إلى هجوم شامل على البنية التحتية المدنية؛ فتوثيق 1262 هجوما على مرافق مدنية حيوية، بينها 224 مدرسة و217 منشأة طبية و61 سوقا، يشي بإستراتيجية مدروسة لتقويض أسس الحياة المدنية.

كما يبرز التمركز الجغرافي لهذه الهجمات، مع تصدر إدلب، تليها حلب ثم حماة، نمطا متكررا لاستهداف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ويؤكد توثيق مقتل 70 من العاملين في الرعاية الصحية، و24 من العاملين في الإعلام اتجاها متعمدا لإسكات الشهود وتعطيل الخدمات الأساسية للسكان.

كما يمثل وقوع 363 مجزرة موثقة الذروةَ الأكثر فظاعة في هذا النمط المنهجي؛ إذ تشير 172 مجزرة في السنة الأولى وحدها إلى اعتماد مبكر لهجمات عشوائية أو غير متناسبة.

وتشكل هذه المجازر انتهاكا صارخا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما حظر استهداف المدنيين ووجوب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحد من الأضرار الجانبية. كما أن استخدام أسلحة محظورة دوليا، بما فيها الذخائر العنقودية، يزيد من جسامة الانتهاكات ويعكس استخفافا مقصودا بالمعايير الدولية الراسخة.

الإطار القانوني للمساءلة

تشكل الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الروسية في سوريا خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويرقى كثير منها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وبمقتضى القانون الدولي، تترتب على هذه الانتهاكات التزامات محددة بالمساءلة لا تقف عند حدود المنفِذين المباشرين، بل تمتد إلى القادة العسكريين والسياسيين الذين خططوا، أو أمروا، أو أشرفوا على تلك الهجمات، استنادا إلى مبدأ مسؤولية القيادة.

وتدل الطبيعة المنهجية لهذه الانتهاكات، واتساع نطاقها، وتوافر مؤشرات الاستهداف المتعمد، على توافر العناصر اللازمة للمقاضاة بموجب القانون الجنائي الدولي.

وتشمل موجبات المساءلة شِقَين متلازمين: المسؤولية الجنائية الفردية، ومسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليا. ويؤسس الدور المزدوج لروسيا، بوصفها طرفا عسكريا مباشرا وداعما سياسيا، لمستويات متعددة من المسؤولية، ولا سيما من خلال استخدامها حق النقض في مجلس الأمن 18 مرة لحماية نظام الأسد من المساءلة الدولية.

إن تعطيل آليات العدالة عبر الأدوات الدبلوماسية يشكل انتهاكا إضافيا لواجب ضمان المساءلة عن الخروقات الجسيمة للقانون الدولي. ومن ثم فإن نمط الإفلات من العقاب، الذي تبقيه القوة العسكرية وتكرسه العرقلة الدبلوماسية، يقتضي إجراءات شاملة للمساءلة تطال الجناة المباشرين والممكنين النظاميين على حد سواء.

ويمثل حق الضحايا في الجبر والتعويض مبدأ أساسيا في القانون الدولي يتعين تفعيله عبر آليات ملموسة؛ ويجب توفير تعويض عادل للضحايا المدنيين عن الخسائر البشرية والمادية والمعنوية الناجمة عن الانتهاكات الروسية، على أن يتجاوز أي برنامج تعويض المدفوعات الفردية ليشمل خططا شاملة لإعادة بناء البنى التحتية الحيوية والخدمات الأساسية في المناطق المتضررة.

ولا يقتصر ترميم المدارس والمرافق الطبية والأسواق المدمرة على إعادة الإعمار المادي، بل يَفترض التزاما طويل الأمد بمعالجة الضرر البنيوي الذي لحق بالمجتمع السوري. كما يقتضي مبدأ عدم التكرار، بوصفه عنصرا جوهريا من عناصر الجبر، توفير ضمانات فعالة تحول دون تكرار انتهاكات مماثلة، بما يستلزم تغييرات جوهرية في العقيدة العسكرية والإجراءات العملياتية.

معايير تطبيع العلاقات

يتعين أن يقوم أي بحث سوري في تطبيع العلاقات مع روسيا على أساس صلب من العدالة الانتقالية يقدم حقوق الضحايا ويضمن المساءلة عن الانتهاكات السابقة. وعلى الحكومة السورية أن تنظم أي علاقة أو تعاون مستقبلي مع روسيا ضمن إطار يرتب تحمل المسؤوليات القانونية إزاء المدنيين المتضررين؛ ولا يكفي الاعتراف بالانتهاكات، بل لا بد من الانخراط الفعال في مسارات المساءلة، بما في ذلك إتاحة المعلومات اللازمة للتحقيقات والملاحقات القضائية.

ويجب أن يتضمن إطار العدالة الانتقالية عمليات مترابطة: آليات لتقصي الحقائق تنشئ سجلا شاملا للانتهاكات، وملاحقات جنائية للمسؤولين عن أخطر الجرائم، وبرامجَ جبر تعالج الأضرار الفردية والجماعية، وإصلاحات مؤسسية تحول دون تكرارها.

وتشكل أعمال التوثيق التي قامت بها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والممتدة على مدى أربعة عشر عاما، على الرغم من حملات التشهير الممنهجة والهجمات الإلكترونية الروسية التي سعت إلى تقويض مصداقيتها، ركيزة إثباتية لهذه العمليات، إذ يوفر الحفاظ على الأدلة وفق المعايير القانونية، وبناء قواعد بيانات شاملة، أساسا لا يمكن الالتفاف عليه في أي عملية سلام مشروعة.

كما يعد إرساء ضمانات فعالة تحول دون تكرار الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية ركنا أصيلا في أي ترتيب للعلاقات المستقبلية. ويستلزم ذلك ترسيخ آليات وطنية ودولية لحماية السكان المدنيين من أي تدخل عسكري خارجي أو داخلي، مقرونة بأطر تشريعية وإجرائية معززة تعالج الانتهاكات الماضية على نحو يكفل الحقوق ويعزز سيادة القانون. واعتقد أن إدماج تدابير المساءلة في العملية السياسية الأوسع لا يشكل عائقا أمام السلام، بل يمثل شرطَه المؤسِس للمصالحة المستدامة.

خاتمة

يثبت التوثيق الشامل لانتهاكات روسيا في سوريا، سجلا دامغا من الخروقات المنهجية للقانون الدولي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويكشف نطاق هذه الانتهاكات ونمطها، من قتل آلاف المدنيين إلى التدمير المنهجي للبنية التحتية الحيوية، عن سياسة متعمدة لاستهداف السكان المدنيين لتحقيق غايات عسكرية وسياسية.

ويفرض الإطار الناظم للقانون الدولي مساءلة لا لبس فيها عبر تحقيقات مستقلة، وملاحقات جنائية تفعِل مسؤولية القيادة، وبرامج جبر شاملة تعالج الضرر الفردي والجماعي على حد سواء.

وعليه، لا بد أن يمر أي مسار نحو تطبيع العلاقات مع روسيا عبر بوابة العدالة والمساءلة. ولا تكفي التصريحات الدبلوماسية؛ بل تقتضي إجراءات ملموسة: الاعتراف بالمسؤولية القانونية، والتعاون الفعال مع آليات المحاسبة، والإفصاح عن المعلومات الداعمة للتحقيقات، وتقديم تعويضات عادلة للضحايا، وتسليم المسؤولين عن الجرائم للمثول أمام القضاء المختص وفي مقدمتهم بشار الأسد.

إن التوثيق المصان على مدى سنوات من العمل المنهجي، على الرغم من محاولات القمع وتشويه السمعة، يشكل أساسا إثباتيا لهذه المسارات.

وبدون مساءلة حقيقية، سيشكل أي تطبيع طعنة للضحايا وتكريسا للإفلات من العقاب، لأن العدالة ليست عائقا أمام السلام، بل شرطه المؤسِس لضمان الاعتراف بمعاناة السوريين وتوفير ضمانات فعالة لعدم التكرار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023

الجزيرة نت

————————-

دمشق تستعد لبدء محاكمات علنية للمتهمين بارتكاب جرائم في النظام السابق/ عبد الله السعد

09 نوفمبر 2025

تستعد سورية لشقّ خطواتها الأولى في مسار تحقيق العدالة الانتقالية على صعيد البدء بمحاكمات علنية للمتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات في حق السوريين في فترة النظام السابق، استجابة للمطالب الشعبية ولتحقيق العدالة للضحايا. وبين من يرى أنها خطوات بطيئة، وآخرون يرون أنها متعثرة وغير كافية، لا يخفى على أحد أن إرهاصات تحقيق العدالة والرغبة في السير في طريقها يجمع غالبية السوريين، الذين يرون أن لا مستقبل آمن ومستقر لسورية إلّا بتحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا. ويندرج في هذا السياق الإعلان عن قرب البدء بمحاكمات علنية لبعض رموز نظام بشار الأسد، الذين جرى إلقاء القبض عليهم في ظل إجراءات علنية وشفافة حسب قانون العقوبات السوري المعمول به.

وقال رئيس مديرية الإعلام بوزارة العدل السورية، براء عبد الرحمن، لـ”العربي الجديد”: “ما زالت التحقيقات مستمرة مع كبار المسؤولين الذين اعتُقلوا”، مشيراً إلى أنه حينما “تنتهي آليات التحقيق، سيجري تحويلهم للقضاء، لتصدر بحقهم الأحكام، حسب القانون”. وكشف عبد الرحمن أنه خلال الأيام القليلة القادمة ستبدأ محاكمات علنية لبعض عناصر وفلول نظام الأسد ومرتكبي الانتهاكات عموماً من جميع الأطراف. وقال “خلال أيام قليلة سنشهد أول محاكمة علنية”. وعن طبيعة الاتهامات أضاف “هناك تهم فساد مالي واتهامات بتشكيل مليشيات مسلحة تابعة للفرقة الرابعة للنظام البائد والحرس الجمهوري”، مؤكداً وجود “اعترافات مثبتة بتأسيس مليشيات مسلحة رديفة لجيش النظام البائد ومشاركة بالقتل والاتجار بالمخدرات وتهريب السلاح لحزب الله في لبنان”. وحول ملف وسيم الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد قال: “ما زال قيد التحقيق واعترف بتشكيل مليشيات مسلحة واعترف بفساد مالي وتجارة المخدرات”.

وأكد عبد الرحمن أن “المحاكمات تجري حسب قانون العقوبات السوري نفسه، الذي ما زال سارياً مفعوله ولم يجرِ تغييره”، مؤكداً أن هذا الملف سيكون “محاطاً بشفافية تامة، تعزيزاً لسيادة القانون والعدالة، دون التوجه إلى أي شخص بعينه، أو حسب انتمائه، (الطائفي أو العرقي)، إلّا للجرم الخاص به ويجري محاسبته حسب القانون”.

من جانبه، قال أستاذ في القانون الدولي، خالد جبر، لـ”العربي الجديد”: “طبعاً آلية المحاكمات التي تجري اليوم في سورية وبحسب مراقبين قانونيين ومراقبين حقوقيين يجب أن تكون ضمن آلية تنفيذ العدالة الانتقالية”، موضحاً أن “تطبيق العدالة الانتقالية بخصوص عناصر النظام السابق من مرتكبي الجرائم، هي اليوم تستند إلى القانون السوري وببعض تفاصيلها هي أيضاً تستند إلى القانون الدولي، الذي له دور في التشريعات الوطنية أي تشريع في أي بلد كان وسورية من ضمنها، تستند أيضاً تشريعاتها إلى القانون الدولي”.

وأكد جبر أن هذه المحاكمات يجب أن تكون مرفقة بادعاءات لذوي الضحايا مباشرةً أمام تلك المحاكمات، التي باشر البعض منها العمل، مشدداً على ضرورة أن تكون علنية، “لا أن تكون محاكمات تدار في غرف مغلقة، وذلك تفادياً لأي عملية ابتعاد عن القانون أو ابتعاد عن العدالة والابتعاد عن تفاصيل أخرى، ويجب أن يكون هناك ترسيخ لمفهوم العدالة الانتقالية”.

وأضاف أنه “في سورية على مدى 50 عاماً عموماً وعلى مدى 14 عاماً خاصّة، حدث فيها أكثر من حالة تدهور حقوقي على المستوى الأمني”. وميّز بين التصنيفات العديدة للجرائم، قائلاً “هناك ارتكاب جرائم حرب، وارتكاب عمليات التهجير القسري، وارتكاب عمليات القتل بدون محاكمات، والقتل على الهوية”.

———————————-

=====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى