منوعات

المعهد العالي للموسيقى… مرآة التيه الثقافي السوري/ أنس مراد

11 نوفمبر 2025

بعدما يقارب شهراً من الانتظار، جرى الإعلان عن نتائج مسابقة القبول في المعهد العالي للموسيقى بدمشق، ويحمل هذا التأخير مؤشراً نقدياً يطفو على سطح الاضطرابات العميقة التي تعتري المشهد السوري برمّته، ففي مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، يمكن النظر إلى المعهد مرآة تعكس الواقع السوري بالغ التعقيد.

استمر المعهد العالي للموسيقى في دمشق منذ تأسيسه بتخريج كوادر أثبتت جدارتها على المستويين، العربي والعالمي. واستطاعت هذه المؤسّسة الصمود خلال الـ15 عاماً الأصعب التي مرّت على السوريين، بفضل طلابه الذين رفضوا التخلي عن الدراسة فيه، بالرغم من تضييق إدارة المعهد، واليأس من أي بارقة تغيير لواقع فيه الفرص مقتصرة على مجموعة أشخاص لا يتبدلون، وهذا النضال من أجل دراسة الموسيقى يشفّ عن عمق الشخصية الثقافية الحقيقية في المجتمع السوري.

شهد مستوى المعهد تراجعاً ملموساً خلال سنوات الحرب، وهو ما يمكن إرجاعه إلى عوامل هيكلية متداخلة: أولها، الرحيل المفصلي للكوادر الأجنبية، الروسية والأذربيجانية وغيرهما، الذين كانوا يدرّسون المواد النظرية والعملية الأساسية، بسبب الحرب،  خصوصاً وأن المعهد يتبنّى نهجاً كلاسيكياً أوروبياً مطعّماً بالآلات الشرقية. وثانيها، هجرة موسيقيين سوريين عديدين، خرّيجي المعهد والمدرّسين والفاعلين فيه، بالإضافة إلى الطلاب، لأسباب أمنية مرتبطة بالمشاركة في مظاهرات الأشهر الأولى من الثورة، ثم بملاحقة المتخلّفين عن الخدمة العسكرية، في ظل صرامة إدارية متملقة من كادر المعهد الذي لم يتغاضَ عن تأثير تحديات الحرب وانتشار حواجز التفييش والتفتيش على الطلاب. وثالثها، الانعزال المؤسّساتي عن العالم، وتوقّف ورشات العمل والبعثات المتبادلة. أمّا العامل الأكثر إثارة للجدل، فيتمثل في استخدام المعهد وفرقه أداة بيد السلطة، بمباركة ودعم من قادة الأوركسترا والمديرين المستمرّين في عملهم لليوم، والمعروفين بارتباطاتهم الأمنية والتنازع على المناصب الإدارية، حيث كانت تلك المناصب تُحسم بالاستناد إلى مدى الوصول وعمق الارتباط بالسلطة، وليس بالضرورة الكفاءة المهنية البحتة. وأخيراً، التأثير المباشر لوزير الثقافة ورؤية الوزارة للمشاريع الثقافية في فترة توليه.

يُلاحظ هذه السنة غياب الطلاب (الدارسين، والمتقدمين) المنحدرين من محافظة السويداء، وهي فئة كانت تشكّل تقليدياً نسبة مؤثرة تصل إلى 70% من إجمالي عدد طلاب المعهد العالي، ما يضفي بعداً إشكالياً متعدّد الأوجه، فإنّ غياب هذه النسبة من كوادر المؤسسة هو تجلٍّ لواقع التهجير القسري أو الطوعي الذي طاول المجتمع السوري أو بعض أطيافه، وهذا يضع الحاضرين في موقع نقدي يتساءل حول “امتياز” الاستقرار النسبي الذي يتمتّعون به، في مقابل تجاهل مصير أولئك الذين اضطروا لترك كل شيء خلفهم. هذا التجاهل يُعدّ إشكالية أخلاقية ومعرفية، فكيف يمكن للمرء أن يكون مسؤولاً عن السعي وراء ذاكرة ثقافية تمتد لمئات الأعوام، فيما يتمكن من التغاضي عن ذاكرة حيّة لم يمر عليها سوى بضعة أشهر؟

بدأت الهوية الثقافية الوطنية السورية تتوضح وتتجسد مستقلّة عن الثقافة العربية الإسلامية بعد انهيار السلطنة العثمانية، حيث تفردت بإبراز الشخصية الثقافية السورية بمعناها الجغرافي والوطني، مع بقائها امتداداً للثقافة العربية ببعدها القومي والإسلامي. كان الدور الثقافي السوري يتمتّع بطابع تأثيري قوي في الوسط العربي، في وقت كانت فيه الكثير من الدول العربية لا تزال ترزح تحت الاحتلال. لم يطل الزمن حتى جاء حكم البعث، وجرت عسكرة النظام، وتهميش النخب الثقافية المؤثرة، واستبدالها بأخرى موالية. بعد سقوط نظام الأسد والبعث، كان المتوقع والمأمول هو البحث عما تبقى من الدور الريادي لسورية في المجال الثقافي، والعمل على الاستشفاء العادل من عقلية “البعث”، والوطنية المعلبة، والإدراك الحذر لضرورة الابتعاد عن رد الفعل المضاد والانفعال والشمولية، سيما أن سورية تقوم على طبقاتٍ من التنوّع الثقافي على مدى عمر الوعي البشري. هنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يمكن التغنّي بأول أبجدية في التاريخ، في بلد تنخره الأميّة؟  وكيف التباهي بأقدم الرقم الموسيقية في بلد يتجاهل أعلى مؤسسة فيه لتدريس الموسيقى؟

الكادر الحالي للمعهد هو بمثابة تركة صلحي الوادي، المؤسس والعميد وقائد الأوركسترا، الذي يُذكر عنه تفانيه في العمل الموسيقي على المستوى الأكاديمي، لكنه على المستويين، السلطوي والإداري، كان منغمساً بالعلاقات مع النظام السابق، وهذا ما أورثه للقائمين على المعهد اليوم، ممن لم يدّخروا أي مجهود للحفاظ على منصبهم، إذ لا يمكن النظر إلى احتكار المناصب في هذه المؤسسة الثقافية سوى أنه “خطف” لها و”تحنيط” لعقليتها الإدارية، حيث لا تزال الأساليب التسلطية المتوارثة عن عقلية النظام الساقط تُمارس من الأساتذة، ما أدّى إلى استبعاد مئات الكفاءات التي تخرّجت من المؤسّسة منذ تأسيسها عن ساحة التأثير، وتحجيم من بقي منهم، ومنعهم من تقديم آرائهم وخبراتهم العلمية والإدارية لتطوير المؤسّسة.

يتّسم التساؤل بشأن مصير المؤسّسة بقدر كبير من القلق في ظل الغموض الحكومي والتخبط الواضح في نهج وزارة الثقافة، وتعاطي السلطة الحالية الضبابي مع التعليم الثقافي الفني برمته، وتذهب المخاوف المتداولة إلى أن طرح ضرورة التغيير في كوادر المعهد العالي للموسيقى، ودار الأوبرا، قد تصل إلى احتمالية إغلاق هذه المؤسّسات أو إهمالها، فيقول أحدهم: “فليبق الفاسدون خير من أن يغلق المعهد برمته، أو أن يتولّاه من هم أسوأ من الكادر الحالي”، سيما وأن هذه المخاوف تجلت سابقاً سواء في الإداريين الذين عينتهم الوزارة بالرغم من اعتراض الطلبة عليهم.

إقحام الثقافة السورية المتنوعة في بُعد إسلامي، بعد مائة عام من التفرّد، ما هو إلا “ليّ عنق” لأي مشروع تنمية ثقافي، بعد عقود من سُوء توظيف النتاجات الثقافية الضخمة وإهمال المؤسسات المندمجة مع المجتمع. ويظهر أخيراً تجاهل الحكومة الحالية انتشال ملف الثقافة من عقلية التوازنات السياسية للنظام القديم، والنظر إليها فقط من منظور ربحي دعائي (كما في الدراما)، كما أن اختيار عدم القيام بأي خطوة تجاه تقييم وضع القائمين على دار الأوبرا والمعهد العالي للموسيقى على أسس أخلاقية ومهنية وليست طائفية، يبقي هذه المؤسسة تحت حكم النظام الساقط. 

إهمال هذا الملف إنكار لدور الثقافة خط دفاع أخير ضد التفكك الاجتماعي والسياسي.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى