تطور الاقتصاد السوري تحديث 08 تشرين الثاني – 14 تشرين الثاني 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
—————————————-
تحديث 14 تشرين الثاني 2025
——————————-
جهود سورية لفك عقدة قانون قيصر في واشنطن/ محمد أمين
14 نوفمبر 2025
تواصل منظمات وجماعات ضغط سورية في الولايات المتحدة جهودها من أجل فك عقدة قانون قيصر، الذي يتضمن عقوبات أميركية صارمة ويلقي تأثيرها بظلاله على المشهد السوري برمته، لا سيما أنه من دون إلغاء غير مشروط للقانون لن يُفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار في سورية.
وكان التعويل أن يفضي اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي براين ماست، الذي يملك سلطة عرقلة أي جهود لتفكيك هذا القانون، على هامش زيارة الأول إلى واشنطن إلى حلحلة العقد تحديداً لجهة إلغاء هذا القانون بشكل نهائي والتخلي عن فكرة ربط الخطوة بأي شروط، أو على الأقل تحديد جلسة للقيام بهذه الخطوة، لكن لم تظهر أي مؤشرات في هذا الاتجاه بعد. وهو ما كان أشار إليه مدير الشؤون السياسية في منظمة المجلس السوري الأميركي (غير حكومي) محمد علاء غانم الذي أكد يوم الثلاثاء الماضي أنه “للأسف حتّى الساعة لم يغيّر النائب برايان ماست موقفهُ المعارض لإلغاء قانون قيصر إلغاءً غير مشروط. على الضغط أن يستمرّ”. مع العلم أن ماست أصدر بياناً عقب لقاء الشرع يوم الاثنين الماضي قال فيه “تقاسمت مساء الأمس الطعام مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وأجرينا حديثاً طويلاً وجاداً حيال كيفية بناء مستقبل للشعب السوري خالٍ من الحروب ومن التطرف ومن داعش. هو وأنا جنديان سابقان وعدوان سابقان. وقد سألته صراحةً: لماذا لم نعد عدوين وكان ردّهُ أنه يرغب في الانعتاق من الماضي وفي السعي النبيل لأجل شعبه وبلده، وفي أن يكون حليفاً رائعاً للولايات المتحدة الأميركية. اليوم سيلتقي بالرئيس ترامب وسينضمّ رسمياً إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش”.
برّاك يدعو لإلغاء قانون قيصر
وفي إشارة إلى استمرار الحراك حتى من داخل الإدارة الأميركية للدفع نحو إلغاء القانون، قال المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك، الذي حضر لقاءات الشرع في واشنطن بما في ذلك اللقاء الموسع مع الجالية السورية، في تدوينة مطولة نشرها أمس الخميس عبر منصة إكس، تناول فيها زيارة الشرع إلى واشنطن وما تخللها، إن “الخطوة التالية على طريق إعطاء سورية “فرصة حقيقية” هي الإلغاء الكامل لقانون قيصر. وإنّنا ندعو الكونغرس ونحثه على اتخاذ هذه الخطوة التاريخية. لقد قطعنا شوطاً كبيراً، لكننا بحاجة الآن لدفعة قوية أخيرة لتمكين الحكومة السورية الجديدة من إعادة تدوير عجلتها الاقتصاديّة ومنح الشعب السوري وجيرانه في المنطقة القدرة ليس على البقاء على قيد الحياة فحسب، بل والازدهار أيضاً”.
كما أعلن مدير الشؤون السياسية في منظمة المجلس السوري الأميركي، ليل الأربعاء الخميس، أن فريد المذهان والمعروف بـ “قيصر”، وهو المصور الذي سرّب آلاف الصور لقتلى سوريين في سجون النظام البائد وبسببها فُرض القانون، “سيعودُ لواشنطن الأسبوع المقبل للإدلاءِ بشهادته أمام الكونغرس الأميركي وليناشدَ أحرار أميركا إنسانيّاً وأخلاقياً للوقوف مُجدداً مع الشعب السوري، مُطالباً بإلغاء قانون قيصر بعد أن زال السبب بزوال آلة القتل والتدمير الأسدية”. وأمِل غانم “أن يساعدَ وجود السيد المذهان (قيصر) في واشنطن على تحقيق هدفنا المتمثّل في إلغاء القانون”، وفق ما جاء في منشور له على “فيسبوك”، قال فيه إن “عُقدةُ إلغاء قانون قيصر ما زالت بحاجة للفكّ فنحنُ مضطرّونَ للاستمرار في العمل”.
وفي السياق، قالت المنظمة السورية للطوارئ (SETF) (غير حكومية) إن جلسة استماع وصفتها بـ “بالغة الأهمية”، ستعقد في العشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الحالي في الكونغرس الأميركي حول إلغاء قانون “قيصر”، سيشارك فيها كبير حاخامات الجالية اليهودية السورية، الحاخام يوسف حمرا، في أول شهادة له أمام الكونغرس، إلى جانب فريد المذهان، والناشطة السورية الأميركية ميرنا برق. ولا تزال المنظمات السورية تضغط من أجل إقناع مشرعين أميركيين يرفضون حتى اللحظة إلغاء هذا القانون وأبرزهم ماست.
ومددت وزارتا الخزانة والتجارة الأميركيتان الاثنين الماضي، تعليق تطبيق عقوبات قانون قيصر جزئياً لمدة 180 يوماً. وكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في منشور على “إكس”، أن قرار تعليق العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر يندرج ضمن رؤية إدارة ترامب لتعزيز “الاستقرار والسلام في المنطقة”، ولدعم مساعي الحكومة السورية لإعادة تنشيط اقتصاد البلاد بعد سنوات من الحرب.
ومن دون إلغاء هذا القانون الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2020 وفرض على النظام السابق بسبب ارتكابه فظائع بحق السوريين أثبتتها صور المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب في السجون، لن تُفتح الأبواب أمام الاستثمارات ولن تبدأ عمليات إعمار البلاد التي تعاني من أزمات اقتصادية لها الدور البارز في عدم الاستقرار الأمني والذي هدد أكثر من مرة السلم الأهلي في الصميم. وبموجب القانون فإنّ الولايات المتحدة ملزمة بفرض عقوبات أيضاً على أي جهة أجنبية تتعاون مع الحكومة السورية في القطاعات الخاضعة للعقوبات، وهي القطاعات الحيوية في الحياة السورية، ما يعني تكبيل قدرة الحكومة السورية على النهوض بالاقتصاد وإعادة البناء.
أهمية إلغاء قانون قيصر
ويعوّل السوريون على جهود المنظمات السورية في الولايات المتحدة من أجل إلغاء هذا القانون وحل هذا الملف الشائك، فـ “إلغاء قانون قيصر خطوة إضافية على طريق تحرير الدولة السورية من قيود الدولة المارقة التي تم وصمها بها بسبب سياسات نظام المجرم الهارب ووالده من قبله”، وفق القانوني والسياسي محمد صبرا. وقال صبرا لـ”العربي الجديد” إن التخلص من هذا القانون يعيد الاعتبار لسورية دولة طبيعية فاعلة في شبكة العلاقات الدولية في العالم. وأشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب “ألغت سلسلة من العقوبات السياسية والديبلوماسية التي فرضت على سورية بموجب قانون الطوارئ الأميركية منذ عام 1979، وما تلاها من نظام عقوبات متكررة على المستويين السياسي والديبلوماسي”. وبرأيه فإن قانون قيصر هو المستوى الأخير في هذه العقوبات وإلغاؤه سيمكّن سورية من استعادة موقعها الدولي والتخلص من عبء المرحلة السابقة بكل آثارها السلبية على المواطن السوري أولا وعلى الدولة باعتبارها شخصا من أشخاص القانون العام الدولي. وبيّن أن إلغاء القانون المذكور “سيتيح للقيادة السورية في المرحلة الانتقالية القدرة على التحرك في المسرح الدولي بحرية أكثر ووفق قاعدة حماية المصالح السورية الخارجية، وسيتيح لها نسج شبكة جديدة من العلاقات والتحالفات التي تسهم في تثبيت الاستقرار الداخلي الأمني والسياسي والاقتصادي”.
من جهته، أوضح الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء قانون قيصر بشكل نهائي “سيكون خطوة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية عميقة بالنسبة لسورية”، مضيفاً أن “هذا القانون مثّل الإطار الأوسع للعقوبات الأميركية على النظام البائد وكل من يتعامل معه اقتصادياً، بما في ذلك الشركات والأفراد من دول أخرى. بالتالي، فإن رفعه نهائياً سيغيّر بيئة التعامل الاقتصادي مع سورية بصورة رئيسية”. وفصّل بالقول إنه من الناحية الاقتصادية، إلغاء القانون يعني انفراجا جزئيا في بيئة الاستثمار: الشركات الإقليمية – ولا سيما من لبنان، الأردن، العراق والإمارات – والدولية ستجد مساحة أوسع للدخول إلى السوق السورية من دون الخوف من العقوبات الثانوية الأميركية. وأوضح أن الإلغاء يعني أيضاً تحسنا محتملا في حركة التجارة والطاقة: قد تستأنف مشاريع مثل خط الغاز العربي، ويحفز دخول شركات الطاقة ما يخفف الضغط على الاقتصاد السوري ويزيد موارد الدولة من العملات الأجنبية. وأشار إلى أن تفكيك القانون المذكور يعني “تراجع حدة العزلة المالية: المصارف وشركات التحويل ستعيد النظر في سياساتها المتشددة تجاه التعاملات السورية، ما يسهل التحويلات الخارجية ويعزز النشاط التجاري”. وأوضح أن إلغاء القانون يدفع باتجاه “تحفيز إعادة الإعمار”، مضيفاً أن غياب الردع القانوني الأميركي سيفتح الباب أمام استثمارات واسعة في البنية التحتية والإسكان، خاصة من دول تربطها بسورية مصالح مباشرة مثل السعودية وتركيا. وبرأيه فإن تطور القطاعات الاقتصادية سينعكس على جميع القطاعات الصناعية.
العربي الجديد
—————————
رفع تعرفة الكهرباء في سوريا… خطوة متسرعة أو وثبة نحو الضوء؟/ أنيس المهنا
الجمعة 14 نوفمبر 2025
لم يكن الضوء والعتمة عند غابرييل غارسيا ماركيز، قوّتَين متعارضتين، بل كانا وجهَين لحقيقة واحدة تتصف بالكثير من التعقيد. رؤية ماركيز هذه تستحضر الواقع السوري بكل فصوله المأساوية التي كما يبدو لم تنتهِ بعد، حيث تدفع العتمة السوريين إلى حافة الهاوية، فيما أصبح الضوء ترفاً لا تقدر عليه سوى القلة والميسورين. في أحياء جرمانا والمدن السورية كلها، يمشي المواطنون حاملين همّ فاتورة الكهرباء التي تهدد بابتلاع رواتبهم بالكامل، بعد قرار جاء صادماً في مشهد يلخص تراجيديا الصراع اليومي بين البقاء والانهيار.
ففي خطوة وُصفت بأنها إما “جريئة” أو “حمقاء”، أعلنت الحكومة السورية المؤقتة، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رفع تعرفة الكهرباء المنزلية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعي من 135-260 ليرة سورية (أقلّ من سنت أمريكي) إلى 600 ليرة (سنتات أمريكية) للشريحة الأولى، و1،400 ليرة (أقل من دولار واحد) للاستهلاك تحت 300 كيلوواط في الدورة التي تمتدّ لشهرين. هذا القرار يأتي في ظل اقتصاد منهك ووضع معيشي بالغ الصعوبة، يضع حكومة الرئيس أحمد الشرع، أمام اختبار حقيقي ربما يكون مفصلياً لمستقبلها، خاصةً أنه يُعدّ أول قرار اقتصادي أساسي بدأ يواجه سخطاً شعبياً متصاعداً منذ لحظة صدوره.
واقع الكهرباء المرّ
بحسبة بسيطة، يأتي قرار رفع أسعار الكهرباء ليشكل ضربةً قاصمةً للقدرة الشرائية للمواطن السوري المتآكلة أصلاً، لأنّ أسرةً متوسطةً تستهلك 400 كيلوواط ساعي في الدورة (شهرين)، ستدفع الآن أكثر من 320،000 ليرة سورية (نحو 29 دولاراً أمريكياً). وإذا افترضنا أن متوسط الدخل الشهري للموظف العام يبلغ نحو 850،000 ليرة سورية (77 دولاراً أمريكياً تقريباً)، فإنّ كلفة الكهرباء وحدها ستستهلك نحو 37% من دخله الشهري. هذه النسبة تفوق بكثير ما يُنفق عادةً على الغذاء أو النقل في الاقتصادات المتوسطة، وتترك هامشاً ضئيلاً لتغطية الاحتياجات الأساسية الأخرى.
القرار الجديد هذا يأتي بينما تعيش سوريا اليوم واحدةً من أسوأ أزماتها الاقتصادية في تاريخها، حيث يشير تقرير جديد للبنك الدولي إلى أنّ إجمالي الناتج المحلي انكمش بأكثر من 50% بشكل تراكمي، كما خسر الفرد من حصته من إجمالي الدخل القومي في عام 2024، ليصل إلى 830 دولاراً فقط، وهو أقلّ بكثير من الحد العالمي للبلدان منخفضة الدخل. الأمر الأكثر قتامةً، أنّ 67% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
مبررات الحكومة ومسوّغاتها
ليس بعيداً عن مصطلحات وزارة الكهرباء في عهد الأسد، برّرت وزارة الطاقة في الحكومة المؤقتة القرار بعبارات مستعارة من مصطلحات صندوق النقد الدولي، مثل “تصحيح التشوّهات السعرية”، “تحقيق العدالة في توزيع الدعم”، و”تأمين استمرارية الخدمة”. وتشير هذه المبررات إلى أنّ خسائر قطاع الكهرباء بلغت نحو مليار دولار سنوياً، نتيجة بيع الكهرباء بأقل من تكلفتها. وعدّد مسؤولون حكوميون ميزات متوقعةً تشمل تحسين كفاءة القطاع وتعزيز استدامته، بجانب تخفيض الفاقد الفني والتجاري.
وأضاف المسؤولون السوريون أنّ هذا الإجراء يهدف إلى جذب الاستثمارات في قطاع الطاقة، ويساهم في تحسين خدمة التغذية الكهربائية وزيادة ساعات التشغيل. هذه المبررات تأتي في وقت تواجه فيه الحكومة الانتقالية تحديات جساماً في إثبات قدرتها على إدارة الملف الاقتصادي، وفي ظلّ وجود مؤشرات متسارعة على دعم دولي متزايد لسوريا كما ظهر في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي رحّب أمس الأول بشكل واضح وكبير بالرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، ورأى أنّه يعمل بشكل جيد وأن سوريا قوة عظيمة لا يستهان بها.
حاول رصيف22 دون طائل التواصل مع المكتب الصحافي في وزارة الطاقة للحصول على بعض المعلومات الدقيقة عن رفع تعرفة الكهرباء في سوريا، وتوضيح أسباب هذه الزيادة عبر كشف حسابي شفاف يظهر التكلفة الحقيقية للكهرباء، وحجم الخسائر والهدر، ومقدار الدعم قبل القرار وبعده، وللسؤال عن سبب تحميل المواطن السوري العبء كاملاً قبل معالجة أسباب الهدر الهيكلية والفساد، وعن جدوى رفع السعر دون خطة إصلاح ملموسة وجدول زمني لتحسين الخدمة ومحاربة الفساد وتهريب الوقود، بالإضافة إلى الاستيضاح عما إذا كان تأخير احتساب التعرفة الجديدة في الدورتين الخامسة والسادسة يؤدي إلى تهدئة السخط، أو أنّ الأمر بقي في إطار التكهنات؟ وعن علاقة القرار بتهيئة المناخ لاستثمارات تركية، لكن الأسئلة هذه بقيت برسم وزارة الطاقة دون أي ردود.
“مرض وجهل وعتمة”
يعترف الباحث الاقتصادي سمير سعيفان، رئيس مركز حرمون للدراسات المعاصرة، بأنّ أسعار الكهرباء في سوريا كانت “شبه مجانية”، مشككاً في عدم جدوى استمرار هذه الحال، حيث إنّ الأسعار الزهيدة تؤدي حتماً إلى الهدر، إلا أنه يحذّر من التعامل مع ملف كهذا بهذه “الخفة”، معرّفاً الكهرباء في العصر الحالي بأنها أحد الأعمدة الثلاثة للحياة الفردية والجماعية، بجانب الصحة والتعليم، ما يستلزم ضمان وصولها إلى جميع المواطنين بغضّ النظر عن مستويات دخولهم.
ويشدد سعيفان في حديثه إلى رصيف22، على أنّ إتاحة هذه الخدمات الأساسية هي مسؤولية السلطة الحاكمة، وأنّ أي فشل في ضمان ذلك يُعدّ إخفاقاً للسلطة ذاتها. ويحذّر من أنّ أيّ سياسة تربط حصول الفرد على الصحة والتعليم والكهرباء بقدرته المالية، ستؤدي إلى مجتمع منقسم: حيث يحصل القادرون على هذه الخدمات، بينما يعاني الفقراء من “المرض والجهل والعتمة”.
ينطلق سعيفان في تحليله من حقيقة أنّ اقتصاد السوق الحرّة لا يوزّع الدخل الوطني بعدالة، بل يقوم على “الاستغلال”. ويشير إلى أنّ غالبية الأسر السورية (تزيد عن 70% حسب التقديرات)، تعاني من الفقر، والجوع في بعض الحالات، ما يجعلها عاجزةً عن تحمل أعباء إضافية.
في تحليله العملي للقرار، يقدّم سعيفان ملاحظات جوهرية عدة:
عدم تناسب حجم الزيادة: يصف رفع السعر للشريحة الأولى بأنه “مبالغ فيه كثيراً”، ويوضح أنّ الاستهلاك المحدد للشريحة (150 كيلواط/ شهر)، لا يكفي حاجة أسرة مكونة من خمسة أفراد ذات استهلاك وسطي يصل إلى 300 كيلواط/ شهر، ما سيدفعها إلى سعر أعلى (1،400 ليرة/ كيلواط).
الآثار الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة: يستذكر الباحث الآثار السلبية لرفع سعر المازوت في 2008، والتي كانت أحد العوامل المُفاقمة للغضب الشعبي آنذاك، ويشير إلى أنّ القرار الحالي قد أثار معارضةً واسعةً حتى من داخل “حاضنة النظام”، مما أدى إلى خروج الناس إلى الشارع.
فجوة الدخل والتغطية: على الرغم من الإعلان عن رفع الأجور قريباً، يشكك سعيفان في شمولية هذه الزيادة وفعاليتها، مستبعداً أن تشمل جميع الفئات مثل المتقاعدين والعمال الفرديين والمزارعين، ويشير إلى تسريح مئات الآلاف من العسكريين والموظفين الذين يشكلون مع ذويهم غالبية الأسر العاجزة عن التحمل.
رؤى إسعافية
بدلاً من القرار الحالي، يقدّم سعيفان جملةً من الحلول العملية التي تراعي الواقع الاجتماعي والاقتصادي المنهك:
الرفع المتدرج: الدعوة إلى رفع الأسعار بشكل تدريجي يتناسب مع تحسن الوضع الاقتصادي وحصول السلطة على مساعدات خارجية، خاصةً في ظل تحسن العلاقات مع الدول العربية والمجتمع الدولي كما تجلى في اجتماع الرياض الذي ضم ممثلين عن الدول العربية والأوروبية والأمم المتحدة .
معالجة الهدر والفساد: معالجة الهدر في الشبكة (يُقدّر بنحو 40%)، ومكافحة سرقة الكهرباء، التي توصف بأنها “شائعة الانتشار”، كخطوة أولى قبل تحميل المواطن أعباء إضافية.
تحصيل مستحقات الجهات العامة: المطالبة بتحصيل قيمة استهلاك الكهرباء من الدوائر الحكومية ودور العبادة، حيث الهدر فيها يُعدّ “الأكبر”.
الشفافية والمكاشفة: تطالب الرؤية بضرورة قيام الدولة بالإعلان عن إيراداتها من جميع المصادر ونفقاتها والعجز وطرق تغطيته، لمواجهة الشائعات وبناء ثقة مع المواطن.
دراسة الأثر: ضرورة قيام السلطة بدراسات متعمقة لقياس أثر رفع الأسعار على مختلف شرائح المجتمع والقطاعات الاقتصادية.
سيناريوهات مصيرية للحكومة
على مستوى الاقتصاد السياسي، وبالعودة إلى كثير من المحللين ومنهم الباحث الاقتصادي سعيفان، فإنّ قرار رفع أسعار الكهرباء يأتي في توقيت بالغ الحساسية لحكومة الرئيس الشرع، التي تواجه أصلاً تحديات حقيقيةً في بناء دولة جديدة من بين أنقاض نظام سابق استمر لعقود. هذه الخطوة تضع الحكومة أمام سيناريوهات مصيرية عدة.
السيناريو الأول: أن تتراجع الحكومة عن القرار أو تخفّفه وتقدّم بدائل وحزماً من المنح، مما قد يمكنها من تجاوز الأزمة بشكل مؤقت (في أثناء كتابة هذا التقرير أعلنت وزارة الطاقة عن تخفيضات مقبولة في أسعار المشتقات النفطية، وربما يخفف هذا القرار الجدل الذي أثاره قرار رفع تعرفة الكهرباء)، وبناءً على هذا القرار أصبحت الأسعار على النحو التالي:
البنزين أوكتان 90: 0.85 دولاراً أمريكياً لليتر الواحد (10،030 ل.س).
المازوت: 0.75 دولاراً أمريكياً لليتر الواحد (8،100 ل.س).
أسطوانة الغاز المنزلي (وزن 12 كغ): 10.5 دولارات أمريكية للأسطوانة (113،400 ل.س).
أسطوانة الغاز الصناعي (وزن 16 كغ): 16.8 دولارات أمريكية للأسطوانة (181،440 ل.س).
الأسعار في الأعلى بالليرة السورية بحسب سعر صرف الدولار أمس، الثلاثاء 11 تشرين الثاني/ نوفمبر على موقع “الليرة اليوم” المتخصص في أسعار العملات.
السيناريو الثاني: تصل الحكومة بسياساتها إلى تآكل الشرعية الشعبية بشكل تدريجي، خصوصاً أنّ البيانات الاقتصادية تشير إلى أنّ 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تبقى الكهرباء خدمةً أساسيةً لا غنى عنها.
أما السيناريو الثالث والأخطر: قد يؤدي الاستياء في عموم الشارع إلى احتجاجات واسعة، تشكّل تحدياً أمنياً وسياسياً للإدارة الجديدة، خاصةً في ظل وجود بيئة دولية ودعم متحفظ من القوى الدولية التي تشترط تحقيق استقرار في سوريا.
ردود فعل ساخطة… المضحك المبكي
رأى كثير من السوريين أنّ الخطوة متسرعة، لأن الإصلاح يبدأ بتأمين أبسط مقومات الحياة بشكل مبدئي وفرص العمل حتى يستطيع المواطن دفع فواتير الكهرباء والماء.
في المفابل، قال بعض المؤيدين للقرار إنه على المستوى الاقتصادي، ربما يكون خطوةً ضروريةً لتحسين الخدمة واستقرار التيار وجذب الاستثمار.
رجل الأعمال السوري إياد التقي، صاحب “مجموعة نبع التقوى”، يرى أنّ القرار كان ضرورياً وهو يثق بكل قرارات الحكومة لأنها ستأتي لمصلحة المواطن بشكل مؤكد، عادّاً أن القرار ربما كان متسرعاً لكنه يشدّد على أنّ الدعم لقطاع الكهرباء في عهد نظام الأسد كان “للتخدير الموضعي”.
أما الفنان التشكيلي نسيمالياس، وبرغم امتعاضه من زيادة تعرفة الكهرباء إلا أنه يعدّ هذه الخطوة “الجريئة”، إنذاراً مبكراً وصدمةً للوعي لكي يتعامل المواطن للمرة أولى مع ملف الكهرباء بمسؤولية أكبر بعد كل هذه العتمة الطويلة. ويشير الياس إلى أنه في اليومين الماضيين “لاحظنا إرتياحاً غريباً ومتناقضاً على الوجوه ربما بسبب عودة الكهرباء إلى البيوت لمدة أطول بعد ارتفاع ساعات وصول الكهرباء بشكل لافت في الأيام الأخيرة، ولو بسعر مرتفع وقاسٍ بشكل عملي على الجيوب الفارغة أساساً.
ويختم إلياس: “لكنني للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات استطعت تأمّل لوحاتي وألواني بشكل مختلف”، بعد أن استمر الضوء في مرسمه في ضاحية الجديدة في ريف دمشق، كل ساعات النهار تقريباً.
في السياق، قرر الحزب الدستوري السوري (حدس)، السبت الماضي، تأجيل وقفة احتجاجية كان قد دعا إليها في مدينة جرمانا رفضاً لرفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق، وذلك بسبب مجموعة من الاعتبارات المعقدة. يوضح مسؤول التنظيم في الحزب، عمر المختار ونوس، أنّ القرار جاء بعد ورود معطيات تشير إلى نيّة مجموعات من داخل المدينة وخارجها استغلال أي تجمع وتحريفه عن أهدافه المطلبية الأصلية. ويشير ونوس في حديثه إلى رصيف22، إلى أن الوضع الأمني في جرمانا لا يزال هشّاً برغم اتفاقات التهدئة، مع وجود ارتدادات للتوترات العسكرية في محافظة السويداء ذات الصلات العائلية مع جرمانا. لذلك، هدف التأجيل إلى ضمان أمن وسلامة المشاركين ومنع انحراف الوقفة عن غايتها الأساسية، مع التأكيد على أن التأجيل ليس إلغاء، وأنّ الحزب سيعمل على تنسيق أفضل مع الجهات الفاعلة في المدينة لتنظيم الوقفة في وقت لاحق.
ويضيف ونوس، أنّ السوريين يعانون من الإحباط العام والتعب النفسي والجسدي بعد سنوات الحرب والدمار، ما يلعب دوراً في كبح جماح الغضب الشعبي، فكثيرون يشعرون بأنّ الاحتجاج لن يجلب سوى المزيد من البؤس والعنف، في ظل ذاكرة قمع النظام السوري وما خلّفه من آثار نفسية.
من جانبها، طالبت الناشطة والإعلامية ميريلا أبو شنب، الحكومة السورية بإعادة النظر في التسعيرة الجديدة للكهرباء والتي تأتي بعد 14 سنةً من العتمة عاشها السوريون.
إلى ما سبق، نرصد هنا بعض تعليقات السوريين على موقع وزارة الطاقة السورية بعد رفع تعرفة الكهرباء:
تحذير من العتمة
عطفاً على تحليل الباحث الاقتصادي سمير سعيفان، الذي يحذر وبلهجة صارمة من أن “أي سياسة تربط حصول الفرد على الصحة والتعليم والكهرباء بقدرته المالية، ستؤدي حتماً إلى مجتمع منقسم عندما حيث يحصل الميسورون على هذه الخدمات، بينما يعاني الفقراء من المرض والجهل والعتمة”، يهدد هذا التقسيم الاجتماعي الخطير بانهيار النسيج المجتمعي، واستقرار أي حكومة بالطبع، مرتبط أصلاً بوضوح نواياها الإصلاحية. قرار رفع أسعار الكهرباء، برغم مبرراته التقنية المحتملة، يلامس بشكل كبير الحياة اليومية للسوريين الذين أنهكتهم سنوات من الحرب والمعاناة، ويطرح الكثير من الأسئلة المتناثرة حول شرعية السلطة القائمة، وقدرة الحكومة الحالية على تمثيلهم وحماية مصالحهم.
الضوء والعتمة، في النهاية، ليسا مجرد استعارة حسب غارسيا ماركيز، بل هما واقع يومي يعيشه السوري في ظلّ قرار قد يحدد مصير مرحلة انتقالية بأكملها، وربما يخفّض من آثاره بعض الشيء قرار وزارة الطاقة تخفيض المشتقات النفطية بشكل ملحوظ عشية دخول سوريا شتاءً يتمنّى السوريون أن يكون بارداً وممطراً حتى بلا كهرباء، بعد عام جافّ لم تشهد سوريا مثله منذ عقود.
رصيف 22
————————————
شبح الفساد خطرٌ داهمٌ في سورية/ سمير سعيفان
14 نوفمبر 2025
بدأ الفساد يطلّ برأسه في سورية، ولم تعد قصصه خافيةً، بل لعلّه لم يَغِبِ. فبعد أن كان يُفترَض أنه خرج من الباب مع سقوط نظام الأسد، فقد بدأ يُطلُّ من الشبّاك. وثمّة خطر أن يتوسّع مستقبلاً. وثمّة قصص كثيرة تُتداوَل، وأسئلة كبيرة تتردّد، ويسهم غياب الشفافية في انتشارها. ويشكّل الفساد خطراً داهماً لأسباب كثيرة، فسورية مرّت بعهدٍ استمرّ خمسة عقود ونصف العقد (1970ـ 2024) كان الفساد أهمّ سماته، فأصبح جزءاً من الممارسة المقبولة، بل المرغوبة مجتمعياً، ولم يعد الفساد عاراً، فهو مُغرٍ، إذ يحصل الفاسد على دخل كبير من دون جهد، ولا يتطلّب أكثر من التخلّي عن الأخلاق، طالما أن المحاسبةَ غائبةٌ، وطالما أن المجتمع لا ينظر إلى الفاسد أنه مُلوَّث. هذا ما يضع على كاهل السلطة الجديدة أعباء إضافيةً، ويجعل مكافحةَ الفساد أمراً صعباً، يتطلّب جهوداً وحزماً وحلولاً مبتكرة في مكافحته، ولهذا شروط سنأتي عليها.
نخاف الفساد لأسباب كثيرة، لبعضها علاقة بنظافة المجتمع أخلاقياً، فهو خيانة للأمانة، ويكافئ من لا يستحقّ على حساب الآخرين، وعلى حساب المصلحة العامة. ونخاف الفساد لأنه يهدر الثروة، فالأموال الفاسدة مأخوذة في النهاية من جيوب الناس. ونخشى الفساد لأنه ينتج إدارةً فاسدةً ضعيفةً، تقتل القدرة الإنتاجية للاقتصاد والمجتمع.
حتى ستينيّات القرن العشرين، كان الفساد محدودَ الانتشار في سورية، وأذكر أنني قرأت في مذكّرات محمود رياض أنه كان سفير مصر في سورية (1955ـ 1958)، وكانت الخارجية المصرية تخصّص للسفراء مبالغَ تُصرَف بمعرفة السفير، لتدفع إلى الصحافيّين والسياسيين لتقريبهم من سياسة مصر والدعاية لها. وقال رياض إن السنة كانت تمضي ولا يُستخدَم إلا ربع المخصّصات، لأن السوريين لا يقبلون مثل هذه الرشاوى، بينما كان زميله في بيروت يأتي إليه طلباً لما فاض لديه من هذه المبالغ، لأن مخصّصاته تنتهي منذ الربع الأول للسنة.
رغم انقلاب 8 آذار (1963)، لم ينتشر الفساد في الستينيّات بشكل واسع، رغم أن شروطه بدأت آنذاك، فقد كان قادة حزب البعث الأوائل من الوطنيين مثل ميشيل عفلق ونديم البيطار ومنيف الرزّاز وشبلي العيسمي وجلال السيّد وأمين الحافظ وغيرهم، وكذلك كانت جماعة صلاح جديد التي سيطرت على السلطة بعد 23 فبراير/ شباط 1966… كانوا جميعاً بنزعة طهورية، يختزنون في داخلهم حقداً طبقياً تبلور وعياً “اشتراكياً” وأفكاراً “ثورية” عن العدالة الاجتماعية، واتسموا بالحماسة لمبادئهم. ولكن تغيّر هذا الواقع مع سيطرة حافظ الأسد على مقاليد السلطة بعد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، وبقي انتشار الفساد محدوداً حتى 1974، حين كانت أجواء هزيمة حزيران (1967) مخيّمة. وقد تغيّر المزاج العام لسلطة الأسد بعد حرب أكتوبر (1973)، التي كانت نصف هزيمة، ولكن روّج لها الأسد نصراً مظفّراً يستحقّ المكافأة عليه هو وقادته، نصر أراده أن يمحو عار هزيمة حزيران عندما كان وزيراً للدفاع.
بدأ الفساد بالانتشار في سورية في النصف الثاني من السبعينيّات، بعد أن بدأت مساعدات مالية تأتي إلى سورية بعد حرب 1973، وحدث انفجار في المشروعات المختلفة التي تطلقها الدولة في كل مجال: مدارس ومستشفيات ومساكن ومبان إدارية حكومية وطرق ومحطّات توليد واستيراد مصانع وغيرها، وكانت الدولة قد سيطرت على الاقتصاد منذ منتصف ستينيّات القرن العشرين، وأمّمت المصانع والبنوك وشركات التجارة الخاصة، وسيطرت على الجزء الأكبر من الاستيراد والتصدير واحتياجات السوق، وأصبحت مؤسّسات الدولة هي التاجر الأكبر، وهي رجل الأعمال الأكبر، وتوسّعت أعداد العاملين في مؤسّسات الدولة. في هذه اللحظة أصبحت قرارات الوزراء والمحافظين ومديري المؤسّسات الحكومية تخلق المنافع الكثيرة، وعَلِمَ هؤلاء الموظفون الممسكون “بالأقلام الخضراء” (وهم من منابت فقيرة، ولم يكونوا من أصحاب الملكيات) أن توقيعاتهم تنتج أرباحاً كثيرة لرجال الأعمال في القطاع الخاص، بينما يقبضون هم رواتب متواضعة، وعلم حافظ أسد أن امتلاك الثروة وتكوين قطاع أعمال موال هو ركن قوي لتعزيز القبض على السلطة.
ولأن النظام السياسي قمع الحرّيات العامة، وكتم أنفاس السوريين، وكمّم أفواههم، ومنع الصحافة الحرّة، ومنع الأحزاب، وسيطر على النقابات، وقيّد المجتمع المدني، واستأثرت السلطة بالسلاح والثروة وبمقدرات سورية، وأصبحت يدهم طليقةً في فعل أيّ شيء، فإن نزاهتهم الفردية لم تصمد طويلاً، ولم يلبث الفساد أن تغلغل في صفوفهم، وتقدّم الولاء على الكفاءة، وتراجعت القدرات المادّية والروحية للشعب السوري. فمع غياب الرقابة والمحاسبة، تصبح “النفس أمّارةً بالسوء”، ويتغلّب الفاسدون على الصادقين.
كانت “كمسيونات” المشتريات الحكومية التي توسّعت كثيراً من أهم ساحات الفساد، من المشتريات المحلية الصغيرة حتى عقود الاستيراد الكبيرة، وكان تلزيم مشاريع المقاولات الكبيرة والصغيرة بوابةً واسعةً للفساد، والجمارك ساحةً أخرى للفساد والتهرّب الجمركي عبر دفع رشاوى للتهرّب من دفع الرسوم الجمركية أو اللجوء إلى التهريب بالاتفاق مع رجال الجمارك. وكانت ساحة التهرّب الضريبي أيضاً مصدراً كبيراً للرشوة بقصد التهرّب من دفع الضرائب. وكانت الرقابة التموينية ساحة إضافية للفساد، وكذلك مسألة فتح الاعتمادات المستندية، لأنها تتطلّب تخصيص عملات صعبة من البنك المركزي، أضف رُخَص البناء المخالف، وتوسّع استعمال ممتلكات الدولة لتأدية أعمال شخصية للمسؤول، والاعتداء على أراضي الدولة وفلاحة البادية، وغيرها من أشكال يضيق المكان عن حصرها. وكان القطاع الخاص شريكاً في الفساد والإفساد. فالفساد هو شراكة بين مسؤول فاسد ورجل أعمال مُفسِد بمبادرة منه أو مضطراً، فهو في النهاية يُحقّق أرباحاً إضافيةً كثيرةً من خلال دفع الرشوة.
تميّز الفساد في مرحلة الأسد الأب بأن أبناء المسؤولين كانوا صغاراً، وكانت تلك مرحلة راكم فيها المسؤولون ثرواتٍ من الفساد، استعملها أبناؤهم عندما كبروا، وأصبحت مجموعات أعمالهم هي الأبرز خلال مرحلة بشّار الأسد بعد سنة 2000، والتي توسّع خلالها فتح مجالات أوسع لنشاط القطاع الخاص واستثماراته، وتوسّع توجّه رأس المال الخليجي نحو سورية، وكانت هذه ساحة أخرى للفساد عبر فرض “كمسيونات” لقاء منحهم امتيازات محدّدة في سورية، أو فرض شراكات عليهم، وقد أصبحت عائلة مخلوف أكبر عائلة أعمال في سورية، وكلّنا يذكر صفقة الخليوي الفاسدة سنة 2001، والمناطق الحرّة التي كانت من نصيبهم، وغيرها كثير.
ثمّة أشكال من الفساد واسعة التأثير، مثل تعيين شخص غير كفءٍ في موقع مسؤول لأنه موال لمن هو فاسد، وهو بإدارته السيئة، يسيء إلى كثير من المصالح أو يهدر الموارد، وثمّة قرارات فاسدة مثل السماح بمناطق السكن العشوائي وعدم تنظيم توسّع المدن بشكل صحيح. هذا فساد أيضاً. بل حتى بناء جيش متضخّم وجهاز أمن كبير يلتهم جزءاً كبيراً من شباب الوطن، وتنفق عليهم أموال طائلة من الموازنة العامة، كان الأجدى أن توجّه نحو البناء وتحسين الخدمات، بل إن كل هدر للموارد هو فساد بطريقة ما.
ولكن ما يميّز سلطتَي الأسد الأب والابن، أنهما أتاحتا استباحة المال العام، واستباحة السلطة لأغراض خاصة. وفي المقابل غيّبتا مؤسّسات الرقابة والمحاسبة وعطّلتاها، وكذلك القضاء أفسدتاه، وغيّبتا الحريات العامة في التنظيم والتعبير والاعتقاد ونشر الفساد، ليصبح ثقافةً عامةً مقبولةً، ونشرتا مقولة “الجميع فاسد”، والفساد موجود في أرقى الدول، كي تبرّرا فساد الكبار.
الدرس المستفاد الخاص بالسلطة الثورية الجديدة في سورية من فترة الفساد السابقة: أنكم ورثتم سلطة راكمت في يد الدولة ثرواتٍ هائلةً، وسلطاتٍ مركزيةً كثيرةً، وثقافةً شعبيةً تصمت عن الفساد، الذي بات ممارسةً مقبولةً، وأُجبر السوريون على الصمت، ثمّ جاءت الثورة لتكسر حاجز الخوف، وأمامكم وضعٌ صعبٌ ومعقّد للغاية ومخاطر كثيرة، لعلّ الفساد من أخطرها، فساد المال وفساد الإدارة، لأنّ الفساد يدمّر كل شيء، يدمّر الثورة، ويدمّر الإدارة والقدرة على الإنتاج، ويخلق نوعاً فاسداً من الحياة. ومخاطر الفساد أن مرحلة الأسد جعلت منه ممارسةً شائعةً ومقبولةً مجتمعياً، ممّا يجعل مكافحته أكثر تعقيداً، والإغراءات موجودة أمام أعين القيادات الشابّة القادمة من منابت فقيرة. فمع غياب الرقابة والمحاسبة، فإن نزاهة كثيرين لن تصمد طويلاً، ولن يلبث الفساد أن يتغلغل في صفوفهم. فمع غياب الرقابة والمحاسبة تصبح النفس أمّارة بالسوء، وسيتغلّب الفاسدون على الصادقين في دعوتهم، وتصبح مهمة القيادة أصعب بألف مرّة في توجيه دفّة البلاد الوجهة الصحيحة.
علم الإدارة يقول: إن تكرّرت أشكال مشابهة من السياسات والتنظيمات والممارسات والثقافات، فسنحصل على النتائج ذاتها. وكي نغلق الطرق أمام الفساد ومخاطره، فإن التجربة تقول إن المطلوب اليوم تنمية ثقافةٍ عامةٍ ترفض الاحتفاء بالفساد وتعدّه عاراً، وتفرد الفاسد إفراد البعير الأجرب، ووعي (وإدراك) أن الفساد ليس مسألةً أخلاقيةً وحسب، بل مادّية قبل كل شيء، فما يحصل عليه الفاسد هو اقتطاع من مستويات حياتنا، والقرار الفاسد يهدر الثروة الوطنية، ويدهور مستويات حياتنا، وهذه مسؤولية مشتركة بين السلطة والمجتمع ومؤسّساته.
مطلوب أيضاً مؤسّساتُ رقابةٍ منظّمةٍ جيّداً، تتسم بالنزاهة، وتتمتّع بالكفاءة والصلاحية، ونظام رقابة مؤسّسيّ فعال، وهذه مسؤولية السلطة. يلزم كذلك حرّيات عامة في التنظيم والتعبير والاعتقاد، تكون قادرةً على فضح الفساد، وهذه مسؤولية مجلس الشعب ومسؤولية السلطة ومسؤولية المجتمع، الذي عليه أن يتمسّك بهذه الحريات.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الشفافية وحقّ الحصول على المعلومات وحقّ المعرفة، وأن تُكرَّس تقاليد، وتُنظَّم على نحو قانوني ومؤسّسي، فتعلن كل شيء. وهذه مسؤولية السلطة التي تقدّمها، ومسؤولية المجتمع الذي يصرّ على المطالبة بها.
وأخيراً، مطلوب نزاهةُ المسؤول الأول وكفاءتُه. فحين يكون المسؤول الأول في كل مؤسّسة، وعلى المستويات كافّة نزيهاً وكفؤاً، فإن المؤسّسة تُنظَّف من الفساد، مهما كان منتشراً. فالنزيه والكفؤ يبحث عن عاملَيْن يشبهانه، كما الفاسد يبحث عمَّن يشبهه ليضعه في الوظيفة. لذا، الكفاءة والنزاهة قبل الولاء، ومن يُقدِّم الولاء على النزاهة، سيدفع الثمن في النهاية، سواء انتشار الفساد أو تدهور أداء المؤسّسات. وهذه مسؤولية السلطة.
المستقبل يتشكّل الآن بفعل ما نتّخذه اليوم من خيارات.
العربي الجديد
——————————
الطبقة الوسطى في سوريا ضحية أثرياء الحرب والفساد/ هيام علي
اخفضت نسبتها إلى 10 في المئة ومتخصصون يرون أنها غابت مع ظهور “ملوك السلع” وتراجع مستوى الموظفين وأصحاب المهن الحرة
الجمعة 14 نوفمبر 2025
“لم يكن النظام السابق مكترثاً لتلاشي الطبقة الوسطى وانحدارها نحو الدرك الأسفل من الدخل، كان يكتفي بمراقبة ودعم الأثرياء ليقاسمهم أموالهم غير مكترث بالدعوات التي كانت تنبه إلى أخطار خسارة المجتمع السوري طبقته الوسطى”.
يظهر ملخص 14 عاماً من الحرب في سوريا انحدار غالبية الشعب إلى أتون الفقر وضيق الحال، وبينما يبرز غياب الطبقة الوسطى انعكاساً مهماً وعميقاً للتدهور الاقتصادي حتى أصبح المجتمع السوري يتكون من طبقتين وحسب، طبقة قليلة تملك كل شيء، وأخرى واسعة سلبت منها الطبقة الأولى كل شيء وفقاً لما يراه المحللون.
إذ يرى محللو الاقتصاد والاجتماع معاً أن من أكبر الأخطار التي تعوق تحقيق تنمية اقتصادية في سوريا، هو غياب الطبقة الوسطى، وما يزيد الأمر سوءاً استمرار غياب الحديث عن هذا الخطر سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى المؤسسات البحثية.
وعلى رغم أن تراجع الطبقة الوسطى بدأ في منتصف العقد الأول من القرن الحالي مع تطبيق سياسات اقتصاد السوق الاجتماعي والانحياز نحو الاقتصاد الريعي وتضييق القطاع العام وتراجع الإنتاج، فإن عام 2011 كان مفصلياً بالنسبة إلى الطبقة الوسطى التي كانت بدأت تتقلص مع تراجع الدخل ليصبح غير متناسب مع متطلبات المعيشة حتى عجزت عنها في الأعوام الأخيرة، وأصبحت متطلبات المعيشة تعجيزاً أمام دخول متواضعة جداً.
وهكذا انضمت شريحة واسعة من الطبقة الوسطى إلى طبقة الفقراء التي استمرت بالاتساع حتى وصلت إلى 90 في المئة من السكان وفقاً لبيانات البنك الدولي، وشهدت الطبقة الوسطى هجرات مستمرة بحثاً عن الخلاص الاجتماعي والاقتصادي، بينما كانت البلاد تخسر كوادرها وعقولها نتيجة هذه الهجرات.
وتشير دراسة تحليلية محلية تناقش أزمة الطبقة الوسطى إلى أن هذه الطبقة ما زالت غائبة حتى الآن نتيجة عدم تناسب دخول السوريين مع مستويات المعيشة، إذ يبلغ متوسط دخل الأسرة السورية حالياً نحو 320 دولاراً، مقابل حد أدنى من المصروف لا يقل عن 1000 دولار، إلى جانب عدم الاستقرار الوظيفي، بسبب سياسات الحكومة الحالية في تقليل وتسريح العمالة بصورة عشوائية، إذ تم تسريح أكثر من 40 في المئة من العاملين لدى الدولة حتى الآن، ويضاف إلى ذلك الاستقطاب الاقتصادي، إذ تتركز الثروة بصورة متزايدة في أيدي قلة من السوريين على حساب البقية.
فساد الأثرياء المدعومين من السلطة
وقالت عضو مجلس إدارة “جمعية العلوم الاقتصادية” في سوريا هناء الحسيني، “لم تعد هناك طبقة وسطى حتى نتكلم عن غيابها، بعدما اضمحلت الطبقة على مدى أعوام طويلة وبغيابها صار المجتمع أعرج، إذ إن الطبقة الوسطى هي التي تحقق التوازن المجتمعي والأخلاقي والأمني والمالي، وكثيراً ما كانت الطبقة الوسطى صاحبة مكانة في المجتمع السوري تحمل اقتصاده وثقافته وتراثه ووجدانه وتعبر عن تميزه وتفوقه”. وأشارت في حديثها إلى “اندبندنت عربية” إلى أن “الطبقة الوسطى في سوريا اختفت بسبب الفساد وظهور طبقة الأثرياء الفاسدة التي بنت ثرواتها على أكتافها مستغلة قربها من السلطة”، واصفة طبقة أثرياء الحرب بأنها كانت “وجهاً متوحشاً لفساد السلطة”.
وأكدت الحسيني أن “هذه الطبقة هي التي دمرت البلد وحولت مدينة مثل دمشق إلى مدينة تشبه مدن الصفيح، بعدما كانت في خمسينيات القرن الماضي عاصمة العلم والتجارة والموضة والحياة”، مضيفة “في تسعينيات القرن الماضي عاشت هذه الطبقة حالاً من الانتعاش والاتساع في آن معاً واستمرت طوال العقد الأول من القرن الحالي، وكان لافتاً تزامن توسع وانتعاش هذه الطبقة مع ازدهار الطبقة البورجوازية الكبيرة، إلى أن جاءت السياسات النيوليبرالية التي طبقها النظام السابق وكانت مقدمة لإفقار السوريين وتراجع مستوى طبقة الموظفين وأصحاب المهن الحرة وبدأ تآكل الطبقة الوسطى يجري بصورة أسرع وأكثر تأثيراً وظهوراً وعلى رغم التنبيهات لم تكترث الحكومة السورية ومضت نحو ما سمته اقتصاد السوق الاجتماعي”.
أضافت عضو مجلس إدارة “جمعية العلوم الاقتصادية” “كان تجار البلد يتبرعون بسخاء ولكن منذ أن أصبح في سوريا ملك للكبتاغون وملك للسكر وملك للرز وملك للموبايلات وآخر للزيت وقطع غيار السيارات وغيرهم حدث تراجع، وضاع نسيج البلد الذي كان قائماً على طبقة وسطى تعمل وتنتج وتخدم المجتمع بطريقة راقية”. وتساءلت “هل يجب إعادة ترميم الطبقة الوسطى؟ أم يجب القضاء على الفقر؟ لعلها معادلة بطرفين على مسافة واحدة”، قائلة “هذه البلاد لن تنهض إلا بترسيخ العدالة الاجتماعية وتبني سياسات مناهضة للفساد والإثراء غير المشروع واتباع سياسات تنموية تقوم على الاستدامة وتحقق نهوض مجتمعي حقيقي”.
الجمعيات الحامل الحقيقي للطبقة الوسطى
من جانبه، قال الباحث في شؤون السكان محمد المعلم إن “الدمار الذي تعرضت له البنية التحتية في البلاد، وهجرة القسم الأعظم من الطبقة البورجوازية الكبيرة، ومعها بعض ما تبقى من الطبقة الوسطى، خلف غالبية سورية تعاني الفقر المدقع”، مضيفاً لـ”اندبندنت عربية” أنه “من دون وجود طبقة وسطى لا توجد تنمية، فأي مجتمع يقوم على وجود طبقة وسطى واسعة ومتمكنة، لكن اليوم باتت مساحة الطبقة الوسطى في سوريا صغيرة وضيقة تراوح ما بين 5 و10 في المئة في أحسن الأحوال وهذا أثر في الاستهلاك والاقتصاد”.
وأشار إلى أن هذه الطبقة هي المحرك لأي اقتصاد ومن دونها لا يمكن أن يكون هناك إنتاج وزراعة وصناعة بسيطة وحرف وتنوع في المهن وعناقيد في الزراعة أو الصناعة، ولن تكون هناك طبقة تستهلك بصورة جيدة ومتوازنة وتسعى إلى تأمين حاجاتها بالحد الجيد والمقبول.
واعتبر المعلم أن استعادة الطبقة الوسطى ليست مكلفة بالمبدأ ولكنها صعبة وتحتاج إلى خطط تنمية متوازنة وواسعة ومستدامة، وقراءة مصادر دخل الطبقة الثرية للحد من فسادها واحتكارها للأموال والأعمال ومنعها من الإثراء على حساب البلد والناس، مؤكداً أن نجاح سوريا في المضي نحو مستقبل أفضل يرتبط بإعادة إحياء الطبقة الوسطى.
واستدرك المعلم “لكن لا بد أولاً من معالجة وضع السكن وتوفير الاستقرار لأن مثل هذه المشكلات قد تواجه هذه الطبقة وتمنع تطورها واستقرارها”، لافتاً إلى غياب الدور التنموي للجمعيات الخيرية في سوريا بسبب تركيزها على الجانب الإغاثي لمساعدة الناس على تأمين الطعام والملبس والاستشفاء وما شابه من الحاجات التي لا يمكن غض النظر عنها، لذا كان هناك ابتعاد عن الجانب التنموي الذي يركز على التعليم وإنشاء مراكز التدريب والتأهيل والنهوض بمستوى الخبرات والمهن والإمكانات وغيرها.
وقال إن “تراجع العمل الإغاثي سيكون حكماً لمصلحة العمل التنموي ومن ثم ستعود الجمعيات لتكون أحد أركان النهوض مجدداً بالطبقة الوسطى، مؤكداً أن الجمعيات يمكن أن تؤدي دوراً كبيراً ومهماً لمصلحة انتعاش الطبقة الوسطى ولكن حين ينتهي جوع الناس.
إعادة بناء الطبقة الوسطى يحتاج إلى تحقيق مصالحة وطنية
ومع اتساع دائرة الفقراء تبدو سوريا بعيدة من إعادة تشكيل طبقة وسطى فاعلة وحاملة لاقتصاد وقيم المجتمع، إذ إنه من المهم وفقاً لدراسة تحليلية عن واقع الطبقة الوسطى للباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر أن ندرك أن عملية إحياء الطبقة الوسطى في سوريا ليست عملية اقتصادية تقنية وحسب، بل هي عملية سياسية واجتماعية معقدة وطويلة الأمد، ولا يمكن تحقيق أي تقدم ملموس من دون معالجة جذرية للأسباب السياسية التي أدت إلى تآكل هذه الطبقة، وأهمها تحقيق سلام شامل، وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، فالطبقة الوسطى ليست مجرد فئة دخل بل هي حالة اجتماعية واقتصادية وثقافية، ووجود طبقة وسطى قوية ومستقرة يعني غالباً وجود اقتصاد مزدهر ومجتمع مستقر.
وبحسب الدراسة فإن إعادة إنتاج طبقة وسطى في سوريا تعتمد على استعادة الأمن والاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز رأس المال البشري، لكن تحقيق ذلك يواجه تحديات تتعلق بتأمين الاستقرار والحوكمة واستمرار النزاع وهشاشة المؤسسات الحكومية وانتشار الفساد إلى جانب تدمير البنية التحتية للإنتاج والخدمات، وانهيار العملة الوطنية وارتفاع التضخم إلى جانب العزلة الاقتصادية والعقوبات الدولية وتدمير التعليم النظامي وهجرة الكفاءات وانهيار سوق العمل الرسمي وانتشار البطالة.
وخلصت الدراسة إلى التأكيد أن إعادة بناء الطبقة الوسطى تحتاج إلى تحقيق مصالحة وطنية وإنهاء النزاع وإصلاح النظام القانوني والقضائي وبناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة إلى جانب العمل على إطلاق حزمة تحفيز اقتصادي كبرى تركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عماد الطبقة الوسطى.
الدراسة شددت على ضرورة الاستفادة من رأس المال البشري في الخارج والعمل على تصميم برامج خاصة تشجعهم على العودة والاستثمار في سوريا، إلى جانب إطلاق برامج طارئة لإعادة تأهيل التعليم المهني والجامعي وربط مخرجات التعليم بسوق العمل.
صحافية مختصة في الشؤون الاقتصادية
——————————————–
تعرفة الكهرباء الجديدة.. كابوس الفاتورة يلاحق السوريين/ أمير حقوق | مارينا مرهج | كريستينا الشماس | محمد ديب بظت
يثير قرار تعديل أسعار التعرفة الكهربائية، الذي صدر مؤخرًا، جدلًا واسعًا بين المواطنين وقطاعات الإنتاج من معامل وورشات على حد سواء، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون.
وأصدرت وزارة الطاقة السورية، في 30 من تشرين الأول الماضي، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”، وذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدّر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة.
وعقب رفع الأسعار، أصبح حديث الكهرباء الشغل الشاغل للسوريين على مختلف المستويات، دون أن تتضح بعد خطة الحكومة للاستجابة لهواجس الشارع.
أجرت عنب بلدي استطلاعًا للتعرف إلى رأي السوريين في تعرفة الكهرباء الجديدة، ومدى تناسبها مع مستوى الدخل في سوريا.
عنب بلدي استطلعت أيضًا آراء الشارع السوري، وتواصلت مع متخصصين وجمعيات وجهات ذات صلة، لتقديم قراءة أوسع في الأثر المتوقع لقرار رفع أسعار الكهرباء على حياة الناس والأسعار، والتكاليف المترتبة على القرار في مختلف القطاعات الإنتاجية.
كيف تعامل محدودو الدخل مع “كابوس” الشرائح
مع التدهور المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين في سوريا، والظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الكثيرون، أثار خبر تعديل تعرفة الكهرباء موجة من الجدل والغضب بينهم، إذ إنه سيؤثر بشكل مباشر على حياتهم، بحسب ما عبروا عنه لعنب بلدي.
فبينما يرى بعضهم أن زيادة الأسعار قد تكون ضرورية لمواجهة العجز في قطاع الكهرباء وتطويره، يتساءل آخرون عن مدى قدرة الأفراد على تسديد الفواتير.
باتت فاتورة الكهرباء المرتقبة “كابوسًا” يطارد سامر العلي، موظف حكومي، بين ما يجب دفعه وما يمكن التنازل عنه، كي يتمكن فقط من تسديد الفاتورة في موعدها، في حين يعجز دخله الشهري عن تغطية أبسط احتياجات أسرته.
ولم تعد المسألة بالنسبة له مرتبطة بتوفير الكهرباء بقدر ما أصبحت “معركة بقاء يومية”، بحسب تعبيره، فكل تحسن في التغذية الكهربائية بات يعني بالنسبة له ارتفاعًا جديدًا في التكاليف، إذا ما تغير دخله وصدقت الحكومة في وعودها بزيادة الأجور الشهرية.
وتقضي أمل الرفاعي، ربة منزل من حي الميدان بدمشق، معظم وقتها في التفكير بكيفية ترشيد استهلاك الكهرباء في منزلها، خشية أن تتجاوز فاتورتها الشهرية حد 300 كيلوواط، الذي رسمته لنفسها كخط “أحمر لا يجوز تجاوزه”.
ولا تختلف أمل عن كثير من المواطنين، الذين باتوا يحسبون بدقة ساعات تشغيل الأجهزة الكهربائية في منازلهم، ويتردون في تشغيل السخان بغرض الاستحمام، وينظمون دورات غسل الملابس في أيام محددة ضمن الأسبوع، لتتحول إدارة أمل لشؤون المنزل إلى عملية مراقبة مستمرة للأجهزة، تخشى فيها أن يؤدي أي خلل بسيط إلى زيادة في العداد لا قدرة للأسرة على تحملها، “لم يعد القلق من انقطاع الكهرباء، بل من استهلاكها، بعد أن أصبحت الفاتورة بندًا أساسيًا يهدد توازن ميزانية البيت كل شهر”، بحسب تعبيرها.
توزع الشرائح والأسعار بحسب ما نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“:
الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد، حتى كمية استهلاك 300 كيلوواط خلال دورة شهرين بنسبة دعم حكومي 60% من سعر التكلفة.
الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة التي تستهلك أكثر من 300 كيلوواط خلال دورة شهرين.
الشريحة الثالثة بسعر 1700 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم المعفيين من التقنين، مثل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة.
الشريحة الرابعة بسعر 1800 ليرة، وتضم المعامل والمصانع والاستهلاك الكهربائي العالي، مثل معامل الصهر وغيرها.
ثلث الراتب للكهرباء
أمين سر جمعية حماية المستهلك والخبير الاقتصادي، عبد الرزاق حبزة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن عدم تناسب التعرفة الكهربائية الجديدة مع دخل المواطن يعد أمرًا بديهيًا، مشيرًا إلى أن رواتب المواطنين لا تتجاوز مليونًا ونصف مليون ليرة سورية بحدها الأقصى.
وأضاف حبزة أن من يتقاضى مليون ليرة، سيدفع نحو 300 ألف ليرة فاتورة كهرباء، أي ما يعادل ثلث راتبه تقريبًا، وهذا لا يتناسب بأي شكل مع الدخل الحالي.
وأشار حبزة إلى أن أي ارتفاع في حوامل الطاقة بشكل عام، سواء كان البنزين أو المازوت أو الفيول أو الكهرباء، يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على دخل ومعيشة المستهلك، معتبرًا أن ارتفاع أسعار الكهرباء تحديدًا سينعكس بصورة مباشرة على الاستهلاك المنزلي.
وبيّن حبزة أن المواطن بات بالكاد يؤمّن حاجاته الغذائية، فموضوع الغذاء أصبح عبئًا يصعب تأمينه أصلًا، منوهًا إلى أنه أوضح سابقًا أن الدخل الشهري للمواطن يجب أن يتراوح بين خمسة وسبعة ملايين ليرة قبل التفكير بزيادة أسعار الكهرباء، حتى يتمكن فقط من البقاء على قيد الحياة.
ارتفاع الأسعار.. مخاوف مرتقبة
يبرر زيد لطفي، صاحب محل لبيع اللحم الأحمر في سوق الطبالة، أن رفع الأسعار لم يعد خيارًا بيده، بل ضرورة تفرضها التكلفة، فكل كيلو من اللحم الذي يعرضه على زبائنه يمر عبر سلسلة طويلة من التكاليف، من التبريد والنقل حتى فواتير الكهرباء الشهرية.
يجد زيد نفسه أمام معضلة، فإن لم يرفع السعر، سيخسر رأس ماله، وإن رفعه، سيخسر بعض زبائنه، لكنه يعتبر أن الاستمرار بالبيع بالأسعار القديمة يعني الإغلاق عاجلًا أم آجلًا.
أشار أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء سينعكس فورًا على أسعار السلع والمواد الأولية، إذ تضطر المعامل والمحال التجارية إلى رفع الأسعار بشكل تلقائي.
وأوضح أن المنشآت التي تعتمد على التبريد، مثل محال اللحوم والفروج والبيض والمواد الغذائية الحساسة، ستزيد أسعارها بنسبة تتراوح بين 10 و15% بسبب تكلفة الكهرباء.
كما لفت إلى أن قطاع الدواجن يتأثر بشدة، إذ يحتاج إلى الكهرباء سواء في الصيف للتبريد أو في الشتاء للتدفئة، ما يؤدي إلى زيادة إضافية في الأسعار.
وطالبت الجمعية سابقًا بإعفاء المصانع والقطاع الزراعي خصوصًا من رسوم الكهرباء، لأن الزراعة تعتمد عليها في ضخ المياه والسقاية والاستخراج، وكذلك في إنتاج المواد الأولية الزراعية التي تتأثر بدورها بارتفاع الأسعار، وفي النهاية لا يمكن للتاجر أو الفلاح أو الصناعي أن يتحمل الخسارة، فيضيف الزيادة إلى التكلفة النهائية، لتنعكس مباشرة على المواطن، بحسب حبزة.
لا تأثير على السلع
مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، حسن الشوا، يرى أن القرار الأخير لم ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، إذ لم تُسجّل أي زيادة بعد صدور القرار، بحسب بيانات دائرة “سبر الأسعار” التي ترصد حركة الأسعار في جميع المحافظات.
وأشار، في حديث لعنب بلدي، إلى أن الزيادة في تكلفة الكهرباء لم تُحدث فرقًا ملموسًا على أسعار البيع، لأن تأثيرها موزّع على عدد كبير من المواد والقطع ضمن المحل الواحد، ما يجعلها غير مبرر لرفع الأسعار، وشدد على أن المديرية تتابع يوميًا مؤشرات الأسعار عبر دائرة “سبر الأسعار”، التي تجمع بيانات من عشرة مصادر مختلفة لكل مادة أساسية، مما يتيح معرفة أي تغير في الأسعار بشكل فوري.
وأكد أن الأسواق السورية تشهد في الوقت الحالي انخفاضًا ملحوظًا في أسعار عدد من المواد الأساسية، بعد فترة من الارتفاع، موضحًا أن التجار أبدوا وعيًا عاليًا في التعامل مع الظروف الاقتصادية الراهنة، وأن هناك حسًا وطنيًا عامًا لدى المواطنين والتجار معًا للحفاظ على استقرار الأسعار وحماية المستهلك.
ماذا عن الرقابة؟
حول الإجراءات المتخذة لحماية المستهلكين، قال حبزة، إن الرقابة على الأسواق في الوقت الحالي لن تكون مجدية، لأن المنتج أو التاجر يبرر ارتفاع الأسعار بزيادة التكاليف، خصوصًا في ظل اقتصاد السوق الحر.
“في السوق الحر يحدد التاجر السعر الذي يراه مناسبًا استنادًا إلى تكلفته مع هامش الربح، بخلاف ما كان يحدث سابقًا حين كانت هناك تسعيرة رسمية وتحديد للتكلفة والربح”، قال حبزة.
ونوه إلى أن المخالفات اليوم تقتصر على الإعلان عن الأسعار أو قضايا الغش والتدليس، بينما ارتفاع الأسعار بحد ذاته لا يُعد مخالفة.
وأوضح حبزة أن الجمعية طالبت بتحديد حد أقصى للربح، بحيث لا يُسمح للتاجر بشراء سلعة بعشرة آلاف وبيعها بـ30 ألفًا مثلًا، بل بزيادة منطقية إلى نحو 15 ألفًا فقط، لمنع استغلال ارتفاع الكهرباء كذريعة لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
فرص الاستدامة وتهديدات الأمن المجتمعي
على الرغم من أنه جزء من خطة حكومية لإصلاح قطاع الكهرباء وتحسين استدامته المالية والفنية، فإن القرار الخاص بأسعار الكهرباء قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات المعيشية، خصوصًا لدى الفئات محدودة الدخل، ويزيد الضغوط على القطاع الخاص الذي يتحمل أغلبية تكاليف الإنتاج والتشغيل، بحسب محللين اقتصاديين تواصلت معهم عنب بلدي.
الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، يعتقد أن تعديل أسعار التعرفة يمثل خطوة أولى ضمن خطة شاملة لإصلاح قطاع الكهرباء، موضحًا أن الحكومة تسعى من خلال هذا الإجراء إلى تأمين استمرارية الخدمة ومنع انهيار المنظومة الكهربائية، وهذا يتطلب تحقيق توازن بين التكلفة الفعلية والإيرادات.
ويعتقد محمد أنه على الرغم من ذلك، سيؤثر القرار حتمًا على قدرة المواطن الشرائية، موضحًا أن متوسط الدخل الشهري في سوريا لا يتجاوز نحو 75 دولارًا، وأن نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل أي زيادة في الفواتير عبئًا جديدًا على كاهل الأسر، خصوصًا الفقيرة منها.
ويتوقع أن تنعكس زيادة تكلفة الكهرباء على أسعار النقل والإنتاج والمواد الغذائية، ما قد يفاقم معدلات التضخم ويحد من قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وبذلك فإن الأثر الاقتصادي المتوقع من تعديل التعرفة سيكون مزدوجًا، بحسب محمد، فمن جهة يمكن أن يسهم في تحسين استدامة الكهرباء وزيادة ساعات التشغيل، ومن جهة أخرى قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
في حين وصف الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، رفع التعرفة بأنه “معاناة اقتصادية”، تمس جوهر العقد الاجتماعي، وتهدد استقرار المجتمع ككل، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار لم يعد قضية خدمية، بل أزمة تمس حياة السوريين اليومية.
وقال الحلاق، إن الشريحة الأولى من التعرفة، التي يفترض أنها مدعومة، وصلت إلى نحو 180 ألف ليرة، فيما تضاعفت الأسعار في الشرائح الأعلى، مضيفًا أن الأهالي اليوم غير قادرين على دفع الفواتير الدنيا، فكيف سيدفعون فواتير الشريحة الثانية.
“نحن نتجه نحو أزمة حقيقية تهدد البنية الاجتماعية إذا لم يتم التدخل لتخفيف الصدمة”، بحسب الحلاق.
التأثير على القطاع الخاص
الزيادة ستنعكس على القطاع الخاص، بحسب الخبير محمد الحلاق، موضحًا أن أي ارتفاع في تكاليف الطاقة ينعكس على هوامش الربح، فالتاجر أو الصناعي الذي كان يربح 5% فقط، سيضطر إلى رفع الأسعار لتغطية نفقات إضافية، وليس لجني أرباح أكبر كما يُعتقد.
ويعتقد الحلاق أن الإجراءات الحكومية الأخيرة لم تراعِ وضع العاملين في القطاع الخاص، شارحًا، “حتى لو افترضنا أن الحكومة عوضت الموظفين في القطاع العام بمبالغ محددة، فماذا عن مئات الآلاف من العاملين في القطاع الخاص. هل هذا القطاع قادر اليوم على رفع الأجور أو تحمل الأعباء الجديدة؟”.
وأشار إلى أن بيئة الاستثمار في سوريا تعاني من عدم استقرار وغموض في التشريعات، الأمر الذي يعوق خلق فرص عمل جديدة ويزيد من معدلات البطالة.
وقال الحلاق، إن نحو 80% من منشآت القطاع الخاص تعاني أو تعمل بالكاد لتغطية تكاليفها، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي بوضع جيد الـ20%، وغالبًا هي شركات تصديرية أو تملك علامات تجارية قوية، محذرًا من أن بعض الشركات الصغيرة قد تضطر إلى تقليص عدد العاملين أو حتى الإغلاق.
وفي حديثه عن الأجور، أكد الحلاق أن رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي، سيجبر القطاع الخاص على الرفع أيضًا، ما يزيد من تكاليف التشغيل.
أي زيادة في الرواتب تعني بالضرورة زيادة في الضرائب والتأمينات الاجتماعية، فإذا أصبح الحد الأدنى مليون ليرة مثلًا، فسيتكلف رب العمل نحو 24% إضافية على هذا المبلغ، وهذا عبء كبير على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفق ما ذكره.
وأضاف أن الحكومة تصف أجر العامل في سوريا بأنه “منخفض”، و”أنا أقول إنه كان منافسًا، لكنه لم يعد كذلك، لا يمكننا الحديث عن أجر رخيص في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة”.
خسارة مليار دولار سنويًا
قال مصدران حكوميان لعنب بلدي في وقت سابق، إن استمرار أسعار الكهرباء على ما هي عليه، يسبب خسارة للحكومة بنحو مليار دولار سنويًا، بسبب زيادة ساعات التغذية الكهربائية منذ سقوط النظام من ساعتين تقريبًا إلى ثماني ساعات يوميًا، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف إنتاج الكهرباء واستيراد الغاز والفيول اللازم لتشغيل محطات التوليد.
ويكلف الكيلوواط من الكهرباء 0.14 دولار أمريكي (ما يعادل 1600 ليرة سورية)، ويباع حاليًا للمواطن بعشر ليرات سورية فقط (نحو 0.0009 دولار أمريكي)، وهذا يسبب خسائر كبيرة في قطاع الكهرباء.
الحكومة السورية لا تعتزم رفع الدعم كليًا عن الكهرباء، بل ستعيد هيكلته بما يحسن الخدمة الكهربائية المقدمة بأسعار أقرب إلى التكلفة الفعلية.
صدمة للصناعيين..
تكاليف تشغيلية زائدة وانعدام التنافسية للمنتج السوري
أثار قرار رفع تسعيرة الكهرباء للمشتركين الصناعيين موجة من الاستياء داخل الأوساط الصناعية التي تعتمد على الطاقة كمكون أساسي في عملية الإنتاج، معتبرين أن التوقيت غير مناسب في ظل الظروف التشغيلية الصعبة، وغياب الاستقرار في أسعار المحروقات ومدخلات الإنتاج.
ويرى عاملون في القطاع الصناعي الحلبي أن القرار سيؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف التشغيل، ويضعف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق الداخلية والخارجية، خاصة مع الفارق الكبير في أسعار الطاقة بين سوريا ودول الجوار.
صناعيون قالوا لعنب بلدي، إن رفع تعرفة الكهرباء الصناعية إلى 1700 ليرة سورية للكيلوواط الساعي شكّل صدمة للصناعيين الذين كانوا ينتظرون خفض السعر لا زيادته، خاصة بعد أن ثبتت الحكومة قبل أشهر السعر عند 1500 ليرة عقب إلغاء ضريبة الكهرباء البالغة 21.5%.
الخطوة الأخيرة جاءت من دون تمهيد أو تشاور، وفي وقت لم يتعافَ فيه القطاع الصناعي بعد من أزماته المتراكمة، وفق تعبيرهم، مشيرين إلى أن الكهرباء تعد مدخلًا أساسيًا في العملية الإنتاجية، شأنها شأن المواد، وإن ارتفاع تكلفتها ينعكس مباشرة على كفاءة المصانع واستمراريتها.
وأكدوا أن التعرفة الجديدة تضعف تنافسية المنتج السوري في الأسواق الخارجية، في ظل فروق واضحة مع الدول المجاورة التي تبيع الكهرباء بأسعار أقل بكثير، فبينما يبلغ السعر في الأردن نحو ثمانية سنتات، وفي مصر أربعة سنتات، وصلت التكلفة في سوريا إلى ما يعادل 14 سنتًا للكيلوواط الساعي.
تهديد بتوقف الإنتاج
رئيس لجنة منطقة العرقوب الصناعية في حلب، تيسير دركلت، يرى أن أثر القرار يختلف من قطاع إلى آخر، فالصناعات الهندسية لا تتجاوز فيها تكلفة الكهرباء 10% من إجمالي التكاليف، بينما ترتفع النسبة في الصناعات الكيماوية وصهر المعادن إلى نحو 40%.
وبناء على ذلك، ستزداد فواتير بعض المعامل بأكثر من خمسة ملايين ليرة شهريًا، الأمر الذي سيؤدي إلى تآكل هوامش الربح أو توقف بعض المنشآت كليًا عن العمل.
أشار دركلت إلى أن صناعات كالنسيج والجلديات كانت تعاني أصلًا من ضعف الطلب وارتفاع أسعار المواد الأولية والمحروقات، وأن زيادة تكلفة الكهرباء قد تدفع ما تبقى منها إلى التوقف، خاصة أن كثيرًا من المعامل تعمل اليوم بعشر طاقتها الإنتاجية.
وحذر من أن استمرار رفع الأسعار دون تحسن في القدرة الشرائية للمواطن سيقود إلى حالة ركود، إذ ستتراجع القدرة على تصريف البضائع المحلية، ما يعني توقف الإنتاج وتراجع فرص العمل.
عودة الضرائب
الصناعي في قطاع النسيج، عبد المنعم ريحاوي، ذكر أن الواقع الصناعي يعاني من عدم استقرار القرارات الاقتصادية، فبعد جهود كبيرة تمكن الصناعيون من إلغاء الضريبة على الكهرباء، وعاد السعر ليرتفع مجددًا إلى 1700 ليرة للكيلوواط الساعي، ليشمل فعليًا الضريبة مجددًا، وهو ما يعادل نحو 15 سنتًا أمريكيًا بحسب سعر الصرف، ما يعد سعرًا مرتفعًا جدًا إقليميًا.
يعتقد ريحاوي أن السعر الحالي للكهرباء سيرفع التكاليف التشغيلية للمعامل، مما قد يؤدي إلى تضخم إضافي، ورفع رواتب العمال، في المقابل سيضطر الصناعي إلى رفع أسعار المنتجات، ما يعيد العجلة الإنتاجية إلى وضع شبه متوقف ويضع الصناعة في دائرة صعبة بين التكلفة والتسويق.
الأثر على تكاليف التشغيل
في الوقت الذي “نحاول فيه إنعاش الأسواق”، تبدو الحكومة وكأنها تحارب المنتج الوطني بدل دعمه، فأي تغيير في بيئة العمل الصناعي، سواء في أسعار الطاقة أو سعر الصرف، ينعكس سلبًا على المنشآت التي تحتاج إلى فترات طويلة من الاستقرار حتى تتمكن من النهوض مجددًا، وفق ما أوضحه الصناعي محمود شيخ الكار لعنب بلدي.
أما المحاضر في جامعة “دمشق” ورجل الأعمال محمد بن مروان أورفه لي، فقال إن قرار تحديد سعر الكهرباء للمشتركين الصناعيين والتجاريين سيزيد الأعباء على الصناعيين، الذين يواجهون أصلًا منافسة من منتجات مستوردة مدعومة في بلدانها، إلى جانب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية محليًا.
وأوضح لعنب بلدي أن الكهرباء تدخل مباشرة في التكاليف المتغيرة للإنتاج، ما يعني أن أي ارتفاع في سعرها سينعكس فورًا على تكلفة التشغيل، لافتًا إلى أن التعرفة الجديدة يمكن أن تكون مقبولة فقط في حال حماية المنتج الوطني من البضائع المستوردة.
السوريون يبحثون عن البدائل
الارتفاع الأخير في أسعار الكهرباء، وما يرافقه من اتساع الفجوة بين الدخل الشهري وتكاليف المعيشة، دفع حسابات المواطنين لاستهلاكهم وتوقعاتهم لفواتير الكهرباء التي ستنتظرهم في نهاية كل دورة كعبء إضافي يثقل كاهل الأسر، إذ بدأ كثيرون البحث عن بدائل مستدامة تؤمّن الطاقة دون الاعتماد على الشبكة العامة بشكل كامل.
وتتصدر منظومات الطاقة الشمسية هذه البدائل، خاصة بعد استخدامها بشكل مؤقت لمعالجة ساعات التقنين، إذ تتيح إنتاج الكهرباء بتكلفة شبه صفرية بعد التركيب، ما يجعلها خيارًا استثماريًا طويل الأمد يحقق استقلالًا طاقيًا ويضع حدًا دائمًا لفواتير الكهرباء.
الطاقة الشمسية كبديل مستدام
بحسب شركة “xnetron” للطاقة البديلة، يمكن لمنظومات الطاقة الشمسية أن تغطي كامل احتياجات المنازل من الكهرباء في حال تركيبها بشكل مناسب.
ويمكن للأسرة العادية التي تملك تجهيزات أساسية، مثل البراد والإنارة والتلفاز والمراوح والغسالة، تركيب منظومة مؤلفة من أربعة إلى ستة ألواح شمسية مع بطارية “ليثيوم” و”إنفرتر” باستطاعة 4 إلى 6 كيلوواط، لتشغيل الأحمال الكهربائية خلال النهار بشكل كامل دون الاعتماد على الكهرباء العامة، أما في الليل، فيتم التحويل إلى البطارية لتغطية الاستهلاك الليلي.
مسؤولة المبيعات في شركة “xnetron“ أشارت، في حديث لعنب بلدي، إلى أنه في حال الترشيد الجيد للطاقة خلال الليل، يمكن الاستغناء بشكل شبه تام عن الكهرباء العامة، مما يسهم في تخفيض فاتورة الكهرباء بنسبة تتجاوز 90%، أما في حال الضرورة القصوى، فيمكن اللجوء لشحن البطاريات من الشبكة العامة لمدة ساعة أو ساعتين فقط.
ولفتت إلى أن الأحمال الثقيلة مثل المكيف والغسالة يفضل تشغيلها في ساعات النهار، إلا في حال توسيع المنظومة ورفع استطاعتها، وهو ما يسمح بالاستغناء الكامل عن قاطع الكهرباء.
وحول إمكانية الاستفادة من الطاقة الشمسية في فصل الشتاء، ذكرت المسؤولة أن أداء الألواح الشمسية يكون أفضل في فصل الشتاء مقارنة بالصيف، إذ تعتمد في عملها على أشعة الشمس وليس على حرارتها.
وكشفت أنه سيتم طرح منتج جديد في السوق قريبًا، وهو “سيخ” لتسخين المياه يعمل على الطاقة الشمسية، بقدرة استهلاك تبلغ 500 واط فقط، مقارنة بـ”السيخ” التقليدي الذي يستهلك نحو 3500 واط، منوهة إلى أن هذه الخطوة ستسهم بتخفيف الضغط عن منظومات الطاقة المنزلية.
كما أوصت باستبدال إنارة موفرة للطاقة بالإضاءة التقليدية، واستخدام أجهزة من نوع “إنفرتر” مثل المكيفات والبرادات والغسالات، لما تتمتع به من استهلاك منخفض للطاقة وقدرة أعلى على التوافق مع منظومات الطاقة الشمسية.
“الأمبيرات”.. حل احتياطي للكهرباء
عصام حلاق، من سكان حي السيد علي في حلب، اعتبر خلال حديث لعنب بلدي أن القرار ليس بالضرورة سلبيًا، موضحًا أن المقارنة مع تكلفة “الأمبيرات” تُظهر فارقًا واضحًا في التكلفة، إذ يبلغ متوسط اشتراك “الأمبير” الواحد نحو 280 ألف ليرة شهريًا، ولا يتيح تشغيل أكثر من الإنارة والتلفزيون لساعات محدودة، بينما يمكن للكهرباء النظامية، حتى ضمن الشريحة الثانية، تشغيل معظم الأجهزة المنزلية بحدود معقولة وبتكلفة أقل نسبيًا.
في المقابل، يرى إبراهيم رسلان، من سكان حي الزبدية، أن القرار سيضاعف الأعباء على الأسر محدودة الدخل، معتبرًا أن “الأمبيرات”” باتت حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، في حين أن ارتفاع تكلفة الكهرباء النظامية سيجعل الجمع بينهما عبئًا ماليًا كبيرًا، “خاصة في ظل ضعف الدخل الشهري وعدم استقرار ساعات التغذية النظامية”.
وأوضح أحمد دربيس، صاحب مولدة “أمبيرات” في حي الجميلية، أن الأهالي ما زالوا منقسمين في موقفهم من استمرار الاشتراك بخدمة “الأمبيرات” بعد صدور قرار رفع سعر الكهرباء المنزلية، مشيرًا إلى أن بعضهم أبقى على اشتراكه كما هو بدافع الخوف من ارتفاع الفواتير النظامية، بينما اختار آخرون إلغاء الاشتراك مع تحسن نسبي في ساعات التغذية الكهربائية.
وبيّن لعنب بلدي أن الكهرباء النظامية “تحسّنت فعلًا”، لكنها ما زالت غير متوفرة على مدار 24 ساعة، وهو ما يدفع عددًا من العائلات للاشتراك بـ”أمبير” واحد كحل احتياطي، رغم ارتفاع تكلفته مقارنة بدخلهم الشهري.
وأضاف أحمد أن قسمًا من السكان اتجه نحو تركيب منظومات طاقة شمسية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، معتبرًا أن الخيارات أمام الناس “باتت متعددة لكنها جميعها مكلفة”، وأن “الأمبير” ما زال بالنسبة لبعضهم ضرورة، حتى لو لم يعد الوسيلة الأرخص.
اقتراحات لتخفيف العبء
قدم الدكتور عبد الرحمن محمد مقترحًا يقضي بتقسيم تسعيرة الكهرباء مناطقيًا بحسب مستوى المعيشة، شارحًا، “يمكن تحديد 800 ليرة لكل كيلوواط ساعي في الأحياء الراقية، و600 في الأحياء المتوسطة، و100 ليرة لأول 200 كيلوواط في الأرياف والأحياء الشعبية، بحيث يراعى التفاوت في القدرة المادية بين المناطق”.
كما دعا إلى تقديم دعم مباشر للأسر الفقيرة، وإطلاق برامج ترشيد استهلاك وتوعية حول تقليل الفواتير، إضافة إلى استثمار عائدات تعديل الأسعار في تطوير البنية التحتية وتحسين الاستقرار الكهربائي.
من جهته، شدد الحلاق على ضرورة التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص في اتخاذ القرارات الاقتصادية، قائلًا، “لا يمكن معالجة أزمة بهذا الحجم دون إشراك غرف التجارة والصناعة واللجان الشعبية في الحوار، الحلول الفوقية تزيد من فجوة الثقة بين المواطن والحكومة”.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن تعديل أسعار الكهرباء ضرورة اقتصادية لا مفر منها لضمان استمرارية القطاع، لكنه يأتي مع تحديات كبيرة تتعلق بقدرة المواطنين على تحمل الأعباء المالية المتزايدة.
واعتبر أن من المهم أن تتبنى الحكومة استراتيجيات فعالة لضمان استدامة الخدمة الكهربائية دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، مما يتطلب توازنًا دقيقًا بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
أما الخبير الاقتصادي محمد الحلاق فقال إن سوريا اليوم بحاجة إلى رؤية واقعية تحافظ على استقرار المجتمع، “فلا يمكن أن نخرج من أزمة إلا إذا واجهناها بالحوار والشفافية، لا بالتجميل”.
يبقى واقع الكهرباء في سوريا معقدًا، حيث تتقاطع الحاجة مع القدرة الشرائية للأسر، خاصة محدودة الدخل منها، ليجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة بين التكلفة والضرورة، ما يجبره على الموازنة بين الحلول المؤقتة والحلول الاستثمارية طويلة الأمد لتأمين احتياجاته الكهربائية اليومية.
عنب بلدي
—————————-
سوريا تبحث مع “سيمنز” و”جنرال إلكتريك” مشروع كهرباء بـ7 مليارات دولار
بهدف إعادة بناء قطاع الطاقة السوري المتضرر من الحرب
الرياض/فرانكفورت – رويترز
13 نوفمبر ,2025
قالت ثلاثة مصادر لرويترز إن شركة جنرال إلكتريك فيرنوفا الأميركية وشركة سيمنس إنرجي الألمانية تجريان محادثات لتوريد توربينات غاز لمشروع بقيمة 7 مليارات دولار يهدف إلى إعادة بناء قطاع الطاقة السوري المتضرر من الحرب.
ووقعت سوريا اتفاقاً مع شركة تابعة لباور إنترناشيونال القابضة القطرية في مايو/ أيار لبناء أربع محطات لتوليد الطاقة بتوربينات غاز ذات دورة مركبة بطاقة إجمالية تبلغ 4000 ميغاواط. ويشمل الاتفاق أيضا محطة للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط.
وذكر مصدر أنه من الممكن منح كل من سيمنس إنيرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا عقوداً للمشروع، مضيفًا أنه من السابق لأوانه تحديد موعد إبرام الاتفاقيات.
ولم تتوفر تفاصيل عن المبلغ المرصود في الميزانية للتوربينات في إطار المشروع. ولم يعط أي من المصادر الثلاثة تقديرات لقيمة عقود التوربينات.
وقال مصدر آخر من الثلاثة إن المحادثات يمكن أن تفضي أيضا إلى إبرام اتفاقيات تتجاوز التوربينات لتشمل توريد البنية التحتية الحيوية لشبكة الكهرباء.
فرص للاستثمار
من شأن النجاح في إبرام تلك الصفقات أن يجعل سيمنس إنرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا من بين أولى الشركات الغربية التي تستفيد من إعادة إعمار قطاع الطاقة في سوريا، وذلك منذ أن رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معظم العقوبات المفروضة على دمشق في وقت سابق من هذا العام.
وقالت سيمنس إنرجي لرويترز إن “وفداً محلياً من سيمنس التقى مع صانعي القرار السوريين لاستكشاف كيفية تحسين إمدادات الطاقة في البلاد في الأمد القصير”.
وأفاد متحدث باسم الشركة “على الرغم من عدم إبرام أي اتفاقيات أو عقود محددة، فإننا على استعداد للمساهمة بخبرتنا التقنية إذا كان بإمكانها المساعدة في إنشاء واستقرار إمدادات الطاقة الموثوقة ودعم السكان”.
ولم تستجب شركتا جنرال إلكتريك فيرنوفا وباور إنترناشيونال القابضة لطلبات للتعليق. كما لم ترد وزارة الإعلام السورية بعد على طلب التعليق.
إحياء قطاع الطاقة
في أعقاب إطاحة المعارضة بالرئيس بشار الأسد في أواخر العام الماضي بعد حكم دام لسنوات، تسعى سوريا في عهد الرئيس الجديد أحمد الشرع إلى إعادة تنظيم علاقاتها الاستراتيجية بعيداً عن نفوذ إيران.
واجتمع الشرع مع ترامب في واشنطن هذا الأسبوع.
وقالت الشركات الأميركية بيكر هيوز وهانت إنرجي وأرجنت للغاز الطبيعي المسال في يوليو/ تموز إنها تعتزم دعم إعادة الإعمار بعد الحرب بمخطط رئيسي للتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما وإنتاج الطاقة.
وبسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة خلال الحرب الأهلية التي دامت 14 عاماً، لا تنتج سوريا اليوم سوى جزء بسيط من الكهرباء التي تحتاجها، على الرغم من تحسن إمدادات الطاقة بشكل ملحوظ في الأشهر الماضية بفضل الغاز من أذربيجان وقطر.
وقالت شركة دانة غاز الإماراتية أمس الأربعاء إنها وقعت مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول لتقييم فرص إعادة تطوير حقول غاز قائمة بعد تضررها خلال الحرب الأهلية.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج سوريا المحلي من الغاز الطبيعي انخفض إلى 3 مليارات متر مكعب في عام 2023 من 8.7 مليار متر مكعب في عام 2011 بسبب الحرب.
بنية تحتية متهالكة
وفي تصريحات سابقة، قال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، إن الحكومة تعمل على إعادة هيكلة قطاع الطاقة في سوريا، وإطلاق شركات قابضة لتعزيز الإنتاج وتطوير البنية التحتية.
وأضاف أن الوزارة ورثت بنية تحتية متهالكة في قطاعات النفط والكهرباء والمياه والثروة المعدنية، تشمل مصافي النفط، والحقول والآبار، وشبكات النقل والتوزيع، ومحطات التوليد التي كانت بحاجة إلى إعادة تأهيل جذرية.
وأوضح البشير، أنه تجري حالياً دراسة تأسيس شركات قابضة في مجالي النفط والكهرباء، تتولى كل أعمال التنقيب والإنتاج والنقل والتكرير والتوليد والتوزيع، بحيث تكون مشابهة لشركات النفط العالمية الكبرى.
وكشف عن دراسات جارية لإنشاء مصفاة نفط جديدة بطاقة 200 ألف برميل يومياً بهدف أن تصبح سوريا من الدول المصدرة للمشتقات النفطية.
————————–
تخفيض أسعار البنزين والمازوت والغاز في سوريا.. كم بلغت؟
2025.11.11
أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير قراراً يقضي بتحديد أسعار جديدة مخفّضة لبيع المشتقات النفطية، تشمل البنزين والمازوت وأسطوانات الغاز المنزلي والصناعي قبل أسابيع من دخول فصل الشتاء
وجاء في القرار الذي وصل موقع تلفزيون سوريا، نسخة منه، إن الأسعار الجديدة ستطبق اعتباراً من 12 تشرين الثاني.
وبحسب القرار أصبحت الأسعار على النحو الآتي:
البنزين أوكتان 90: 0.85 دولار لليتر الواحد.
المازوت: 0.75 دولار لليتر الواحد.
أسطوانة الغاز المنزلي (وزن 12 كغ): 10.5 دولارات للأسطوانة.
أسطوانة الغاز الصناعي (وزن 16 كغ): 16.8 دولاراً للأسطوانة.
ويعكس القرار الجديد تخفيضاً واضحاً في الأسعار مقارنة بالتسعيرة السابقة التي كانت على الشكل التالي:
ليتر البنزين أوكتان 90: (1.1 دولار).
ليتر المازوت: (0.95 دولار).
ليتر البنزين أوكتان 95: (1.23 دولار).
أسطوانة الغاز المنزلي (12 كغ): (11.8 دولار).
أسطوانة الغاز الصناعي: (18.88 دولار).
اقرأ أيضاً
صورة أرشيفية – رويترز
تماشياً مع تراجع الليرة أمام الدولار.. تعديل جديد لأسعار المحروقات في سوريا
إلغاء القرارات السابقة
وأشار القرار إلى أن الأسعار الجديدة تُعتمد ابتداءً من التاريخ المحدد، على أن تُلغى بموجبها جميع القرارات السابقة التي تتعارض مع أحكام القرار الجديد.
ويأتي هذا التخفيض في إطار ما تقول الحكومة إنه “إجراءات لتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين”، وسط جدل واسع بما يخص رفع أسعار الكهرباء في سوريا.
—————————–
بعثة من صندوق النقد الدولي زارت سوريا لمناقشة أولويات الإصلاح الاقتصادي
2025.11.14
قالت جولي كوزاك المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، إن الصندوق أرسل بعثة من الخبراء إلى دمشق هذا الأسبوع للقاء السلطات السورية ومناقشة أولويات الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المساعدة الفنية.
وأضافت كوزاك، الخميس، أن الخطوة التالية ستكون إجراء المزيد من المناقشات حول كيفية تمهيد الطريق لإجراء مراجعة “المادة الرابعة” لاقتصاد البلاد، والتي ستكون الأولى منذ عام 2009. وفق وكالة رويترز.
وأضافت للصحفيين أن المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا التقت بالرئيس السوري أحمد الشرع الأسبوع الماضي وأجريا مناقشات ركزت على التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، وكيف يمكن للصندوق مواصلة دعم البلاد من خلال تقديم المشورة السياسية في إطار إعادة بناء مصرفها المركزي ومؤسساتها الاقتصادية الأخرى.
والأحد الماضي، اجتمع الشرع بالمديرة العامة لـ صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، وذلك في مقر الصندوق بالعاصمة الأميركية واشنطن.
وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا)، بأنّ وزير الخارجية السوريّة أسعد الشيباني، حضر الاجتماع برفقة الرئيس الشرع.
وخلال الاجتماع، بحث الطرفان أوجه التعاون المحتملة بين سوريا وصندوق النقد الدولي، بما يعزّز التنمية ويدفع عجلة التطوير الاقتصادي في البلاد.
————————-
ناقلة سعودية بمنحة نفطية تعزز إمدادات الطاقة في سورية/ عبد الله السعد
14 نوفمبر 2025
تستعد سورية لاستقبال دفعة جديدة من الدعم النفطي المقدم من المملكة العربية السعودية، في خطوة تعكس تنامي التعاون بين البلدين وتساهم في تعزيز استقرار قطاع الطاقة المتضرر خلال السنوات الماضية. ويأتي هذا الدعم في إطار المنح المخصصة لتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية وتشغيل المصافي السورية.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام للشركة السورية لنقل النفط أحمد قبه جي، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، أن الشركة تستعد لاستقبال ناقلة نفط سعودية بعد ستة أيام، تحمل الدفعة الأولى من شحنة تبلغ 1.600 مليون برميل نفط، ستصل على دفعتين بشكل مجاني، في إطار منحة المملكة العربية السعودية لتلبية جزء من احتياجات سورية من المشتقات النفطية.
وأشار إلى أن الدعم السعودي يعزز الاستدامة التشغيلية والمالية للمصافي السورية ويدعم الاقتصاد الوطني. وأضاف أن الشركة السورية لنقل النفط تواصل تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى تشمل إعادة تأهيل خطوط النقل الحالية وتطويرها، بما يسهم في تحسين قدرة نقل النفط والوقود داخلياً وتعزيز استقرار قطاع الطاقة. وأوضح قبه جي أن هذه المبادرة تأتي ضمن جهود مشتركة بين سورية والسعودية لتأمين احتياجات المواطنين من الوقود، ودعم تشغيل المصافي، وتعزيز نمو القطاعات الحيوية في ظل التحديات الاقتصادية القائمة.
ويأتي هذا الدعم السعودي في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة تشغيل قطاع الطاقة المتضرر نتيجة سنوات من الإهمال والعقوبات، حيث ستُوجّه الشحنة لتشغيل مصفاة بانياس بشكل أساسي، بهدف توفير الوقود للمركبات وضمان استدامة عمل المصفاة. وكان وزير الطاقة السوري محمد البشير قد أكد سابقاً أهمية هذه الشحنات في دعم الاستقرار التشغيلي والمالي للمصافي السورية، إضافة إلى المساهمة في تلبية احتياجات الكهرباء والقطاعات الحيوية الأخرى.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها السعودية مع وزارة الطاقة السورية خلال أغسطس/آب الماضي على هامش معرض دمشق الدولي، وتشمل مجالات الكهرباء والنفط والغاز، بما في ذلك صيانة الحقول النفطية، وحفر الآبار، وتطوير الأيدي العاملة، وتنفيذ مشاريع النقل والتوزيع.
وبحسب الشركة السورية للنفط، ستصل الناقلة السعودية بعد ستة أيام لتبدأ بعدها مرحلة النقل والتوزيع، ما يُتوقع أن يخفف من الضغط على السوق المحلية ويدعم جهود الحكومة في تحقيق استدامة قطاع الطاقة وتحفيز الاقتصاد السوري نحو مزيد من الانتعاش. وتشهد العلاقات الثنائية بين المملكة وسورية تطوراً سريعاً في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع الطاقة.
ووقع وزيرا الطاقة في البلدين مذكرة تفاهم في الرياض أواخر يوليو/تموز الماضي لتشجيع التعاون في مجالات البترول والغاز والبتروكيماويات والكهرباء والربط الكهربائي والطاقة المتجددة. وفي 11 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت السعودية تقديم دعم إلى سورية لتأمين احتياجاتها من الوقود عبر منحة تبلغ 1.65 مليون برميل نفط، لتلبية جزء من احتياجات المواطنين من المشتقات النفطية، وأيضاً لتوفير الوقود لمحطات الكهرباء.
كما وقع الصندوق السعودي للتنمية مذكرة تفاهم مع وزارة الطاقة السورية، تتضمن تقديم منحة من النفط السعودي إلى سورية، في إطار دعم المملكة للأشقاء في سورية، والإسهام في تحسين الاستقرار والتنمية المستدامة. وتعمل منحة النفط السعودي على تشغيل المصافي السورية، وتحقيق الاستدامة التشغيلية والمالية، ودعم تنمية الاقتصاد، ومواجهة التحديات الاقتصادية، وتحفيز نمو القطاعات الحيوية، إضافة إلى دعم الجهود الوطنية والدولية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
العربي الجديد
———————————-
==================
تحديث 13 تشرين الثاني 2025
——————————-
سوريا والعقوبات: الأشهر الستة التي سوف تحدد مصير الملف/ محمد سليمان
12 نوفمبر 2025
يشهد الملف السوري مرحلة مفصلية، تُرسم ملامحها الأولى بتعليق عقوبات قانون قيصر الأميركي، وهي الخطوة التي تحمل في طياتها إشارات تنتمي إلى السياسة أكثر من الاقتصاد، فالقرار الأخير بتعليق العقوبات جزئيًا يشير إلى أن المجتمع الدولي يراقب عن كثب أداء السلطات السورية، وأن أي تقدم سياسي أو أمني أو اقتصادي سيكون له أثر مباشر على إمكانية رفع العقوبات بالكامل.
وفق المحلل السياسي كمال بكار، هذه الخطوة تمثل فرصة للسلطات السورية الجديدة لاستعادة شرعية دولية واسعة، لكنها مرتبطة بشروط صارمة لا يمكن تجاهلها: “مجرد تعليق أو رفع العقوبات، سواء أُعلن أنه مشروط أو لم يعلن، فهو مشروط. أي تقييم للعقوبات يتم كل ستة أشهر، وأي تحسن سياسي يُترجم مباشرة في إعادة النظر بالعقوبات”.
هذه الفرصة ليست فقط فرصة اقتصادية، بل اختبار سياسي شامل لقدرة سوريا على إعادة تموضعها على الساحة الدولية، وبناء الثقة مع الغرب، بعد سنوات من العزلة والتوتر الإقليمي.
رفع جزئي مشروط: الرسالة السياسية
يؤكد كمال بكار أن تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر يحمل رسالة سياسية واضحة:
“هناك اليوم إعفاء من العقوبات لمدة ستة أشهر، وبعدها يتم إعادة تقييم عملك في الملفات المهمة. كل ذلك مشروط بحسن سير العملية السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية”.
وأضاف: “هذه الخطوة ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل رسالة سياسية للسلطات السورية بأن المجتمع الدولي يتابع التزاماتها عن كثب. رفع كامل للعقوبات سيكون ممكنًا فقط إذا تم تحقيق تقدم ملموس”.
محللون سياسيون، ومن ضمنهم الناشط السياسي طلال سيف، يؤكدون أن البعد السياسي للخطوة أكبر بكثير من البعد الاقتصادي، يقول سيف: “تعليق العقوبات يعطي سوريا القدرة على التعامل كدولة مقبولة عالميًا، ويخلق ثقة متبادلة مع إدارة الرئيس الأميركي والدول الغربية، وهي ثقة أساسية لبناء مستقبل سياسي مستقر”.
الأشهر الستة القادمة: اختبار الالتزامات السورية
يشدد كمال بكار على أن الفترة المقبلة تمثل اختبارًا حقيقيًا للسلطات السورية، مع التركيز على أربعة ملفات رئيسية:
ــ مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم داعش: ويشمل مفهوم الإرهاب “التنظيمات التي ترفض هذا التقارب أو الخط الأميركي، أو التي تعارض سلوكيات السلطة الجديدة”.
ــ الإصلاحات السياسية والحقوقية: تعزيز الحريات وحقوق الإنسان ومشاركة المجتمع المدني هو معيار رئيسي لبناء الثقة الدولية.
ــ الالتزامات الاقتصادية: السماح ببعض الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحسين بيئة الأعمال يظهر جدية السلطات في استثمار الفرصة المتاحة.
ــ العلاقات الدولية والإقليمية: استمرار الحوار مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا سيكون معيارًا رئيسيًا لتقييم الخطوات المقبلة.
فرص وتحذيرات: المشهد السياسي خلال الأشهر الستة
يؤكد كمال بكار أن الفترة المقبلة فرصة حاسمة للسلطات السورية الجديدة: “هذه الفرصة الأكبر والأثمن لهذه السلطة في عملية تقارب مع الغرب. إذا استطاعت انتهازها، ستعبر السلطة ومعارضوها وبلادها إلى خط الأمان؛ وإذا فشلت، سنكون مقبلين على واقع أمني وعسكري وسياسي واقتصادي أقرب إلى الدمار”.
ويضيف طلال سيف: “المشهد السياسي في الأيام القادمة يعتمد على مدى قدرة الحكومة السورية على الالتزام بالشروط الدولية، خاصة في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية. أي إخفاق سيؤدي إلى تراجع فرصها السياسية واستمرار العقوبات”.
فرصة سياسية مشروطة
رفع أو تعليق العقوبات عن سوريا ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو خطوة سياسية مشروطة تعتمد على الالتزام بمجموعة من الملفات الأساسية. وفق المحلل كمال بكار والناشط طلال سيف، الأشهر الستة القادمة هي فترة اختبار حقيقية للسلطات السورية، وستحدد ما إذا كانت البلاد ستشهد تحررًا سياسيًا حقيقيًا على المستوى الدولي أم ستظل مقيدة بالعزلة والتحديات الداخلية والخارجية.
—————————
لماذا توثق سوريا علاقاتها مع صندوق النقد؟/ شاهر الأحمد ومحمود يوسف
تحديث 13 تشرين الثاني 2025
لن تقترض سوريا لإعادة إعمار ما عمّه الدمار خلال الحرب، وفق قول الرئيس السوري أحمد الشرع في أكثر من مناسبة الذي حرص على لقاء مسؤولي صندوق النقد والبنك الدوليين أكثر من مرة، كان آخرها الأحد الماضي عندما التقى مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا في مقر الصندوق في واشنطن.
ركزت المناقشات بين الشرع وجورجيفا على أطر التعاون الممكنة بين سوريا والصندوق لتعزيز النمو الاقتصادي ودعم الإصلاح الاقتصادي، ومن بين المواضيع التي طُرحت إصلاح البنك المركزي السوري، وتقديم بيانات اقتصادية موثوق بها، ورفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات.
أكدت جورجيفا استعداد الصندوق لتقديم الدعم والمساعدة لسوريا، وقالت في منشور لها على منصة إكس إن المناقشات تناولت التحوّل الاقتصادي الذي تحتاجه سوريا، مؤكدة حرص الصندوق على تقديم المساعدة، بما في ذلك تقديم الدعم الفني للمؤسسات المالية الرئيسية في الدولة السورية.
ماذا تريد دمشق من الصندوق؟
سوريا تسعى من خلال اللقاء مع مسؤولي الصندوق وكذلك البنك الدولي لتحقيق جملة أهداف:
1) الاعتراف الدولي والانفتاح المالي
فاللقاء مع مؤسسة دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمنح شرعية مالية دولية ويُرسل إشارة إلى المجتمع الدولي بأن سوريا جاهزة للعودة إلى النظام المالي العالمي بعد أكثر من عقد من العزلة والعقوبات.
واستقبال الصندوق أو البنك الدولي وفدا من المسؤولين السوريين أو إطلاق برامج مساعدة فنية يُعتبر تقدما مهما لدمشق على المستوى الدولي يعطي مصداقية للنظام الحاكم في سوريا ويشجع المستثمرين لإنجاز مشاريع فيها.
2) الحصول على المساعدة التقنية
هناك فارق جوهري بين القروض المالية والمساعدات الفنية، وسوريا تسعى للثانية أي الدعم في إصلاح النظام الضريبي والأدوات المالية والسياسة النقدية، من خلال تحديث البنك المركزي السوري، وتطوير الإحصاءات الاقتصادية، وإدارة الدين العام. هذه المساعدات تُقدَّم عادة للدول الأعضاء من دون شروط ولا تدخل في السياسة المالية مثل القروض.
3) تحسين الصورة أمام المانحين
وجود علاقة عمل مع الصندوق يجعل الدول الأخرى والمنظمات (مثل البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي) أكثر استعدادا للتعاون أو التمويل، لأن الصندوق يُعدّ جهة تقييم مستقلة لمتانة الاقتصاد.
أي إن العلاقة مع الصندوق أداة لتحسين السمعة المالية وليست هدفا للحصول على قروض مباشرة.
إزاء ذلك يقول الدكتور جلال قناص، الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد بجامعة قطر، إن الدور الحالي للصندوق يتركز على تقديم خدمات غير مالية حيوية لدعم التعافي الاقتصادي وتقوية المؤسسات بما يشمل المساعدة الفنية وبناء القدرات (Capacity Development)، إذ يرسل الصندوق خبراءه لتدريب الكوادر الوطنية وتقوية مؤسسات الدولة في المجالات التالية:
إدارة المالية العامة: المساعدة في تحديث أنظمة الضرائب والجمارك لزيادة الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة إعداد الموازنة وتنفيذها لضمان الإنفاق المسؤول.
السياسة النقدية والقطاع المالي: تقديم المشورة للبنك المركزي لتعزيز استقلاليته والعمل على تحقيق استقرار الأسعار (مكافحة التضخم) وإعادة بناء الثقة بالعملة المحلية.
الإحصاءات الاقتصادية: تطوير القدرات لجمع ونشر بيانات اقتصادية موثوقة وشفافة، وهي أساسية للتخطيط السليم وجذب المستثمرين.
مكافحة الفساد وغسل الأموال: المساعدة في بناء إطار قانوني ومؤسسي للالتزام بالمعايير الدولية، وهو شرط ضروري لإعادة ربط الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي (مثل نظام سويفت).
المشورة والمراقبة الاقتصادية: يجري الصندوق تقييمات محايدة ومستنيرة للاقتصاد السوري، ويقدم مشورة إستراتيجية لرسم خارطة طريق للإصلاحات الهيكلية الطويلة الأمد. هذه التقييمات تساعد في توجيه جهود المانحين والشركاء الدوليين بشكل فعال ومنسق.
تسهيل الاندماج العالمي: مجرد انخراط سوريا في أنشطة الصندوق غير المالية يعكس التزاما بالإصلاح، مما يبعث برسالة إيجابية للمجتمع الدولي ويسهل الطريق أمام عودة التمويل والاستثمار الخارجي في المستقبل.
ويضيف قناص، في حديث مع الجزيرة، أن قبول سوريا للدعم الفني من صندوق النقد الدولي لا يترتب عليه التزامات مالية (ديون)، بل التزامات مؤسسية وسياسية لضمان نجاح الدعم واستمراريته، وهذه الالتزامات تختلف جذريا عن شروط القروض الصارمة، وفق قوله.
مصرف سوريا المركزي يتطلع إلى أول معاملة مع بنك أميركي بنظام سويفت (رويترز)
التفاهم مع المؤسسات المالية الدولية يشمل توفير كوادر فنية متخصصة داخل المصرف المركزي (الجزيرة)
ويوضح أن أهم هذه الالتزامات تتلخص في ما يلي:
الإرادة السياسية والتطبيق الفعلي: تبنّي وتطبيق المشورة الفنية التي يقدمها الخبراء في مجالات مثل إصلاح الضرائب أو أنظمة الموازنة، وفي هذا الصدد يقول قناص إنه يجب أن تكون ثمة إرادة سياسية عليا لترجمة التوصيات إلى قوانين وإجراءات عملية لضمان استدامة الكفاءات المكتسبة.
الشفافية وتبادل البيانات: يجب على السلطات السورية الالتزام بتزويد خبراء الصندوق ببيانات اقتصادية ومالية دقيقة وموثوقة (كبيانات الموازنة والتضخم والقطاع المالي) بشكل منتظم، وفق قناص.
التعاون المؤسسي: تسهيل وصول الخبراء إلى المؤسسات المستفيدة (وزارة المالية والبنك المركزي) وتخصيص الكوادر المحلية المؤهلة للمشاركة الكاملة في برامج التدريب وبناء القدرات.
قبول الدعم الفني هو تعهد باستغلال الموارد الفنية المتاحة بفاعلية لتقوية المؤسسات الاقتصادية للدولة.
بديل القروض
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي العراقي وضاح الطه إن ثمة عضوية للدول في صندوق النقد والبنك الدوليين، ومن ثم فإن تقديم النصح والتوصيات من المؤسسات الدولية أمر طبيعي.
ويضيف الطه -في حديث مع الجزيرة نت- أن التوصيات تكون حادة لبعض الدول وربما تؤثر بشكل واضح على الحياة الاجتماعية والمواطنين لا سيما ذوي الدخل المحدود، لذلك من الصعب أن تدخل سوريا اتفاقا مع الصندوق أو البنك أو تفرض شروطا معينة.
وحسب الطه، فإنه عادة ما تطلب المؤسسات الدولية تحرير أسعار خدمات أو سلع من الدعم، ومن ثم تسعيرها بآلية السوق (العرض والطلب) وهذا ما ذهبت إليه مصر على سبيل المثال في مفاوضاتها مع الصندوق عند عملية الاقتراض مما رفع أسعار الوقود ورفع مستوى التضخم.
ويرى أن دخول سوريا في اتفاقات مع المؤسسات الدولي بحد ذاته نقطة إيجابية، لا سيما أنها تمثل اعترافا دوليا بالنظام المالي السوري كما أنها تمثل رغبة من سوريا في تطوير النظام المالي وتحسين الوضع الاقتصادي.
ويقول الطه: “أتفهم رأي الإدارة السورية الحالية في عدم لجوئها إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية بسبب الشروط التي يمكن أن تفرض عليها وستكون قاسية”، مشيرا إلى أن البديل هو اللجوء إلى الدول العربية بالأخص السعودية والإمارات وقطر والدخول في مشاريع استثمارية وجلب ودائع لدى مصرف سوريا المركزي على غرار ما تم إيداعه في البنك المركزي المصري ونجحت هذه الفكرة في تحسين واقع الاحتياطي للعملات الصعبة في مصر.
مشاركة سوريا في اللقاء الدولية أسفرت عن تفاهمات استراتجية(الجزيرة نت)
برنية (وسط) في لقاء بواشنطن خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في أكتوبر الماضي (الجزيرة)
علامة إيجابية.. ولكن
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت الدكتور أنور الشريعان أن الناحية الإيجابية للتعامل مع صندوق النقد أنه سيكون علامة إيجابية على إجراءات السلامة في نقل الأموال من سوريا وإليها، فضلا عن سلامة إصلاحات النظام المالي.
ويقول الشريعان إن سوريا تحتاج في الوقت الحالي إلى إعادة فتح أسواقها واستيراد التكنولوجيا المتطورة لدعم الصناعات لتعزيز قدرتها على الإنتاج والمنافسة، الأمر الذي يتطلب ثقة أكبر لدى المستثمرين بالدولة وقد يكون التعامل مع صندوق النقد مؤشرا إيجابيا في هذا الصدد.
لكنه أشار إلى أن الجانب السلبي في التعرض لصندوق النقد في الدعم غير المالي يتمثل في الحد من قدرة الحكومة والبنك المركزي على التدخل في القطاع المالي خصوصا في فترة تحتاج فيها الدولة إلى إصلاحات، بالإضافة إلى أن الدعم من الصندوق يحاكي في بعض الأحيان السياسة الأميركية في بعض القرارات والأمور، فعلى سبيل المثال قد يفرض على سوريا عدم التعامل مع روسيا وهي دولة فاعلة ومشاركة في الاقتصاد السوري منذ مدة طويلة.
وكان وزير المالية السوري محمد يسر برنية قد أكد الشهر الماضي أن مشاركة بلاده في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين التي عقدت في أكتوبر/تشرين الأول قد أسفرت عن تفاهمات إستراتيجية، تشمل إطلاق برامج مساعدات فنية في الإصلاح المالي والمصرفي والإحصاءات وإدارة الدين.
وأضاف في تصريحات للإعلام أنه تم الاتفاق على إجراء مشاورات حول المادة الرابعة خلال 6 أشهر، قد تؤدي إلى برنامج إصلاحي غير مرتبط بقروض، وتعيين ممثل مقيم للصندوق في دمشق مع إلغاء الإجراءات الأمنية السابقة.
أما مع البنك الدولي، فستستقبل سوريا 6 بعثات فنية في قطاعات الطاقة والمياه والتعليم والصحة والنقل، إلى جانب تمويل منح بقيمة مليار دولار لمشاريع تنموية خلال 3 سنوات، وإعادة تفعيل العلاقات مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) ووكالة ضمان الاستثمار (MIGA)، مع فتح مكتب دائم للبنك في دمشق.
وأشار برنية إلى تقدم في الشراكة مع وزارة الخزانة الأميركية، ولقاءات مع الصناديق العربية، مشددا على استثمار هذا الزخم لأجندة التنمية الوطنية.
المصدر: الجزيرة
——————————–
الشرع في شِباك صندوق النقد الدولي … هل يفلت؟/ مصطفى عبد السلام
12 نوفمبر 2025
من المبكر القول إن سورية بقيادة أحمد الشرع وقعت في فخاخ صندوق النقد الدولي وشباكه السامة وبرامجه الساحقة للفقراء وروشتته المدمرة للاقتصادات الوطنية والأسواق والمواطن، وذلك بعد مقاطعة دامت عقوداً عدة.
ولا توجد إشارات قوية على أن الخطوة التالية هي تقدم الحكومة السورية بطلب إلى المؤسسات المالية العالمية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان، للحصول على قروض وتسهيلات ومساعدات مالية وبرامج تمويل بمليارات الدولارات، أسوة بدول عربية وأجنبية أخرى، في مقدمتها مصر والأرجنتين وباكستان وأوكرانيا والأردن وتونس والمغرب وجنوب أفريقيا، وغيرها من الدول التي لجأت إلى الصندوق، عندما واجهت أزمات مالية واقتصادية كبيرة، واضطرابات حادة في أسواق الصرف الأجنبي، وعجزاً كبيراً في الإيرادات الدولارية، وسيطرة المال الأجنبي الساخن على الاقتصاد والأسواق.
وفي تقديري أنه لا توجد ضرورة ملحة تدفع السلطات السورية إلى طلب قروض عاجلة من صندوق النقد وغيره من كبار الدائنين لأسباب عدة، أبرزها أن سورية لا تشهد حالياً تهاوياً في قيمة الليرة، أو اضطرابات عنيفة في سوق الصرف الأجنبي، يدفعها لطلب النجدة العاجلة من الصندوق لإعادة الثقة بتلك العملة، وكبح جماح المضاربين والسوق السوداء العنيفة، وأن سورية لا تعاني من تخمة في الديون الخارجية وأعبائها، إذ إن حجم الدين الأجنبي يتراوح بين 20 و23 مليار دولار وفق تقديرات حكومية وهو رقم مقبول، وتاريخياً فإن نظام الأسد ظلّ على قطيعة مع المؤسسات المقرضة باستثناء الاستدانة من كبار داعميه روسيا وإيران، وهو ما قلّص فاتورة الدين.
كما أن هناك تدفقات دولارية ملحوظة على سورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، سواء من المغتربين السوريين والصادرات أو الاستثمارات العربية والأجنبية والسياح والمساعدات الخارجية، وهو ما أدى إلى تحسن في قيمة الليرة مقابل الدولار.
أضف إلى ذلك أن سورية لا تعاني من عجز ضخم في ميزانها التجاري، الفارق بين الصادرات والواردات، يستدعي الحصول على سيولة خارجية عاجلة لردم هذا العجز. وهناك آمال معقودة على إعادة الأموال المنهوبة من النظام السابق، وتحسن إيرادات قطاع الطاقة، سواء من النفط أو الغاز، وكذلك قطاع المعادن الواعد.
لكن في المقابل فإن سورية بحاجة إلى مئات المليارات من الدولارات، سواء لأغراض إعادة بناء الاحتياطي الأجنبي المتهاوي لدى البنك المركزي، أو تمويل مشروعات إعادة الإعمار البالغة كلفتها 216 مليار دولار وفق تقديرات مجموعة البنك الدولي، في حين ترفع مؤسسات أخرى الرقم إلى ما بين 600 و900 مليار دولار، أو لسداد حصيلة الواردات التي من المتوقع زيادتها في الفترة المقبلة لتلبية احتياجات الأسواق المحلية أو توفير مستلزمات قطاع الصناعة والصادرات والإنتاج.
كما أن النظام الحالي ورث دولة متهالكة ذات ديون محلية ضخمة وقطاع عام 70% منه شركات خاسرة، وخزائن فارغة غير قادرة على إبرام صفقات لاستيراد الوقود والقمح والبضائع الرئيسية الأخرى. وبالتالي فهو بحاجة ملحة إلى سيولة مالية ضخمة.
في ظل هذا المشهد وتلك الاعتبارات وغيرها يتم النظر إلى خبر زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى مقر صندوق النقد الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن ولقائه بداية هذا الأسبوع بمدير عام الصندوق كريستالينا غورغيفا.
صحيح أن العنوان العريض للقاء هو “بحث أوجه التعاون المحتملة بين سورية وصندوق النقد الدولي وتعزيز عجلة التنمية ودعم التطوير والإصلاح الاقتصادي”، وفق بيان رئاسة الجمهورية، وكذلك بحث إصلاح البنك المركزي السوري، وتقديم بيانات اقتصادية موثوق بها، ورفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات الدولارية، لكن هناك عشرات من الأسئلة التي لم يتطرق إليها البيان الرسمي والإعلام السوري عند حديثه عن نتائج الزيارة والموضوعات التي تم طرحها للنقاش.
أول تلك الأسئلة: هل فاتح الشرع غورغيفا بشأن قروض مليارية محتملة أم لا، وفي حال حدوث ذلك، ما الذي تقدمه حكومته مقابل الحصول على تلك الأموال وفتح خزائن المؤسسات المالية الأخرى لاغتراف المليارات منها، كما تفعل الدول المدينة الأخرى؟
الثورة
وهل تكرر سورية تجارب الآخرين مقابل الاستدانة من الصندوق وتطلق برنامجاً ظاهره “الإصلاح الاقتصادي والمالي” وتحسين إيرادات الدولة، لكن باطنه، غلاء وتضخم وسحق الطبقات الفقيرة وتهاوي العملة المحلية وبيع أصول الدولة والشركات العامة والاعتماد شبه الكلي على القروض والأموال الساخنة في سد عجز الموازنة وردم فجوة التمويل؟
وفي حال عدم طلب الشرع قروضاً من الصندوق كما أكد الإعلام الرسمي، فما هو مغزى زيارته الأخيرة لمقر المؤسسة في واشنطن، هل نقتنع بأن هدف الزيارة هو طلب الشرع مساعدات فنية، وبحث شكل التحول الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون؟
العربي الجديد
——————————–
صدمة “الفاتورة” وقسوة “التقنين”: أين الحل لأزمة كهرباء سوريا؟/ مازن الشاهين
أزمة الكهرباء تثير الجدل في سوريا
2025-11-13
“التسعيرة مجحفة وغير منطقية مقارنة بالدخل والرواتب، وستؤدي إلى رفع الأسعار وتكاليف الإنتاج، ما يُخرج المنتجين الصغار من السوق ويزيد البطالة”. هكذا عبّر أحد السوريين عن غضبه من قرار رفع أسعار الكهرباء الذي بدأ تطبيقه في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات محلية، موجة استياء واسعة، عبّر فيها السوريون عن خشيتهم من انعكاس القرار على تكاليف المعيشة التي باتت تفوق قدرتهم على التحمل، في بلد يعاني منذ سنوات الحرب من ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.
وقال أحدهم ساخراً: “لا تصرفوا كهربا… ولا تشغّلوا إلا الضروري في البيت”.
وأضاف ثالث: “المشكلة ليست في السعر، بل في الدخل؛ فالكهرباء رخيصة نسبياً لكنها تستنزف نسبة كبيرة من دخل المواطن مقارنة بالدول المجاورة”.
وعبّر آخرون لـ”963+” عن استياء واسع من ارتفاع الفواتير، التي قد تتجاوز نصف راتب الموظف، معتبرين القرار “كارثة اقتصادية” تزيد الفقر وتضع الأسر أمام خيارات صعبة.
وقال أحدهم: “الفاتورة الجديدة قد تتجاوز نصف الراتب… كيف يعيش الموظف من بقية دخله؟”
في المقابل، أشار البعض إلى أن القرار قد يشجع استخدام الطاقة الشمسية، بينما ربط بعضهم الأمر بضرورة التزام الحكومة بزيادة الرواتب لتعويض الارتفاع، وهو ما لم يتحقق بعد.
وتعكس هذه التعليقات شعور السوريين بأن رفع الأسعار جاء في وقت لا يتحسن فيه الواقع الكهربائي، مع استمرار ساعات التقنين الطويلة واعتمادهم الكبير على مولدات “الأمبير” باهظة الكلفة لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
قرار الحكومة وتبريراته
قررت الحكومة السورية الانتقالية رفع تعرفة الكهرباء ضمن خطة “إصلاح القطاع”، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لمواجهة الخسائر السنوية الكبيرة التي تُقدّر بمليار دولار، وتحسين استقرار الكهرباء وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى تشجيع الاستثمار في القطاع.
وأكد مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، أن القرار يشمل المؤسسات الحكومية التي تستهلك نحو 30% من الإنتاج الكهربائي لتدفع من ميزانياتها الخاصة، فيما ستُستخدم زيادة الإيرادات لتحسين شبكات النقل والتوزيع وتأمين الوقود اللازم للتوليد.
وغرد وزير الطاقة محمد البشير على منصة “إكس”: “يُعد تعديل التعرفة خطوة أولى وأساسية في مسار إصلاح منظومة الكهرباء في سوريا، لتحسين كفاءة القطاع واستدامتها”، مشيراً إلى إجراءات مستقبلية تشمل تركيب العدادات الذكية وزيادة القدرة الإنتاجية وتقليل الفاقد الفني والتجاري.
من جهته، صرّح وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار بأن الهدف من الرفع هو “تصحيح سياسات قديمة” وبناء قطاع طاقة مستدام، مؤكداً أن الدولة بدأت برفع الأجور في القطاع العام، وتعمل على زيادة رواتب القطاع الخاص لمساعدة الأسر على التكيّف مع الأسعار الجديدة.
الارتفاع الكبير في الأسعار
تُظهر المقارنة بين الأسعار القديمة والجديدة مدى القفزة الكبيرة التي شهدها القطاع الكهربائي: “قبل الحرب: سعر الكيلوواط الساعي ضمن شريحة (0–600 ك.و.س) كان 10 ليرات سورية فقط. عام 2023: ارتفع إلى 150 ليرة سورية. الآن في 20.25: بلغ السعر 600 ليرة سورية”.
أما الشريحة الثانية (601–1000 ك.و.س)، فارتفع سعر الكيلوواط من 25 ليرة قبل الحرب إلى 450 ليرة عام 2023، ثم إلى 1400 ليرة وفق التعرفة الجديدة، ما يعني تضاعف السعر في الشريحة الأولى المدعومة بنحو 60 مرة مقارنة بالسعر القديم.
وأعادت الحكومة هيكلة الشرائح لتقتصر على شريحتين أساسيتين فقط، مع بقاء دعم بنسبة 60% للاستهلاك المنزلي حتى 300 ك.و.س، فيما تتراوح أسعار الكهرباء الصناعية والتجارية بين 1700 و1800 ليرة سورية للكيلوواط الساعي.
تعرفة الكهرباء الجديدة
أعلنت وزارة الطاقة أن التعرفة الجديدة جاءت ضمن خطة “إصلاح القطاع”، وتوزعت كالآتي: “الشريحة الأولى (ذوو الدخل المحدود): أقل من 300 ك.و.س بسعر 600 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثانية (الدخل المتوسط): بسعر 1400 ل.س للكيلوواط. الشريحة الثالثة (المؤسسات الحكومية والشركات): بسعر 1700 ل.س للكيلوواط. الشريحة الرابعة: (المعامل): بسعر 1800 ل.س للكيلوواط”.
الواقع الكهربائي بالأرقام
تقدّر حاجة سوريا من الكهرباء بنحو 7 آلاف ميغاواط، فيما يبلغ الإنتاج الفعلي نحو 2200 ميغاواط فقط بسبب نقص الوقود والغاز اللازم للتوليد. وتنتج البلاد حوالي 6 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، وهي كمية غير كافية لتشغيل المحطات بكامل طاقتها.
وتعاني المحافظات من تهالك شبكات النقل والمحولات، وتحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة. وتعمل الحكومة على مشروع تركيب 6.5 مليون عداد ذكي مسبق الدفع، وتأهيل محطات التوليد المدمرة، إضافة إلى استجرار الغاز من أذربيجان عبر تركيا ضمن منحة من صندوق قطر للتنمية.
ويقول الخبير الاقتصادي محمد العلوش لـ”963+” إن الزيادة الأخيرة أثارت مخاوف واسعة لانعكاسها على تكاليف السلع والخدمات، خصوصًا في بلد يعاني ضعف القدرة الشرائية وتضخم متسارع.
ويضيف أن الكهرباء عنصر أساسي في كل حلقات الإنتاج، وأي زيادة في سعرها تؤثر مباشرة على الأسعار النهائية للسلع. وأكد أن الاستياء الشعبي مبرر، لأن الزيادة لم تُقابل بتحسين ملموس في الخدمة، ولا تزال ساعات التغذية محدودة، كما انتقد غياب الشفافية حول حجم الدعم الحقيقي والخسائر.
ويشير العلوش إلى حلول مقترحة تشمل إعادة هيكلة التعرفة بشفافية وعدالة، دعم مباشر للأسر منخفضة الدخل، مراقبة أداء القطاع ونشر بيانات دورية، تشجيع استخدام الأجهزة الموفّرة للطاقة والطاقة المتجددة، وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
عدالة الفاتورة وعدالة التكلفة
يرى الأكاديمي خالد البعاج في تصريحات لـ”963+” أن المعضلة تكمن في إيجاد توازن بين “عدالة الفاتورة على المواطن” و”عدالة التكلفة على الدولة”.
ويؤكد على أن الحل لا يقتصر على الجباية فقط، بل يتطلب مقاربة شاملة تشمل تحسين الخدمة وربط رفع الأسعار بخطة واضحة لزيادة ساعات التغذية تدريجياً، خفض الفاقد الفني والتجاري، وتفعيل الشفافية بنشر تقارير دورية عن الأداء والإنتاج. وأشار إلى أهمية تسهيل الاستثمار في الطاقة المتجددة للأفراد والمؤسسات لتخفيف العبء على المواطنين مستقبلاً.
ويبقى السوريون أمام مواجهة معقدة بين حقه في الكهرباء كخدمة أساسية وبين عبء الفاتورة المرتفعة التي تثقل ميزانية الأسرة.
ويرى مراقبون أن الرسالة واضحة: :”لن يقتنع السوريون بضرورة رفع الأسعار ما لم يلمسوا تحسناً حقيقياً في الخدمة، والإصلاح الحقيقي يبدأ بمعالجة جذور الأزمة: البنية التحتية، ونقص الوقود، والهدر الكبير”.
ويحتاج إصلاح قطاع الكهرباء في سوريا إلى استراتيجية طويلة الأمد تشمل الاستثمار في البنية التحتية، توفير الوقود، الحد من الهدر، وتحفيز الطاقة المتجددة، وربط الأسعار بجودة التغذية، بعيداً عن رفع الأسعار المفاجئ الذي يفاقم معاناة الأسر.
+963
—————————
سورية تتجه إلى إغلاق مصفاة حمص واستبدالها بمجمع تكريري جديد/ عبد الله السعد
12 نوفمبر 2025
تستعد الحكومة السورية لإطلاق مشروع نفطي جديد يُتوقع أن يغيّر خريطة صناعة الطاقة في البلاد، مع إعلان الشركة السورية للبترول (SBC) خططاً لإغلاق مصفاة حمص التاريخية وبناء مصفاة حديثة بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 ألف برميل يومياً في موقع جديد يبعد نحو 50 كيلومتراً عن المدينة.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة يوسف قبلاوي، خلال فعاليات المعرض الدولي للبترول والطاقة (سيريا إينرجي) بدمشق اليوم الأربعاء، إن المشروع يأتي استجابة لتراجع كفاءة مصفاتي حمص وبانياس بعد عقود من التشغيل، موضحاً أن المجمع الجديد سيعتمد على الكوادر الوطنية مع استقطاب كفاءات فنية جديدة، إلى جانب دعم التعليم المهني المتخصص في مجالات النفط والطاقة. وأضاف قبلاوي أن الأرض الحالية لمصفاة حمص القديمة ستُحوَّل إلى “منطقة خدمية وسكنية متكاملة تضم مستشفيات ومدارس ومرافق عامة”، فيما يُتوقع أن تسد المصفاة الجديدة احتياجات السوق المحلية وتوفّر كميات قابلة للتصدير.
وأكد أن الشركة تجري “مفاوضات جادة ومتقدمة مع شركات الطاقة العالمية المصنفة ضمن الفئة الأولى (Tier One)”، مشيراً إلى “زيارة وفد من شركة شيفرون الأميركية لدمشق وبداية مرحلة جديدة من التعاون، بينما تستعد كونوكو فيليبس لتوقيع عقود استثمارية مهمة في البلاد”. وأوضح “عمق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويؤكد أهمية قطاع الطاقة السوري كمنصة للتعاون واستعراض أحدث التقنيات العالمية”. وفي السياق ذاته، أكد مصدر مسؤول في وزارة النفط والثروة المعدنية لـ”العربي الجديد” أنه تم “تجميد العقود التي كانت قد أُبرمت بالتراضي خلال الحكومة السابقة”.
وأوضح المصدر أن “مراجعة تلك العقود أظهرت أن أحدها كان موقّعاً لمدة عام واحد فقط بين مكتب تسويق النفط، بالنيابة عن شركتي مصفاة بانياس والشركة العامة لمصفاة حمص، وبين شركتي ترانس ناشيونال الروسية وجيكو ش.م.ل / أوف شور”. وأشار إلى أن “العقد نصّ على استثمار الطاقة التكريرية الفائضة لدى المصفاتين لتكرير النفط الخام المورد من الشركتين بمعدل 135 ألف طن متري للناقلة الواحدة شهرياً، وذلك لمدة عام واحد اعتباراً من تاريخ توقيعه، مؤكداً أن “العقد انتهى فعلياً بانقضاء مدته القانونية، وبالتالي لا توجد أي التزامات قائمة حالياً على الوزارة أو المصافي تجاه تلك الشركات”.
تُعد مصفاة حمص، التي أُنشئت عام 1959، أول مصفاة لتكرير النفط في سورية، بطاقة إنتاجية بلغت في أفضل حالاتها نحو 110 آلاف برميل يومياً. وقد شكّلت لعقود ركيزة رئيسية في تزويد السوق المحلية بالمشتقات النفطية، قبل أن تتراجع طاقتها التشغيلية تدريجياً نتيجة تهالك منشآتها وصعوبة تأمين التمويل وقطع الغيار، لتعمل حالياً بنحو ربع طاقتها فقط. وتأمل الحكومة أن يشكّل المشروع الجديد بديلاً حديثاً يواكب المعايير العالمية، ويساعد على تقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وسط أزمة محروقات متواصلة وانخفاض في مستويات التكرير داخل البلاد.
——————————–
خفض أسعار المحروقات في سوريا… خطوة إصلاحية أم إجراء مؤقت؟
إدلب – أحمد العقلة
الخميس 2025/11/13
وُصفت خطوة تخفيض أسعار المحروقات في سوريا بأنها جزء من مسار إصلاح اقتصادي طويل، يهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين كفاءة قطاع الطاقة.
وبين الترحيب الشعبي الحذر والتساؤلات حول جدوى الإجراء في ظل ضعف الدخل وارتفاع الضغوط المعيشية، يبرز السؤال الأهم، هل يشكل هذا القرار بداية حقيقية لإصلاح قطاع من أكثر ملفات الاقتصاد السوري تعقيداً منذ سنوات؟
انخفاض ملحوظ
أقرت وزارة الطاقة السورية مؤخراً خفضاً ملحوظاً في أسعار جميع المحروقات والمشتقات النفطية، معتبرة القرار جزءاً من خطة إصلاح شاملة لقطاع الطاقة. ويأتي هذا الإجراء في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة الناتجة عن سنوات الحرب والعقوبات، حيث أصبح الوقود أحد أبرز الأعباء اليومية على المواطنين.
وفقاً لقرار وزارة الطاقة رقم (731)، الذي دخل حيز التنفيذ، انخفض سعر ليتر البنزين (أوكتان 90) إلى 0.85 دولار أمريكي (حوالي 7730 ليرة سورية بسعر الصرف الرسمي)، وليتر المازوت إلى 0.75 دولار (6830 ليرة سورية). كما بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي (10 كغ) 10.5 دولارات، وأسطوانة الغاز الصناعي (16 كغ) 16.8 دولاراً.
ويُقدّر الخفض بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة مقارنة بالأسعار السابقة، ويُتوقع أن ينعكس إيجاباً على أسعار النقل والسلع الاستهلاكية.
ارتفاع الإنتاج
أوضح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد السليمان، أن القرار نتاج مباشر لتحسن الإنتاج المحلي من المشتقات النفطية خلال الأشهر الماضية، مضيفاً أن سوريا تنتج حالياً ما يقارب 120 ألف برميل نفط يومياً وسبعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي.
وأشار السليمان إلى أن مصفاة بانياس تعمل بنسبة 80 في المئة من طاقتها الإنتاجية، فيما تعمل مصفاة حمص بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة، وهو ما مكّن الوزارة من تحقيق وفورات ملموسة في تكاليف الاستيراد.
وأضاف أن الوزارة تسعى إلى رفع كفاءة المصافي بشكل تدريجي وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي. هذه الخطوة ليست آنية بل تأتي ضمن سياسة حكومية شاملة تهدف إلى ضبط التكاليف وتحسين الواقع المعيشي. كما تعمل الوزارة بالتعاون مع وزارة النقل على دراسة جديدة لتخفيض أسعار المواصلات العامة، حتى يشعر المواطن مباشرةً بانعكاس هذا القرار في حياته اليومية.
بين الترحيب والحذر
في الشارع السوري، تباينت ردود الفعل بين الترحيب والحذر. فقد رحّب العديد من المواطنين بالقرار بوصفه خطوة تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر. واعتبر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن القرار يمثل نسمة هواء في خضم الغلاء، فيما أشار آخرون إلى أن كلفة الوقود كانت تستنزف جزءاً كبيراً من الدخل الشهري الذي لا يتجاوز 1.5 مليون ليرة سورية في المتوسط.
من دمشق، تحدّث سائق الأجرة أبو محمد لموقع “المدن” قائلاً إن هذا القرار خطوة إيجابية، ولو أنه متأخر. وهو ينفق يومياً نحو 20 ألف ليرة على البنزين، وسيوفّر قرابة أربعة آلاف ليرة بعد التخفيض، ما يسمح له بزيادة دخله اليومي أو تخصيص هذا المبلغ لاحتياجات أسرته. وأكد على أهمية التزام محطات الوقود بالأسعار الجديدة، مشيراً إلى أن الأسعار السوقية كانت تختلف عن الرسمية في السابق، مع ضعف واضح في الرقابة، آملاً أن يكون هناك متابعة حقيقية هذه المرة.
في حمص، كانت الآراء أكثر تحفظاً، فقد قالت علا المحمد لـ”المدن” إن الأسعار الجديدة لا تُحدث فرقاً كبيراً في حياتهم، إذ أن الأجور لا تزال منخفضة، والإنفاق على الوقود والنقل يستنزف قرابة 40 في المئة من الدخل الشهري. وترى أن السوق لا يتجاوب بسرعة مع أي انخفاض رسمي في الأسعار، إذ يبادر التجار إلى رفع الأسعار عند الزيادات، لكنهم لا يخفضونها عند التراجع. وتشدد على أن الحاجة اليوم ليست فقط إلى خفض الأسعار على الورق، بل إلى مراقبة حقيقية في الأسواق.
في المقابل، أبدى العاملون في القطاع الصناعي تفاؤلاً أكبر. من حلب، أوضح محمود الدرويش، سائق شاحنة يعمل في نقل البضائع بين المحافظات، في حديثه لـ”المدن” أن القرار أنقذ العديد من أصحاب الورش الصغيرة والمزارعين من الإفلاس.
فخفض تكاليف الوقود يعني خفض كلفة النقل، ما ينعكس على أسعار المنتجات. ويرى أن استمرار توافر المحروقات ومنع السوق السوداء سيؤدي إلى تراجع أسعار الخضار والفواكه بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة.
تحول في سياسات الطاقة
من الجانب الاقتصادي، قدّم الخبير الاقتصادي في شؤون الطاقة والمستشار في مركز الدراسات المالية سليم الأحمد، في حديث لـ”المدن” قراءة موسّعة حول أبعاد القرار، موضحاً أنه جزء من تحول تدريجي في سياسات الطاقة السورية. فالزيادة في الإنتاج المحلي التي بلغت 120 ألف برميل يومياً تخفف الاعتماد على الواردات من إيران التي كانت تكلف الخزينة مليارات الدولارات سنوياً. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا التخفيض حلاً جذرياً، بل خطوة انتقالية ضمن مسار طويل يحتاج إلى استثمارات ضخمة.
ويؤكد الأحمد أن إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري تتطلب ما لا يقل عن 30 مليار دولار، منها 10 مليارات لقطاع الكهرباء وحده، بحسب تقديرات البنك الدولي. ومن دون تمويل خارجي مستقر واستثمارات حقيقية في البنية التحتية، فإن أي تخفيض في الأسعار سيظل مؤقتاً. كما يجب ربط هذه السياسات بخطط لتحفيز الإنتاج المحلي ورفع الأجور بنسبة لا تقل عن 20 في المئة لتعويض التضخم.
ويرى الأحمد أن التخفيض الحالي يمكن أن يساهم في خفض التضخم بنسبة تتراوح بين 5 و7 في المئة خلال الأسابيع المقبلة عبر تقليل تكاليف النقل والإنتاج، لكنه لن يعوض الخسائر الكبيرة في قيمة الليرة السورية، التي فقدت نحو 40 في المئة من قيمتها منذ مطلع العام. ولتحقيق استقرار مستدام، يشدد على ضرورة إصلاح نظام الدعم وتفعيل الشراكات مع دول الجوار، خاصة تركيا وأذربيجان، لتأمين الغاز بأسعار تفضيلية.
وأوضح الأحمد أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على التنفيذ والمتابعة الميدانية، مؤكداً أن القرارات الاقتصادية لا تُقاس بنصوصها فقط، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس فعلياً وتثبيت الثقة في الاقتصاد الوطني.
يمثل خفض أسعار المحروقات خطوة إيجابية ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي، لكنه يحتاج إلى تطبيق فعّال ورقابة حقيقية لضمان انعكاسه على حياة المواطنين. فاستقرار الأسعار وتحسن القدرة الشرائية يتطلبان سياسات متكاملة توازن بين الإنتاج المحلي والدعم الاجتماعي، بما يرسخ الثقة بالاقتصاد الوطني على المدى الطويل
——————————-
شركتان أميركية وألمانية تجريان محادثات لتوريد توربينات غاز لسورية
13 نوفمبر 2025
قالت ثلاثة مصادر لرويترز إن شركتي جنرال إلكتريك فيرنوفا الأميركية وسيمنس إنرجي الألمانية تجريان محادثات لتوريد توربينات غاز لمشروع تبلغ قيمته سبعة مليارات دولار يهدف إلى إعادة بناء قطاع الطاقة السوري المتضرر من الحرب. ووقّعت سورية في مايو/أيار اتفاقاً مع شركة تابعة لـ باور إنترناشيونال القابضة القطرية لبناء أربع محطات لتوليد الكهرباء باستخدام توربينات غاز ذات دورة مركبة، بطاقة إجمالية تبلغ 4 آلاف ميجاوات، إضافة إلى محطة للطاقة الشمسية بقدرة ألف ميجاوات.
وذكر أحد المصادر أنه من الممكن منح كل من سيمنس إنرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا عقوداً للمشروع، لكنه أشار إلى أن الوقت لا يزال مبكراً لتحديد موعد إبرام الاتفاقيات. ولم تتوافر تفاصيل حول المبلغ المرصود للتوربينات ضمن خطة التمويل، ولم يقدم أي من المصادر تقديرات لقيمة هذه العقود. وقال مصدر آخر إن المحادثات قد تشمل أيضاً اتفاقيات تتجاوز توريد التوربينات لتشمل تجهيز البنية التحتية الحيوية لشبكة الكهرباء.
فرص للاستثمار
من شأن التوصل إلى هذه الاتفاقيات أن يجعل سيمنس إنرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا من أوائل الشركات الغربية التي تستفيد من مشاريع إعادة إعمار قطاع الطاقة في سورية، وذلك بعد أن رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب معظم العقوبات المفروضة على دمشق في وقت سابق من هذا العام. وقالت سيمنس إنرجي لرويترز إن “وفداً محلياً التقى مع صناع القرار السوريين لاستكشاف كيفية تحسين إمدادات الطاقة في البلاد على المدى القصير”.
وأضافت الشركة: “على الرغم من عدم إبرام أي اتفاقيات أو عقود محددة، فإننا مستعدون لتقديم خبرتنا التقنية إذا كان ذلك سيسهم في إنشاء واستقرار إمدادات الطاقة الموثوقة ودعم السكان”. ولم تستجب شركتا جنرال إلكتريك فيرنوفا وباور إنترناشيونال القابضة لطلب التعليق، كما لم ترد وزارة الإعلام السورية بعد على استفسارات رويترز.
إحياء قطاع الطاقة
منذ إطاحة المعارضة الرئيسَ بشار الأسد أواخر العام الماضي، تسعى سورية بقيادة الرئيس الجديد أحمد الشرع إلى إعادة توجيه علاقاتها الاستراتيجية. وقد التقى الشرع هذا الأسبوع الرئيسَ ترامب في واشنطن. وفي يوليو /تموز، أعلنت الشركات الأميركية بيكر هيوز وهانت إنرجي وأرجنت للغاز الطبيعي المسال خططاً لدعم إعادة الإعمار من خلال مشروع رئيسي للتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما وإنتاج الطاقة.
وبسبب الدمار الكبير الذي طاول البنية التحتية للطاقة خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً، تنتج سورية اليوم جزءاً بسيطاً من حاجتها من الكهرباء، رغم تحسن الإمدادات في الأشهر الأخيرة بفضل الغاز القادم من أذربيجان وقطر. وقالت شركة دانة غاز الإماراتية يوم الأربعاء إنها وقّعت مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول لتقييم فرص إعادة تطوير حقول الغاز المتضررة خلال الحرب. وانخفض إنتاج سورية المحلي من الغاز الطبيعي إلى ثلاثة مليارات متر مكعب في عام 2023 مقارنة بـ8.7 مليارات متر مكعب في 2011.
تأتي جهود دمشق لإحياء قطاع الطاقة في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، إذ يظل الاقتصاد السوري واحداً من الأكثر تضرراً في المنطقة نتيجة الحرب الطويلة والعقوبات التي شلّت قدرته الإنتاجية وحرمت البلاد من الاستثمارات الأجنبية. وتشير تقديرات أممية إلى أن خسائر قطاع الكهرباء وحده تجاوزت عشرات المليارات، بينما انخفض إنتاج البلاد من الطاقة إلى مستويات لا تلبي سوى جزء يسير من الطلب المحلي، ما يجعل إعادة الإعمار في هذا القطاع شرطاً ضرورياً لعودة النشاط الصناعي والتجاري.
كما أن تحسن الإمدادات في الأشهر الأخيرة، مع وصول الغاز من أذربيجان وقطر، أظهر أن استقرار الطاقة يمكن أن يعطي دفعة أولية لاقتصاد يعاني انكماشاً حادّاً، وارتفاع مستويات البطالة، وانخفاض القوة الشرائية. ويُنظر إلى مشاركة شركات دولية كبرى مثل سيمنس وجنرال إلكتريك على أنها مؤشر على انفتاح تدريجي للسوق السورية، خاصة بعد التغييرات السياسية التي أدت إلى رفع جزء من العقوبات الأميركية.
إلا أن ضخامة الاحتياجات، ونقص التمويل المحلي، يجعلان البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على الاستثمارات الخارجية لإعادة بناء بنيتها التحتية، وفي مقدمتها الكهرباء. ومع توقعات بزيادة الطلب على الطاقة خلال السنوات المقبلة مع بدء مشاريع إعادة الإعمار في قطاعات أخرى، فإن أي استثمار في الكهرباء يُعد أساسياً لتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة تساعد على إعادة تشغيل المصانع، ودعم سلاسل التوريد، وتحفيز النشاط التجاري.
كهرباء سورية، خط حماة – حلب في 9 أغسطس 2025 (فيسبوك)
اقتصاد عربي
غاز أذربيجان يعبر تركيا لتغذية سورية بالكهرباء
في ظل التحديات الهائلة التي تواجه سورية بعد أكثر من عقد من الدمار، تبدو إعادة بناء قطاع الطاقة خطوة مركزية في خريطة التعافي الاقتصادي والسياسي. فالمفاوضات مع شركات عالمية كبرى، والتحولات في الموقف الدولي تجاه دمشق، وتوقيع اتفاقيات مع دول إقليمية، كلها إشارات إلى بداية مرحلة جديدة قد تسهم في إعادة تشغيل العجلة الاقتصادية إذا ما ترافقت مع استقرار سياسي وتدفق استثمارات مستدام.
ومع أن الطريق ما زال طويلاً ومعقداً، تمثل مشاريع الطاقة المطروحة، سواء عبر محطات الغاز أو الطاقة الشمسية أو إعادة تأهيل الحقول المدمرة، بدايةً محتملةً لمسار إصلاح اقتصادي أوسع. ويبقى نجاح هذه الخطوات مرهوناً بقدرة الحكومة السورية على جذب مزيد من الشركاء الدوليين، وتأمين بيئة استثمارية آمنة، وتوفير البنية التحتية اللازمة لإعادة بناء بلد يسعى للخروج من أعمق أزماته منذ عقود.
(رويترز، العربي الجديد)
———————
بطاقة 3.5 مليون متر مكعب يومياً.. أنبوب غاز أذري من تركيا إلى سوريا
2025.11.12
أنشأت شركة خطوط أنابيب البترول التابعة لوزارة الطاقة التركية، خط أنابيب جديد يمتد من ولاية كهرمان مرعش جنوبي تركيا إلى الأراضي السورية، وذلك بهدف تزويد سوريا بالغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء.
وقالت صحيفة “حرييت” التركية، اليوم الأربعاء، إنّ الخط الجديد يصدّر يومياً نحو 3.5 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي من تركيا إلى سوريا، عبر أنبوب يبلغ طوله نحو 93 كيلومتراً يبدأ من كهرمان مرعش ويمتد إلى داخل الأراضي السورية مروراً بولاية كلس.
وأوضحت أن الغاز المنقول يأتي من أذربيجان إلى كهرمان مرعش أولاً، ثم إلى سوريا، حيث يُستخدم لتشغيل محطات توليد الكهرباء في مناطق مختلفة، خاصة في مدينة حلب.
وأكدت الصحيفة أن الغاز التركي المصدّر إلى سوريا يتيح للمحطات إنتاج نحو 700 ميغاواط من الكهرباء يومياً، مشيرة إلى أن المشروع يهدف أيضاً إلى تشغيل محطة كهرباء بقدرة 1200 ميغاواط قادرة على تلبية احتياجات نحو 5 ملايين أسرة، ما يُتوقّع أن يسهم بشكل كبير في عودة الحياة إلى طبيعتها داخل سوريا.
أذربيجان تؤكد تصدير الغاز إلى سوريا
وبداية شهر تشرين الثاني الحالي، أعلن نائب وزير الطاقة الأذربيجاني أورخان زينالوف، أن بلاده بدأت بتصدير الغاز إلى سوريا، موضحاً أن الكميات المصدّرة حالياً “صغيرة”.
وفي كلمته خلال مؤتمر ومعرض أبو ظبي للطاقة (أديبك)، أشار زينالوف إلى أن أذربيجان تواجه “تحديات تمويلية في صادرات الطاقة التقليدية”، دون أن يقدّم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه التحديات.
—————————-
حقوقي لـ”القدس العربي”: لا يحق لمحكمة النقض السورية التصدي لدستورية قوانين معتمدة منذ عقود
جانبلات شكاي
11 – نوفمبر – 2025
دفع قرار اتخذته الهيئة العامة السباعية لدى محكمة النقض في سوريا، الأسبوع الماضي، وقضى بالتوقف عن الحكم بين الأفراد بأي نص أو اجتهاد يقضي بالحكم بالفائدة القانونية أو بالتعويض الذي يجري مجرى الفائدة في الديون، إلى خلق جدل كبير بين أوساط الحقوقيين والقضاة، باعتباره شكّل سابقة، وأوقف العمل بآليات ظلت متبعة لعقود، وحصر الأمر في ما يتعلق بحقوق الأفراد، بينما تغاضى عن القضايا المشابهة لدى الشخصيات الاعتبارية، ومنها مؤسسات الدولة وشركات التأمين والمصارف الخاصة والعامة.
توقف الحكم للأفراد
وانتشرت عبر بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي صورة عن قرار الهيئة السباعية لمحكمة النقض، من دون نشر القرار على أي من الصفحات الرسمية، وحمل توقيع رئيس الهيئة القاضي الشرعي أنس منصور السليمان، وأسماء الهيئة، وهم: محمد حاج حسن، عمر شيخ الأرض، محمد جمال الدين الخطيب، خير الله غنوم، طه منصور، عمار العاني.
وتضمّن نص القرار “التوقف عن الحكم بين الأفراد بأي نص أو اجتهاد يقضي بالحكم بالفائدة القانونية أو بالتعويض الذي يجري مجرى الفائدة في الديون والمبالغ التي تحكم بها المحاكم في الجمهورية العربية السورية وعلى مختلف درجاتها وأنواعها”، على أن يتم “تعميم هذا المبدأ على جميع المحاكم للعمل به”.
وأوضحت الهيئة العامة أنها اتخذت هذا القرار باسم الشعب العربي في سوريا، بناءً على طلب تلقّته من الغرفة المدنية الثالثة /ب/ لدى محكمة النقض، المؤلفة من رئيسها (القاضي الشرعي السابق لسوريا) محمود المعراوي، وأعضائها حسين إبراهيم ورياض شحادة، في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والمتضمن اعتماد مبدأ قانوني حول الفائدة القانونية والتعويض الذي يأخذ معنى الفائدة، باعتبار الفائدة وكل زيادة ربوية على المبالغ المحكوم بها هي من الربا المحرّم بنصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وهي مخالفة للإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس الماضي.
وفصّل القرار الأسباب التي تم الاستناد إليها لصدوره، ومنها وجود تعارض بين نصوص المواد 227 وما بعدها من القانون المدني وبين نص المادة 3 من الإعلان الدستوري، وأن المادة 3 من الإعلان الدستوري النافذ نصّت على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، فهو يُعد من هذا الوجه قاعدة دستورية آمرة وملزمة لجميع سلطات الدولة بما فيها السلطة القضائية، وتُرتّب هذه المادة على القضاء أن يجعل من أحكام الفقه الإسلامي مرجعًا رئيسًا في وضع النصوص وتفسيرها وتطبيقها.
وبيّن القرار أن الأسباب السابقة تقضي بوضع مبدأ عام يتوجب العمل به لدى كافة المحاكم.
استثنى الشخصيات الاعتبارية
وانتقد الحقوقي والقانوني عارف الشعّال، في تصريح لـ”القدس العربي” القرار، معتبرًا أنه صدر بشكل مستعجل، وقال إن القرار خلق جدلًا كبيرًا وسط المحامين والقضاة، على اعتبار أنه أوقف التعامل بأسلوب ظلّ متّبعًا لعقود، وقد ظهرت معه إشكالية باعتبار أنه لا يحق للهيئة العامة لمحكمة النقض التصدي لدستورية النصوص القانونية، وخصوصًا أنه لا توجد في سوريا الجديدة محكمة دستورية.
وتابع: من الناحية العملية، القرار يُعطّل نصوصًا قانونية كثيرة كالمواد 228 وما بعدها من القانون المدني، والكثير من مواد قانون التجارة كالمواد 108 و158 و193، والمادة 452 من أصول المحاكمات الخاصة بغرامة الإنكار.
وأضاف: سابقًا، وفي حال رفض المدين الميسور تسديد المبلغ المستحق عليه، ورفع الدائن دعوى قضائية عليه قد تمتد لسنوات، كان القاضي يحكم على المدين بإلزامه دفع المبلغ المستحق وفوقه فائدة بنسبة 4% في الدين المدني أو بنسبة 5% في الدين التجاري، كتعويض عن نفقات المحكمة والمماطلة التي كانت تحرم الدائن من استثمار ماله وتشغيله خلال هذه الفترة، وتعويضًا عن الظلم الذي لحق به من مماطلة المدين الميسور. أما بعد قرار الهيئة العليا لمحكمة النقض، فإن هذا لم يعد ممكنًا.
وأكد الشعّال أن القرار يُؤخذ عليه أنه اقتصر على قضايا الأفراد فقط، دون قضايا الأشخاص الاعتباريين، وتحديدًا قروض وفوائد المصارف، والضرائب المالية المستحقة، وعقود الدولة التي يتم فيها فرض غرامات عند تأخير التنفيذ، وهذه الازدواجية في المعايير غير جائزة، ولم نعرف فقيهًا سمح للمصارف والشركات بتقاضي الفائدة ومنعها على الأفراد، معتبرًا أن هذه الانتقائية في تطبيق أحكام الفقه الإسلامي، وغضّ الطرف عن المصارف والشركات والجهات العامة، لا تليق بالهيئة العامة لمحكمة النقض إذا كانت حريصة على تطبيق شرع ربّ العالمين.
قرار ليس وقته
وأوضح الشعّال أن مبدأ الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع، وهو قاعدة مُقرّة منذ دستور عام 1950، ومن ثم في دستور 1973، وأيضًا في دستور 2012، ولم يُستند إليه أحد طوال العقود السابقة للخروج بمثل هذا القرار الذي فتح بابًا كبيرًا للنقاش والجدل، وخصوصًا أن هناك العديد من النصوص القانونية المخالفة للشريعة الإسلامية، ومنها عقود الغرر كعقود التأمين التي تُعتبر في جزء كبير منها مخالفة للشريعة الإسلامية.
وقال إن تطبيق مثل هذا القرار على المصارف يعني دفعها إلى الإفلاس، ما يؤكد أن القرار اتُّخذ بنوع من الاستعجال وبانتقائية غير لائقة ولا عادلة.
واعتبر الشعّال أن إثارة مثل هذه المسائل الإشكالية والأزلية بين الشريعة والقانون، والتي يمتد عمرها لأكثر من 150 سنة، لم يكن اليوم وقتها، وإنما كان يمكن تأجيلها، على اعتبار أنها تحتاج إلى نقاش وحوار مطوّل من قبل المختصين.
—————————
==================
تحديث 11 تشرين الثاني 2025
——————————-
كهرباء بثمن الحياة… التسعير الصادم بين التبرير والواقع/ جمعة حجازي
11 نوفمبر 2025
كيلوواط من الأمل، وفاتورة من الألم. هذا ملخص لشعور المواطن السوري تجاه قرار الحكومة رفع الدعم عن قطاع الكهرباء، ورفع أسعار الشريحة الدنيا منه (المنزلية منخفضة الاستهلاك) ستين ضعفاً دفعة واحدة. وبقراءة اقتصادية واقعية لتفاصيل هذا القرار ومقارنته بالدول المجاورة، سنصل لنتيجة غير مطمئنة أبداً.
تُجسّد أزمة الكهرباء في سورية “كهرباء بثمن الحياة” أحد أبرز تجليات التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد الوطني في مرحلة ما بعد النزاع، حيث تتشابك فيها عناصر الخلل الهيكلي، والضغوط المالية، والقصور في التخطيط الاستراتيجي. وقد جاءت الزيادة المفاجئة في أسعار الكهرباء لتكشف عن عمق الأزمة، وتسلط الضوء على فجوة متسعة بين السياسات الإصلاحية المعلنة والواقع المعيشي، فضلاً عن غياب رؤية متكاملة للتحول نحو الطاقة البديلة خياراً استراتيجياً مستداماً. في هذا المقال، نحلل التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الزيادة، ونفكك الخطاب الرسمي، ونستعرض الفجوة بين السياسات الحالية والطموحات المستقبلية، وصولاً إلى طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإصلاح المنشود.
غياب الهوية الاقتصادية وتلاشي منظومة الدعم الاجتماعي
تُظهر أزمة الكهرباء في سورية انعكاساً صارخاً لغياب هوية اقتصادية واضحة للدولة، حيث تتسم السياسات بالتجزئة وردات الفعل الآنية بدلاً من التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. فبدلاً من صياغة نموذج اقتصادي متكامل يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، اتجهت الحكومة إلى إجراءات صادمة في التسعير دون توفير بدائل أو شبكات حماية فعالة. هذا التحول يعكس تراجعاً جوهرياً في مفهوم الدولة الراعية، إذ أصبح الدعم الاجتماعي الذي كان يشكل ركيزة أساسية في العقد الاجتماعي السوري “خبر كان”، بعدما تقلصت برامج الدعم إلى مستويات رمزية لا تواكب الانهيار المعيشي. في ظل غياب هذه الهوية الاقتصادية، تتحول السياسات إلى أدوات جباية أكثر منها أدوات تنمية، ما يفاقم الفجوة بين المواطن والدولة ويهدد مستويات المعيشة للأسر، التي كانت تعتمد على الدعم الاجتماعي باعتباره مظلة حماية من عدم كفاية الدخل وارتفاع الأسعار.
شهدت أسعار الكهرباء في سورية أخيرا قفزة غير مسبوقة، حيث ارتفع سعر الكيلوواط ساعة من عشر ليرات سورية إلى ما بين 600 و1800 ليرة حسب الشريحة، ما يعني أن بعض الأسر باتت تدفع ما يزيد عن 60 ضعفاً مقارنة بالسعر السابق. هذه الزيادة تأتي في سياق محاولة الحكومة تقليص خسائر قطاع الكهرباء، التي تُقدّر بنحو مليار دولار سنوياً، نتيجة بيع الكهرباء بأسعار رمزية لا تغطي كلفة الإنتاج الفعلية المقدّرة بنحو 1600 ليرة سورية للكيلوواط ساعة. لكن هذه التبريرات، وإن كانت تعكس ضغوطاً مالية حقيقية، فإنها تتجاهل السياق الاجتماعي والاقتصادي الأوسع، وتغفل عن معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، مثل الفاقد الكهربائي الذي يتجاوز 40%، وتردي البنية التحتية، وضعف الإنتاج الذي لا يتجاوز 2200 ميغاواط، في حين تحتاج البلاد إلى أكثر من 6000 ميغاواط لتلبية الطلب الأساسي.
التداعيات الاجتماعية – الأسر تحت ضغط مزدوج
تنعكس هذه الزيادة بشكل مباشر على الأسر السورية، التي تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من الفقر، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن معظم الأسر قد تلجأ إلى حلول تكيفية أخرى كالاعتماد على الاحتطاب في الريف وبالتالي التعدي على الأشجار والغابات للطهي أو لتسخين المياه، كما أن ارتفاع فاتورة الكهرباء قد يؤدي إلى زيادة التعدي على الشبكة العامة وسرقة الكهرباء. وتتمثل أبرز التداعيات في:
• استنزاف مباشر للدخل: في حالات موثقة، تجاوزت فاتورة الكهرباء لمدة شهرين (1.4 مليون ليرة) راتب الموظف الشهري (1.3 مليون ليرة)، ما يعني تخصيص دخل شهر كامل أو أكثر لسداد فاتورة الكهرباء فقط.
• إعادة توزيع قسرية للميزانية الأسرية: تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق على ضروريات أساسية مثل الغذاء والدواء والتعليم، لصالح تغطية فاتورة الكهرباء، ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ”التقنين الطوعي”، أي تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى باعتباره آلية بقاء.
• تآكل الطبقة المتوسطة واتساع رقعة الفقر: تؤدي هذه السياسات إلى دفع شرائح كانت بالكاد تنتمي إلى الطبقة المتوسطة نحو الفقر، في ظل غياب شبكة أمان اجتماعي فعالة وموجهة، ما يجعل الإصلاحات مفكّكة الأثر وتفتقر إلى البعد الإنساني والتنموي.
تضخم وخنق للإنتاج والاستهلاك معاً
الموجة التضخمية: تدخل الكهرباء في حساب كلفة أي سلعة أو خدمة، بدءاً من الحلاق وحتى مصانع صهر المعادن. ويؤدي ارتفاع أسعار الكهرباء إلى زيادة تكاليف التشغيل للمصانع والمؤسسات التجارية، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويخلق حلقة تضخمية مفرغة تلتهم ما تبقى من القوة الشرائية، وتدفع بالاقتصاد نحو الركود. ويؤدي ذلك إلى تباطؤ الاستهلاك، الذي يؤدي إلى تباطؤ الطلب وبالتالي إلى تباطؤ النمو، والذي يؤدي طبعاً لتكرار الدوران في تلك الحلقة اللانهائية من الانحدار.
خنق القطاع الإنتاجي: يشكو الصناعيون والمزارعون من أن الزيادة في أسعار الكهرباء سترفع الكلف التشغيلية وتضعف قدرتهم على المنافسة محلياً وتصديرياً، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى دعم الإنتاج المحلي باعتباره رافعة للتعافي الاقتصادي.
أزمة تحصيل الفواتير: يحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن الفواتير “المليونية” ستؤدي إلى تراجع كبير في نسب التحصيل، وربما إلى زيادة في حالات الاستجرار غير المشروع للتيار، ما يفاقم أزمة القطاع بدلاً من حلها.
مقارنة مع دول عربية
عند النظر إلى أثر أسعار الكهرباء في سورية مقارنة ببعض الدول العربية، يتضح حجم الفجوة بين الأسعار والدخل. في سورية، يبلغ الحد الأدنى للأجور حوالي 85 دولاراً شهرياً، بينما يصل متوسط سعر الكيلوواط الساعي بعد الزيادة إلى نحو 0.20 دولار (ما يعادل 600 ليرة سورية للشريحة الأولى). هذا يعني أن استهلاك 300 كيلوواط في شهرين يكلف الأسرة السورية حوالي 60 دولارا، أي ما يقارب 71% من الحد الأدنى للأجر الشهري. وفي المقابل، نجد أن الاستهلاك نفسه في لبنان يكلف حوالي 30 دولارا فقط، أي ما يعادل 6.7% من الحد الأدنى للأجر البالغ 450 دولارا. أما في مصر، حيث الحد الأدنى للأجور يقارب 150 دولارا وسعر الكيلوواط حوالي 0.05 دولار، فإن كلفة 300 كيلوواط لا تتجاوز 15 دولارا، أي 10% من الأجر. وفي الأردن، تبلغ الكلفة حوالي 21 دولارا مقابل حد أدنى للأجور يصل إلى 300 دولار، أي 6.8% فقط. هذه المقارنة تكشف أن العبء النسبي لفاتورة الكهرباء في سورية هو الأعلى بفارق كبير، ما يجعل أي إصلاحات غير مصحوبة بدعم اجتماعي أو برامج حماية للفئات الهشة عبئاً لا يُحتمل، ويهدد الأمن المعيشي للأسر بشكل مباشر.
الطاقة البديلة
في ظل هذه الأزمة، يبرز سؤال جوهري: أين موقع الطاقة المتجدّدة في خطة الإصلاح؟ رغم التصريحات الرسمية التي تتحدث عن خطط طموحة، فإن الواقع يُظهر انفصاماً واضحاً بين الإجراءات المالية العاجلة والاستراتيجية الطاقية طويلة الأمد. تمتلك سورية إمكانات طبيعية هائلة، مع أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، ومواقع مناسبة لطاقة الرياح، إلا أن المشاريع القائمة لا تزال محدودة جداً، ولا تتجاوز قدرتها الإجمالية 155 ميغاواط. ويُعزى ذلك إلى:
عقبات التمويل: تُقدّر كلفة إنتاج ميغاواط واحد من الكهرباء بالطاقة البديلة بنحو عشرة ملايين دولار، وهو ما يصعب تأمينه في ظل العقوبات والظروف الاقتصادية الراهنة.
نقص الكفاءات الفنية: يشكل النزوح والهجرة تحدياً كبيراً في توفير كوادر مدربة لتنفيذ مشاريع الطاقة البديلة.
اختلال السياسات الاقتصادية والتنموية: إذ تركز الحكومة على شراء 6.5 ملايين عداد كهربائي ذكي يتحمل المواطن جزءاً من كلفتها، دون وجود برامج دعم ملموسة لتشجيع الأسر والقطاع الخاص على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، رغم وجود “صندوق دعم الطاقات البديلة”.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان
الزيادة المعلنة أخيراً في أسعار الكهرباء في سورية، رغم ما تحمله من مبررات مالية مرتبطة بضغط الموازنة وتكاليف الإنتاج، تمثل نموذجاً لإصلاح جزئي يعالج أعراض الأزمة دون التطرق إلى جذورها البنيوية. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يُختزل في تحميل المواطن عبء الكلفة، بل يجب أن ينطلق من رؤية شاملة توازن بين الاستدامة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية ينبغي أن ترتكز على أربعة محاور أساسية:
• إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة لضمان استقرار الإمدادات وتقليل الانقطاعات.
• خفض الفاقد الفني والتجاري الذي يستنزف الموارد ويزيد كلفة التشغيل.
• وضع استراتيجية واضحة وممولة للتحول نحو الطاقة المتجددة، بما يضمن استغلال الإمكانات الطبيعية الهائلة للبلاد ويقلل الاعتماد على المصادر التقليدية المكلفة.
• بناء شبكة حماية اجتماعية قوية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، لتخفيف أثر الإصلاحات على المستوى المعيشي وضمان عدم دفع الأسر إلى مزيد من الفقر.
• بدون هذه الركائز، ستظل الإجراءات الحالية مجرد حلول مؤقتة تؤجل الانفجار، وتُعمّق الفجوة بين المواطن والدولة، وبين الواقع والطموح، ما يهدد مسار التعافي الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
دروس من تجارب دولية
تُظهر التجارب العالمية أن نجاح سياسات رفع أسعار الكهرباء لا يتحقق بمجرد تعديل التعرفة، بل يرتبط بوجود رؤية متكاملة تشمل الحماية الاجتماعية والتحفيز على التحول الطاقي. ففي الأردن، اعتمدت الحكومة نهجاً تدريجياً لإلغاء دعم الطاقة منذ عام 2005، مع إطلاق حوار مجتمعي وتقديم تعويضات نقدية للأسر الفقيرة والمتوسطة، ما خفف حدة الرفض الشعبي. أما دول الخليج، فقد بدأت منذ 2014 بتقليص دعم الطاقة وربط الأسعار بالأسواق العالمية، بالتوازي مع برامج لترشيد الاستهلاك وتوسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية. وفي أوروبا، عقب أزمة الطاقة، لجأت الحكومات إلى مزيج من الإجراءات: وضع حدود قصوى للأسعار، تقديم دعم موجه للأسر والشركات، وتحفيز كفاءة الطاقة عبر برامج تمويلية، إضافة إلى تسعير مرن يشجع الاستهلاك خارج أوقات الذروة. هذه التجارب تؤكد أن الإصلاح الناجح يقوم على ثلاثة ركائز: الشفافية في التبرير، الحماية الاجتماعية، والتحفيز العملي للتحوّل نحو الطاقات البديلة، بما في ذلك القروض الميسرة، الحوافز الضريبية، وتوسيع شبكات الطاقة المتجددة.
تحرير الأسعار من دون تحرير الأجور
أحد أبرز التحديات في سياسات رفع أسعار الكهرباء في سورية غياب التوازي بين تحرير أسعار الطاقة وتحرير الأجور. فبينما تتحرك الحكومة بسرعة نحو تسعير الكهرباء وفق الكلفة الفعلية، تبقى الأجور عند مستويات متدنية لا تعكس التضخم ولا تكاليف المعيشة، إذ لا يتجاوز الحد الأدنى للأجر نحو 85 دولاراً شهرياً، في حين أن فاتورة الكهرباء لشهرين قد تصل إلى 60 دولاراً، أي ما يعادل 71% من هذا الأجر. تُسبّب هذه المفارقة فجوة هيكلية بين السياسات المالية والواقع الاجتماعي، وتحوّل الإصلاح إلى عبء غير قابل للتحمل.
تفيد التجارب الدولية بأن نجاح إصلاحات الطاقة يرتبط غالباً ببرامج موازية لتعديل الأجور أو تقديم دعم نقدي مباشر، بحيث لا يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح. في غياب هذه المعالجة، يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية مجرد شعار، ويظل القبول الشعبي هشاً، لأن المواطن يرى أن الدولة حررت الأسعار لكنها أبقت دخله أسيراً، ما يفاقم الفقر ويقوض الثقة بالإصلاحات.
في اليوم الأول لإعلان رفع أسعار الكهرباء، كان المشهد يتسم بالترقب والحسابات الدقيقة داخل كل بيت. الأسر بدأت بمراجعة ميزانياتها، وأصحاب المتاجر أعادوا النظر في ساعات التشغيل لتجنب ارتفاع التكاليف. القرار، رغم مبرّراته المالية، بدا ثقيلاً على واقع معيشي هش، لكن قبوله شعبياً لا يعتمد على الإعلان وحده، بل على حزمة إجراءات موازية تمنح المواطن شعوراً بالإنصاف والبدائل.
أول هذه الإجراءات الشفافية في التبرير: تقديم بيانات واضحة عن حجم الخسائر، كلفة الإنتاج، وخطط استخدام الإيرادات في تحسين الخدمة أو الاستثمار في الطاقة البديلة. يلي ذلك ربط القرار بخطة إصلاح شاملة تشمل إعادة تأهيل الشبكات، خفض الفاقد، وإطلاق مشاريع للطاقة المتجددة، بحيث يرى المواطن أن رفع الأسعار خطوة ضمن مسار إصلاحي لا مجرد جباية. لكن القبول يصبح أكثر واقعية عندما تترافق الإجراءات مع حماية الفئات الهشّة عبر شرائح مدعومة، قسائم للطاقة، أو دعم مباشر مرتبط ببطاقة ذكية لضمان وصوله لمستحقيه. إلى جانب ذلك، يمكن أن تلعب آليات التحفيز دوراً محورياً؛ مثل تقديم أسعار مخفضة خارج أوقات الذروة لتشجيع ترشيد الاستهلاك، وإطلاق برامج لتوفير أدوات كفاءة الطاقة بأسعار مدعومة، إضافة إلى قروض ميسرة لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، بما يفتح الباب أمام تحول تدريجي نحو الطاقات البديلة.
وأخيراً، يبقى إشراك المجتمع في الحوار ضرورة لا غنى عنها؛ عبر النقابات والجمعيات، وعقد جلسات استماع أو حملات إعلامية تشرح الفوائد طويلة الأمد، لتتحول الصدمة إلى نقاش، والرفض إلى قبول مشروط برؤية واضحة. وفي غياب هذه الخطوات، يبقى القبول الشعبي هشاً، أقرب إلى التكيّف القسري منه إلى القناعة، ما يهدد بتحويل الإصلاحات إلى مصدر إضافي للضغط الاجتماعي بدلاً من أن تكون مدخلاً للتعافي الاقتصادي والاجتماعي وإعادة البناء.
العربي الجديد
————————–
كهرباء سوريا ضيفة ثقيلة.. نُهلّل لعودتها أم نخشى فاتورتها؟/ كلير عكاوي
الثلاثاء 2025/11/11
لم تقصد الموظفة نور عند ذكرها المثل الشعبي “يا ما أحلى الجمعة لو على فانوس وشمعة”، الإشارة إلى قيمة اللحظات البسيطة، والتّجمعات العائلية رغم الظلام الدامس، بل استنكرت به قرار رفع تعرفة الكهرباء الأخير في سوريا، تلميحاً منها بأن معاناة الجلوس في العَتمة أهون بكثير من دفع “الفاتورة”.
وتحدّثت الموظفة، التي تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، لـ “المدن” عن “زيادة ساعات التغذية الكهربائية بمناطق عديدة في سوريا منذ الإعلان الأخير عن رفع التعرفة، وكأن المارد السحري تدخّل ووفّر الكهرباء التي كانت ضيفة عزيزة في “كل حين ومين”، بحسب وصفها، متسائلة: “هل نُهلّل لعودتها أم نخشى فاتورتها!”.
وأضافت نور، التي تبلغ من العمر 30 عاماً: “مرتّبي الشّهري لا يصل إلى 60 دولاراً تقريباً، وهو لا يكفيني لتأمين مقوّمات حياتي الأساسية، فيما أصدرت الجهات المعنيّة قراراً مُجحفاً بحق المواطن من دون النظر إلى حاجاته ورغباته في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة”.
بدوره، أكد الباحث الاقتصادي عمار يوسف لـ “المدن” أن “قرار رفع تعرفة الكهرباء من حيث المبدأ يُعد ضرورياً لمعالجة العجز التشغيلي في سوريا، ولكنّ توقيت إصداره وطبيعته غير المنطقيين يثيران قلقاً بالغاً، نظراً للوضع المعيشي الراهن للمواطن السوري”.
وأضاف يوسف: “كان من الممكن إيجاد بدائل أخرى، مثل اللجوء إلى التمويل أو القروض وغير ذلك، بدلاً من تحميل المواطن السوري كامل العبء المالي المتمثّل في عجز لا يستطيع تحمله، خاصة وأنّه يكافح لتأمين الحد الأدنى من متطلباته الأساسيّة”.
وتداول نشطاء سوريّون على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل متباينة بعد زيادة ساعات التغذية الكهربائية من لحظة ارتفاع أسعارها، حيث عبّر البعض عن استيائهم ورغبتهم بفك العدّادات، مؤكدين أنّهم لا يستطيعون دفع الفاتورة بسبب صعوبة تأمين قوت يومهم.
وفي المقابل، هلّل آخرون بتحسّن خدمات الكهرباء بعد 14 عاماً من المعاناة، معتبرين أن هذه الزيادة مؤشر على التعافي المستدام، ومبرّرة جداً مقارنة بتكاليف المولّدات الخاصة والبطاريّات، وما إلى ذلك.
وجاء في تفاصيل قرار رفع التعرفة الكهربائية المنزلية والصناعية والتجارية الصادر عن وزارة الطاقة، تحت شعار “إصلاح دعم الطاقة”، أنه سيتم تقسيم استهلاك الكهرباء إلى أربع شرائح: الشريحة الأولى حتى 300 كيلوواط بسعر 600 ليرة لكل كيلوواط، والثانية فوق 300 كيلوواط بسعر 1400 ليرة لكل كيلوواط، فيما حدّدت التعرفة للمؤسسات الحكومية بـ 1700 ليرة لكل كيلوواط، وللمعامل الكبيرة بـ 1800 ليرة سورية لكل كيلوواط.
السباق “الماراثوني” بتصميم سوري
اختلفت سلوكيات بعض العائلات السورية في الواقع الكهربائي المنزلي بين الماضي والحاضر، فبدلاً من السباق “الماراثوني”، الذي كان يحكمهم لاستغلال ساعة التغذية الواحدة في إنجاز الأعمال المنزلية، باتوا يركضون “لفصل قابس الكهرباء” عند مجيئ الكهرباء، خوفاً من “الفاتورة” التي قد تفوق رواتبهم المحدودة.
وأكد طارق، الذي يعمل في التجارة العامة، أنه من “الراكضين يومياً لفصل الكهرباء عن منزله لحظة مجيئها، بعد زيادة ساعات التغذية”. ووصف “القرار بالكارثي، لأن متوسط استهلاك عائلته من الكهرباء يبلغ 700 كيلوواط تقريباً، وبالتالي سيقابله فاتورة تصل إلى 750 ألف ليرة سورية أو ربما أكثر”.
وأكمل التاجر الذي يبلغ من العمر55 عاماً: “كان من الأفضل الحد من البطالة وتأمين فرص عمل جيدة للمواطنين السوريين مع الاستفادة من الخبرات السابقة، ثم تحسين مرتباتهم الشهرية الزهيدة، بما يتناسب مع أي تعديل في أسعار المواد والخدمات الأساسية، بدلاً من زيادة الضغوط عليهم”.
من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي يوسف أن “سعر الكيلوواط الواحد ارتفع من 3 ليرات إلى 600 ليرة سورية، أي ما يمثل زيادة قدرها 200 ضعف، الأمر الذي يضع الكثير من الشرائح الاجتماعية السورية أمام صدمة ومشكلة حقيقية، لأن فواتير الكهرباء الجديدة قد يصل حدها الأدنى إلى 180 ألفاً، وربما تتجاوز الـ 500 و600 ألف ليرة بالوقت الذي لا يتجاوز دخل المواطن الشهري 120 دولاراً أمريكياً”.
وأضاف يوسف: “سيسعى المواطن السوري جاهداً لتقليل استهلاكه من الكهرباء، مما سيجعله يتجنّب استخدام العديد من الأجهزة، على سبيل المثال، إذا كان جهاز التدفئة الكهربائية يستهلك كيلوواط واحد في الساعة، ويعمل لمدة 6 ساعات يومياً، فإن استهلاكه سيتجاوز 300 كيلوواط المحدّدة للشريحة المدعومة، دون احتساب تشغيل الأجهزة الكهربائية الأخرى”.
وأكمل: “الدعم الحكومي الكهربائي للشريحة الأولى لا يكفي المواطن السوري سوى عشرة أيام كحد أقصى ضمن الدورة التشغيلية التي تمتد لشهرين، وبالتالي لن يغطي ذلك احتياجاته، كما حال راتبه الشهري الذي لا يكفيه سوى أيام قليلة”.
يشار إلى أن وزارة الطاقة السورية ذكرت في تصريحاتها الأخيرة أن “الأسعار السابقة لا تغطّي سوى جزءٍ ضئيل من تكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد، وهو ما جعل استمرار الدعم الواسع غير ممكن اقتصادياً في ظل العجز المالي المتزايد”.
هل ستؤثر الزيادة على أسعار السلع؟
ازدادت الضغوط على المتقاعدة السورية سلوى (سبعون عاماً) بعد زيادة التعرفة الكهربائية، وقالت: “شر البليّة ما يضحك!.. الكهرباء ضيفة ثقيلة بعد طول انتظار.. وأنا يا دوبني آكل وأشرب، من خلال مرتبي التقاعدي الذي لا يتجاوز الـ 80 دولاراً تقريباً”. وتخوفت “من ارتفاع أسعار السلع الأساسية بعد هذا القرار”.
بدوره، اعتبر يوسف أن “أزمة الكهرباء هي مجرّد قمة جبل الجليد، ومن المتوقع أن تشهد سوريا ارتفاعاً في أسعار العديد من المواد الأخرى في المستقبل القريب، وسيكون المواطن هو الضحية”، بحسب وصفه.
ويرى مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية، حسن الشوا، أن القرار “الأخير لم ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، إذ لم تُسجّل أي زيادة بعد صدور القرار، بحسب بيانات دائرة “سبر الأسعار” التي ترصد حركتها في جميع المحافظات”، بحسب جريدة “عنب بلدي”.
من جانبها، أكدت وزارة الطاقة السورية أن “الزيادة جاءت بما يتناسب مع الوضع المعيشي للمواطن السوري”، مشيرة إلى أن “العوائد سيعاد ضخّها في مشاريع توليد جديدة، مع تركيب العدّادات الذكية، وغيرها من الأدوات التي تساعد على تحسين كفاءة القطاع وضمان استمرارية الخدمة”.
لا شك أن ذلك يعكس توجّهاً نحو إعادة بناء وتطوير البنية التحتية للقطاع الكهربائي السوري، الأمر الذي يتطلّب تمويلاً كبيراً وشراكات استثمارية، وكان أولها توقيع الجهات المعنيّة اتفاقات رسمية، الخميس الماضي، مع تحالف شركات بقيادة شركة “أورباكون” القابضة لإنشاء وتشغيل محطات توليد كهرباء بقدرة 5 آلاف ميغاواط.
“راتبي ما بكفي ضو لمبة!”
“راتبي ما بكفي ضو لمبة”، هي كلمات مكتوبة على يافطة ندّد بها أحد المحتجّين على رفع تعرفة الكهرباء أثناء خروجه في مظاهرات سلمية شارك فيها العشرات من الأهالي في حمص، السبت الماضي، والتي سبقتها مظاهرات مماثلة في حماة.
ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد أن “الكهرباء حق للمواطنين وليست رفاهية، مطالبين بتجميد القرار، إضافة إلى ربط أي تعديل بالمواد الأساسية بدخلهم ومرتباتهم الشهرية”.
وشرح الباحث الاقتصادي الأنف الذكر أن “نسبة الإنفاق الكهربائي الأسري ستراوح ما بين 30 و40 في المئة على حساب معيشة المواطن وحياته الطبيعية، ما سيؤدي إلى ارتفاع مؤشرات الفقر وزيادة التضخم”. واستشهد في ذلك بإحصائيات سابقة صدرت عن “الأمم المتحدة، التي تؤكد أن “98 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر المدقع، والقرار غير عادل”، بحسب تعبيره.
وأفاد يوسف أن “الوضع الاقتصادي في سوريا يعاني بشكل كبير، وكان من الأفضل للمواطن السوري أن يبقى على الوضع السابق بدلاً من تحسين خدمات الكهرباء بتكاليف مرتفعة تستنزف مدخراته”.
لم يقتصر الأثر على الجانب المنزلي فحسب، بل امتد ليشمل الجانب الإنتاجي، حيث أثار القرار موجة من الاستياء داخل الأوساط الصناعية والتجارية التي تعتمد على الطاقة كمكون أساسي في عملية الإنتاج، فيما احتفل آخرون بالتخلّص من كابوس “الأمبيرات” وتكاليف المولدات الخاصة.
الرفع منطقي وإصلاحي!
سيطرت مشاعر الفرح على عدد من المواطنين في حلب، بعد تحسّن واقع الكهرباء ببعض المناطق، والذي وصل إلى 20 ساعة تغذية يوميّة، محتفلين فيها بعد مرور سنوات كثيرة على غيابها، ولجوئهم إلى نظام “الأمبيرات”.
وساهمت الأعباء المادية التي أنفقها المواطن لتوفير الكهرباء في حلب خلال السنوات الماضية بتقبّل الواقع الكهربائي الجديد نسبياً مع تكاليفه المرتفعة على مبدأ “شي أحسن من شي”، حيث كان المحور الأبرز لدى محمد (33 عاماً) الذي يعمل في ورشة صغيرة بحلب، هو التحرّر من “الأمبيرات”، التي شكّلت عبئاً ماليّاً على عمله، متفائلاً بأن تكون الكهرباء الرئيسية “أرحم” بكثير، بحسب تعبيره لـ “المدن”.
واتفق محمد في وجهة نظره مع رنا (48 عاماً) التي تعمل في مجال الألبسة بدمشق، قائلة: “هذا التحسّن الكهربائي مع رفع التكلفة منطقي، وإصلاحي، وضروري، لأنه سمح بتشغيل الآلات اللازمة دون تشغيل المولدات بشكل متواصل وتحمّل أعباء تكلفتها الكبيرة”.
ومع ذلك، كان للباحث الاقتصادي وجهة نظر مختلفة، فقد أشار إلى أن “الكهرباء تعد من أهم الخدمات اللازمة للإنتاج الصناعي، وعند زيادة تعرفتها، سيؤدي ذلك إلى تكاليف تشغيلية إضافية، وبالتالي تقويض قدرة المنتج السوري على المنافسة مع المنتجات المستوردة أو منتجات الدول المجاورة، مما سينتج عن ذلك خلل اقتصادي جديد”.
المستثمر على حساب المواطن!
يواجه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات كبيرة نتيجة التهالك الشديد في البنية التحتية للمنظومة الكهربائية التي تخسر مليار دولار سنوياً، وفق ما أكد مدير الاتصال في وزارة الطاقة السورية أحمد السليمان.
وبرر السليمان، قرار رفع تعرفة الكهرباء بأنه “ضروري لتغطية التكاليف وضمان استمرارية الخدمة”، مضيفاً: إن “القرار يهدف أيضاً لجذب المستثمرين بتحقيق أرباح مناسبة مقابل رؤوس أموالهم.”
واعتبر الباحث الاقتصادي “أن “السبب الرئيسي في هذه الزيادة هو إرضاء المستثمر، ولكن للأسف كان ذلك على حساب المواطن، وهو أول من سيدفع الثمن”، مشدّداً على أن “مسألة دعم الطاقة، وخاصة الكهرباء، هي قضية جوهرية تتطلّب تدخل الحكومة لضمان استمراريتها، مع مراعاة الحالة الاقتصادية المتدهورة”.
ويقدّر حجم استهلاك الكهرباء في سوريا بنحو 7000 ميغاواط، ومن المفروض أنها تستطيع إنتاج نحو 5000 ميغاواط منها، إلا أن التوليد الفعلي حالياً يبلغ فقط 2200 ميغاواط بسبب نقص مواد التشغيل والحاجة إلى الغاز الطبيعي والفيول لتوليد الطاقة الكهربائية والوصول إلى ساعات تشغيل أكبر.
وفي نهاية المطاف، ما زال المواطنون السوريون منقسمون، فمنهم من لم يعد يقوى على تحمّل المزيد من المتاعب وبات يرقص مذبوحاً من شدّة الألم، ومنهم من يرضى بالنصيب وأكبر أحلامه كوخ صغير آمن بين شجر “الحور والكينا”، حتى لو لم يكن لديه “كهربا ولا جوخ”، قائلاً: “المهم بقا نعيش وما يعرف حدا فينا”.
المدن
—————————-
ميناء اللاذقية: استثمار إماراتي يرسم خريطة الموانئ السورية
دمشق – رهام علي
الثلاثاء 2025/11/11
في خطوة جديدة تؤكد اهتمام الإمارات بتوسيع حضورها الاقتصادي في سوريا، أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي توقيع اتفاقية استحواذ على 20 في المئة من محطّة حاويات اللاذقية الدولية، بالتعاون مع الشركة الفرنسية CMA CGM مقابل 81 مليون درهم (نحو 22 مليون دولار).
وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر قليلة من توقيع موانئ دبي العالمية اتفاقًا لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، في سياق مساعٍ إماراتية لإعادة تأهيل البنية التحتية البحرية السورية وربط الموانئ بسلاسل تجارية إقليمية ودولية.
اللاذقية: البوابة البحرية الأولى
تمثّل محطّة حاويات اللاذقية البوابة البحرية الرئيسية لسوريا، إذ تتولّى مناولة أكثر من 95 في المئة من البضائع المعبأة في حاويات، خصوصاً المنتجات الزراعية والصناعية. وتدار المحطة منذ 2009 عبر ذراع التشغيل CMA Terminals التابعة للشركة الفرنسية.
وتشمل اتفاقية الاستثمار الجديدة مع موانئ أبوظبي تحديث البنية التحتية للمحطة، ورفع كفاءتها التشغيلية، وترقية أنظمتها الرقمية، بما يعزّز قدرتها على التعامل مع حجم أكبر من الحاويات، ويحوّلها إلى منصة لوجستية متقدّمة في شرق البحر المتوسط.
اتفاقية التطوير وتوسعة الطاقة
الاتفاقية تتضمن أيضاً زيادة القدرة الاستيعابية للمحطة من 250 ألف إلى 625 ألف حاوية نمطية بحلول نهاية عام 2026، مع توسعة الأرصفة وتعميقها إلى 17 مترًا لاستقبال السفن الكبيرة.
كما تتولى شركة “جي إف إس” التابعة لموانئ أبوظبي بنسبة 51%، تقديم خدمات الشحن الإقليمي للحاويات، بما يتيح ربط ميناء اللاذقية مباشرة بشبكة الموانئ الإماراتية والإقليمية.
وتخطط CMA CGM لضخ 30 مليون يورو في السنة الأولى، و200 مليون يورو إضافية على أربع سنوات، لتطوير البنية التحتية للميناء ضمن عقد طويل الأمد يمتد حتى 30 عامًا.
تحدّيات السيادة الاقتصادية
بعض آراء خبراء الاقتصاد تذهب إلى أن استثمارات موانئ أبوظبي وCMA CGM في ميناء اللاذقية، على رغم فوائدها الاقتصادية، تطرح إشكالات تتعلق بالسيادة التشغيلية على أهم منفذ تجاري في البلاد. “فالدولة تبقى مالكة للأرض والأرصفة، لكن القرارات التشغيلية والاستراتيجية مثل منح العقود، وتحديد أولويات الشحن، والسياسات السعرية، باتت إلى حد كبير بيد المستثمرين والمشغّلين الأجانب”.
ويعتبر الخبراء أن هذا الوضع يعني أن الميناء يُدار كأصل استثماري مستقلّ بعيدًا عن خطط الحكومة، مع محدودية قدرتها على توجيه استخدامه بما يتوافق مع سياسات التنمية الوطنية، ما يثير تساؤلًا مهمًا: هل يمكن أن تظل الحكومة مقتصرة على دور المالك الرسمي، بينما أهم منفذ تجاري في البلاد يُدار تحت تأثير جهتين خارجيتين، أبوظبي ومرسيليا؟
جدوى الاستثمار والمخاطر
من جهته، يشير مستشار اقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، إلى أن دخول مجموعة موانئ أبوظبي إلى ميناء اللاذقية يمثل خطوة استراتيجية تعزز فعليًا كفاءة بوابة الحاويات الأولى في سوريا.
وفي حديثه مع “المدن”، يضيف ديب أن الصفقة ترفع الطاقة التشغيلية للميناء، وتخفض كلفة اللوجستيات، وتسهّل تدفق المواد الخام والسلع الزراعية والصناعية، ما ينعكس مباشرة على التجارة السورية، ويعزز الثقة بين الخطوط الملاحية والمستثمرين اللوجستيين.
ويبرز الخبير أن الشراكة الإماراتية-الفرنسية توفّر حزمة متكاملة من التشغيل والخدمات اللوجستية، إذ تجمع بين خبرة CMA CGM في إدارة العمليات المحلية ومعرفة السوق السورية، ورأس المال التشغيلي والإدارة المهنية لموانئ أبوظبي وشبكاتها في الخليج والهند وأفريقيا. هذا التكامل، وفقًا لديب، يسرّع تحديث المعدات والأنظمة الرقمية، وإجراءات السلامة والجودة، ويعطي للميناء القدرة على تقديم خدمات بمستوى عالمي.
يشير عامرديب أيضًا إلى أن نموذج الحصة الأقلية (20%) يحدّ من التعرض السياسي والقانوني، ويتيح للدولة البقاء على مقعد ضمن القرارات الاستراتيجية الأساسية، مع إمكانية تحقيق مكاسب سريعة من تحسين السعة والإنتاجية والأمن والسلامة.
ويؤكد الخبير أن استمرار بيئة تشغيلية وامتثالية منظمة يفتح الباب أمام استثمارات خليجية إضافية، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع إزالة العقبات البيروقراطية التي تعيق تنفيذ المشاريع.
كذلك يشير إلى أن التحديات داخل المؤسسات السورية أحيانًا تجعل اتخاذ القرارات أبطأ، على رغم أن توجيهات الرئاسة واضحة في دعم المستثمرين وتسهيل عملهم، ما يجعل نجاح الاستثمارات يعتمد على التوازن بين القوانين والمرونة التشغيلية.
في رأيه، هذه الخطوة لا تأتي منفصلة عن مشاريع أخرى مثل امتياز DP World في طرطوس، بل تخلق شبكة إماراتية مزدوجة على الساحل السوري، تربط بين طرطوس واللاذقية، وتوفر اقتصاديات حجم قوية، وتسهل جذب خطوط شحن وترانزيت دولية، ما يعزز من فرص التنمية الاقتصادية الطويلة المدى في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية.
الفرص والتحديات الاقتصادية
ومع توسعة ميناء اللاذقية وطرطوس، يُتوقع أن تتحسن حركة الصادرات والواردات السورية، وأن تتسع فرص العمل، وتزداد فعالية البنية التحتية اللوجستية.
غير أن الخبراء يحذرون من أن نجاح هذه المشاريع مرتبط بالاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، وأن هناك تحديات لوجستية وتشغيلية قد تواجهها الشركات خلال مراحل التطوير والتشغيل، لكنها تشكل بلا شك خطوات ملموسة نحو إعادة إحياء الموانئ السورية بعد سنوات من الركود والعزلة الاقتصادية.
الربط الإقليمي وآفاق التوسع
بالتوازي، يُنظر إلى استثمارات موانئ أبوظبي ودبي العالمية على أنها مدخل لإعادة توظيف رؤوس الأموال العربية في سوريا، ودعم مرحلة إعادة الإعمار الاقتصادي. كما يمكن أن تفتح هذه المشاريع الباب أمام شركات خليجية ودولية أخرى لدخول السوق السورية، خصوصًا في قطاع الشحن البحري والصناعة والتجارة اللوجستية، بما يعزز دور الساحل السوري كمركز تجاري ولوجستي إقليمي.
المدن
———————–
الإصلاح.. لتشجيع المستثمرين أم لتحسين حياة السوريين؟/ أحمد عيشة
2025.11.11
تقترب سوريا من نهاية عامها الأول على سقوط الديكتاتور بشار الأسد، لكن ثمة تحديات لا تزال أمام الحكومة الجديدة، وخاصة بعد الوعود الكثيرة التي قدمت للناس، وأبرز تلك التحديات المتعلقة بشروط الحياة المعيشية والاجتماعية، خاصة أن معظم السوريين (نحو 90 في المئة) يعيشون تحت خط الفقر، فالحديث عن وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار الاقتصادي غير واضح وتعوزه الشفافية. وأكثر المشكلات التي برزت مؤخراً، مشكلة الطاقة (الكهرباء والمشتقات النفطية) وتسعيراتها بالدولار وما تحمله من مخاطر، وإعادة الموظفين إلى وظائفهم، حيث تعالج المشكلات بطريقة يمكنها أن تولد مزيداً من الاستياء وتقوض العدالة الاجتماعية كأحد أسس الحياة الكريمة.
يعاني قطاع الطاقة بكل فروعه من أشد أشكال التدمير قسوة، فقطاع الكهرباء، الذي يمثل عصب الحياة وأساس النمو وإعادة الإعمار، تصل خسائره حسب التقديرات الأولية إلى (40) مليار دولار، تبدأ من محطات التوليد إلى محطات التحويل وشبكات النقل والتوزيع وصولاً إلى العدادات التي تمثل الميزان بين الشركات والمشتركين. يفرض حجم الدمار هذا وضع تصور واضح وعلني لخطة إعادة بنائه وإصلاح ما هو قائم، بطريقة تحقق التوازن بين مصالح الشركات والجهة المستهلكة للطاقة، وفي سوريا، حيث نسبة الاستهلاك المنزلي هي الأكبر إذ تصل لنحو 85 في المئة من مجمل الطاقة، يصبح من الضروري أخذ الحالة المعيشية للمواطن السوري في ظل ظروفه المعيشية المعروفة (تحت خط الفقر) حسب تصنيفات الأمم المتحدة، ومع غياب فرص العمل وانتشار البطالة وبطء دورة الاقتصادية في مجالات الصناعة، إضافة لحالة الجفاف وما تركته من أثر على حياة الريف السوري.
وأولى الأخطاء التي تعاملت معها الحكومة الحالية مع مسألة الطاقة هي سياسة الدولرة (Dollarisation) الجزئية، التي تُسوَّق كأداة استقرار مالي وتشجيع للاستثمار، فهي ليست مجرّد أداة مالية، إنها تحويل للسيادة الاقتصادية من الدولة إلى السوق، ومن المواطن إلى المستثمر. وتأتي سياسة الحكومة الحالية في تسعير مشتقات الطاقة (الغاز وغيره من المشتقات النفطية) وأخيراً الكهرباء بالدولار، بما يتوافق مع القيم الحقيقية للأسعار والكلف الإنتاجية، بينما يتقاضى عموم السوريين أجرهم بالليرات السورية ضمن حجة الإصلاح وإعادة البناء بشكل سليم ، لتعكس في واقع الأمر مصلحة المستثمر أكثر من مصلحة المواطن، الذي ينبغي ألا يكون ممولاً غير مباشر لرأس المال الأجنبي، فأخذ دخل الناس بالحسبان يصبح ضرورة، ليس لشراء الولاء وإنما لتحقيق علاقة متوازنة بين الناس ودولتهم بما يؤمن شرعية لنظام الحكم.
إن مراجعة بسيطة لسعر الطاقة يظهر الفجوة الكبيرة والآخذة في الاتساع بين سياسة الحكومة في الإصلاح وحال المواطنين، فالغاز (11.8 والبنزين 1.1، والكهرباء 0.14) دولار، بينما وسطي الدخل السوري لمن يعمل نحو (100) دولار، وحالة الارتجال في سياسات الإصلاح المزعوم التي تتطلب مثل أي عملية وجود الكادر التقني والبيروقراطي والقرار السياسي المدروس الذي يضع التوازن بين طرفي العملية الإصلاحية: الاستثمار وظروف الناس، أما السعي فقط لخلق بيئة تشجع المستثمر، فنتيجته معروفة والتجارب كثيرة على ذلك: المزيد من الاستياء الاجتماعي بين الناس، ناهيك عن أن ذلك لن يحقق ما يسعى المستثمر والعملية برمتها من تحقيق هدفها المتمثل في التنمية وزيادة معدل النمو، فارتفاع أسعار المواد وتوفرها بغزارة في ظل تدني دخل الناس سيوصل لما يعرف بالركود، فتجربة “المولات” ووفرة المواد لا علاقة لها بالإصلاح، ولا تعني بأي حال أننا بحالة نمو.
والمشكلة الأخرى، هي إعادة الكوادر والعمال والموظفين الذي فصلهم النظام الأسدي بسبب تركهم العمل والشروط المذلة لإعادتهم، ومن الغرابة سؤالهم عن العمل “الثوري” الذي قاموا به خلال الفترة الماضية، وكأن العمل الثوري مختصر بملخصات توفر علامات النجاح لمن يتقنها، والأمر الآخر، أن غالبيتهم وجدوا أنفسهم خاضعين لأحكام قاسية من النظام الأسدي سواء بالسجن أو الغرامات أو بكليهما، لكن الباب مفتوح للتخلص من تلك العقوبات من خلال طلبهم للمحاكم بأن يشملهم العفو الصادر من النظام الأسدي في العام 2023، في حين أنه يمكن للحكومة الحالية إعادتهم بقرار يتضمن إسقاط كل العقوبات الصادرة بحقهم، وهم قدموا ما استطاعوا في سبيل الخلاص من النظام الأسدي، وأقله أنهم لم يشاركوا النظام بأي عمل دموي!
يؤكد غياب خطة ورؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة ولإعادة الإعمار الاقتصادي، على غياب أو تغييب الإطار المؤسسي للبلاد وسعي الحكومة نحو سياسة تلبي مصالح المستثمرين أكثر من السوريين، فالسعي لتحقيق إيرادات سريعة من خلال مشاريع عقارية وعرض مرافق البنية التحتية الرئيسية للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك الطاقة والصناعة والخدمات وانعدام الشفافية فيما يتعلق بتفاصيل العقود، والتسويات مع رجال الأعمال المقربين من نظام الأسد، واتباع سياسة الدولرة ولو جزئياً وتبني نهج السوق الحرة من دون ضوابط لن يضع البلاد على سكة الإصلاح وإعادة الإعمار، خاصة أن البلاد تعاني من حالة فقر شديد واقتصاد منهك، بل يدخلها في نمط كارثي من الرأسمالية، نمط متوحش يأكل كل ما حوله لمصلحة فئة ضيقة.
عانت سوريا خلال العقود الماضية من أسوأ نظام حكم عرفته البشرية وعلى كل المستويات من القمع وصولاً لحرق البلد ومن سياسة المحسوبية ونهب البلاد، وتصميم خطط جديدة للنهوض بالبلاد يجب أن تأخذ هذا بالحسبان، وهذا يعني خطة توازن بين الانفتاح الاقتصادي وحرية السوق من جهة وحماية الفئات الضعيفة وهم الغالبية من جهة أخرى ومشاركتهم بتقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي من دون
وضع الفترة الأسدية، وهي أشد الفترات كارثة في تاريخ سوريا، كجملة مقارنة عند توجيه أي انتقاد، أما تصميم الخطط وفق مصالح طرف واحد أي كان سينهك البلاد أكثر، فتجارب الاعتماد على الخارج وعلى المستثمرين أثبتت فشلها في أكثر من مكان، كما أن تجاهل البعد الاجتماعي لأي سياسة اقتصادية لا يؤدي إلا إلى مزيد من التفاوت والاحتقان، وربما إلى انفجار اجتماعي جديد.
تلفزيون سوريا
———————————————–
==================
تحديث 10 تشرين الثاني 2025
——————————-
هكذا تفقّر سورية مواطنيها وتقتل صناعتها/ عدنان عبد الرزاق
10 نوفمبر 2025
قراران بتوقيت غير مناسب، إن لم نطلق حكم قيمة ونقول خاطئان. ومن شأنهما، بحال التصلّب وعدم العودة عنهما، أو إعادة النظر والتعديل، أن يأتيا على الصناعة السورية، وسيأخذان المستهلك السوري بطريقهما إلى مزيد من الفقر والبطالة. القرار الأول اعتماد سورية “الاقتصاد الحر” هكذا ومن أوسع الأبواب، إذ لا تتابع مسؤولاً، اقتصادياً أو غير اقتصادي، إلا ويتغنى أن النهج الاقتصادي هو الحر، ويتابع، إن كان مطلعاً، أن الليبرالية الكلاسيكية لن تكون سقفاً، بل البلد يسير نحو سياسة “النيوليبرالية”، بمعنى: ابتعاد الدولة حتى عن التدخل بالقوننة والمراقبة وترك الأسواق تصحح نفسها ضمن اقتصاد حر وأسواق مفتوحة. وهذا التوجه قد يناسب اقتصاداً بحجم الصيني أو الألماني أو الأميركي، فهناك الاستقرار والذي لا تتمتع به سورية، والتطور التقني والإنتاجي والذي لا تملكه سورية، ووجود مواد أولية تفتقرها سورية، وتقاليد اقتصادية وعلاقات واتفاقات لا تمتلكها سورية.
هناك، ورغم الليبرالية “المنفلشة” أو المتوحشة، يوجد طرق حمائية عدة للإنتاج الذي يشغّل أيدي عاملة كبيرة ويستفيد من القيم المضافة للمواد الأولية المحلية، أو يعود على البلاد بعائدات صادرات كبيرة. بمعنى، حتى تلك الاقتصادات العملاقة، وأبطال التصدير الأوائل، والتي تساهم مجتمعة بأكثر من 48% من الناتج الإجمالي العالمي، تتردد حين تتحدث عن الأسواق المفتوحة، بل نراها حين تشعر باستهداف أو إغراق أسواقها، تسارع لحماية بعض الصناعات عبر فرض رسوم جمركية بوجه المماثل المستورد، ناسفة ما أتت عليه منظمة التجارة العالمية أو نصت عليه الاتفاقات أو ما تمليه الأسواق المفتوحة. فكيف ببلد مثل سورية، مهدمة البنى والهياكل، صناعاتها خارجة عن الإنتاج أو بالكاد تنتج بالحدود الدنيا بواقع خطوط وآلات قديمة، وتعاني من جميع أشكال الإعاقة وارتفاع التكاليف، أن تعلن عن اقتصاد حر من دون ضوابط، لتغرق أسواقها، كما هي اليوم، بسلع تركيا وعربية وصينية، ستأتي ولا شك، على الإنتاج المحلي العاجز عن المنافسة بواقع ظروفه الراهنة.
وأما القرار الثاني الطازج، فهو رفع الحكومة بدمشق أسعار الكهرباء بنسبة لا تقل عن 60 ضعفاً، وفق نظام الشرائح، بذريعة الخسائر ودعم الدولة للقطاع ومحاولات تأمين التيار على مدار الساعة وتحسين جودة الخدمة. ليقفز سعر الكيلو واط الساعي للمستهلك المنزلي، من 10 إلى 600 ليرة، هذا إن كان الاستهلاك أقل من 300 كيلو، أما إن ارتفع عن ذلك، فيرتفع السعر إلى 1400 ليرة للكيلو واط الواحد.
ولم تنج المؤسسات والمنشآت الصغيرة من الرفع الهائل، بل تم تحديد سعر الكيلو واط ضمن الشريحة الثالثة بسعر 1700 ليرة، وللمنشآت الكبيرة ذات الاستهلاك العالي، 1900 ليرة للكيلو واط الساعي. والتبرير جاء محقاً بشكله وطرحه النظري، فعدا استدامة تأمين الكهرباء وجودة الخدمة، ماثلت الحكومة السورية الأسعار بدول الجوار وتكاليف الإنتاج، متناسية أمرين اثنين.
الأول أن دخل المواطن وقوة الإنتاج بدول الجوار، لا يمكن مقارنتهما البتة بحال السوريين ومنشآتهم، ما يعني زيادة في تفقير المواطن صاحب الدخل المنخفض والحكم على المنشآت بزيادة تكاليف الإنتاج، ما يعني مزيداً من المنافسة العرجاء أمام المستوردات، وبالتالي الخروج ربما عن الإنتاج وليس عن المنافسة فحسب. والأمر الثاني الذي أغفلته الحكومة، خلال تبريرها ودفاعها عن القرار وعدالته، أننا على أبواب فصل الشتاء وزيادة استهلاك الكهرباء بواقع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية (ليتر المازوت 11 ألف ليرة) سواء بالمنازل أو المنشآت، الأمر الذي سيزيد من الأعباء على السوريين ويضعف قدرة المنشآت على المنافسة أو ربما الاستمرار. والأهم ربما بما أغفلته الحكومة بقرار رفع سعر الكهرباء، أنها سلعة محرضة تدخل بجميع أنواع الإنتاج، الصناعي والزراعي وحتى الخدمات، ما يعني ارتفاعاً مرتقباً لأسعار السلع والمنتجات وأجور النقل، ما يوصلنا، من دون عناء الشرح والتفصيل، إلى فقر الشعب وتضخم الأسعار ومزيد من تهاوي سعر الصرف.
قصارى القول: بمنطق الاقتصاد المجرد ووفق نهج الأسواق المفتوحة والنمط الحر والواقعية التي بررت خلالها الحكومة، يمكن القول إن كل الحق مع حكومة دمشق برفع أسعار الطاقة، لأن قطاع الكهرباء مهدم جراء الحرب ونافت خسائره 40 مليار دولار، بل والخسائر السنوية للقطاع، وفق آخر تصريح حكومي، تبلغ مليار دولار. ولا سبيل لتوازن الخسائر وتقليصها إلا عبر رفع الأسعار. ولكن، هذا المنطق منقوص لأسباب عدة. منها وكما أسلفنا، واقع المواطن السوري والمنشآت الإنتاجية التي لا يمكن التعاطي معها، بمنطق الواقعية أو بمقياس الربح والخسارة فقط، بل واقع الحبو والتعافي اليوم وضرورة الدعم لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، واجبة على الحكومة، أي حكومة، لتكسب استمرار الإنتاج وتبعد المواطنين عن الفقر المدقع.
كما أن القياس على السعر العالمي للطاقة، يفرض على الحكومة تأمين دخل بالمستوى العالمي ومعيشة بالمستوى العالمي، بل وحماية بالطرق العالمية، سواء للشعب عبر طرق دعم وبرامج تأمين ورواتب عاطلين، أو على المنشآت بالدعم، وإن غير المباشر، عبر تخفيض تكاليف الإنتاج وتخفيف نسبة الضرائب، وإن اقتضت الضرورة والمصلحة العامة وحماية الاقتصاد، فلا ضير من فرض رسوم وطرق حمائية… كما تفعل واشنطن وبكين وبرلين وقت الحاجة. نهاية القول: لن نسأل عن الوعود الإقليمية والدولية بدعم قطاع الكهرباء السوري وتوريد الغاز والفيول، بأسعار تفضيلية، لزيادة الإنتاج وتحسين الخدمة، بل سنعود للمنطلق، وهو ما نسمعه من حكومة دمشق إلى جانب مقولة الاقتصاد الحر، وهو القطعية بعدم الاستدانة من المنظمات الدولية لإعمار سورية.
لماذا الحسم النهائي بهذا القرار، إن كانت مديونية الولايات المتحدة هي الأعلى بالتاريخ، وديون ألمانيا تزيد ثلاثة أضعاف ناتجها الإجمالي، بل واليابان تأتي بمقدمة الدول العالمية مديونية. ومعروف بمنطق الاقتصاد أن كل دين تزيد عائداته عن فوائده فهو قرض حميد، وتلجأ له الدول، حتى المتطورة والغنية، لتوظفه في أقنية إنتاجية وأحياناً خدمية، ناهيك عن أن لكل دولة نسبة ضمن أموال البنك الدولي يمكن أن تقترضها وتوظفها. فهل أجدى وألزم من قطاع الكهرباء، على سبيل المثال، لتستدين سورية من أجله، فتطوره وتزيد إنتاجه وتحسن إنتاجيته وخدماته، وتحافظ عليه ضمن القطاع الحكومي لما له من ارتباط بمعيشة الشعب.
أما عن العائدات فالأكيد ستزيد عن فوائد القروض، ولو بعد حين، وقت تزيد كمية الإنتاج وتصل ربما للتصدير لدول الجوار. وإلا لما تهافت المستثمرون اليوم لنيل حصة من كعكة الكهرباء السورية. وأما عن ملكية قطاع الكهرباء للدولة بواقع اقتصاد السوق والنيو ليبرالية التي تشغل بال حكومة دمشق، فنذكر أن أعتى ليبراليات العالم، لم تزل تحتفظ بقطاعات إنتاجية وخدمية لها علاقة مباشرة بالمستهلك، كالنقل والكهرباء. وكل هذا، إن لم يكن بخلد حكومة دمشق خصخصة قطاع الكهرباء، ومنح النقل والتوزيع، على الأقل، لشركات خاصة ومستثمرين محددين، إذ وقت ذاك، ينتفي كل ما أتينا عليه أعلاه وتصبح سياسة “النيوليبرالية” ضرورة حتمية ورفع سعر الكهرباء حاجة ملحة، لجذب المستثمر الموعود وضمان أرباحه.
العربي الجديد
—————————————
ليست الحرب وحدها… من يقتل الصناعة السورية السياسات أم الإهمال؟/ محمد مصطفى عيد
الاثنين 10 نوفمبر 2025
بين صمت الماكينات المتوقفة في المدن الصناعية السورية وأبواب الورش المغلقة، تكمن حقيقة أعمق من مجرد آثار الحرب. فالانهيار الذي تتكشف ملامحه منذ أكثر من عقد ليس وليد القذائف وحدها، بل هو محصلة تراكمية لسياسات قتلت القطاع الصناعي ببطء، قبل أن تأتي الحرب لتضع علامة الموت النهائية.
اليوم، يقف المصنعون والعاملون على حافة الخسارة، لكنهم لا يواجهون نتائج الحرب فحسب، بل يواجهون إرثاً ثقيلاً من القرارات الخاطئة التي بدأت منذ ستينيات القرن الماضي. سياساتٌ جعلت الصناعة الوطنية عاجزة عن النهوض حتى عندما توقف دوي الانفجارات.
في هذا التقرير، يتوقف رصيف22 عند كيف تحولت السياسات الاقتصادية من أداة لدعم الإنتاج إلى سلاح ضد الصناعة المحلية. نستعرض مع الخبراء والصناعيين مسيرة الانهيار الطويلة: من سياسات التأميم التي شتتت رأس المال الوطني، إلى سياسات الطاقة التي خنقت المصانع، مروراً بالسياسات الجمركية التي فتحت الأبواب للإغراق، وصولاً إلى سياسات “التحرير” المشوّه التي أنهكت ما تبقى من مناعة الصناعة السورية.
نحاول الإجابة عن السؤال المحوري: لماذا استمرت الصناعة السورية في النزيف حتى بعد توقف القتال؟ ومن المستفيد من بقاء هذا القطاع الحيوي في غرفة الإنعاش؟
سياسات متراكمة وعقود ضائعة
يرجع الأمين العام للاتحاد العربي للصناعات الجلدية، يوسف سعد، التراجع الصناعي في سوريا إلى مسارٍ طويل من السياسات الخاطئة والقرارات الارتجالية التي بدأت منذ ستينيات القرن الماضي، مروراً بمراحل متعاقبة تسببت في تآكل البنية الصناعية وتراجع ثقة المستثمرين.
ففي المرحلة الأولى، مثّل التأميم نقطة الانكسار الأبرز، إذ تم تجريد الصناعيين من ملكياتهم واتهامهم بالاستغلال، مما دفع برؤوس الأموال الوطنية إلى الهجرة، وأفقد الصناعة السورية قدرتها التنافسية داخلياً وخارجياً.
ثم جاءت مرحلة ما بعد حرب تشرين 1973، حيث تدفقت الأموال الخليجية وأُنشئت مصانع كثيرة بلا دراسات جدوى حقيقية، وسط شبهات فساد وغياب الكفاءة الإدارية، مما جعل أرباحها قائمة على الحماية ومنع الاستيراد لا على جودة الإنتاج.
أما مع بداية الألفية الجديدة، فقد تعمّق التدهور مع هيمنة الاقتصاد الريعي واحتكار الاستيراد لمصلحة فئة ضيقة من التجار، فيما تراجعت الصناعات الوطنية أمام المنتجات التركية الرخيصة التي أغرقت السوق المحلية.
وبعد عام 2011، جاءت الحرب لتكمل حلقة الانهيار، إذ نُهبت المصانع وتعرض الصناعيون للابتزاز، فهاجر رأس المال الصناعي ومعه اليد العاملة الماهرة، تاركًا وراءه قطاعًا ينزف من دون حماية.
ويشير سعد خلال حديثه لرصيف22 إلى أن ما يُعرف بـ”العهد الجديد” الذي حاول فتح المجال أمام الاقتصاد الحر، لكن الفهم المغلوط لهذا المفهوم جعل الصناعة الوطنية تواجه منافسة غير متكافئة مع المنتجات الأجنبية من دون أي تحضير أو دعم، فكانت النتيجة معركة خاسرة سلفاً.
ويرى أن إصلاح الصناعة لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة الملفات الأمنية والسياسية والتشريعية المتراكمة، توازياً مع إعادة صياغة سياسات الطاقة، فارتفاع سعر الطاقة يزيد من أسعار الخدمات وأسعار الحاجات المنزلية اليومية وتالياً يضغط باتجاه ضرورة رفع الرواتب والأجور التي تزيد بدورها من تكاليف السلعة وهكذا، كما أن ارتفاع أسعار الكهرباء دون زيادة دخل الفرد سوف يؤدي إلى انكماش شديد في الأسواق وضعف القوة الشرائية التي ستؤدي إلى كساد المنتجات وتفاقم الخسائر.
ضحايا الواقع: مصانع تُغلق وعمالة تُسرّح
هذه السياسات التاريخية التي يتحدث عنها سعد لم تبقَ حبيسة الكتب، بل تجسدت على أرض الواقع في مصانع أُغلقت وخبرات تبعثرت. ومن الأمثلة البارزة على التحديات التي تواجه الصناعة السورية ما حدث مع مصنع “الحجار للنسيج” الذي أغلق مؤخراً وينتج خيوط الأكريليك ويُعدّ أحد أهم منشآت إنتاج المادة الأولية للألبسة التريكو.
فقد اضطر صاحب المصنع إلى إقفاله بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية، حيث أكد خلال لقاء له أن تكاليف الإنتاج ارتفعت بأكثر من 50%، نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء بنسبة تقارب 35%، واحتكار حوامل الطاقة، إضافةً إلى سياسة حبس السيولة في المصارف التي رفعت قيمة الليرة بشكل وهمي وأضعفت القدرة على التصدير.
كما ساهم فتح باب الاستيراد بجمارك منخفضة في إغراق الأسواق ببضائع رديئة ورخيصة، ما أدّى بحسب الحجار إلى تراجع الطلب على المنتج المحلي وتوقف خطوط الإنتاج. وقد نتج من الإغلاق تسريح نحو 360 عاملاً، في مؤشر واضح على حجم الأثر الاجتماعي والاقتصادي الذي خلّفته سياسات الطاقة والاستيراد على القطاع الصناعي الوطني.
هروب رأس المال: صناعة بلا وطن
وإذا كانت مصانع الداخل تدفع الثمن، فإن رأس المال السوري يبحث عن ملاذات آمنة خارج الحدود. فقد تصدّر الصناعيون السوريون قائمة المستثمرين العرب المؤسسين لشركات جديدة في مصر خلال السنة المالية 2024–2025، بعد تأسيس نحو 4800 شركة، وفق تصريح تلفزيوني لرئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حسام هيبة، وبحسب وثيقة حكومية صادرة عن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة المصرية.
هذا التفاوت لا يُعبّر فقط عن هجرة رؤوس الأموال، بل عن الفارق الكبير في بيئات العمل، حيث لا تزال سوريا تحاول النهوض من تركة اقتصادية ثقيلة تراكمت عبر عقود من السياسات الريعية والعقوبات والحصار، بينما تسعى الحكومة الحالية لإدارة بلد أنهكته الحرب ومحاولة إعادة تشغيل ما تبقى من بنية الإنتاج.
تشخيص الواقع… أرقام صادمة وبنية تحتية منهارة
في مواجهة هذا الواقع المرير، يقدّم الصناعي محمد الشاعر قراءة شاملة لأسباب تراجع الصناعة الوطنية، مؤكداً أن ما تمرّ به الصناعة السورية اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة تفاقمت بفعل الأزمة السورية والحصار الاقتصادي والعقوبات الدولية التي دمّرت البنية الإنتاجية وأضعفت سلاسل التوريد والشبكات الاقتصادية والاجتماعية.
ويشير الشاعر إلى رصيف22 إلى أن حجم الأضرار التي طالت البنية التحتية كان بالغاً، ترافق مع تراجع الاستثمارات الإنتاجية وهجرة المستثمرين والكفاءات الصناعية، الأمر الذي أدى إلى تقلّص النشاط الاقتصادي بنسبة تقارب 90% مقارنة بعام 2010، وانخفاض الصادرات السورية بنحو 92% خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2023، في حين تراجع الناتج المحلي النفطي بنسبة 93% خلال المدة ذاتها.
ويضيف أن الصناعة كانت من أكثر القطاعات تضرراً، إذ خرجت مئات المنشآت العامة والخاصة عن الخدمة، وارتفعت تكاليف الإنتاج نتيجة الحصار وغياب الطاقة وارتفاع الرسوم والفساد الإداري، مما أدى إلى خسارة جزء كبير من السوق المحلية لصالح المنتجات المستوردة والمهرّبة، وتراجع القوة الشرائية لدى المستهلكين. كما انخفضت نسبة العاملين في القطاع الصناعي العام بنحو 30%، وفي القطاع الخاص بنحو 50%.
ويرى أن مرحلة ما بعد التحرير لم تكن خالية من التحديات، إذ سُمح بدخول بضائع مستوردة دون رقابة، وتوسعت منافذ التهريب، وارتفعت أجور النقل والطاقة.
ومع ذلك، ظهرت مؤشرات إيجابية مثل إعادة تأهيل المدن الصناعية وتحسن التوريد الكهربائي، ويختم بالقول إن الصناعة السورية اليوم بين صعود وهبوط، لكنها تظلّ قادرة على النهوض مجدداً إذا ترافقت الإرادة السياسية مع تشريعات محفزة وبنية تحتية متماسكة.
رؤية نقدية… فشل الإدارة وغياب التخطيط
بينما يقدم الباحث الاقتصادي والصناعي عصام تيزيني رؤية أكثر تشاؤماً، معتبراً أن الفريق الاقتصادي الحالي فشل في إدارة الملف الصناعي، وأن قراراته المتخبطة عمّقت أزمة الإنتاج المحلي بدلاً من أن تسهم في معالجتها.
ويرى تيزيني أن ارتفاع أسعار الكهرباء شكّل واحداً من أبرز العوائق التي تواجه المعامل السورية، إذ انعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج، في وقت لا تتوافر فيه الطاقة الكهربائية بشكل كاف إلا داخل المدن الصناعية، بينما تبقى بقية المصانع تعاني من الانقطاعات الطويلة وارتفاع كلفة التشغيل.
ويُرجع تيزيني جذور الأزمة إلى نهج اقتصادي قديم كرّس الاقتصاد الريعي التجاري على حساب الاقتصاد الإنتاجي، موضحاً أن تراجع الصناعة الوطنية ليس وليد السنوات الأخيرة، بل بدأ منذ مطلع الألفية، حين تخلّت السياسات الحكومية عن دعم الصناعات الحيوية كالغذائية والدوائية، واكتفت بالصناعات التحويلية محدودة القيمة المضافة. \
كما ينتقد بشدة سياسات منع الاستيراد التي لا تراعي حاجة السوق أو طبيعة الاقتصاد المحلي، مبيناً أن أغلب المنتجات السورية تعتمد أساساً على مكونات مستوردة، ما يجعل قرارات المنع غير منطقية وتؤدي إلى اضطراب السوق وارتفاع الأسعار.
انخفاض مساهمة الناتج المحلي الإجمالي
في السياق ذاته، يرى مستشار غرفة صناعة حلب، الدكتور سعد بساطة، أن القطاع الصناعي السوري يعيش واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، إذ انخفضت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 25% قبل عام 2011 إلى أقل من 8% في عام 2024، نتيجة الحرب الطويلة والحصار الاقتصادي وتدمير البنية التحتية الصناعية.
هذا الانكماش لم يقتصر على توقف الإنتاج، بل طال سلاسل العمل الداعمة له، وصولاً إلى الصناعات الزراعية والغذائية التي تعتمد على التصنيع المحلي.
ويشير إلى أن العقبات الأساسية التي تواجه القطاع تتمثل في نقص المواد الأولية والطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهجرة الكفاءات الصناعية، وغياب سياسات دعم واضحة، مما جعل البيئة الصناعية طاردة وغير قادرة على المنافسة. ويؤكد بساطة أن مواجهة الإغراق الصناعي من دول الجوار تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تشمل فرض رسوم حماية جمركية على السلع المنافسة، دعم البحث والتطوير، وتوفير التمويل للمشاركة في المعارض الدولية وفتح قنوات تصدير جديدة، إلى جانب تفعيل المناطق الصناعية وبرامج التدريب والتعاون الأكاديمي لتأهيل العمالة الوطنية وفق حاجات السوق.
كما يشير إلى أن رفع تسعيرة الكهرباء كان من أكثر الإجراءات تأثيراً على تنافسية المنتج المحلي، إذ أدى إلى زيادة التكاليف التشغيلية وتراجع القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الداخل والخارج، لتصبح سوريا من بين الدول الأعلى تكلفة في الطاقة بالمنطقة.
مقترحات الإنقاذ بين الحماية الذكية والتشجيع التصديري
وفي ظل هذا التشخيص القاتم، يقدم الخبير الاقتصادي في إنعاش الصناعة السورية الدكتور فادي عياش باقة من الحلول العملية، مع التأكيد على كون المرحلة دقيقة وتتطلب معالجة جذرية وشاملة.
ويشير إلى أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا شكّلت العائق الأكبر أمام انسياب حركة التجارة واستيراد مستلزمات الإنتاج، ما انعكس سلباً على تنافسية المنتج السوري في الداخل والخارج، كما يلفت إلى أن ضعف البنية التحتية في قطاعات الطاقة والنقل والكهرباء أسهم في ارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب غياب التمويل وضعف الاستثمارات التي حدّت من فرص التطوير الصناعي.
ويضيف أن هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة مثّلت ضربة قاسية للقطاع الصناعي، الأمر الذي جعل الحاجة إلى رؤية إنقاذية واقعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ويطرح الدكتور عياش من خلال حديثه مع رصيف22 مجموعة من الحلول والمخرجات العملية التي يمكن أن تشكّل مدخلاً لتعافي الصناعة، أبرزها تبنّي مفهوم “الحماية الذكية” عبر فرض رسوم جمركية تصل إلى 40% على السلع المستوردة التي يتوافر لها بديل محلي، بما يتيح حماية المنتج الوطني دون تعطيل حركة السوق، كما يدعو إلى تحويل الدعم من مدخلات الإنتاج إلى مخرجاته، بحيث تُوجَّه الحوافز للصناعيين المنتجين والمصدّرين الفاعلين، من خلال تخفيف الضرائب ورسوم الطاقة والتمويل.
وفي موازاة ذلك، يؤكد ضرورة دعم الصادرات السورية بوسائل واقعية تشمل تمويل دراسات الأسواق الخارجية، والمشاركة في المعارض الدولية، وإعادة تفعيل اتفاقية “EURO 1” مع الاتحاد الأوروبي.
كما يشدّد على أهمية تقديم إعفاءات ضريبية موجّهة وتسهيلات ائتمانية مخصصة للإنتاج حصراً، مع تبسيط الإجراءات وتبنّي مفاهيم جديدة مثل “منافسة الدولة” و”العلامة التجارية الجغرافية” لتعزيز هوية المنتج السوري في الأسواق العالمية ورفع قدرته التنافسية.
غياب الإرادة… القطاع الذي لم يجد من ينقذه
أما الباحث الاقتصادي وعضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر، فيقدّم رؤية نقدية حادّة تكمل الصورة، ويشير في حديثه مع رصيف22 إلى أن القطاع الصناعي في سوريا لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه كقطاع قيادي داخل الاقتصاد الوطني، رغم عشرات الدراسات والخطط الإصلاحية التي أُعدّت لتطويره وبقيت حبيسة الأدراج.
ويرى بكر أن المرحلة التي تلت التحرير كشفت عمق الأزمة، إذ ازدادت الضغوط على الصناعيين نتيجة غياب الاهتمام الحكومي الفعلي بمعالجة المشكلات المتراكمة، وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وبخاصة حوامل الطاقة، إضافة إلى فتح الأسواق أمام المنتجات المستوردة والمهرّبة، خصوصاً من الشمال السوري، ما أدى إلى إغراق السوق المحلية ببضائع رخيصة وضعيفة الجودة أضعفت قدرة المنتج المحلي على المنافسة وأجبرت العديد من المصانع على التوقف أو الإغلاق.
ويشير إلى أن المستفيد الأكبر من هذا الواقع هم اقتصادات الدول المجاورة التي أغرقت السوق السورية ببضائعها، بينما الخاسر الحقيقي هو الصناعي والمستهلك السوري على حد سواء.
صناعة تبحث عن مستقبل
تتركّز الصورة النهائية للصناعة السورية عند مفترق طرق حاسم؛ فمن جهة، هناك تاريخ طويل من السياسات الخاطئة، وتراكم الأزمات، وانهيار البنية التحتية، وهجرة رأس المال والكفاءات، ومن جهة أخرى، تبرز مقترحات عملية وتشخيصات دقيقة من الخبراء والصناعيين قد تشكّل خارطة طريق للإنقاذ.
الواقع يؤكد أن الصناعة السورية لم تمت، لكنها في غرفة إنعاش تنتظر قراراً سياسياً جريئاً، وحماية ذكية، ودعماً حقيقياً ينتشلها من دائرة العجز والإغراق. السؤال الذي يظل معلقاً: هل ستكون هناك إرادة كافية لتحويل هذه المقترحات إلى واقع، أم ستظل الصناعة الوطنية حلماً ينتظر التحقق بينما تستمر الماكينات في الصمت؟
رصيف 22
———————————–
صور آل الأسد تختفي قريباً من الليرة السورية بعد 50 عاماً من الظهور
دمشق ستصدر عملة جديدة وتحذف “صفرين” في محاولة لإنقاذ الاقتصاد
الرياض – العربية
10 نوفمبر ,2025
“إجاك الدور يا دكتور”.. الهتاف الأشهر للثورة السورية بدأ على لسان أطفال مدينة درعا في مواجهة الطبيب السابق بشار الأسد الذي حكم سوريا لنحو ربع قرن من الزمان شهدت حرباً استمرت 14 عاماً، وأدت إلى تدهور اقتصاد البلاد وانخفاض عملتها “الليرة” لمستوى متدنٍ، والآن جاء الدور على بشار ليرحل مجدداً ولكن هذه المرة ليس عن كرسي الحكم ولكن من على الورقة النقدية التي ارتبطت بأزمة سوريا الاقتصادية.
وعقد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية اجتماعاً تنسيقياً مع وزير الإعلام حمزة المصطفى، وذلك تحضيراً لإطلاق حملة إعلامية شاملة بمناسبة قرب إصدار العملة الوطنية الجديدة. وناقش الطرفان خلال اللقاء الذي نشرت تفاصيله وكالة الأنباء السورية اليوم الاثنين؛ الجوانب الفنية والتواصلية المتعلقة بالحملة، بما يضمن إيصال الرسائل التوعوية إلى مختلف شرائح المجتمع، وتعزيز الثقة بالسياسات النقدية الجديدة.
مصرف سوريا المركزي أعلن عن طباعة عملة سورية جديدة من 6 فئات، لكن الجديد أنها ستكون خالية من الصور والرموز لتودع الليرة السورية صورة حافظ الأسد الرئيس الأسبق ونجله بشار.
خطوة المصرف المركزي جاءت في محاولة لإنقاذ قيمة العملة المتدهورة، ورغم أنها خطوة “نفسية” إلى حد كبير، ولكنها تأتي ضمن إجراءات كثيرة لإصلاح الاقتصاد السوري بعد عقود من التراجع.
المواطن السوري الذي يبلغ من العمر حالياً 50 عاماً عاش طوال حياته تحت حكم عائلة الأسد، حيث ولد في عهد الأب حافظ الذي حكم سوريا من عام 1971 وحتى وفاته في عام 2000، ليخلفه نجله بشار الذي استمر في الحكم حتى ديسمبر من عام 2024.
كان على المواطن السوري أن يرى صور حافظ وبشار في المدارس والمؤسسات الحكومية وحتى الخاصة، بالإضافة إلى الصور والتماثيل المنتشرة في الشوارع والميادين السورية وحافظة نقوده.
قبل الحرب السورية التي اندلعت في عام 2011 كان سعر الدولار الأميركي يبلغ 50 ليرة، ولكن استمرت العملة السورية في التدهور بسبب تداعيات الحرب حتى وصل الدولار إلى 15 ألف ليرة، ولكن يستقر السعر حالياً فوق مستوى 11 ألف ليرة بقليل.
صورة حافظ الأسد موجودة على الورقة النقدية التي تصل قيمتها إلى 1000 ليرة، ولكن مع تدهور قيمة العملة صدرت ورقة أخرى بقيمة 2000 ليرة تحمل صورة بشار الأسد، وكان على المواطن السوري أن يحمل “أكواماً من النقد” عليها صورة الأسدين من أجل التسوق.
وفي يناير من عام 2021 أصدر مصرف سوريا المركزي ورقة نقدية جديدة بقيمة 5 آلاف ليرة مع التدهور المستمر في قيمة العملة، لكنها لم تحمل صورة الأسد الأب أو الابن، إلا أنها كانت دليلاً على انهيار اقتصادي غير مسبوق.
إنقاذ الليرة
تعتمد قيمة العملة على قوة الاقتصاد الوطني ووفرة موارده من النقد الأجنبي خاصة الدولار الأميركي، وهي عوامل يفقدها الاقتصاد السوري الذي واجه عقوبات دولية غير مسبوقة بسبب ممارسات النظام السابق.
ورغم غياب البيانات الرسمية بسبب العزلة الاقتصادية السورية، فإن التقديرات تشير إلى أن احتياطي النقد الأجنبي لدى سوريا لا يتجاوز 200 مليون دولار عند رحيل النظام السابق، بالإضافة إلى مخزون من الذهب يصل إلى 26 طناً فقط.
وتعاني سوريا من تدهور الصادرات بسبب إغلاق عدد كبير من المصانع بسبب الحرب وتوقف صادرات النفط بسبب العقوبات الاقتصادية، وهو ما أدى إلى فقدان البلاد للمورد الرئيسي للعملة الصعبة.
كما تراجع الإقبال السياحي على سوريا بسبب تدهور الوضع الأمني في البلاد وانهيار الخدمات الفندقية والتدمير الذي طال عدد كبير من المواقع الأثرية، ما أدى أيضاً إلى فقدان إيرادات السياحة.
ورغم أن تحويلات المغتربين تعتبر من أهم موارد العملة الأجنبية في البلاد التي تشهد معدلات هجرة مرتفعة، إلا أن “التغربية السورية” بعد الحرب تضمنت عائلات كاملة لم يعد لها علاقة بالداخل السوري حتى ترسل الأموال إلى البلاد.
“أمجد” طفل سوري يبلغ من العمر 13 عاماً ولد في مدينة السادس من أكتوبر غرب العاصمة المصرية القاهرة، يتعامل بالجنيه المصري حيث يساعد والده المهاجر في متجر الإلكترونيات الذي يملكه بأحد المولات التجارية بالمدينة المصرية.
يعرف “أمجد” شكل الليرة السورية من خلال النقود التي ما زال والده يحملها معه، ولكنه ليس متأكداً من موعد عودته مجدداً إلى سوريا، حيث استقر والده في مصر منذ نحو 14 عاماً والتحق الطفل مع أشقائه الأربعة – ولد 3 منهم في مصر – بمدارس مصرية.
التضخم وسعر الفائدة من العوامل التي تحدد قيمة العملة، ومع ارتفاعات قياسية للتضخم في سوريا وزيادات في أسعار جميع السلع، فإن الليرة ليست على مسار ارتفاع قريب، ولكن هناك إجراءات مرتقبة منها حذف “صفرين” عند إصدار العملة الجديدة.
الشعب السوري الذي يعيش نحو 90% منه تحت خط الفقر سيتعامل بـ “ليرة جديدة” لا تحمل صورة الأسدين، ولكنها ما زالت متأثرة بسنوات الحرب والانهيار الاقتصادي الذي استمر لسنوات طويلة.
تفاصيل الليرة الجديدة
كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، في مقابلة خاصة مع قناة العربية، عن أبرز ملامح وتفاصيل العملة السورية الجديدة، مؤكداً أنها ستشهد إزالة صفرين من قيمتها الاسمية، في خطوة تهدف إلى تبسيط التعاملات النقدية وتعزيز الثقة بالعملة المحلية.
وأوضح الحصرية أن العملة الجديدة ستُطبع لدى أكثر من جهة، لضمان الجودة والأمان والسرعة في عملية الإصدار، مشدداً على أن المصرف “سيقوم بكل ما يلزم للتخلص من آثار العملة القديمة”، بما في ذلك سحب الفئات المتقادمة تدريجياً من السوق.
وأضاف أن التصميم الجديد سيُراعي عكس الهوية الوطنية السورية من خلال اختيار ألوان ورموز مستوحاة من التاريخ والثقافة المحلية، لافتاً إلى أن المصرف قرر أن تكون العملة الجديدة خالية من الصور أو الرموز السياسية، في إشارة إلى توجه نحو طابع أكثر حيادية واستقراراً.
وفي بيان سابق، قال الحصرية إن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.
وأوضح أن مصرف سوريا المركزي سيعلن عن تفاصيل كل فئة من حيث القيمة والحجم والتصميم في الوقت المناسب، وذلك بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية الخاصة بالطباعة والإصدار.
وأضاف حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة الجديدة لن تكون “مجرد أرقام”، بل ستكون ذات هوية وطنية معاصرة تعبر عن الحداثة والاستقرار الاقتصادي.
ضبط السيولة النقدية
وأشار إلى أنه ستواكب إطلاق العملة الجديدة إجراءات مدروسة من قبل المركزي السوري، لضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار، تشمل مراقبة السوق النقدية، وضبط حركة الكتلة النقدية المتداولة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لضمان عدم حدوث تضخم أو مضاربات نتيجة طرح الفئات الجديدة.
وقال الحصرية إن إطلاق العملة السورية الجديدة سيسهم في معالجة جانب من مشكلة نقص السيولة، وخصوصاً من خلال استبدال الأوراق التالفة، وضخ أوراق نقدية حديثة أكثر جودة وتحملاً.
وأوضح أن هذا الإجراء سيحسن من انسيابية التداول النقدي في الأسواق دون أن يؤدي إلى زيادة حقيقية في الكتلة النقدية، أي أن الهدف هو “التحديث وليس التوسع النقدي”.
وأشار إلى أن إيجابيات إطلاق العملة الجديدة متعددة، وعلى رأسها تعزيز الثقة بالعملة الوطنية وإعطاؤها مظهراً حديثاً ومتطوراً، وتحسين كفاءة التداول النقدي وتقليل تكاليف الطباعة المستقبلية، ودعم النشاط الاقتصادي عبر تسهيل المعاملات التجارية والنقدية، كما سيسهم على المدى المتوسط، في تحسين استقرار سعر صرف الليرة السورية من خلال رفع الثقة بالسياسة النقدية، والحد من التداول بالأوراق التالفة أو المزورة.
————————————-
سوريا تستعد لإطلاق عملتها الوطنية الجديدة.. إجراء جديد قبل الإعلان الرسمي
العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات وستكون خالية من الصور والرموز
الرياض – العربية
10 نوفمبر ,2025
عقد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية اجتماعاً تنسيقياً مع وزير الإعلام حمزة المصطفى، وذلك تحضيراً لإطلاق حملة إعلامية شاملة بمناسبة قرب إصدار العملة الوطنية الجديدة.
وناقش الطرفان خلال اللقاء الجوانب الفنية والتواصلية المتعلقة بالحملة، بما يضمن إيصال الرسائل التوعوية إلى مختلف شرائح المجتمع، وتعزيز الثقة بالسياسات النقدية الجديدة.
كما تم التأكيد على أهمية التكامل بين الإعلام والمؤسسات المالية في دعم الخطط الاقتصادية، وضرورة توظيف وسائل الإعلام الوطنية لنشر المعلومات الدقيقة حول الإصدار الجديد، وتوضيح أهدافه وانعكاساته الإيجابية على الاقتصاد الوطني، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تتحرك لضبط سوق الذهب.. إجراء جديد للسيطرة على الواردات
اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تتحرك لضبط سوق الذهب.. إجراء جديد للسيطرة على الواردات
وأشار مصرف سوريا المركزي إلى أهمية الاجتماع التنسيقي مع وزارة الإعلام في إطار الحرص على تعزيز الشفافية مع المواطنين بما يخص القضايا الاقتصادية ذات الأولوية.
تفاصيل العملة السورية الجديدة
وفي وقت سابق، كشف حاكم مصرف سوريا المركزي أن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات وستكون خالية من الصور والرموز، لتكون أكثر وضوحاً وسهولة في التحقق منها، ومنسجمة مع الاتجاه العالمي نحو التصميم النظيف والمجرد.
وقال الحصرية إن العملة الجديدة ستصدر بفئات مختلفة لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.
وأوضح أن مصرف سوريا المركزي سيعلن عن تفاصيل كل فئة من حيث القيمة والحجم والتصميم في الوقت المناسب، وذلك بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية الخاصة بالطباعة والإصدار.
وأشار إلى أنه ستواكب إطلاق العملة الجديدة إجراءات مدروسة من قبل المركزي السوري، لضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار، تشمل مراقبة السوق النقدية، وضبط حركة الكتلة النقدية المتداولة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لضمان عدم حدوث تضخم أو مضاربات نتيجة طرح الفئات الجديدة.
وقال الحصرية إن إطلاق العملة السورية الجديدة سيسهم في معالجة جانب من مشكلة نقص السيولة، وخصوصاً من خلال استبدال الأوراق التالفة، وضخ أوراق نقدية حديثة أكثر جودة وتحملاً.
——————————
كوسوفو تقدم منحة لـ”صندوق الائتمان” لدعم الاستقرار شرقي سوريا
أعلن صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا (SRTF)، عن تلقيه مساهمة قدرها 100 ألف دولار أمريكي من جمهورية كوسوفو، لدعم الاستقرار شمال شرقي سوريا ومساعدة العائدين إلى مناطقهم.
وبحسب بيان صحفي للصندوق وصلت إلى عنب بلدي نسخة منه، الأحد 9 من تشرين الثاني، فإن المساهمة تأتي لدعم مشروع إعادة تأهيل المنازل الذي يهدف إلى مساعدة المجتمعات المضيفة والعائدين وخاصة القادمين من مخيم “الهول” على الاستقرار وإعادة بناء منازلهم والاندماج في مجتمعاتهم.
كما ستدعم ترميم المنازل وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتشجيع القطاع الزراعي ودعم سبل العيش بهدف تهيئة ظروف آمنة ومستدامة للأسر العائدة.
نائبة رئيس الوزراء بالإنابة ووزيرة الخارجية في كوسوفو، دونيكا جيرفالا شوارتز، قالت إن كوسوفو تقف متضامنة مع الشعب السوري ومن خلال شراكتها مع “صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا”، تهدف إلى مساعدة العائدين على إعادة الاندماج بأمان واستدامة، وتعزيز الاستقرار والصمود والكرامة لمن هم في أمس الحاجة إليها.
وأوضح المدير العام لصندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا، هاني خباز، أن مساهمة كوسوفو من شأنها أن تعمل بشكل مباشر على تحسين حياة العائدين من خلال إعادة تأهيل المأوى ودعم سبل العيش، والحد من نقاط الضعف واستعادة الأمل.
تسلط هذه المساهمة الضوء على التزام كوسوفو المستمر بالتعافي والاستقرار وتعزز رسالة “صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا”، في دعم الأسر التي تعيد بناء حياتها ومجتمعاتها بـ”كرامة وصمود”، وفق تعبيره.
صندوق “SRTF” أسسته مجموعة أصدقاء الشعب السوري في أيلول عام 2013، بمشاركة ثلاثة مانحين أساسيين هم ألمانيا والإمارات وأمريكا، وهو صندوق متعدد المانحين يهدف إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، ويعمل على توجيه منح التمويل من المجتمع الدولي بطريقة شفافة وخاضعة للمساءلة.
منح دون مقابل
أكد المدير التنفيذي لـ”صندوق الائتمان” في حوار مع عنب بلدي في 13 من تموز الماضي، أن كل ما تم تقديمه من قبل الدول أعضاء مجلس إدارة الصندوق هو منح دون مقابل.
وقال إن البنك المؤتمن الذي يراقب عمليات الصرف والمحاسبة والتدقيق وتطبيق معايير الشفافية والنزاهة في الصندوق هو بنك التنمية الألماني (KfW)، وهو ذات البنك الذي نفذ خطة “مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار ألمانيا.
وعادة ما يتم انشاء الصناديق الائتمانية الدولية لإعادة الإعمار إما ضمن البنك الدولي أو الأمم المتحدة، وتعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تأسيس صندوق ائتمان لإعادة إعمار بشكل مستقل عن البنك الدولي والأمم المتحدة، بهدف الحرص منذ تأسيسه على عدم سيطرة النظام السابق على الصندوق أو الاستفادة منه بأي شكل كان، وفقًا لإرادة مؤسسيه.
وتتمثل المساهمات المالية المستلمة من قبل الصندوق حسب الحجم حتى أيار الماضي بـ:
ألمانيا 106.68 مليون يورو.
الولايات المتحدة 63.45 مليون يورو
اليابان 56.36 مليون يورو.
الكويت 41.93 مليون يورو.
الدنمارك 28.07 مليون يورو.
فرنسا 25 مليون يورو.
الإمارات العربية المتحدة 18.71 مليون يورو.
مساهمات بمبالغ من 10.29 مليون يورو إلى 3.40 مليون يورو من قبل المملكة المتحدة وهولندا والسويد وفنلندا وإيطاليا.
سوريا تعترف بجمهورية كوسوفو
كانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية أعلنت، في 29 من تشرين الأول الماضي، اعتراف سوريا بجمهورية كوسوفو دولة مستقلة وذات سيادة.
وقالت إن ذلك جاء في إطار السياسة السورية الرامية إلى توسيع جسور التعاون والانفتاح مع مختلف دول العالم، وبما يخدم المصالح المشتركة.
وجاء في بيان صادر عن الوزارة أن اعتراف سوريا بكوسوفو أُعلن خلال اجتماع ثلاثي عقد في العاصمة السعودية الرياض، وضم ممثلين عن سوريا والسعودية وكوسوفو، جرى خلاله بحث سبل تعزيز العلاقات والتفاهم المشترك وفتح آفاق التعاون الثنائي.
وقالت الخارجية إن هذا القرار يأتي “انطلاقًا من إيمان سوريا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحرصها على تعزيز مبادئ السلام والاستقرار في منطقة البلقان والعالم”، مؤكدة أن الخطوة تأتي ضمن سياسة “الانفتاح وتوسيع جسور التعاون” مع مختلف دول العالم.
من جانبها، رحّبت جمهورية كوسوفو باعتراف سوريا الرسمي بها، ووصفت القرار بأنه “تاريخي”، وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية في بريشتينا.
وجاء في البيان الذي نشرته رئيسة جمهورية كوسوفو، فيوزا عثماني، عبر حسابها في منصة “إكس” أن كوسوفو “تعبّر عن امتنانها العميق للجمهورية العربية السورية ولرئيسها أحمد الشرع على دعمه للشعب الكوسوفي”، معتبرة أن القرار يستند إلى “الاحترام المتبادل لنضال الشعبين من أجل الحرية والسيادة والاستقلال”.
—————————–
الشرع يلتقي مديرة صندوق النقد الدولي في واشنطن
لقي الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن أمس الأحد مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا، بحضور وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني. وتم خلال الاجتماع بحث أوجه التعاون المحتملة بين سوريا وصندوق النقد لتعزيز عجلة التنمية والتطوير الاقتصادي في البلاد.
وناقش الشرع خلال اللقاء، مجالات التعاون الممكنة لدعم التنمية الاقتصادية في سوريا.
ركزت المناقشات على أطر التعاون الممكنة بين سوريا وصندوق النقد الدولي لتعزيز النمو الاقتصادي ودعم الإصلاح الاقتصادي.
من بين المواضيع التي طُرحت إصلاح البنك المركزي السوري، وتقديم بيانات اقتصادية موثوق بها، ورفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات، وذلك حسب ما ذكرت وكالة رويترز للأنباء.
وأكدت جورجيفا استعداد الصندوق لتقديم الدعم والمساعدة لسوريا. وقالت في منشور لها على منصة إكس، إن المناقشات تناولت التحوّل الاقتصادي الذي تحتاجه سوريا، مؤكدة حرص الصندوق على تقديم المساعدة، بما في ذلك تقديم الدعم الفني للمؤسسات المالية الرئيسية في الدولة السورية.
وكان الشرع قد وصل إلى الولايات المتحدة أمس الأحد في زيارة رسمية. ومن المقرر أن يلتقي الرئيس دونالد ترامب في وقت لاحق اليوم الاثنين بـالبيت الأبيض.
لما الحرص على لقاء الصندوق؟
بحث إطارات ممكنة للتعاون بين سوريا وصندوق النقد الدولي لتعزيز النمو الاقتصادي السوري ودعم الإصلاحات الاقتصادية.
بناء أساس فني يساعد سوريا على إصلاح مؤسساتها المالية، وتحسين بياناتها الاقتصادية، وإعداد موازنات الدولة بشكل أكثر شفافية.
إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي بعد سنوات من العزلة.
المصدر: الجزيرة + وكالات
————————–
خلال زيارته لصندوق النقد… الشرع وغورغييفا يناقشان سبل دعم الإصلاحات السورية
واشنطن: «الشرق الأوسط»
10 نوفمبر 2025 م
بحث الرئيس السوري أحمد الشرع سبل التعاون المحتملة بين بلاده وصندوق النقد الدولي، و«التحول الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون»، خلال لقاء مع المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا.
اللقاء جرى في العاصمة الأميركية واشنطن، على هامش الزيارة التي يجريها الشرع إلى الولايات المتحدة؛ حيث من المقرر أن يلتقي يوم الاثنين الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وركَّز اللقاء على سبل «تعزيز عجلة التنمية والتطوير الاقتصادي في سوريا»، حسب «وكالة الأنباء السورية».
وأكدت غورغييفا استعداد الصندوق لتقديم الدعم والمساعدة لسوريا، وذلك عقب اجتماعها يوم الأحد مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقر المؤسسة بواشنطن.
وقالت في منشور لها على منصة «إكس»، إن المناقشات تناولت «التحوّل الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون ويستحقونه»، مشددة على «استعداد صندوق النقد الدولي لتقديم المساعدة، بما في ذلك من خلال دعمنا الفني القائم للمؤسسات الرئيسية».
مناقشة سبل التعاون لتعزيز النمو
ركز الاجتماع الذي حضره وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، على بحث سبل التعاون المحتملة بين سوريا وصندوق النقد الدولي، لتعزيز عجلة التنمية والتطوير الاقتصادي في البلاد، ومناقشة «التحول الاقتصادي» الذي تسعى الحكومة لإجرائه.
لقاء الجالية السورية
كما التقى الشرع وفداً من الجالية السورية في واشنطن، بحضور الشيباني، والمُوفد الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك. وأكد خلال الاجتماع أهمية ارتباط السوريين في الخارج بوطنهم سوريا، ودورهم في نقل الصورة الحقيقية عنها والدفاع عن قضاياها العادلة، منوهاً بجهودهم ومبادراتهم التي تعبّر عن انتمائهم العميق واعتزازهم بوطنهم، وفق «سانا».
بدوره، ألقى براك مداخلة أشاد فيها بدور الجالية السورية في تعزيز العلاقات بين سوريا والمجتمع الدولي، وأكد حرص الولايات المتحدة على دعم المبادرات التي تُسهّل عودة سوريا إلى المحيطين الإقليمي والدولي.
خلفية التعاون
تأتي هذه الزيارة في ظل تعاون مستجد ومكثف بين دمشق والصندوق؛ خصوصاً بعدما استقبلت سوريا في يونيو (حزيران) الماضي أول بعثة فنية من الصندوق منذ 18 عاماً. وقد ناقشت البعثة حينها إصلاحات هيكلية ضرورية، شملت تحسين أنظمة الضرائب والجمارك، وتمكين البنك المركزي من اعتماد سياسة نقدية لضمان استقرار الأسعار واستعادة الثقة في الليرة، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
جهود جذب الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار
تتزامن جهود التعاون مع المؤسسات الدولية مع تسارع خطط سوريا لجذب استثمارات لتنمية القطاعات وإعادة الإعمار، بدلاً من الاعتماد على القروض والمساعدات. وتقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار؛ حسب البنك الدولي.
زيارة «تاريخية»
وفي تعليقه على اللقاء، أشار وزير المالية السوري محمد يسر برنية إلى أن اللقاء «سيدعم العلاقات بين سوريا والصندوق»، مضيفاً: «نعول على دعم صندوق النقد للمساعدة في تنفيذ سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي».
ووصف -في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»- الزيارة بـ«التاريخية»؛ مشيراً إلى أنها ستنعكس إيجاباً على تطور العلاقة بين سوريا وصندوق النقد الدولي.
وأوضح أن الحكومة تعول على دعم الصندوق في توفير المشورة الفنية، وبناء القدرات، بما يساهم في دعم سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي التي تعمل عليها سوريا.
——————–
أزمة الكهرباء في دمشق.. ألواح شمسية تضيء الفجوة الطبقية/ دمشق – رهام علي
الاثنين 2025/11/10
في إحدى الليالي الرمادية في دمشق، يجلس طفل في حي شعبي يرفع شمعة صغيرة فوق دفتره الدراسي، يحاول إنقاذ واجبه من الظلام الدامس، وعلى بُعد بضعة كيلومترات فقط، تلمع الألواح الشمسية فوق أسطح الأبنية الفخمة، والمكيفات تعمل بلا توقف.
ليس هذا مجرد فرق جغرافي؛ بل انعكاس لحياة السوريين طوال 15 عاماً من الحرب: فالكهرباء لم تعد خدمة عادية؛ بل رمز للقدرة المالية والطبقية، ومرآة لأزمة اقتصادية واجتماعية أعمق.
ومع رفع التعرفة في تشرين الأول 2025، زادت ساعات الوصل في بعض الأحياء، لكن هذه الزيادة لم تُترجم إلى فرحة، فـكل ساعة تغذية باتت تعني فاتورة أكبر، وكثيرون صاروا يتمنون أن لا تأتي الكهرباء أصلاً، لتجنب عبء مالي جديد. تناقض صارخ يضع المواطن بين الحاجة والقدرة على الدفع.
واقع التقنين: الكهرباء تُقاس بالساعات
في دمشق، لا تُحسب الأيام؛ بل ساعات الوصل الكهربائي، ففي بعض الأحياء، غالبًا لا تتجاوز ساعات التيار أربع ساعات يوميًا، في حين تصل في الأحياء الراقية إلى ثماني ساعات متصلة، مع دعم المولدات والألواح الشمسية.
أبو محمود، صاحب محل خياطة في أحد الأحياء الشعبية، يروي: “صار عندي توقيت محدد للعمل، إذا الكهربا أجت ساعتين بس، أعطيهم لكل ماكينات الخياطة، بعدين نقعد ع العتمة “.
من جهتها، وزارة الكهرباء كانت تقول إن السبب نقص الوقود والغاز لمحطات التوليد وارتفاع الطلب، لكن الأهالي يرون أن المشكلة أعمق: بنية تحتية مهترئة وخطط إصلاح متأخرة.
رفع الأسعار: كهرباء أكثر… وعبء أكبر
ومع نهاية تشرين الأول 2025، رفعت الوزارة التعرفة على نحوٍ لافت: الشريحة الأولى وصلت 600 ليرة للكيلوواط، والثانية 1400 ليرة، والشريحة الثالثة للمؤسسات والمصانع 1700‑1800 ليرة.
رد فعل الشارع كان سريعًا: احتجاجات محدودة في سلمية وريف حماة، وعبارات مثل: “ندفع أكثر ونحصل أقل”.
لكن ما ظهر لاحقًا كان أكثر غرابة: ساعات الوصل زادت، لكن رغبة الناس في تشغيل الكهرباء تقلصت.
أم سليم من حي الورود تقول: “صارت الكهربا تجي أكثر، بس كل ساعة معناها فاتورة أكبر، ما عدنا نفرح بالتيار، صرنا نحسبه حساب”.
هذا التناقض يوضح حقيقة معقدة: الحكومة تحاول زيادة الإنتاج وتحسين الوصل، لكن الأسعار المرتفعة جعلت الخدمة عبء نفسي ومالي، وولّدت تقنينًا ذاتيًا يفرضه المواطن نفسه.
الطاقة البديلة: النور مكلف
ومع ارتفاع الأسعار وتقنين الكهرباء، لجأت بعض الأسر إلى تركيب منظومات شمسية وبطاريات، لكن هذا حل مكلف: تتراوح تكلفة المنظومة المنزلية المتوسطة بين 10 و14 مليون ليرة، وهو ما يجعلها ترفًا للأغنياء.
المهندس نضال الحمصي يوضح: “الطلب على الألواح كبير، لكن السوق فوضوي. كثير من المعدات صينية رديئة أو مستعملة، والمواطن يدفع مقابل وعد لا يُنفذ أحيانًا”.
بالتوازي، وسعت السوق السوداء للألواح والبطاريات الفجوة بين من يملك الطاقة ومن لا يملكها،. فمن يعتبر من الطبقة “الغنية” يضيئون منازلهم 24/24، في حين أنَّ الفقراء وذوي الدخل المحدود يعتمدون على لمبات USB ومولدات صغيرة، ويحسبون كل ساعة كهرباء كما لو كانت ذهبًا.
الفجوة الكهربائية والبعد الطبقي
كذلك، فإن الاختلاف لم يعد اقتصاديًا فحسب؛ بل صار شرخًا اجتماعيًا يوميًا. الأطفال في الأحياء الشعبية يدرسون على ضوء الشموع، المحلات الصغيرة تُغلق أبوابها، والأسر تحسب كل ساعة تغذية لتجنب الفواتير.
وفي المقابل، سكان الأحياء الراقية يعيشون حياة شبه طبيعية: مكيفات، ثلاجات، مصاعد تعمل بلا توقف. الفجوة ليست فقط في ما تملكه الأسرة؛ بل في عدد ساعات الضوء التي تستطيع دفع ثمنها.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية
انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار له انعكاسات مباشرة تمثلت بـِ:
التعليم: الطلاب يعتمدون على النهار أو البطاريات المكلفة.
الأعمال الصغيرة: المقاهي والورش ومحلات الخياطة تعدل ساعات التشغيل لتقليل الفاتورة.
تكاليف المعيشة: الثلاجات والمولدات والبطاريات صارت من الضروريات التي تثقل الميزانية الشهرية.
الاحتقان النفسي: الشعور بدفع مقابل خدمة ناقصة يولد استياءً واسعًا وأحيانًا تظاهرات، كما في سلمية وريف حماة.
السياسات المستقبلية والبدائل
في هذا السياق، أعلنت وزارة الكهرباء عن مشروع عدادات ذكية وزيادة ساعات التشغيل إلى نحو 14 ساعة يوميًا منتصف 2026، وتشجيع الاستثمار في محطات شمسية صغيرة.
لكن الخبراء يشددون: الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالأسعار؛ بل بإعادة تأهيل محطات التوليد، تحديث شبكات النقل، تأمين الوقود، ومكافحة الهدر. الكهرباء في دمشق ليست مجرد خدمة يُعاد ضبطها؛ بل منظومة تحتاج إعادة بناء وعدالة توزيع.
في المحصلة، لم تعد الكهرباء في دمشق 2025 مجرد ضوء؛ بل معيار للعيش والطبقية. من يملكْها يعِش حياة أقرب إلى الإنسانية، ومن لا يملكها يعِش تحت ضوء مصباح بطارية. بين رفع الأسعار وساعات الوصل المحدودة، تتشكل صورة وطن يبحث عن النور كحق وليس كترف، حيث كل ساعة ضوء تُحسب بعناية، وكل قرار حكومي يترك أثره النفسي والاجتماعي على حياة الناس.
المدن
———————-
==================
تحديث 09 تشرين الثاني 2025
——————————-
عام 2026 بين الطموح والواقع: فرص وتحديات إعادة إعمار سوريا/ مازن الشاهين
الشيباني: عام 2026 سيكون عام التنمية… وبداية عودة سوريا إلى الحياة
2025-11-09
أطلق وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، رؤيته للمستقبل القريب، مؤكداً أن “عام 2026 سيكون عام التنمية لسوريا”، ومتنبئاً في الوقت نفسه بزوال العقوبات الدولية عن البلاد، كما ربط الوزير بشكل مباشر عمل المنظمات السورية في واشنطن بعملية إعادة الإعمار والبناء في الداخل السوري، في إشارة واضحة إلى محاولة إعادة توجيه جهود الشتات نحو خدمة الأهداف الوطنية.
الكلفة الباهظة
خبير التنمية الاقتصادية الدكتور علي السلمان في تصريحات لـ”963+” يرى أنه لا يمكن فهم حجم التفاؤل بتصريحات الشيباني حول رفع العقوبات دون استيعاب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد السوري جراء هذه القيود الدولية، والتي يُعد قانون قيصر من أشدها صرامة، بالإضافة إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي”.
ويضيف: “أدت العقوبات إلى شلل شبه كامل في الاقتصاد السوري، خاصة في قطاعي الطاقة والمال، مما تسبب في نقص حاد بالوقود والكهرباء وارتفاع أسعارهما، وانهيار إنتاج النفط وفقدان الحكومة لمصدرها الرئيسي للعملة الصعبة، إضافة إلى العزل المالي وتدهور الليرة وخروج المصارف الأجنبية وتجميد أصول البنك المركزي، ما أدى لتراجع الاحتياطي النقدي من نحو 18.5 مليار دولار إلى مبالغ ضئيلة. وفي ظل هذا الواقع، تبرز تصريحات الوزير الشيباني حول عام 2026 كـ”عام التنمية” كإشارة لمرحلة تحضيرية تهدف لاستكمال الاستقرار الأمني والسياسي تمهيداً لإعادة البناء الاقتصادي وتحسين المعيشة”.
ويرى أيضاً أن حديث الشيباني هو “رسالة للمستثمرين، وهي دعوة صريحة للقطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، لبدء التخطيط والمبادرة، مع وعد بيئة أكثر استقراراً وأماناً للاستثمار في غضون عام تقريباً، هذا التفاؤل، رغم أهميته في رفع المعنويات، يواجه تحديات هائلة على الأرض، أبرزها تأمين مصادر التمويل الضخمة اللازمة لإعادة الإعمار، وخصوصاً في قطاعات البنية التحتية المتضررة بشكل كبير كالطاقة والمياه والتعليم”.
ولعل الجزء الأكثر أهمية في تصريحات الوزير هو التأكيد على أن “لن تكون هناك عقوبات على سوريا” بحلول ذلك الوقت، هذا التصريح، بحسب السلمان، “يرتكز على قراءة دمشق للتطورات الإقليمية والدولية، وإن رفع العقوبات، كما يأمل الشيباني، يمثل بالنسبة للاقتصاد السوري حقنة أكسجين ضرورية لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية، وتحرير القطاعات الحيوية مثل الطاقة والنقل والمصارف، وهو ما يراهن عليه الوزير لجعل 2026 عام التنمية”.
ربط منظمات واشنطن بإعادة البناء
من جهته يرى المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+” أن إشارة الوزير الشيباني إلى ربط عمل المنظمات السورية في واشنطن بعملية إعادة إعمار سوريا تعكس رغبة الحكومة الانتقالية في تسييس نشاط المنظمات غير الحكومية والشتات السوري. فدمشق، من خلال هذا التوجه، تسعى إلى توجيه التمويل نحو مشاريع تنموية داخلية بدلاً من الأنشطة التي تراها “معارضة” أو “غير منتجة”، مع وضع إعادة الإعمار كشرط أساسي للتعامل مع أي جهة خارجية مهتمة بالشأن السوري، ما يضع تلك المنظمات أمام خيارين صعبين: إما الانخراط في عملية البناء وفق شروط الحكومة أو البقاء خارج دائرة التأثير.
ويعتبر العبدالله أن تصريحات الشيباني تمثل بيان نوايا لبداية مرحلة جديدة عنوانها التنمية الاقتصادية وكسر العزلة الدولية. ومع ذلك، تبقى مسألة رفع العقوبات رهينة لعوامل جيوسياسية معقدة، أبرزها الموقف الأمريكي والأوروبي المشروط بإصلاحات سياسية لم تتضح بعد. ورغم استمرار التحديات الاقتصادية والسياسية، فإن وعد الحكومة بـ”عام التنمية 2026″ يُعد خارطة طريق للمرحلة المقبلة واختباراً لقدرتها على تحويل هذا التفاؤل إلى واقع ملموس.
———————————-
سوريا من ضحايا التاريخ إلى صانعيه.. رهانات ما بعد رفع العقوبات/ ضاهر عيطة
2025.11.09
يوم الإثنين القادم سيكون يومًا منتظرًا لدى الغالبية العظمى من المهتمين بمسار الأحداث الجارية في العالم والمنطقة العربية، ولا سيما السوريين. ففي هذا اليوم سيلتقي الرئيس أحمد الشرع مع الرئيس دونالد ترمب، وفي هذا اللقاء ستُعلن عدة عناوين واتفاقيات، من بينها محاربة الإرهاب، وكف يد إسرائيل عن التدخل في الشؤون السورية، وكذلك إعلان رفع العقوبات، وقد يتم هذا الإعلان قبل اللقاء. وهو بحد ذاته إنجاز هائل وعظيم لو حدث فعلًا، على صعيد التموضع الجديد للخارطة السورية، والحياة المعيشية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتعليمية لدى السوريين، ويُفترض أن أول من سترتاح قلوبهم، ويستنشقون أنفاسهم، ويتحسسون أثر هذا الإعلان وفوائده على حياتهم، هم المتعبون، والأكثر فقرًا وشقاءً وحرمانًا، والذين يشكّلون الغالبية الساحقة من السوريين. إذ إن رفع العقوبات يعني عمليًا وصول الأموال من شتى أنحاء العالم، ومن البنوك والمؤسسات والشركات ورجال الأعمال، لتصب في بنوك وخزائن السوريين، ومنها إلى آلات الصرف التي ستكافئهم على صبرهم وتعبهم، وما بذلوه من تضحيات، وعلى ما سيبذلونه مستقبلًا من جهد وعمل للنهوض بأنفسهم وبأركان الدولة السورية الجديدة. وعندها ستبدأ عجلة الحياة الآمنة بالدوران، وتصبح مهيأة لترميم وبناء المساكن والمدارس والمعاهد والجامعات الجديدة، وإقامة المصانع والمعامل، ومشاريع البناء والإعمار والزراعة، وخلق فرص عمل هائلة للعاطلين، كما سيساعد ذلك على تأسيس محاكم قضائية تُعنى بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي أقدمت عليها العصابة الأسدية بحق السوريين، ويساعد أيضًا على تأسيس عدالة انتقالية، ومحاكمة من أجرموا بحق الناس أمام قضاء عادل. وبذلك يُعاد الاعتبار والحقوق للضحايا والمتضررين، وتُوفَّر لهم ولأطفالهم حياة آمنة ومستقرة.
وإن لم يلمس المواطن العادي والفقير ويتحسس مثل تلك التطورات، وإن لم يعشها قبل غيره، فمعنى ذلك أن هناك خللًا وتقصيرًا واستغلالًا لعوائد هذا الإعلان لمصلحة المنتفعين القائمين على الشأن العام، وهذه قضية يجب أن يُخصَّص لها محاكم وقضاة ومستشارون وخبراء لمنع التعدي على مصالح الفئات المنكوبة والمسحوقة وهذا يحيلنا إلى موضوعة الفساد، وهو أمر يحتاج لحديث آخر.
ولنعد الآن إلى دلالات ومعاني رفع العقوبات عن سوريا في هذا التوقيت بالذات، فهو ليس مجرد حدث سياسي عابر أو إجراء إداري خارجي، بل هو مؤشر استراتيجي يحمل في طياته تحولات داخلية وخارجية تشمل خريطة التحالفات الدولية والمحلية، وبنية الاصطفاف السياسي، ومفهوم السلطة والدولة. فما نوع وشروط هذه التحولات ومتطلباتها؟ وكيف ينبغي قراءتها في سياق المسار السوري المعقد؟
فأول ما ستحملها معها هذه التحولات هو الطلاق الكامل مع حقبة الأسدية، وحلف الممانعة والشعارات والأوهام، وخروج سوريا من حلفٍ اتكأ طوال تاريخه على أيديولوجيا فارغة تتناقض عناوينها مع أفعالها، وهذا يستدعي كنس الخطاب العاطفي المنبعث من الأهواء والنفاق، لا من العقل والاتزان. حيث وجدت الأسدية في انضمامها لهذا الحلف القائم على قهر وقمع الشعوب أداةً لإدامة سلطتها من خلال الحكم القمعي وأجهزة المخابرات والمزايدة على القضية الفلسطينية، وكانت في كل خطوة تخطوها في هذا المجال تقترب من حافة الانهيار وتزيد من خسائرها وخسائر القضية الفلسطينية، هو بالعموم حلف المهزومين والمنافقين والمتاجرين بدماء شعوبهم.
كما أن التحول الذي سيطرأ عن إعلان رفع العقوبات، وإن كان التحاقًا متأخرًا بحلف العصر والواقعية، لا يمكن فهمه إلا كإشارة إلى بداية التحاق سوريا على الأقل بحلف المنتصرين، أي الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها، والذي تقوم رؤيته على التكنولوجيا والعقلانية والحوكمة، لا على الخطابات الطوباوية، رغم ما يشوب هذا الحلف من شبهات حول مفهوم العدالة الإنسانية والحرية وازدواجية المعايير، لكنه يبقى الخيار الأفضل في علاقات الدول القائمة الآن. وهذا لا يعني بالضرورة الانسياق أو التبعية لهذا الحلف، إنما تبني شروط العصر، والدخول في لعبة الدول الحديثة القائمة على المصالح والواقعية، لا على شعارات النصر الطوباوية ونظريات المؤامرة التي كثيرًا ما استُخدمت كمبرر للقمع والانغلاق عن الغير.
نعم، ربما ستكون هناك متطلبات مؤلمة كشروط لرفع العقوبات والبدء بالبناء والإعمار، وهذا يحدث لجميع الدول الخارجة من حروب وكوارث كبرى، كما جرى مع ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك روسيا بعد ثورة 1917، عندما اضطر لينين إلى التوقيع على “صلح بريست” رغم ما تضمّنه من شروط قاسية. وفي الحالة السورية، فإن لحظة التحول تفرض قبول ما كان يعتبر محرّمًا سياسيًا في الحقبة الشعاراتية السابقة. ولا بد من شرح مضامين هذه التحولات والشروط أمام الرأي العام، ونقلها من حالة ضعف إلى حالة قوة، ومن حالة ماضوية إلى رؤية مستقبلية. وهذه المهمة يفترض أن تقع على عاتق مؤسسات إعلامية، ومنظمات مجتمعية وثقافية وفكرية، تضم شخصيات وطنية ذات مصداقية عالية، لا بقصد إيهام الناس وتضليلهم والكذب عليهم، وإنما بقصد التوضيح والصدق والشفافية لمعرفة كيف يمكن متابعة السير في طريق سوريا الجديدة.
وبمقارنة بسيطة بين رفع العقوبات عن سوريا من عدمه، نجد أن بقاء العقوبات يعني استمرار السوريين في النحت بالصخر لعقود طويلة للخروج من الحفرة التي ساقتهم الأسدية إليها، وربما سيبقى اللاجئون والنازحون والمشردون والفقراء بلا مأوى ولا مدارس ولا مستشفيات لسنين عديدة. أما في حال رفع العقوبات، فسيعود ملايين اللاجئين إلى مدنهم وقراهم ليعمروها، وستُبنى المدارس والمعاهد والجامعات، وسيزول حزن الشوارع حين لا يعود هناك أطفال يتسولون فيها، بل ستضحك حين ترى مجتمعاً كاملاً ينهض من كبوته ليعبدها ويمضي لبناء مستقبله.
وأعتقد أن معظم السوريين لو خُيّروا في هذا الشأن سيختارون طريق رفع العقوبات لا عدمه، لئلا يموتوا قهرًا وجوعًا وجهلًا وتعطيشًا. ومن الضروري أن يدرك السوريون أن الالتحاق بالجانب الصحيح من التاريخ يعني بالضرورة القبول بقيم الحضارة العصرية: الشفافية، والحكم الرشيد، والمحاسبة، وتداول السلطة، وحقوق الإنسان، وفصل السلطات. فهذه القيم لم تعد مجرد مفاهيم مستوردة، بل أدوات لازمة لقيام الدول الحديثة وبناء علاقات سياسية جديدة داخليًا وخارجيًا، ولا يمكن أن يستقيم ذلك دون جعل هذه القيم الناظم الأساسي للسلوك العام والمؤسسات، خصوصًا وأن أسئلة الثورة السورية العظيمة لم تزل قائمة، تلك الأسئلة التي لم تجرؤ الأنظمة على مواجهتها، لا في سوريا وحسب، بل في معظم الدول العربية: من نحن؟ ما هويتنا؟ ما شكل الدولة التي نريدها؟ وما موقفنا الحقيقي من إسرائيل؟
والمطلوب اليوم إجابات نابعة من الداخل السوري، لا مستوردة أو مفروضة من الخارج، إجابات تبحث عن تسويات عقلانية، وتنهي الهروب الطويل نحو ماضٍ متخيل، خوفًا من المستقبل، بدلًا من بنائه على أسس جديدة. وإن كنا نبحث عن منظور جديد لصراعات الحكم والسلطة وعن مقاربات جديدة، فلتكن برؤية عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي، الذي يعد من أوائل قيادات العالم من حاولوا تحويل مفهوم الحكم من تسلط إلى عدالة إنسانية، رافضًا الامتيازات الطبقية والقبلية، ومساويًا بين الجميع. وكانت رؤيته السياسية أقرب إلى العدالة التصالحية منها إلى العدالة الانتقامية، تمامًا كما فعل مانديلا عقب نهاية نظام الفصل العنصري، أو مارتن لوثر كينغ كمقاربة تحررية، مدنية، لا عنصرية، تؤمن بالعدالة دون إلغاء الآخر، وتقوم على نزع فتيل المظلوميات وفتيل الأساطير لا على تكريسها.
وأيضًا، من شأن رفع العقوبات عن سوريا أن يعيد لها، ولجميع مدنها، مكانتها الحضارية، بحكم موقعها الجيوستراتيجي الذي كان يشكل جسرًا بين الشرق والغرب. فمن ماري وإيبلا وأوغاريت خرجت أول أبجدية في التاريخ، وهناك وُضعت اللبنات الأولى للإدارة والكتابة والعلاقات الدبلوماسية. وقد أسّست تلك المدن، بموقعها وتطورها، للأسس التي بُنيت عليها معظم الأبجديات اللاحقة — الفينيقية واليونانية واللاتينية — كما قدّمت نظام الأرشفة والكتابة المسمارية الذي مهد لفكرة الدولة المؤسسية. وكانت دمشق، بوصفها أقدم مدينة مأهولة في العالم، مرتكز الحضارات في الجوانب الفكرية والعلمية والروحية والدينية، ومهبطًا للرسل والأنبياء. ومع دخول الإسلام إليها، صارت عاصمة لأول إمبراطورية عالمية في التاريخ الإسلامي — الدولة الأموية — التي امتدت من حدود الصين إلى الأندلس، حيث ازدهرت العمارة والطب والإدارة والترجمة، ولم يكن الجامع الأموي مجرد مسجد، بل مركزًا فكريًا واجتماعيًا وعلميًا يعكس تلاقح الثقافات والعلوم والديانات. وقد خرج من سوريا، عبر التاريخ القديم والحديث، آلاف العلماء والمفكرون الذين أثروا في شتّى الميادين، وتركوا بصمتهم في أصقاع الأرض. وإلى الآن موقع سوريا الجغرافي والجيوستراتيجي لم يتغير، ويستطيع السوريون اليوم أن يعيدوا إلى سوريتهم دورها التاريخي والحضاري إذا ما جعلوا منها مختبرًا ومنبعًا لعصرنة الفكر والدين والثقافة والسياسة والقيم الإنسانية، لا ساحة لكراهيات وصراعات وحروب وجوع وهزائم.
هل نجرؤ نحن السوريين على ذلك؟ وهل نستطيع أن نستعيد دورنا الحضاري ونتحول من ضحايا في التاريخ إلى صانعيه؟ هذه هي رهانات ما بعد رفع العقوبات، وهذا الإنجاز، لو حدث، سيكون فرصة أوجدها السوريون لأنفسهم، وليس منّة من أحد، وقد كلفهم حصد ثمارها ملايين الضحايا والشهداء ودروبًا طويلة من التعب والشقاء. وأظنهم ما ضحوا بكل ذلك، إلا ليعيدوا سوريتهم لتصدر فكرهم وقيمهم وملاحمهم الإنسانية والبطولية، وتنشر السلام في ربوع العالم، ويدخلوا معها الحضارة الحديثة من أرقى وأنقى أبوابها، بدلًا من تصدير الكبتاغون والقتل والموت، والدخول في دوامة الهلاك كما فعلت الأسدية.
—————————————-
الذهب الأبيض صدأ… والوجدانيات تُعطّل الاقتصاد السوري/ ناظم عيد
الأحد 2025/11/09
أصرّ عجوز في جرود الريف السوري الفقير على “دفن” جراره الزراعي المعمّر مثله” طراز إنكليزي مصنوع في أربعينيات القرن الماضي، بدلاً من بيعه، وفاء لرفيقه وحليفه الاستراتيجي في رحلة طلب الرزق المديدة لردع تجاوز العقود الستة من الزمن.
وإن كان من الممكن تفهّم مثل هذه الحالة الوجدانية في أدبيات الريفيين البسطاء – ولو كانت ضرباً من ضروب النبل المجاني المهدور – فإنه لن يكون ممكناً تفهمها على المستوى الرسمي على النحو الذي حصل في تعاطي الدولة السورية مع مفردات الاقتصاد الكلّي لعقود خلت.
فهي معضلة وخلل بنيوي كبير بآثاره وتبعاته الموجعة، ألا يكون ثمة فرق بين سائق تكسي سوري كتب على الزجاج الخلفي عبارة “أم اليتامى”، وبين الدولة بثقلها النوعي وهي تصر على التغزّل بمحصول القطن بتسميته “الذهب الأبيض”، وتحتفي سنوياً بمهرجان القطن كتقليد مثير للكثير من التساؤلات، كأن “الدبكة” فعلاً تستثير الأرض لاستنبات الخير كما كان المعتقد في طقوس الحضارات الغابرة.
فالقطن كان الذهب الأبيض، والشمندر السكّري محصول مصنّف استراتيجياً، وصناعة النسيج “أم الصناعات”، بالرغم من مخلفاتها الكاسدة التي أرهقت المؤسسات والخزينة العامة، والعواس السوري بات عنواناً للمفاخرة نهاراً وحسب، وفي الليل تجري حفلات تهريبه إلى جهات الدنيا الأربع، وكل ما تجود به البيئة السوريّة له مكانة في الوجدان، زرعتها وعززتها مكنات الاحتفاء بدلالات الرمزية الجوفاء، وتُقطع اليد التي تحاول التغيير، واللسان الذي يطلب مراجعة الجدوى وإعادة هيكلة مكونات اقتصاد شاخ قبل أوانه، ويبدو أن الشعارات والكليشيهات المتكلسة لم تكُن حكراً على السياسة؛ بل للاقتصاد نصيبه الوافر في دوائر التعنت الرسمي إزاء فكرة التحويل الاشتراكي البغيضة بعموميتها وشموليتها.
قرار بقوّة قاهرة
تكفّلت الظروف الاستثنائية التي مرّت بها سوريا على مدى عقد ونصف من الزمن بكسر الكثير من تقاليد الإدارة الاقتصاديّة عموماً باتجاه التخلّي عن مزاعم التعلّق الجوفي، وظهر ذلك جليّاً على واجهات الإنتاج الزراعي الرئيسية المرتكسة، ومنها زراعة القطن والشمندر السكري، ولعل ذلك من الفضائل الكثيرة لما درجت تسميته “الأزمة السورية”.
لكن مع تولّي الحكومة السوريّة الجديدة مهامها، بدا بعض المنتسبين إلى “نوادي الخبرة” كأنهم مُصابون بـ”طيف التوحد” بتعلّقهم المرضي بطقوس الماضي، والتخلّي عن الميزة الذهنية المفترضة والمنتظر أن يدفعوا بها نحو الإدارة التنفيذيّة، وبدوا كأنهم شعراء لا خبراء، مع تعالي بعض الأصوات المطالبة بإعادة إنعاش زراعات أقل ما يمكن أن توصف به أنها مدمّرة وكارثيّة، وعلى رأسها القطن والشمندر وما أشرنا إليه أعلاه، مع حشدٍ غير مقنع لمبررات لا تتعدى الاعتبار الوجداني الذي نحاول جميعاً الإقلاع عنه والهروب منه، نحو آفاق جديدة تنتظر من السوريين إعادة هندسة وترتيب مفرداتهم الإنتاجية وأولوياتهم الاقتصادية في زمن تتغير معطياته ووقائعه على نحوٍ يومي.. بل لحظي.
صدمة
المعلومة اللافتة التي حصلنا عليها من أحد الخبراء الزراعيين، أن تقاليد زراعة القطن والشمندر السكري في سوريا تعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي، وجرى تشجيعها وفرضها حيث لزم الأمر لتكون البلاد مطرحاً لإنتاج المادة الأولية للصناعات النسيجية في أوروبا – بالنسبة القطن – ومثلها الشمندر لصناعة السكر. وبعد جلاء الفرنسي قررت الحكومات في سوريا إقامة مصانع الغزول وكذلك السكر بما أن المادة الأولية متاحة بغزارة، لتتحول الزراعتان خلال العقدين الأخيرين إلى عبء وعامل استنزاف للمخزون المائي الذي دخل دائرة الخطر.
تركة فرنسية، لكن لابأس بها إن كانت صالحة كحامل للاحتفاء، وكم كان مثيراً أن يكون أكبر مناسبتين للتصفيق والدبكة هما عيد الجلاء الفرنسي عن سوريا ومهرجان القطن فرنسي الفكرة والتوطين.
استنزاف
فالقطن والشمندر من الزراعات بالغة الشراهة للمياه؛ إذ يحتاج موسم القطن للري بين 15 و20 مرة، والشمندر يحتاج إلى 5 مرات كمحصول شتوي، لكن مع التحول المناخي بات ينافس القطن على مخابئ المياه الجوفية.
ومتى؟ في زمن تحول مناخي وانزياحات فصلية حادة أحالت تصنيف معظم جغرافيا سوريا إلى خانة المناطق ذات المناخ شبه الصحراوي؛ أي بات الذهب هو الماء وليس محاصيل الاستنزاف المفرط، بالرغم من ذلك ثمة من يفكّر بإعادة تقاليد هذه الزراعات، فربما هو مجرّد الحنين للمهرجانات والتصفيق.
لكن ما لم يجرؤ على حلّه القرار الرسمي السوري، تكفّلت به المتغيرات القسرية؛ إذ تراجع إنتاج سوريا من محصول القطن نحو 750 ألف طن في العام 2011 إلى أقل من 14 ألف طن في العام 2024، و انحسرت المساحات المزروعة من 250 ألف هكتار إلى أقل من 35 ألفاً.
كما تراجعت المساحات المزروعة بالشمندر السكري من 54.3 ألف هكتارفي العام 2010، لتتوقف هذه الزراعة على نحوٍ شبه كامل في العام 2021. ثم تعود بخجل في موسم 2023-2024، وسبب تراجع كلا الزراعتين كان وقوعهما في مناطق متوترة أمنياً؛ أي كما يقال: رب ضارة نافعة.
خبير عربي يُفصح
بما أننا ركّزنا على الجانب الزراعي وسطوة الوجدان على اعتبارات الجدوى، تبدو الإشارة مهمة هنا إلى أننا أخفقنا مراراً في إقناع بعض الأصدقاء من “الخبراء” والتنفيذيين وحتى بعض الإعلاميين السوريين بمسح بقايا الصور القديمة لأنماط الإنتاج التي يطالبون باستعادتها.
إلا أن خبير عربي أجابنا خلال دردشة معه أن وجهة نظرنا من البدهيات، وأن مرونة إدارة الموارد لا تعترف بالوجدانيات على الإطلاق؛ بل تقتضي التحرّك وفق حزمة معطيات يجري التعاطي معها بعناية.
فالدكتور نصر الدين العبيد مدير عام المركز العربي لدراسات المناطق الجافّة والأراضي القاحلة، يعتبر أن زراعة القطن والشمندر السكري والذرة الصفراء وبعض أنواع الخضار لم تعد مجدية للاستمرار، في ظل ظروف ندرة المياه والتحول المناخي القاسي في سوريا والمنطقة.
صمت مريب
متغيرات حادّة طرأت على مستوى العالم والأسواق وتقنيات الإنتاج، ومن المقلق عدم الاعتراف بها والتمسّك بثوابت من أي نوع في بيئة عالمية لم تعد تعترف بالثوابت، لا سيما في المضمار الاقتصادي بما أن الأرقام لاعلاقة لها بالعواطف.
وإن كان معظم وزراء الحكومة السورية يفصحون – بكثرة أحياناً – عبر المنصات ووسائل التواصل عن خطط ورؤىً مستقبلية لأعمالهم، يبقى صمت وزارة الزراعة مثيراً للتساؤلات على الرغم من أنها وزارة “الأمن الغذائي” في بلد زراعي أولاً وثانياً وثالثاً، والقطاع بحاجة ماسّة لإعادة بناء وترتيب وفق أولويات راهنة، وتغيير بنية سلاسل الإنتاج ومواءمتها مع الأهداف التصديرية بعد كفاية السوق المحلية.
صمت يثير هواجس الكثير من السوريين، لا سيما في ظل الارتفاع غير المسبوق بأسعار المنتجات الاستهلاكية الزراعية
المدن
————————
دلالات “الشراكة الإماراتية- الفرنسية” في ميناء اللاذقية/ إياد الجعفري
الأحد 2025/11/09
يشكّل دخول ثلاث شركات ضمن قائمة أكبر 20 مشغلاً عالمياً لموانئ الحاويات، باستثمارات إلى سوريا، خلال أقل من سنة، مؤشراً على تصاعد الرهان على موقع البلاد ضمن خطوط التجارة الإقليمية والدولية. وكانت مجموعة CMA CGMالفرنسية، سبّاقة في ذلك، بوصفها مستثمراً قديماً لمحطة حاويات ميناء اللاذقية منذ 2009. لكن تجديد عقدها الموقّع مع الحكومة السورية في أيار الفائت، لـ30 عاماً، باستثمارات تقدّر بنحو 260 مليون دولار، كان نقلة نوعية. والمجموعة الفرنسية هي ثالث أكبر شركات الشحن البحري وثامن أكبر مشغل للموانئ، على المستوى الدولي. وفي أيار الفائت أيضاً، دخلت مجموعة موانئ دبي إلى ساحة الاستثمار في سوريا، عبر مذكرة تفاهم لتطوير ميناء طرطوس، وعدد من المناطق الصناعية والموانئ الجافة. و”موانئ دبي”، هي خامس أكبر مشغل للموانئ في العالم.
أما الجديد، قبل ثلاثة أيام، فكان دخول مجموعة موانئ أبو ظبي إلى الاستثمار في الموانئ السورية، عبر اتفاقية استحواذ على 20% من محطة حاويات اللاذقية، في مشروع مشترك مع المجموعة الفرنسية CMA CGM. وذلك مقابل تطوير البنية التحتية والأنظمة الرقمية ورفع الكفاءة التشغيلية للمحطة. وفي عام 2024، دخلت مجموعة موانئ أبو ظبي ضمن قائمة أكبر 20 مشغلاً عالمياً لموانئ الحاويات، في المركز التاسع عشر.
الملفت أن الاتفاقية وُقّعت في أبو ظبي، بين الرؤساء التنفيذيين للطرفين -موانئ أبو ظبي ومجموعةCMA CGM الفرنسية- من دون الإعلان عن تمثيل رسمي سوري. وهي بذلك، اتفاقية استحواذ إماراتية على حصة أقلية مع المشغل الفرنسي لمحطة حاويات ميناء اللاذقية، بمعزل عن “المالك” للأرض، الذي تمثّله الحكومة السورية. وهو ما قد يستجلب انتقادات متعلقة بحق “السيادة”، في حالة “الدولة السورية”، رغم أن الاتفاق صحيح، إجرائياً. لكن، بعيداً عن ذاك الجانب، للاتفاق دلالة سياسية واقتصادية.
أما الدلالة السياسية، فتتعلّق بأنه ثاني استثمار إماراتي في مجال الموانئ السورية. وهو استثمار ضئيل (22 مليون دولار)، مقارنة باستثمار “موانئ دبي” في طرطوس، قبل أشهر، (800 مليون دولار). لكنه يؤكد وجود رهان إماراتي على استقرار مستقبلي مرتقب في سوريا. ومن ناحية الشراكة الإماراتية- الفرنسية الجديدة في محطة الحاويات بأكبر ميناء سوري، فهي تحمل أيضاً ثقلاً متصلاً بدعم الحكومتين الإماراتية والفرنسية لـ”العهد الجديد” بسوريا، إذا أخذنا بالاعتبار امتلاك الشركتين الشريكتين، “أبو ظبي” و CMA CGMالفرنسية، صلات وثيقة بالحكومتين في أبو ظبي وباريس. مع الإشارة إلى أن الشركتين المشار إليهما، لهما شراكات مشتركة سابقة.
لكن تبقى الدلالة الاقتصادية، هي الأهم. فميناء اللاذقية، هو الشريان التجاري البحري الرئيس لسوريا. إذ تتم فيه “مناولة” أكثر من 95% من بضائع الحاويات في البلاد. ولدى مجموعة CMA CGM الفرنسية خطة طموحة لزيادة القدرة الاستيعابية لمحطة حاويات الميناء، بنسبة 150%، خلال عام من الآن. مما يؤشر إلى الرهان على توسع الحركة التجارية من سوريا وإليها، بوتيرة متصاعدة بسرعة، خلال الفترة المقبلة. ومن مؤشرات هذا الرهان، إعلان شركة “جي إف إس”، المملوكة بنسبة 51% من مجموعة موانئ أبو ظبي، استعدادها لتوسيع عملياتها في ميناء اللاذقية، بهدف تعزيز حضورها في ممرات التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
يتكامل الطموح “الإماراتي- الفرنسي”، المعبَّر عنه في الاندفاع للاستثمار في الموانئ السورية، مع الطموح “التركي”، لإعادة إحياء “طريق الشرق الأوسط” التاريخي، حسب تعبير وزير التجارة التركي، عمر بولات، قبل أيام. وهو مسار برّي يربط تركيا بالأردن ودول الخليج، عبر الأراضي السورية، والذي من المنتظر أن يعمل بكامل طاقته بحلول عام 2026. إذ إن إحياء هذا الطريق، سيعزّز قيمة الاستثمار في الموانئ السورية المرتبطة بطرق التجارة البرّية. وبذلك ترث دول كالإمارات وفرنسا وتركيا، “الحلم الروسي- الإيراني”، باستغلال موقع سوريا، ليكون جزءاً حيوياً من طرق التجارة الإقليمية والدولية. وفيما تحوّل “الحلم الروسي- الإيراني” إلى أضغاث أحلام، تتسارع خطوات دول الخليج وتركيا، للاستثمار في البقعة السورية الجيوستراتيجية.
وبهذا الصدد، يمكن أن نقرأ انتقادات لتخلي الحكومة السورية عن صلاحيات التشغيل والاستثمار في أصول سيادية حيوية، كالمرافئ والمطارات ومحطات الكهرباء، كما رأينا فيما كُشف عنه من اتفاقات موقّعة بالأشهر التسعة الماضية. وهي انتقادات مبررة بطبيعة الحال، لكنها لا تأخذ بالاعتبار، تلك الحاجة الملحة والعاجلة لتحريك عجلة الاقتصاد بالبلاد، في الوقت الذي لا تمتلك فيه الحكومة موارد مالية لتحقيق ذلك. فكيف يمكن للحكومة السورية أن تطوّر مرافق حيوية، وهي لا تملك القدرة المالية على ذلك؟! الجواب إما بالقروض أو بالاستثمار الأجنبي. وفي الحالتين، لا يمكن للحكومة أن تفرض شروطها.
وبعيداً عن هذا الصنف من الجدل، يبقى أن حصاد ثمار الاتفاقيات الموقّعة عبر ترجمتها إلى واقع يفيد بتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل، يتوقف على نجاح الحكومة في دور أَولى وأهم بكثير، من إدارة المرافق الاقتصادية. يتعلّق بالأمن، وفرض سيادة القانون. وهي المهمة التي من المفترض أن تكون الأكثر أولوية بالنسبة لـ”العهد الجديد” في سوريا، على الصعيد الداخلي.
المدن
—————————–
ماذا وراء رفع العقوبات عن الشرع وخطاب؟/ أحمد العكلة
دمشق- في تطور لافت، اعتمد مجلس الأمن الدولي أمس الأول قرارا أميركيا برفع أسماء الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، استنادا إلى قراراته 1267 و1989 و2253، مما ينهي حظر السفر والتجميد المالي وحظر الأسلحة المفروض عليهما منذ عامي 2013 و2014.
وحظي القرار بتأييد 9 أصوات دون أي فيتو، وذلك قبل أيام قليلة من زيارة الشرع المتوقعة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترامب. ويأتي في سياق جهود أميركية مكثفة لتطبيع العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما يتوافق مع سلسلة خطوات سابقة، مثل رفع معظم العقوبات الأميركية في مايو/أيار الماضي، وإيقاف تنفيذ قانون قيصر لمدة 180 يوما في يونيو/حزيران 2025، مع دعم إدارة ترامب لإلغائه نهائيا من خلال قانون الدفاع الوطني.
صفحة جديدة
في تصريح للجزيرة نت، قال أحمد الكناني، الباحث السياسي والمحاضر في كلية الإعلام بجامعة دمشق، إن قرار تصنيف مناطق شمال سوريا كحاضنة للإرهاب، الذي فرضه المجتمع الدولي تحت ضغط روسي وصيني خلال السنوات الماضية، كان المسار الأول في العملية الانتقالية الدولية.
وأوضح أن هذا التصنيف علق سوريا إقليميا ودوليا، وأدى إلى توجيه واضح يحدد الأفعال الإرهابية، لكنه كان يُطبق على كل معارض للنظام السابق، مما أسفر عن محاسبات وتهجير وسجن على خلفيات سياسية بحتة.
وضعت التحديثات الجديدة، وفق الكناني، تعريفات دقيقة لمصطلح الإرهاب مما أعاد الحقوق للسوريين في الشمال بعد وصمهم بهذه الصفة لسنوات طويلة. ولا يقتصر رفع اسم دمشق من قائمة الدول الراعية للإرهاب على إزالة اسم الرئيس فحسب، بل يشمل الدولة بأكملها مما يفتح أبواب إعادة الإعمار والاستثمار.
ويصف التقارب السوري الأميركي بعملية إعادة تموضع لسوريا ضمن المعسكر الغربي، مدعومة باتفاقيات ومعاهدات تعزز قوتها. ويضيف أن دمشق حققت توازنا مع دول عدة، مستفيدة من زيارات الشرع إلى روسيا والدور الأميركي، إلى جانب موقعها الجيوسياسي الإستراتيجي.
ويعتبر أنه خلال 11 شهرا فقط من سقوط نظام الأسد، بنت دمشق شبكة علاقات قوية عربيا وإقليميا. لكنه يقر بوجود “ثمن تدفعه سوريا مقابل هذا التموضع، يتمثل في ضغوط أميركية للتطبيع مع إسرائيل، الذي كان شرطا رئيسيا لرفع العقوبات”. وأن الشرع نجح في إبعاد سوريا عن هذا المسار خلال الأشهر الماضية، نظرا لعدم توفر الظروف الأمنية والسياسية المناسبة.
ويخلص الكناني إلى أن البلاد حققت توازنا بين مصالحها الوطنية وسيادتها من جهة، والضغوط الدولية من جهة أخرى، لكن ملف العلاقات مع تل أبيب يتطلب مسارات معقدة تفرضها القوى الكبرى.
خطوة تاريخية
من جانبها، أكدت عزة عبد الحق، عضو استشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، للجزيرة نت، أن رفع دمشق وحكومتها من قائمة الإرهاب يمثل خطوة تاريخية تشبه “فتح باب حديد مقفل منذ 20 عاما”. وأشادت بجهود الحكومة داخليا ودوليا، معتبرة القرار دليلا على نجاحها.
داخليا، سيسهم الرفع -برأيها- في عودة اللاجئين والشباب للعمل والإنتاج، وإقامة المشاريع، مما يعيد الأمل والطموح. كما يعزز الشعور بالفخر بعد سنوات من الاتهامات التي خلطت بين النظام السابق والشعب “المناضل”. ولن تكون هناك تهمة دولية لأي سوري مما يعزز المواطنة والتآخي. كما يسقط حجج “الانفصاليين” الذين كانوا يتذرعون بتهم الإرهاب، “فالعالم يمد يد العون ويعترف بشرعية دمشق، مما يجعل الجنوب والشمال يدركان أن الحكومة ليست وحيدة”.
أما خارجيا، فتتوقع عبد الحق تدفق أسواق جديدة ومكاتب أميركية واستثمارات ضخمة من الخليج وواشنطن وأوروبا، دون خوف من التعامل الاقتصادي أو السياسي. وتشدد على ضرورة العمل يدا بيد بين الحكومة والشعب، عبر توفير الحريات، وتكافؤ الفرص، والسلم الأهلي، وتطبيق القانون، والحوار المستمر لدعم الشرعية داخليا.
وتربط رفع عقوبات قيصر ببدء الإعمار، مشيرة إلى تردد المستثمرين الأميركيين والأوروبيين بسبب عدم الرفع الكلي من الكونغرس، الذي يحتاج دعما شعبيا أميركيا وتوقيع ترامب. وتضيف أن تحسن العلاقات ورفع التصنيف سيغير الرأي العام، مما يجعل الرفع وشيكا، يليه تدفق استثمارات تشجع التصدير والاستيراد، وتعيد البنية التحتية والاقتصاد إلى السوق العالمية.
وبشأن وجود عسكري أميركي محتمل في قاعدة جوية بدمشق، تراه عبد الحق إيجابيا لمكافحة الإرهاب، وتقليل التوترات، ودفع اتفاقات أمنية تحمي الشعب. وتقول إنه “قد يثير غضب روسيا وإيران”، لكنه يحتاج رضا شعبيا وتنسيقا حكيما لأن الشعب يرغب في حلفاء أقوياء بعيدا عن الدمار السابق، مع خطة إعمار وتبادل خبرات.
في سياق متصل، تحدث تقرير لوكالة رويترز عن تخطيط أميركي لحضور عسكري محدود جنوب دمشق، مع الحفاظ على السيادة السورية، لدعم وساطة أمنية مع إسرائيل، وللدعم اللوجستي والمراقبة والعمليات الإنسانية، بينما نفت الخارجية السورية ذلك في بيان صحفي.
ثمن الرفع
من جانبه، أكد المهندس عصام زهير غريواتي، رجل الأعمال السوري الأميركي ورئيس غرفة تجارة دمشق، للجزيرة نت، أن لا استقرار سياسيا أو اقتصاديا يتحقق مع استمرار العقوبات. وأن سوريا الجديدة لا تستحق أي قيود تحد من دخول الشركات والمستثمرين، وفضاء الاستثمار مثالي لإعادة الإعمار، وتحسين الناتج المحلي، وتطوير البنية التحتية، وإدخال التقنيات الحديثة.
وشدد على أن الاقتصاد عانى كثيرا، ويجب معالجة الفقر والبطالة والتضخم عبر استثمارات تمثل “طوق النجاة” حتى تعود الموارد المحلية القادرة على استيعاب اللاجئين وتوفير فرص عمل وسكن. وأضاف أن الأمور مترابطة وتحتاج عملا سياسيا ودبلوماسيا يؤكد العدالة الانتقالية وتوزيعا عادلا للموارد. وأن الانفتاح السوري يؤكد نهجا مختلفا للاستقرار والتنمية.
في المقابل، حذر الباحث السياسي عبد الله الخير من أن رفع اسم الرئيس السوري من قوائم الإرهاب لن يكون مجانيا، بل مقابل تطبيع كامل مع إسرائيل. وأن الغرب يتبع “الثمن مقابل الخطوة”، مما يفتح باب تنازلات إستراتيجية.
وبرأيه، فإن “الثمن الأبرز قد يكون مرتفعات الجولان السوري، مع اتفاقات تكرس السيطرة الإسرائيلية، وربما تبادل أراض يضعف المطالب السورية. والجنوب هدف آخر عبر تهدئة حدودية تمنع دعم المقاومة الفلسطينية، وتحوله إلى منطقة عازلة”.
ودعا الخير إلى رفض صفقات “تفرغ السيادة”، مؤكدا أن الرفع حق لا ورقة مساومة، و”سوريا لن تُباع ولا يُمنح الجولان بأي ثمن”.
المصدر: الجزيرة
————————–
الخزانة الأميركية ترفع العقوبات عن الشرع وخطاب
أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية عن رفع كل من الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من سجل العقوبات الأميركية، في خطوة تمهّد لمرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق.
وجاء القرار بالتزامن مع بدء الشرع زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة هي الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946، إذ من المقرر أن يلتقي الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض غدا الاثنين.
وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، فقد وصل الشرع إلى العاصمة واشنطن مساء السبت، وكان في استقباله وفد من الجالية السورية الأميركية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.
وخلال اللقاء، أشاد الشرع بمساهمات المنظمات السورية في تعزيز الوعي بالقضايا الوطنية وترسيخ الحضور السوري الفاعل داخل المجتمع الأميركي، مؤكدا أهمية دورها في دعم القضايا الوطنية وتعميق الروابط مع الوطن.
رفع العقوبات عن سوريا
وكان الشيباني قد صرح قبل الزيارة بأن الشرع سيبحث مع الإدارة الأميركية رفع ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب.
وتأتي الزيارة بعد شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، إذ أعلن مجلس الأمن الدولي ووزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي رفع القيود المفروضة عليه، في ضوء ما وصفته واشنطن بـ”التقدّم” الذي أحرزته القيادة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت إن هذه الخطوات “تُتخذ تقديرا للتعاون الذي تبديه دمشق في مكافحة الإرهاب وحرصها على الاستقرار الإقليمي”.
اتفاقات بين واشنطن ودمشق
ومن المتوقع أن تتضمن المباحثات بين ترامب والشرع توقيع اتفاق لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي تقوده الولايات المتحدة، إضافة إلى مناقشة اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل يهدف إلى وقف الغارات الإسرائيلية وانسحاب القوات من الجنوب السوري.
وأشارت مصادر دبلوماسية إلى أن واشنطن تدرس إنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق في إطار إعادة تنظيم انتشار قواتها في المنطقة، بالتنسيق مع الحكومة السورية الجديدة.
وتسعى دمشق، الخارجة من حرب مدمرة استمرت 14 عاما، إلى تأمين تمويلات لإعادة الإعمار، التي قدر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار.
المصدر: وكالات
——————–
الليرة السورية تلتقط أنفاسها أمام الدولار
الأحد 2025/11/09
شهدت الليرة السورية في الأيام الأخيرة تحسّناً طفيفاً أمام الدولار الأميركي بعد أسابيع من الضغوط التي دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا التراجع المحدود في سعر الدولار، الذي تراوح خلال الأسبوع الأول من تشرين الثاني بين 11,850 و11,900 ليرة سورية في السوق الموازية، وصل اليوم إلى 11,400، ما أعاد بعض الارتياح إلى الأوساط التجارية، ولو بشكل مؤقت.
وبحسب بيانات مصرف سوريا المركزي، حافظت النشرة الرسمية على أسعار قريبة من مستويات السوق، ما اعتُبر مؤشراً إلى تدخّل غير مباشر من السلطات النقدية لضبط الإيقاع ومنع تقلبات حادة. وأوضحت مصادر مالية تحدثت إلى “المدن” أن تراجع الطلب على الدولار كان العامل الأبرز في هذا التحسّن، إلى جانب زيادة طفيفة في الحوالات الخارجية خلال الأسبوع الماضي.
مصادر أخرى في دمشق أشارت إلى أن بعض شركات الصرافة جمّدت عمليات الشراء الكبيرة بانتظار استقرار المشهد، بينما فضّل عدد من المتعاملين “التريّث” بعد موجة المضاربات الأخيرة التي رفعت الأسعار بسرعة لافتة في تشرين الأول.
ورغم هذا الهدوء النسبي، يؤكد خبراء اقتصاديون أن التحسّن الحالي لا يعكس تحوّلاً حقيقياً في الوضع الاقتصادي، بل هو نتيجة آنية لعوامل نقدية ظرفية. ويشير أحد المحللين إلى أن “الأسواق تحتاج إلى إصلاحات هيكلية واستقرار في الإنتاج قبل أن يتحوّل أي تحسّن في سعر الصرف إلى واقع ملموس في الأسعار”.
في السياق ذاته، لم تُسجَّل تغيّرات واضحة في أسعار السلع الأساسية، إذ بقيت في معظمها عند المستويات المرتفعة التي فرضتها الأسابيع الماضية. ويبقى السؤال المطروح، كما يرى مراقبون، ما إذا كانت الليرة قادرة على الحفاظ على هذا الهامش من الاستقرار، أم أن الأسواق ستشهد جولة جديدة من التقلبات مع أي متغير اقتصادي أو سياسي قادم.
—————————
==================
تحديث 08 تشرين الثاني 2025
——————————-
فكّ القيود عن الاقتصاد السوري يبدأ برفع العقوبات/ مجد دندن
السبت 2025/11/08
لا يمكن الحديث عن حال الاقتصاد السوري، أو عن استنهاض الحالة الاقتصادية في سوريا، بمعزل عن السياسة، سواء تلك المتعلقة بإدارة البلد، وضمنها الاستقرار السياسي والاجتماعي، أو المتعلقة بعلاقات سوريا الخارجية، ومكانتها على الصعد العربية والإقليمية والدولية، ويأتي ضمن ذلك موقف الأطراف الخارجية المعنية منها، وتالياً مصير العقوبات التي فُرضت عليها، طوال العقود الماضية، من حكم نظام الأسد (الأب والابن).
تركة ثقيلة جداً
على الصعيد الداخلي، من الواضح أن سوريا تعاني تركة ثقيلة جداً؛ إذ كانت القطاعات الاقتصادية، الإنتاجية والخدمية، وكذلك التبادلات التجارية، تخضع لهيمنة الدولة، وبالأحرى هيمنة السلطة، التي تتمثل بحلقة ضيقة تهيمن على كل تلك القطاعات، على نحوٍ مباشر، أو غير مباشر، قانوني، وغير قانوني.
نتيجة لما تقدم، فإن جزءاً كبيراً من الموارد، أو العوائد، أو المدخلات المالية، وغير المالية لم تكن تصبّ، في نسبة كبيرة منها، في مصلحة خدمة التراكم الرأسمالي، أو في مصلحة تطوير الاقتصاد، بقدر ما كانت تصب في جيب السلطة، أو في مصلحة بيروقراطية السلطة، إضافة إلى إنها تصبّ في مصلحة تضخيم أجهزة السلطة الأمنية ـ القمعية.
نجم عن هذا الوضع، تضخم جهاز السلطة، الأمني والبيروقراطي والدعائي، الذي اقتطع جزءاً كبيراً من موارد البلد، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك؛ إذ إن ذلك أدى إلى جمود القطاعات الاقتصادية، بحيث باتت نسبة النمو أقل من نسبة التزايد السكاني؛ أي نسبة سلبية، كما أدت إلى تخلف تلك القطاعات، بمعنى تخلف إدارتها، وأدواتها، التي لم تستطع مواكبة التطورات التكنولوجية والعلمية، التي أتاحت المجال للعديد من الدول النامية أن تطور اقتصاداتها.
وما دام النظام في سوريا في خدمة العائلة؛ أي يفتقد لقواعد تأسيس الدولة، كدولة قانون ومؤسسات ومواطنين، فقد بدا أن ثمة تناسباً عكسياً، بين ازدياد الثروة في يد العائلة الحاكمة، وأقطاب النظام، من الحلقة الضيقة المستفيدة منها، وازدياد نسبة الفقر، وتبديد الموارد.
العقوبات تفاقم الأزمة
في هذه الظروف الصعبة أتت العقوبات الأمريكية على سوريا لتفاقم من حدة الأزمة الاقتصادية، وتقييد القطاعات الإنتاجية السورية، وافقار الاقتصاد السوري، كماً ونوعاً، بخاصة أن تلك العقوبات لم تقتصر على تقييد التبادل التجاري، أو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية؛ بل إنها امتدت لتشمل منع دخول منتجات حيوية للقطاعات الانتاجية، وضمن ذلك التقنيات الحديثة، والمواد، والمدخلات، الأولية الضرورية لتلك القطاعات، وهو الأمر الذي زعزع الاستقرار الاقتصادي، وأخّر على نحوٍ كبير قطاعات الإنتاج الصناعي، على ضعفها، وتخلفها، وهو ما أدى بالتالي إلى اختلال التبادلات التجارية.
تبعاً لذلك، فإن أيّ تطور في النشاط الاقتصادي يتطلب انهاء العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، أولاً لتمكين السوريين من النهوض بالقطاعات الاقتصادية، الإنتاجية والخدمية. وثانياً من أجل تمكين السوريين من التكنولوجيا الحديثة اللازمة لتطوير تلك القطاعات. وثالثاً، من أجل فتح مسار المبادلات الخارجية، بعد إزالة كل العوائق.
ما يفترض أخذه في الاعتبار أن سوريا، على صغر حجمها، وعدد سكانها، تمتلك موقعًا جيوستراتيجيًا حيويًا، وثروات طبيعية، وموارد متنوعة، كما تمتلك كوادر قادرة، وشعبًا معروفاً، لديه خبرة في الصناعة والتجارة ومتعطشًا للفرص، وإرادة جامحة للتعويض عما فات خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال الـ 14 سنة من الصراع ضد النظام البائد.
الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة
قبل العام 2011، على سبيل المثال، كانت الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة تتراوح بين 300 و 400 مليون دولار سنويًا، وتشمل المنسوجات والمنتجات الزراعية، وهو ما يعكس نشاطًا اقتصاديًا مهمًا في بعض القطاعات. لكن بعد العام 2011، تراجعت تلك الأرقام تراجعاً حاداً؛ إذ لم تتجاوز الصادرات السورية إلى السوق الأمريكية 11.18 مليون دولار في العام 2024، وتركزت في سلع محدودة مثل بذور التوابل، وأحجار البناء، والتحف والمنتجات الحرفية.
هذا الانخفاض الحاد لا يرتبط، فقط، بضعف قدرة الإنتاج السوري، والعوائق البيروقراطية، والفساد السلطوي؛ بل يرتبط أيضاً بالعقوبات المفروضة على سوريا، وعلى رأسها “قانون قيصر”، الذي جمّد إمكانات التعاون الاقتصادي، وحدّ من إمكانيات النفاذ للأسواق الخارجية، ومن إمكانيات توريد لوازم تطور الإنتاج.
أيضأ، في المثل الأميركي، والذي يصح على كل الدول الغربية، وبالرغم من تواضع حجم التبادل التجاري الحالي، مع الولايات المتحدة، إلا أن الأرقام تؤكد وجود فرصة حقيقية لنسج علاقات اقتصادية تساهم في تطور الاقتصاد السوري، وهذا ما يقود إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني في البلد. بيد إن ذلك يحتاج إلى رفع نهائي للعقوبات التي لم يعد ثمة حاجة إليها، بعد أن انتفت أسبابها بانهيار النظام السابق.
باختصار، سوريا تحتاج في مرحلة إعادة الاعمار واستنهاض الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة، إلى استيراد التكنولوجيا، والآلات الثقيلة، وأدوات الإنتاج المتطورة، ووسائل النقل الحديثة، كما هي بحاجة إلى فتح الأسواق الخارجية أمام السلع السورية، الصناعية والزراعية، لتحقيق نقلة نوعية في قطاعي الصناعة والزراعة، وخلق فرص عمل تساهم في استعادة الطبقة الوسطى مكانتها، باعتبارها محفزاً للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
المدن
——————————-
المالية السورية: نظام ضريبي جديد ونهج إصلاحي شامل
الجمعة 2025/11/07
شهدت وزارة المالية انطلاقة نوعية في آليات التواصل الداخلي وإدارة الأداء، حيث عُقد مؤخراً اجتماع دوريّ تحت مسمى (Townhall Meeting) جمع الإدارة العليا بالمديرين وكامل الكادر الفني للوزارة، ولم يقتصر الحضور على الكوادر الداخلية للوزارة فحسب، بل شملت المشاركة هيئة الضرائب ومديري المديريات المالية في جميع المحافظات.
من الجباية إلى التنمية
بدأ اللقاء بكلمة لوزير المالية محمد يسر برنية، أكد فيها على أهمية هذه الاجتماعات كلقاء دوري للتفاعل المباشر، واستعرض تقريراً مفصلاً عن برامج وأعمال الوزارة الرئيسية وإنجازاتها والمشاريع الجارية، مؤكداً على أن فريق الوزارة سيعمل على تغيير الفكرة السائدة عن وزارة المالية بأنها وزارة جباية، وسيعمل على جعلها “وزارة تطوير وتنمية” قدر الإمكان، بهدف تنمية الرواتب وتحسين معيشة المواطن، مُسلطاً الضوء على حزمة من الإصلاحات الهيكلية والرقمية المحورية التي أنجزت أو قيد الإنجاز.
نظام ضريبي عادل
من تلك الإصلاحات، النظام الضريبي الشامل، حيث أعلن الوزير عن الانتهاء من مراجعة وتعديل النظام الضريبي بشكل كامل ضمن معايير تهدف إلى تحقيق العدالة والكفاءة، مشيراً إلى أن هذا المشروع قيد الإقرار لحين انعقاد جلسات مجلس الشعب، بعد أن تم عقد مشاورات مستفيضة بشأنه مع غرف التجارة والصناعة والجهات الأخرى المعنية.
توحيد الرواتب والعدالة
كما أجاب الوزير برنية على هواجس الموظفين بخصوص زيادة الرواتب لوزارات دون أخرى وموعد شمل الزيادة لموظفي المالية، والزيادات الأخيرة على أسعار الخدمات والمنتجات مثل الكهرباء وعدم تناسبها مع رواتبهم، حيث أكد الوزير أن تحسين رواتب العاملين في جميع القطاعات سيأتي بشكل تدريجي، لكن الخطوة الأولى بدأت بقطاعات العدل، والصحة، والتعليم والتربية، لما لها من أهمية في كل بلدان العالم.
وأشار برنية إلى أن راتب القاضي وصل إلى 700 دولار تقريباً، وهذا ما ستكون عليه رواتب العاملين في قطاعي الصحة والتربية قريباً، وفي المرحلة القادمة سيصل جميع الموظفين إلى نفس السوية والعدالة في الرواتب، ولكن ذلك سيتم بالتدريج وحسب الإمكانيات المتاحة، مؤكداً على أن خزينة الدولة ممتلئة، وكل ما يقال عن ضعف الإيرادات مجرد إشاعة، وأن مؤشرات العائدات تظهر زيادة بشكل يومي.
نحو التحول الرقمي
وحول استفادة الوزارة من التحول الرقمي وخاصة في إعداد الموازنة، أوضح الوزير برنية أن العمل الجاري حالياً يتمحور حول برنامج رقمي متكامل، يتيح إدخال البيانات ليقوم النظام بإخراج التقارير والميزانية النهائية بشكل آلي، وهو ما سيسهم في تسريع عملية اتخاذ القرار ورفع مستوى الدقة، وتقليل الفساد ورفع مستوى الشفافية، مشيراً إلى إحداث مديرية للتحول الرقمي في الوزارة، تتبع لوزارة الاتصالات، لتكون الجهة المشرفة على أي عملية تطوير أو عمل إلكتروني، في إطار تطبيق سياسات الحوكمة الإلكترونية.
هيكلية داعمة للابتكار
وعن الهيكلية التنظيمية الجديدة للوزارة أوضح الوزير برنية أنّها أصبحت شبه مكتملة، وتنتظر اللمسات الأخيرة وموافقة وزارة التنمية الإدارية، مبيناً أنها تضمنت إعادة هندسة الدوائر والمديريات ودمج وتوسيع بعض المهام، كما تم إقرار إنشاء “مكتب التميز والإبداع والابتكار” ضمن الهيكلية المحدثة، بهدف تنمية مهارات الكوادر وتشجيع ثقافة الابتكار داخل المؤسسة.
مناقشات شفافة
كما تخلل الاجتماع طرح ومناقشة التحديات الراهنة التي تواجه سير العمل في الوزارة والمديريات التابعة لها، بأسلوب يتسم بالصراحة والوضوح.
ولعل أبرز ما ميز الاجتماع -وفق بعض المديرين الذين حضروه- هو التأكيد على مبدأ الشفافية، حيث تم تخصيص وقت كافٍ للاستماع برحابة صدر لكافة الملاحظات، المقترحات، والاستفسارات المقدمة من الكادر الفني والإداري، وهو مؤشر على سعي الوزارة لفتح قنوات اتصال غير تقليدية، وترسيخ بيئة عمل صحية، تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز مشاركة جميع الكوادر في عملية صنع القرار وتطوير الأداء، وفق تصريح الوزير.
فساد التأمين الصحي
أهم الشكاوى التي تلقاها الوزير خلال الاجتماع، موضوع التأمين الصحي لموظفي الوزارة، التي أقر الوزير برنية بأنها بالعموم منظومة فساد وتحتاج إلى الكثير من الإصلاح في، ووعد بالبدء بمعالجتها تدريجياً ليشعر المؤمّن بأنه يستفاد حقاً من الخدمة وأنّ الوزارة تسعى إلى أن يكون التأمين من حق الجميع وليس للموظفين فقط، لافتاً إلى إعلان عن إطلاق منصة للشكاوى ضمن موقع وزارة المالية، مؤكداً أنه لا يتم إغلاق أي شكوى إلا بتأكيد من المواطن التي قدمها، مما يضمن الجدية في متابعة قضايا المواطنين.
بشكل دوري
وأعلن الوزير ان هذا الاجتماع سيعقد مرة كل شهر لزيادة التفاعل والتواصل فيما بين العاملين.
وقد عبر المشاركون عن سعادتهم بالنتائج الإيجابية لهذه التجربة الأولى، مشيدين بتجاوب الإدارة العليا وترحيبها بالأفكار التي طُرحت خلال الاجتماع وأخذها على محمل الجد
المدن
————————————-
الشرع يحرص على استغلال الفعاليات الكبرى للترويج لسوريا كبيئة استثمارية
“كوب 30” تشكل فرصة للرئيس السوري للانفتاح على المزيد من الشراكات.
الجمعة 2025/11/07
شكل مؤتمر الأطراف للمناخ “كوب30”، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية، فرصة للرئيس السوري أحمد الشرع للانفتاح على المزيد من الشراكات، وتوثيق العلاقات مع المجتمع الدولي.
وبدأ الرئيس الشرع الخميس، زيارة إلى البرازيل للمشاركة في فعاليات القمة التي يحضرها رؤساء الدول والحكومات وتستمر حتى الحادي والعشرين من الشهر الجاري.
وهذه أول مشاركة لرئيس سوري منذ تأسيس مؤتمر المناخ عام 1995.
وأجرى الرئيس الشرع سلسلة من اللقاءات شملت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، ورئيس حكومة هولندا ديك شوف.
كما عقد الشرع اجتماعا مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني.
وأكد تاجاني في تغريدة على منصة “إكس” أن إيطاليا ملتزمة بدعم استقرار سوريا، وتعمل من أجل الدفع باتجاه عملية سياسية سلمية وشاملة، مع تأكيد أهمية حماية الجاليات المسيحية في المنطقة.
أنطونيو تاجاني: اتفقنا مع سوريا على فتح مسارات للتعاون الاقتصادي وإعادة تفعيل الشراكات
وأضاف تاجاني أن الجانبين اتفقا على فتح مسارات للتعاون الاقتصادي وإعادة تفعيل الشراكات مع الشركات الإيطالية، بما يخدم فرص إعادة الإعمار والتنمية في سوريا.
وتعد قمة المناخ، واحدة من أهم المؤتمرات الدولية التي تُعقد تحت مظلة الأمم المتحدة حيث تشارك بها أكثر من 190 دولة، وتُكرس لمناقشة التحديات المعقدة للتغير المناخي، لكنها تشكل فرصة مهمة لعقد مباحثات بين قادة ورؤساء حكومات الدول.
ويظهر الرئيس السوري حرصا على حضور الفعاليات الكبرى حيث كان شارك في سبتمبر الماضي في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويستعد الشرع إلى لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض الإثنين، في أول زيارة من نوعها لرئيس سوري إلى واشنطن تتويجا لمسيرة الجهادي السابق الذي أخرج بلاده من العزلة خلال أقلّ من عام على توليه الحكم.
ويرى مراقبون أن الشرع أظهر منذ توليه الحكم في يناير بعد الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد براغماتية شديدة، مكنته من كسر الحاجز النفسي مع المجتمع الدولي.
ويشير المراقبون إلى أن الشرع أظهر بالتزامه قواعد المجتمع الدولي والمواثيق الدولية على أنه رجل دولة، وأن له من الإمكانيات ما يكفي لقيادة سوريا نحو التعافي من حرب الـ 14 عاما.
وفي كلمة له الخميس، في قمة المناخ قال الرئيس السوري إن بلاده ملتزمة بالكامل بالاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيير المناخ، لافتا إلى أن إدارته ستعمل فوراً على تقييم بلاغاتها ومساهماتها المحددة وطنياً بما يتوافق مع المعايير العالمية.
وأضاف الشرع “سنستكمل إجراءات تعيين نقاط الاتصال والمندوبين في الأمانة العامة للاتفاقية.”
واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ معاهدة بيئية دولية لمكافحة التدخل البشري الخطير في النظام المناخي، وقعت عليها 154 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (يو إن سي إي دي) المعروف بشكل غير رسمي باسم قمة الأرض، الذي عقد في ريو دي جانيرو في الفترة ما بين 3-14 يونيو 1992.
ولم يفوت الرئيس السوري فرصة المشاركة في قمة “كوب 30″، ليدعو الدول المشاركة “للاستثمار في سوريا بدل الاعتماد على المساعدات فقط. نرحب بكم جميعاً للاستثمار في سوريا ضمن قطاعات الطاقة المتجددة والمدن الخضراء المستدامة والمشاريع الرائدة.”
وأضاف “نقدّم الشراكات بدل أن نطلب المعونات”. وختم الشرع كلمته بأن “إرادة الشعوب قادرة على تجاوز التحديات مهما عظمت، وأن سورية لا تسعى لإعادة بناء مدنها فحسب، بل لإحياء علاقتها بالأرض وإقامة نظم بيئية متكاملة تضمن مستقبلًا آمنًا ومستدامًا.”
—————————–
تحديد مواعيد الفتح والإغلاق في دمشق يهدد النشاط التجاري والسياحي/ أيمن الشوفي
دمشق- أجبر قرار صادر عن محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، أصحاب النشاطات التجارية والسياحية في العاصمة على الالتزام بمواعيد محددة لفتح محلاتهم وإغلاقها.
وجاءت التعليمات التنفيذية للقرار رقم 620/م.ت لعام 2025 بتاريخ 4 نوفمبر/تشرين الثاني، لتشمل تحديد مواعيد فتح وإغلاق 12 نشاطا تجاريا وسياحيا على النحو التالي:
المحلات والأسواق التجارية من 8 صباحا حتى 10 ليلا.
محلات بيع المواد الغذائية من 6 صباحا حتى 1 ليلا.
محلات بيع العصائر والبوظة من 8 صباحا حتى 1 ليلا.
المطاعم والكافتيريات والمقاهي والمنتزهات من 7 صباحا حتى 1 ليلا.
المولات التجارية من 6 صباحا حتى 12 ليلا.
مطاعم ومنتزهات الربوة من 6 صباحا حتى 3 ليلا.
النوادي الرياضية من 6 صباحا حتى 11 ليلا.
صالات الأفراح حتى 1 ليلا مع توافر عازل صوت يمنع الإزعاج.
صالونات الحلاقة والتجميل من 7 صباحا حتى 10 ليلا.
الأكشاك التجارية ومحطات الوقود على مدار الساعة.
صالات الإنترنت من 9 صباحا حتى 12 ليلا.
واعتبر الرئيس السابق لاتحاد غرف التجارة السورية، محمد أبو الهدى اللحام، أن القرار إيجابي، موضحا أن تحديد مواعيد فتح وإغلاق المحلات والمنشآت السياحية معمول به في معظم دول العالم.
لكن دمشق بدت خلال الأيام الماضية بوجه مختلف عمّا اعتاده سكانها وزوارها، إذ خلت شوارعها من المارة بعد منتصف الليل.
تباين المواقف بين التجار والمستثمرين
ويرى عكرمة الشامي، وهو دليل سياحي، أن القرار سينعكس سلبا على استقطاب السياح العرب والأجانب، قائلا للجزيرة نت: “الصورة الذهنية عن دمشق أنها مدينة لا تنام، وهذا أحد المكاسب التي يجنيها السياح عند زيارتها”.
ويؤكد أحمد لبابيدي، مستثمر في إحدى كافتيريات باب توما في دمشق القديمة، أن العاصمة مدينة سياحية وتجارية تقوم اقتصاديا على هذين القطاعين، مضيفا: “هناك زوار لدمشق من مختلف المحافظات يأتون ليلا، إضافة إلى السياح العرب والأجانب، ومن غير الصائب تحديد موعد لإغلاق المقاهي والمطاعم فيها”.
وعلمت الجزيرة نت أن رئيس غرفة سياحة دمشق، محمد المملوك، بذل جهودا مع محافظة دمشق لتعديل موعد إغلاق المقاهي والمطاعم والمنشآت السياحية قبل صدور التعليمات التنفيذية للقرار.
وأبدى العديد من أصحاب المنشآت غير التجارية مخاوفهم من تكبّد خسائر جراء تطبيق القرار، إذ قال كريم سغبيني، صاحب أحد المطاعم في مركز المدينة، إن موعد الإغلاق كان يُحدد عادة بعدد الزبائن، مضيفا: “الشوام وزوار دمشق من السوريين والعرب والأجانب معتادون على السهر، وهذا القرار يجبرنا على الإقفال في الواحدة ليلا”.
ويرى المحلل الاقتصادي عبد الله الدهمان أن قطاع السياحة في دمشق قد يشهد انخفاضا في الإيرادات بنسبة تصل إلى 15% في أسوأ التقديرات.
ورفض المكتب الصحفي في محافظة دمشق تقديم أي توضيحات للجزيرة نت حول أسباب القرار، أو ما إذا كان من المقرر تطبيقه في محافظات أخرى.
باب توما ذات الغالبية السكانية المسيحية في دمشق القديمة (الجزيرة)
باب توما في دمشق اعتبر بعض أصحاب المقاهي فيها أنه من غير الصائب تحديد موعد لإغلاق المقاهي والمطاعم (الجزيرة)
انعكاسات اقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الكهرباء
في المقابل، لم يبدِ تجار دمشق تذمرا واضحا من تقييد مواعيد إغلاق محلاتهم، إذ قال محمد عبد الله، أحد تجار الحريقة، إن النشاط التجاري في العاصمة لن يتأثر كثيرا، موضحا أن مواعيد الفتح والإغلاق الواردة في القرار “تتناسب مع حركة الأسواق وتُسهم في ترشيد استهلاك الطاقة”.
وكانت الحكومة السورية قد أصدرت في أواخر الشهر الماضي القرارين رقم 686 و687، اللذين حددا تعرفة جديدة للكيلووات/ساعة من الكهرباء لجميع المشتركين في القطاعات المنزلية والصناعية والحكومية، بزيادة بلغت 70 ضعفا.
وذكر سمير كمال الدين، أحد تجار الصالحية، أن الأسواق تشهد تراجعا في حركة البيع، مرجعا ذلك إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، مضيفا: “على ضوء الأسعار الجديدة للكهرباء وتراجع حركة الأسواق، من الأفضل تحديد موعد لإقفال المحلات التجارية”.
المصدر: الجزيرة
——————————
الحرب في سوريا: التربة والمياه والهواء ضحايا صامتة/ دينا عبد
8 نوفمبر 2025
شكّلت الأراضي السورية منذ اندلاع الحرب عام 2011 ساحة مفتوحة لاستخدام مختلف الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. ولم تقتصر تبعات هذا الصراع المدمر على الخسائر البشرية والفادحة في البنى التحتية فحسب، بل امتدت لتطال البيئة بعنف، ولتصبح التربة والمياه والهواء ضحايا صامتة تخفي مأساة أخرى للأزمة الإنسانية.
تداعيات عميقة على التربة والغطاء النباتي
يُوضّح الدكتور يونس إدريس، المتخصص في تصنيف التربة وعلوم الاستشعار عن بعد، أن الذخائر المنفجرة وغير المنفجرة، من قنابل وصواريخ وألغام، خلّفت آثارًا بيئية كارثية طويلة الأمد، ساهمت بشكل كبير في تفاقم الأزمة البيئية بالبلاد.
فعلى صعيد التربة، تؤدي الانفجارات إلى تفكيك بنيتها الفيزيائية وتدميرها، مما يفقدها قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر المغذية، ويُضعف خصوبتها بشكل حاد. كما تحتوي الذخائر على معادن ثقيلة سامة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، تتسرب إلى أعماق التربة وتلوثها، مما يجعلها عقيمة غير صالحة للزراعة لسنوات عديدة.
وتتعمق المأساة مع وجود آلاف الذخائر غير المنفجرة التي لا تزال مدفونة في الأراضي الزراعية، مما يحوّلها إلى مناطق محظورة تمنع استخدامها، وتعرض حياة السكان للخطر الدائم، وتقوض أي جهود جادة لإعادة الإعمار الزراعي. كما تؤدي الحروب إلى اقتلاع الغطاء النباتي وتدميره، مما يسرع عمليات التعرية والتصحر ويزيد من هشاشة النظم البيئية برمتها.
تلوث يمتد إلى الماء والهواء والتنوع الحيوي
يُبيّن الدكتور إدريس أن الآثار لا تقف عند هذا الحد، فاحتراق المواد المتفجرة يؤدي إلى انبعاث غازات سامة مثل أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون، مما يلوث الهواء ويشكل خطرًا على صحة الإنسان والكائنات الحية.
كما تتدفق المواد الكيميائية الخطرة الناتجة عن الذخائر لتلوث المياه الجوفية والسطحية، مهددة أحد أهم مقومات الحياة وهو مصادر مياه الشرب النظيفة، ومؤثرة سلبًا على القطاعين الزراعي والحيواني.
ويؤدي تدمير الموائل الطبيعية بفعل المواد المتفجرة إلى فقدان التنوع البيولوجي، وانقراض أو نزوح العديد من الأنواع النباتية والحيوانية. وقد خلفت الحرب أيضًا تراكمًا هائلًا للنفايات العسكرية والمدنية في مكبات عشوائية، زادت من عبء التلوث في التربة والمياه.
,يشير الدكتور إدريس إلى أن التعرض المستمر للمواد السامة الناتجة عن الذخائر يتسبب في أمراض تنفسية وجلدية ومزمنة بين السكان، لاسيما الفئات الأكثر ضعفًا كالأطفال والنساء. كما أن وجود الذخائر غير المنفجرة يحول دون عودة النازحين إلى أراضيهم ويعرقل عمليات إعادة الإعمار، مما يزيد الأزمة الإنسانية والبيئية تشابكًا وتعقيدًا.
تحليل متعمق للآثار المتشعبة
من جهته، يقدم الدكتور موفق الشيخ علي، الاستشاري في إدارة الموارد الطبيعية وتقييم الأثر البيئي، تحليلًا لآثار المواد المتفجرة العسكرية من خلال ثلاثة مستويات:
الآثار الفيزيائية: تتمثل في تشويه بنية التربة، وربما تخريب المجاري المائية والتكوينات الجيولوجية، خاصة مع استخدام الذخائر كبيرة العيار.
الآثار الكيميائية: تنشأ عن نواتج الانفجار الغازية والانبعاثات السامة الناجمة عن الحراق التي تلي التفجيرات.
الآثار المستقبلية والتراكمية: هي الأكثر خطورة، وتتعلق بتراكم العناصر الثقيلة عالية السمية من تلك الذخائر في التربة والمياه، لتنقل بعد ذلك إلى المزروعات والمراعي، وتدخل في النهاية إلى السلسلة الغذائية للإنسان والحيوان.
ويؤكد الدكتور الشيخ علي أنه بعد أكثر من عقد من استخدام أنواع متعددة ومتقدمة من الذخائر من قبل مختلف الأطراف، أصبح من المستحيل تقييم الضرر البيئي بدقة دون إجراء مسوحات ميدانية وتحاليل مخبرية عاجلة للتربة والمياه، تمكننا من تتبع الآثار الكيميائية المتبقية والتراكمية لتلك المواد.
أما بالنسبة للذخائر غير المنفجرة والألغام، فيكمن أثرها البيئي والتنموي الرئيسي في عرقلة إعادة إحياء الحياة والإنتاج في الأراضي الزراعية، بسبب استحالة استخدامها قبل تطهيرها. كما تشكل تهديدًا مباشرًا لحياة السكان والمزارعين وحتى قطعان الماشية التي ترعى في المناطق المفتوحة والبادية.
رؤية للحلول والتوصيات
يدعو الدكتور إدريس إلى حزمة من الإجراءات العاجلة، تشمل دعم برامج إزالة الألغام ومخلفات الحرب لتأمين الأراضي الزراعية وإعادتها إلى دائرة الإنتاج، وإجراء مسوحات ودراسات ميدانية شاملة لتقييم مدى التلوث ووضع خطط علمية لإعادة تأهيل التربة والمياه، مع ضرورة إدماج البعد البيئي في جميع جهود إعادة الإعمار لضمان استدامة التنمية الزراعية والبيئية في سوريا، وتعزيز التوعية المجتمعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة وأهمية حماية البيئة في مرحلة ما بعد النزاع.
الترا سوريا
————————
=====================



