أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

المشاعر في السياسة: تفكير في موقع الانفعالات العاطفية ودورها في المجال العام/ بدار سالم

13-11-2025

        إذا كان ثمة وصفٌ دقيقٌ للسياسة في السنوات الأخيرة، فهو أنها أصبحت عاطفية بامتياز. التعاطف أصبح شعاراً للتعبئة، الغضبُ أداة للتجنيد، الخوفُ وسيلة للسيطرة، وصار الكره والحب يحددان سياسات ويَصوغان قوانين. لكن خلف هذا المد العاطفي المتصاعد يكمن سؤال فلسفي قديم: ما هو دور المشاعر في السياسة، وهل لها مكان مَشروع في المجال العام؟

        قد تكون حنة آرنت، إحدى أهم المفكرات السياسات في القرن العشرين، أفضل من حلل العلاقة بين السياسة والمشاعر، وقد يكون أكثر ابتكاراتها الفكرية دلالةً هو وصفها للقلب، مقرِّ العاطفة والمشاعر، بأنه مكان مظلم a place of darkness، لأن الإنسان ببساطة غير مؤهل لفهم جوهر مشاعره تماماً. هذا الظلام الذي يكتنف القلوب لا يخلق الشك تجاه الآخرين فحسب، بل تجاه الذات أيضاً، فإذا كنّا عاجزين عن فهم ومعرفة أنفسنا معرفة حقيقية، فكيف نثق بمشاعرنا؟ من هذا المنطق، ترى آرنت أن المجال العام يمنح الأشياء والأشخاص وجوداً موضوعياً، أي استقراراً وشكلاً ثابتاً يتجاوز الإدراك الذاتي ويربط الأفراد بواقع اجتماعي مبني على الأقوال والأفعال لا على الانفعالات والأفكار. فالمجال العام هو فضاء الاستقرار، بينما المشاعر بطبيعتها متقلبة، زائلة، ومفتوحة على سوء الفهم والاستخدام. عندما يُسمَح للمشاعر أن تُوجِّه الحياة السياسية، فإنها لا تُثريها بل تُهددها، فحتى الحب، رغم جماليته وطاقته الإنسانية، لا يمكن أن يُستثمر سياسياً دون أن يتشوّه، إذ أن مجرد عرضه في الساحة العامة يُفقده جوهره ويحوله إلى مجرد أداة أو استعراض.

        في كتاباتها حول الثورة وحياة العقل ترى آرنت أن العواطف تشوه السياسة، وتدعو إلى تمييز صارم بين العام والخاص، وإلى الدفاع عن خصوصية الحياة الحميمية ضد تدخل الدولة، تماماً كما يجب حماية السياسة من تسلل المصالح الفردية إليها. كانت السمة المميزة للنازية، في نظرها، هي انهيار هذا التمييز حيث أخضعت الحياة الخاصة لمنطق الدولة، وتحولت السياسة إلى أداة للعاطفة الجماعية الموجهة، ما أفضى إلى نسخة كابوسية من المجال العام. في كتاباتها التي أعقبت الإبادة الجماعية، شددت آرنت على أن استعادة هذا الفصل شرط أساسي لأي حياة سياسية حرة.

        تُميّز آرنت بين المجال الخاص، حيث تنشأ المشاعر والعلاقات الشخصية، والمجال العام أو فضاء الظهور (space of appearance) الذي من المفترض أن يكون ساحة للتعبير الحر والنقاش واتخاذ القرار، أي المكان الذي يظهر فيه الأفراد متساوين في الحقوق والمسؤوليات. داخل هذا الفضاء، لا تصلح المشاعر، مهما كانت نبيلة وإنسانية، أن تكون أساساً للفعل السياسي، لأنها محدودة المدة ومتقلبة ومن السهل أن تتحول إلى أداة للتلاعب تُفرغ السياسة من مضمونها العقلاني. ترى آرنت أن قيمة المشاعر لا تُقاس بصفائها بل بقدرتها على توليد فعل. فالتعاطف (compassion)، بمعنى الشعور بمعاناة الآخر (يُترجم أحياناً إلى رأفة أو رحمة) يُعد فضيلة لأنه لا يكتفي بالشعور بالآخر ومشاركة معاناته، بل يتضمن بعداً فعلياً واستعدداً عملياً لتخفيف هذه المعاناة، على النقيض من «التعاطف العاطفي» (empathy) الذي يظل مشاركة وجدانية لا تتجاوز حدود الشعور ولا تنتقل إلى الفعل.

        بالنسبة لآرنت، لا قيمة للمشاعر التي تبقى داخل حدود الذات، لأن السياسة بطبيعتها فعلٌ علنيٌّ يتجاوز الفرد نحو الآخرين. الشجاعة التي تصفها آرنت بـ أنها «الفضيلة السياسية بامتياز» تُمثل في رأيها ذروة هذا التحول من الشعور إلى الفعل. فهي «الفضيلة التي تدفعنا إلى مغادرة أمان الحياة الخاصة والمغامرة في المجال العام، رغم المعاناة التي تنتظرنا هناك». الشجاعة هنا ليست غياباً للخوف، بل تجاوزاً له عبر الفعل. مفهوم التضامن solidarity الذي يتولد عن التعاطف، هو مبدأ سياسي كذلك، لأنه يجسد فعلاً جماعياً يقوم على المشاركة والمسؤولية المشتركة، فالتضامن لا يُقاس بحدة الشعور أو صدق الانفعال، بل بقدر ما يُترجَم إلى فعل يتجاوز الذات نحو الآخر. وما يُميز التضامن، شأنه شأن الشجاعة، هو أنه لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير، لأن معناه يتجسّد في الفعل نفسه. وعلى الرغم من أن التضامن والشجاعة ينبعان من تجربة وجدانية، فإن قيمتهما الحقيقية لا تكمن في الشعور الذي يولّدهما، بل في حضورهما الفعلي في العالم، في قدرتهما على الظهور والعمل والتأثير.

        في المقابل، المشاعر التي لا تتحول إلى وعي نقدي وفعل ملموس، وتبقى انفعالات خاصة، تصبح خطراً على السياسة عندما تُستدعى في المجال العام كشعارات مجردة أو رموز عاطفية. حين يُرفَع التعاطف إلى مرتبة الخطاب، يفقد صدقه ويتحوّل إلى وسيلة رمزية تُوظِّفُ وتستغل القهر والألم بدل معالجة المعاناة الفعلية. حين يُختزَل التعاطف إلى مجرد إحساس من دون أن يترتب عليه أي فعل حقيقي فهو يتحول إلى شفقة pity. والشفقة، كما تقول آرنت، هي انفعال زائف يُخفي وراء إنسانيته الظاهرية نوعاً من التفوق الأخلاقي على من «نشعر بمعاناتهم» من دون أن نحاول تغيير واقعهم أو الاعتراف بندّيتهم. الشفقة، بهذا المعنى، تُفرّغ السياسة من بعدها الأخلاقي الحقيقي لأنها تُبقي الآخر في موقع الضحية، موضوعاً للرحمة لا شريكاً في الفعل.

        اليأس، المظلومية والفخر: مشاعر مفسدة

        في غياب هذا الوعي النقدي، لا يقتصر خطر «تسييس المشاعر» على تحويل التعاطف إلى شفقة، بل يمتد ليُغذي مشاعر أكثر تدميراً كالاستسلام واليأس. اليأس، على وجه الخصوص، هو من المشاعر التي تُشكل خطراً على الحياة السياسية، كونه يُفقد الإنسان القدرة على العمل، ويُحوله من فاعل اجتماعي إلى شخص متفرجٍ وساخط أو مُستسلم قابل للانقياد لأي سلطة توهمه بالانتماء والأمان، حتى لو كان هذا الأمان استبدادياً، أو عنيفاً. بهذا المعنى، يُشكل اليأس دافعاً ونتيجة لتسييس المشاعر في آن واحد: نتيجةً لخذلان سياسي واجتماعي طويل، ودافعاً للتمسك بأي رمز يوحي بالثبات. يمكن رؤية ذلك في التعلق المستمر بشخصيات سياسية توحي بالأمان رغم تورطها في القتل والقمع، وهو تمسك تغذّيه مشاعر العجز واليأس من إمكانية التغيير أو ظهور بديل أفضل. فاليأس لا يخلق الخضوع فقط، بل يُنتج نوعاً من الحنين إلى القامع، لأنه وحده يبدو قادراً على حفظ نظام مألوف وسط الفوضى والخوف من الانهيار.

        في السياق نفسه، يُعدُّ شعور الفخر pride 1من أكثر المشاعر إغراءً وخداعاً في المجال العام. فبخلاف الخوف والغضب اللذين ينشآن عادة كردِّ فعلٍ على خطر مباشر، يتجه الشعور بالفخر نحو المستقبل ويستمد طاقته من الهوية الجماعية. في بداياته، قد يُلهم الفخر شعوراً بالتضامن والانتماء، ولكن عند تسييسه، يفقد طابعه الإنساني ويتحول إلى أداة للتعبئة العاطفية تُغذي شعور الوهم بالتفوق الجماعي وتستخدم لتبرير السيطرة والإقصاء. عندما يُستدعى الفخر الجماعي – سواء كان قومياً أو عرقياً أو دينياً –  يُعاد توجيه الأفراد بعيداً عن النقاش والمساءلة ونحو ادعاءات الولاء و«الشرف»، وبدلاً من العمل على تحقيق مصالح سياسية مشتركة يتحول لغرور جَمعي مُخيف يفقد العمل العام معناه وهدفه.

        يتفاعل الفخر ايجابياً مع اليأس، فيخلق ما يمكن وصفه بــ «التحالف العاطفي بين الهزيمة والغرور»، المواطن الذي يشعر بالعجز يجد في الفخر الجماعي ملاذاً أو بديلاً عن الفعل الحقيقي، فيستبدل العمل السياسي بـ«التمثيل الهويّاتي». وهنا يجد القادة فرصة مثالية لاستغلال المزاج الجمعي وتثبيت سلطتهم وتعزيز الولاء، حيث يقدمون أنفسهم كحماة للهوية والكرامة الوطنية، ويصوّرون أي نقد أو تسوية على أنه خيانة أو خروج على الخط الوطني. وهكذا يُعمّق الفخر المُسيَّس الانقسامات القائمة، ويهدم أسس المشاركة السياسية المتساوية.

        في صورته القصوى، يتحول الفخر إلى عقيدة تبريرية، تُشرعنُ العنف باسم الشرف والتفوق. كما يوضح يوهانس لانغ وتوماس برودهولم في كتابهما المشاعر والفظائع الجماعية، يُمكن للفخر أن يُلهم الولاء والطاعة، ويُفاقم الفجوة بين الجاني والضحية، ويُرسخ خيالاً إبادياً يرى في الآخر تهديداً وجودياً يجب محوه. حينها، يُصبح الفخر غطاءٍ أخلاقياً للجريمة، ووسيلة لتحويل العنف إلى «واجب وطني». ولهذا السبب تظهر شعارات مثل No Pride in Genocide، (لا فخر بالإبادة الجماعية) في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين كإعلان رمزي ذي وزن أخلاقي وسياسي يرفض تحويل الفخر الوطني إلى تبرير للقتل.

        عادةً ما يُحاول المؤرخون وعلماء الاجتماع تجنب اختزال التاريخ إلى تحليل نفسي فردي، لهذا ظلَّ هناك تحفظ على دراسة الجوانب النفسية والعاطفية لمرتكبي المجازر الجماعية، وخاصة مشاعر الفخر والرضا التي قد يشعر بها الجناة، وذلك خوفاً من الوقوع في التسطيح أو تبرير الجريمة عبر علم النفس. لكن لانغ وبرودهولم تناولا الفخر بوصفه عاطفة مركبة تؤدي دوراً محورياً في استدامة آليات الإبادة. الفخر، كما يوضحان، يُعزِّز «افتراضاً متعجرفاً» بالتفوّق والاستحقاق الجماعي، ويُجرّد الضحايا من إنسانيتهم عبر تصويرهم كتهديد لنظام اجتماعي «أعلى». إنه الوقود النفسي للإيديولوجيات القومية المتطرفة التي ترى في العنف وسيلة لاستعادة الكرامة. كما يكتبان: «يُعتبر الفخر إحدى السمات البارزة للخيال الإبادي كونه يقوم على الافتراض المتغطرس بأن لبعض الناس الحق والقدرة على إعادة تشكيل نسيج الإنسانية نفسها». أمثلة هذا المنطق نجدها في الهولوكوست والإبادة الجماعية في رواندا ومذابح الأرمن وغيرها من الفظائع الجماعية، التي سُوَّغت خطاب التفوق والشرف القومي، وحولت الفخر بالهوية إلى مبرر للقتل.

        الشعور بالاضطهاد أو المظلومية self-victimization يشتغلان كعامل مُكمل في تحضير الأرضية النفسية والسياسية للعنف. يذكر جورج باور في أطروحته حول تأطير الإبادة الجماعية كـ انتقام ودفاع عن النفس، إلى أن الجماعات التي ترى نفسها ضحية وتُضخّم هذا التمثيل الذاتي، تميل إلى تبرير أفعالها العدوانية تحت شعارات مثل «الدفاع عن النفس» أو «الانتقام العادل». ويُجادل باور في أن الشعور بالأنانية، بمعنى رؤية الجماعة الداخلية لنفسها بشكل مبالغ فيه، هو أمر مشترك لدى العديد من مرتكبي الإبادة الجماعية. التصوّرُ المُبالغ فيه للذات يُعزز من شعور الاستحقاق، ولكنه أيضاً يُعمِّقُ إحساس الإذلال ما يولد رغبة عارمة في تصحيح هذا الإذلال عبر فعل عنيف.

        من منظور نفسي واجتماعي، يعمل هذا الإطار على تحييد الحاجز الأخلاقي الفطري الذي يردع الإنسان من إلحاق الأذى بالآخرين. حين يتم تسليح هذه المشاعر إيديولوجياً تُعيد الجماعات أو الجناة ترسيم حدود الأخلاق بحيث يُستبعَدُ الضحايا من دائرتها، وتُسوغ إسقاط الحقوق عنها ويُصبح استخدام العنف والقتل مباحاً بحقهم. ثم تُبنى على ذلك سردية مُبسطة وخطيرة: «نحن الطيبون المنتقمون من عذابات الماضي»، سردية تجعل من العنف خياراً مشروعاً وتحول الشعور الجماعي «بالرغبة بالانتقام» إلى تنظيم وعمل منظّم. في أشد صورها تطرفاً، قد تُختزَل هذه الفكرة إلى معادلة وجودية مُرعبة مفادها أن إبادة الآخر أو المجموعة الخارجية هي الوسيلة الوحيدة لضمان بقاء «الداخل» وتتحول الأخلاق إلى أداة لتبرير العنف بدلاً من أن تظل حاجزاً ضده.

        هناك أمثلة تاريخية عديدة توضح هذه الديناميكية النفسية والسياسية: الخمير الحمر في كمبوديا سعوا إلى إنشاء مجتمع جديد «يوتوبيا» يقوم على إلغاء المال والملكية الخاصة والدين، وعزّزوا ذاكرة جماعية لماضٍ من الإذلال والقمع، ولكن أيضاً للعظمة التي وُعِدوا باستعادتها. هذا المزج بين جرح الكرامة والوعد بالخلاص جعل العنف ضد كل من يُعارض «الرؤية العظيمة» مبرَّراً بل وضرورياً. هناك أمثلة كثيرة أخرى من التاريخ كما من الحاضر، حيث تتكرّر هذه الآلية وإن بصور مختلفة، في سوريا، مجازر الساحل والسويداء تم استدعاء «سرديات المظلومية» لتبرير العنف والقتل بوصفه تحقيقاً للعدالة لا جريمة كاملة. يؤكد باور أن استغلال ورقة الضحية هو من أخطر الأدوات التي تُسهِّلُ الإبادة الجماعية والقتل الجماعي، قد تتباين أشكالها ومظاهرها عبر الزمان والمكان والثقافة، لكن جوهرها واحد: الشحن النفسي والطائفي والديني قادرٌ على تحويل بشر عاديين إلى وحوش ومرتكبي فظائع، إذا ما تم احتواؤهم داخل خطاب يبرر العنف ويشجعه.

        بين ضبط التعبير العاطفي وقمعه

        المشاعر حين تُستدعى جماعياً وسياسياً وتُفصَل عن الفعل الواعي والمسؤول، تتحوّل إلى قوة تدميرية، وهنا تكتسب ملاحظات حنّة آرنت حول العلاقة بين العاطفة والفعل معناها الأعمق. نحن عادةً ما نفهم المشاعر لا كشعور داخلي فحسب، بل كعمل يتضمن فعلاً مُصاحباً. قد نتحدث أحياناً عن الحب كشعور نقي وخفي، ولكن في أغلب الأحيان، نتحدث عن هذا الشعور في سياق الأفعال التي نُظهِر بها حبنا. هذه الأفعال قد تكون جزءاً لا يتجزأ من مفهومنا عن الحب، تماماً كالشعور نفسه. فالحب الذي يدوم طويلاً دون أي تعبير أو فعل يبدو أقرب إلى الهوس. لذا، من الصعب محاولة فصل المشاعر تماماً عن الأفعال المصاحبة. مع ذلك، تُشير إلى أن التعبير عن المشاعر لا يثبت بالضرورة ما يشعر به الإنسان حقاً في داخله، فبينما قد ترتبط بعض الأفعال بمشاعر معينة، إلا أنه يمكن القيام بنفس الفعل في غياب تلك المشاعر، مثلاً قد يُلقي مسؤول سياسي خطاباً عاطفياً لضحايا حرب أو كارثة طبيعية دون أى شعور حقيقي بالمعاناة، أو قد يُشارك شخص في الحزن والتعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي دون أي تعاطف حقيقي. قد يكون الفعل حاضراً، لكن القلب غير متورط. وإن كان هناك أمر واحد تخشاه آرنت أكثر من تدخّل العواطف في السياسة فهو سياسة خالية تماماً من الشعور، حيث يغيب التأثر الإنساني ويختفي البُعد الأخلاقي من أي فعل جماعي.

        العلاقة بين العقل والمشاعر تكاملية، برأي آرنت نفسها، وهي بالتالي تختلف مع فلسفة جان جاك روسو، الذي دعا الناس إلى البحث في قلوبهم لإيجاد أسس مجتمع عادل، ومع هوبز، الذي رأى أن المنطق، بمعنى «مراعاة العواقب»، هو أعلى وأرقى قدرة بشرية. ترى آرنت أنه «للاستجابة بشكل معقول، يجب أولاً أن يكون الإنسان متأثراً عاطفياً، وليس العكس». بالتالي، لا يمكن محو المشاعر من الحياة الإنسانية، ولا ينبغي ذلك. لكنها يجب أن تظل في المقام الأول ضمن العلاقات الشخصية والأسرية، حيث تكون صادقة وطبيعية. وحتى في السياسة، يجب أن تظل المشاعر ضمن إطارها الأساسي، وليس بديلاً عن السياسة العملية، فحتى الأمل عندما يُستخدَم سياسياً، قد يتحول إلى إيديولوجية جامدة، تُعمي الناس عن محاولة إصلاح الواقع.

        يتفق هذا الطرح مع من يرى أن قمع المشاعر في المجال العام تماماً قد يكون في حد ذاته مدمراً. المجتمعات الحديثة، التي تسعى إلى ضبط التعبير العاطفي والحد منه، قد تخلق دون قصد ظروفاً للعنف بين الأفراد وبين الجماعات. تستشهد هذه النظرة بالمجتمعات التقليدية، حيث كان يتم الاعتراف بالمشاعر علناً، وتُدمَج في الطقوس والتقاليد، وتُصبح جزءاً من المعايير الاجتماعية. قمعُ المشاعر بشكله الأكثر تشدداً قد يؤدي إلى ردات فعل عنيفة على السياسة والمجتمع. الإذلال أو التقليل من فئة معينة يُمكن أن يحرّض العنف والرغبة بالانتقام، وقد تنشأ الصراعات الجماعية، بما في ذلك الإرهاب، عندما تتبنى جماعات بأكملها مشاعر الإذلال دون وجود آليات للتعبير أو التصحيح. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن محاولة فهم العنف ومنعه من خلال منظور سياسي أو اقتصادي فقط غير كافٍ، وبالتالي يرى البعض أنه يجب مراعاة الجانب العاطفي للأفراد والجماعات دون السماح لهذه المشاعر بالهيمنة على صنع القرار.

        من المهم كذلك التمييز بين المشاعر الفردية التي تنبع من التجربة الذاتية، والمشاعر المفروضة التي تُنتَجُ وتُدار سياسياً، فحين يُفرَض على ملايين الأشخاص أن يشعروا جميعاً بإحساس واحد (كأن يُقال إن المجتمع بأكمله يعيش شعوراً عاماً بالظلم أو الاضطهاد) فإن هذا لا يعكس بالضرورة مشاعر الأفراد الحقيقية، بل يُشير إلى خطاب سياسي مُوجَّه يسعى لتوحيد الانفعالات الجماعية لخدمة أهداف محددة.

        كذلك، فإن الدعوات لضبط المشاعر أو تنظيمها في المجال العام ليست محايدة، وعادة ما تأتي من موقع سياسي يسعى إلى التحكم في من يُسمَح له بالتعبير ومن يُطلَب منه الصمت. فمثلاً، القادة أو الأحزاب قد يحثون على غضب جماعي أو شعور بالانتقام تجاه فئة أخرى، مستغلين إحساساً متأصِّلًا بالظلم، بينما يقمعون في الوقت نفسه مشاعر أخرى (كالرحمة والتسامح) إذا ما عارضت خططهم أو هددت سرديتهم. ولا يقتصر الأمر على التعبير المبالغ فيه، بل يمتد إلى غياب التعبير تماماً: التبلد العاطفي تجاه تغير المناخ، أو البرودة الطبقية bourgeois coldness إزاء غرق آلاف اللاجئين في البحر المتوسط، يحملان دلالة سياسية كذلك.

        بعيداً عن النظرية، وبالنظر للواقع، يمكن اعتبار أن المجتمعات تعيش في وفرة من المشاعر، مع واقع أن الخطاب السياسي ووسائل التواصل الاجتماعي يركزان على استثارتها وتضخيمها. حتى الأنظمة الديمقراطية ليست بمنأى عن هذا، حيث يُروج المرشحون لأنفسهم الآن بقدرتهم على استثارة مشاعر الانتماء أو الخوف أو الأمل، أكثر من طرح سياسات واقعية. يتكامل ذلك مع عودة جماعية إلى الداخل، إلى الدوائر الأضيق، إلى التعاطف مع من يشبهك من قوميتك أو دينك أو طائفتك، فمع تراجع دور الدين والطبقة الاجتماعية كروابط سياسية فاعلة (اللذين كانا في السابق عوامل رئيسية للمشاركة السياسية)، برزت الهوية الوطنية والعرقية كمصدر وحيد تقريباً للانتماء.

        لكن هيمنة العاطفة على السياسة ليست مجرد أثرٍ جانبي للخطاب الإعلامي، بل هو نتاج سياسي بحد ذاته. هناك شعور واسع بالعجز أمام المؤسسات السياسية وفقدانٌ للثقة بإمكانية التغيير، بما يجعل عدداً كبيراً من المواطنين يتخلون عن المشاركة السياسية والاجتماعية والفعل المنظّم، ويقتصر دورهم على التعبير العاطفي. يَظهرُ هذا في انتشار ما يُعرَف بـ السياسة التعبيرية Expressive politics، مثل مشاركة مشاعر الغضب على الإنترنت أو الانضمام إلى موجات الاحتجاج المؤقتة التي نادراً ما تتطور إلى منظمات أو حركات فعّالة. قد يكون الرضا العاطفي فورياً، لكن التغيير الجوهري ضئيل. وفي غياب الفعل المؤثر، قد تملأ الفراغَ في كثير من الأحيان أحزابٌ شعبوية أو جماعاتٌ مسلحة، تَعِدُ بالتغيير السريع وتستغل اليأس والخوف.

        السياسة الحقيقية ليست نقيضَ العاطفة، بل هي القدرة على تنظيمها وتوجيهها نحو الفعل المسؤول. المشاعر، سواء كانت تعاطفاً أم غضباً أم فخراً، يمكن أن تكون وقوداً للتغيير ودافعاً للعدالة، لكنها تتحول إلى خطر حين تُستَغَلُّ للتلاعب أو لفرض السيطرة على العقل والمنطق، كما يقول فريدريش شيلينغ: «المشاعر تكون رائعة عندما تبقى كامنة في أعماق النفس، أمّا حين تظهر إلى السطح لتُسيطر على الإنسان وتحدد مساره، فلا هي رائعة ولا قيمة لها».

 1. تَرجمتُ pride إلى «فخر» لأن بدائلها مثل «زهو» أو «كبرياء» أو «غرور» لا تعبّر تمامًا عن المقصود هنا، فالأولى تُحيل إلى اعتزاز مشروع بالكرامة، والثانية إلى شعور بالتعالي، بينما «الفخر» يحمل هذا التوتر المزدوج بين الاعتزاز والعمى، بين الانتماء والتفوق، وهو ما يجعله الأقرب إلى المعنى السياسي المقصود.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى