زيارة أحمد الشرع لواشنطن الناجحة – مقالات، تحليلات وتقارير عن هذه الزيارة التاريخية تحديث 08 تشرين الثاني – 14 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق ورفعها
—————————————
تحديث 14 تشرين الثاني 2025
——————————-
الشرع في البيت الأبيض/ عمار ديوب
12 تشرين الثاني 2025
منذ دخول أحمد الشرع إلى دمشق، تبنّى سياسة تصفير المشكلات مع الخارج، وتجاوز موقف نظام بشار الأسد الحامي، كما أبيه، لحدود الدولة الصهيونية، إلى الكلام عن إقامة علاقات طبيعية معها. ولم يتبنَّ موقفاً جذرياً أو صلباً تجاه إعادة الجولان المحتلّ أو إعادة القوات الصهيونية إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، علماً أنّ هذه القوات استَغلّت وصول هيئة تحرير الشام للحكم لتدمّر البنية العسكرية للجيش السوري، التي لن تستطيع سوريا تعويضها لعقود مستقبلية. يضع ذلك سوريا في موقع هشّ للغاية تجاه قدرتها على التفاوض بخصوص الجولان أو الاتفاق الأمني مع إسرائيل بخصوص الجنوب السوري؛ وهذا موضوع حثَّ ترامب الشرع على السير فيه في واشنطن، وكذلك منذ اللقاء الأول في الرياض، وبالتوافق مع تركيا، حيث حضر وزير خارجيتها، وأصبح دوره مع وزير الخارجية الأميركي أساسياً في كل ما يخص السياسة العامة لسلطة الشرع.
تتلاقى الإدارة الأميركية مع سياسات الدولة الصهيونية في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط التي يُكثِر الحديث عنها نتنياهو، والأدقّ، الكلام عن مشروعٍ أميركيٍّ لإعادة تشكيل هذا الشرق. تحقق منه قدر كبير مع انهيار محور إيران، وفشل حماس في تغيير الوضع الفلسطيني لصالح الفلسطينيين، وتراجع قوة حزب الله، وتلاشي نظام الأسد الذي كان مركزياً في المحور السابق وفي تأمين الإمداد لحزب الله وللوجود الإيراني في محيط الدولة الصهيونية. يمكن قراءة السياسة الأميركية هذه في إطار بناء تحالفات جديدة مع تركيا والخليج، وتحديداً السعودية، في مواجهة التمدّد الصيني إلى المنطقة؛ سلطة أحمد الشرع مفيدة للغاية للسياسة الأميركية، وهذا أحد أسباب دعمها وشرعنتها أميركيّاً عبر مجلس الأمن الدولي وزيارة البيت الأبيض.
إن دخول سلطة الشرع ضمن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، يُشرّع الوجود الأميركي الذي يقود هذا التحالف، ويجعل من سوريا مركزاً أمنياً بامتياز، ولمراقبة تحرّكات كل الوضع الأمني في المنطقة. القضية لا تُختصَر إذاً بأنّ نظام دمشق أصبح ضمن التحالف هذا؛ فالتحالف يعمل في سوريا منذ 2014 ولم يتوقف عن ملاحقة داعش أو أية شخصيات إرهابية أخرى، وفي هذا ينطرح سؤال جادّ: هل تتمتع قوات الشرع الأمنية أو العسكرية بالمصداقية لدى الأميركان أو الدولة الصهيونية لتحارب فعلاً المنظمات الإرهابية، سيما وأن الكثير من فصائل وكوادر الجيش السوري والأمن متهمة بوجود عناصر إرهابية فيها، وفيها قيادات موصومة بالإرهاب، ومنها قيادات أجنبية تترأس الفرقتين 86، و82، وتطالب الكثير من دول العالم تسليمها إياها أو محاكمتها في سوريا؟ بدخول سلطة دمشق بالتحالف الدولي، يمكن محاكمة الكثير منها وسجنها في سوريا كذلك. هناك الكثير من التغيير الذي ستُطالب به سلطة دمشق لتصبح معتمَدة في إطار التحالف ومحاربة الارهاب. يخطئ كل تحليل يعتقد أنّ مهمة قسد وجيش سوريا الآن انتهت. فقد كلّف ترامب وزير خارجيته مع الوزير التركي والشيباني على تطبيق بيان 10 آذار، وهناك تأكيد على وحدة سوريا ودعم السلطة، ولكن ذلك لن يأتي على حساب تفكيك قسد أو تهميشها في المرحلة الحالية.
لقد بدأت بالشهر الأخير قيادة قوات التحالف الدولي بزياراتٍ لمواقع عسكرية عديدة، ومنها مطارات عسكرية لإنشاء قاعدة عسكرية قريبة من دمشق. ستكون وظيفتها المراقبة الأمنية لكل ما يجري في الجنوب السوري، ولمراقبة الحدود، بدءاً من إيران ومروراً بالعراق وسوريا ولبنان، وبما يضمن سحق أية إمكانية لإعادة تشكيل المحور الإيراني، وبالوقت ذاته مراقبة التحركات الأمنية للجيش وللأمن السوري. وربما ستساعد هذه القاعدة في تحقيق الشعور بالأمان لكلٍّ من الدولة الصهيونية ونظام دمشق، وتسهّل للأخير قبوله بإخلاء الجنوب السوري من التواجد العسكري في كل من محافظة القنيطرة ودرعا والسويداء. نوقش هذا الأمر كثيراً، ولكن شكّل غياب لقاء صحفي مشترك بنهاية زيارة الشرع مع ترامب سبباً للقول بعدم وجود هكذا قاعدة جديدة، بينما تؤكد الكثير من التقارير الصحفية وجودها، وأن الأمر أصبح حقيقة وإن كانت دمشق ما زالت تنفي ذلك. هناك تفسير للنفي ينطلق من صعوبات يواجهها الشرع تجاه إقناع الفصائل العسكرية التابعة له بضرورة ذلك! والسؤال كيف سيحاربها إذاً؟
إنّ لقاء الشرع ترامب في البيت الأبيض ما كان ليتمّ لولا الاحتضان التركي والسعودي والقطري، وأضاف ترامب أن نتنياهو حثَّ على الأمر! وهذا له ثمن كبير في تبعية السلطة السورية لهذه البلدان، ولا سيما تركيا والسعودية. إن الحضور الأميركي في سوريا، وبعد شرعنته عبر التوقيع على معاهدة التحالف ضد الإرهاب، يعني أن المصالح التركية والسعودية والقطرية والصهيونية في سوريا ستمرّ عبر الموافقة الأميركية، ولصالح أميركا أولاً، وبما يتفق مع مصالح الدولة الصهيونية. وبالتالي، ربما كانت خطوة دخول سوريا هذه ستسرّع العلاقات الإسرائيلية مع تركيا والسعودية. الأكيد أنّ هذه العلاقات ستتقارب أكثر فأكثر (كان هناك صدام بين الدولة الصهيونية وتركيا بخصوص سوريا) في رسم مستقبل السلطة السورية، وستخضع الأخيرة للشروط الإقليمية، وليس الأميركية فقط، وهذا سيضع أمامها الكثير من التعقيدات والهشاشة، فهي ليست مؤهلة لمواجهة تحديات كهذه، لا سيما شخصياتها القادمة من هيئة تحرير الشام، وبالتالي، ستضطر إلى الانفتاح على الخبرات السورية، أو «تبيع» وتتنازل عن المصالح السورية والسوريين لتصبح شرعية، وهو ما تفعله حتى الآن. ولكن تعقيدات الوضع السوري المتأزم، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، تجعل السلطة أكثر ضعفاً، وربما يفتح ذلك على تغييرات كبرى فيها، وربما لها. إن الدخول بالتحالف الدولي، وظيفته سحق الفصائل الجهادية (غير داعش) التابعة للشرع ولا سيما الأجانب منها، وبدأت التقارير تتحدث عن تدريب آلاف الجنود والضباط السوريين في الأردن من قبل القوات الأميركية، ليحلّوا مكان هيئة تحرير الشام.
كان اللقاء أقرب للبروتوكولي، والتعارف العميق، وكان لعشرين دقيقة، ثمّ امتدّ لنحو ساعتين، ولكن لم يصدر عنه موجز صحافي، لا بيان ولا تصريح. إذاً، هناك تعقيدات تتعلق بكل القضايا التي جرى فيها النقاش (الأمن في المنطقة، محاربة الإرهاب، إنهاء المحور الإيراني، أوضاع الأقليات)، وتتطلب لقاءات جديدة بقصد حسم مسألة العلاقة مع الدولة الصهيونية، وتحقيق الشروط الأميركية لرفع العقوبات، والتي جُمدت لـ180 يوماً من جديد، ولم يُرفَع قانون قيصر. إن الإبقاء على هذا القانون، يعني عدم فتح السوق السورية للاستثمارات، وعدم تشغيل برنامج سويفت للتبادل المالي عالمياً، والاستمرار بتقييد حرية التجارة العالمية، وبالتالي، ليس هناك أهمية اقتصادية للسماح بتصدير بعض السلع الأميركية إلى سوريا أو تخفيض الجمارك على السلع السورية للسوق الأميركية؛ فسوريا مدمّرة، وتكاليف الإنتاج هائلة، إضافةً إلى غياب الاستقرار الأمني.
حقّق الشرع نتائج خاصّةً به وبوزير داخليّته، فقد رُفع اسماهما من قوائم الإرهاب الدولية، ولكنّ كافة قيادات هيئة تحرير الشام، التي هي أساسية في سلطته، لا تزال مصنفة كإرهابية، ولا تزال الدولة السورية مصنفة كإرهابية! والآن، ومع توقيعه على معاهدة محاربة الإرهاب، سيكون مضطراً لمحاربة تلك القيادات، وقبل ذلك إبعادها من جيشه وأمنه؛ فهل سيستطيع؟
هناك خلاف بين الساسة الأميركان تجاه الشرع وسلطته، وهناك تيار رافض لهما، ولا يزال يصنفه إرهابياً، وهذا أحد أسباب عدم رفع قانون قيصر والشك به. إنّ رفع الاسم وزيارة البيت الأبيض وفتح السفارة في واشنطن ليست بلا شروط، بل ربما كانت هناك شروط سرية لا نعلم عنها شيئاً، لحساسية العلاقة مع الفصائل جهادية، وبعضها ضمن جيش الشرع! التعقيد الأكبر هو كيف سيغيّر الشرع توجهات سلطته، كطرد القيادات الأجنبية من الجيش، تشكيل حكومة شاملة وتعددية، استيعاب قسد في الجيش، الاعتراف بالحكم الذاتي في السويداء، اتفاق أمني مع الدولة الصهيونية وبشروط الأخيرة؟
الرجل الذي كان إرهابياً، ولم تقتله الطائرات الأميركية، هل سيكون حليفاً قوياً في محاربة الإرهاب وتعزيز الأمن والسلام والحريات في المنطقة وفي سوريا؟ ذاك هو السؤال في العالم الآن.
ميغافون
————————–
الشرع في البيت الأبيض: خلاصات حبالى يلدنَ كلّ عجيب/ صبحي حديدي
حتى يثبت العكس (وقد يحدث هذا بالفعل، خلال زمن يقصر أو يطول، فتتكشف معطياته سرّاً أو علانية أو بمزيج منهما)؛ أخذ الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر مما أعطى، أو تردد أنه سوف يعطي، خلال زيارة مدوية الأصداء، دراماتيكية في قليل أو كثير، ناجحة؛ وجلية المغانم، أيضاً، في رصيد السلطة الانتقالية وسوريا الجديدة أوّلاَ، ثمّ في حسابات البيت الأبيض وهذه الإدارة الأمريكية تحديداً وتالياً. وثمة، في تلمّس ما قد يصحّ من عناصر ضمن خلاصة كهذه، سلسلة مستويات تتفاوت قِيَمُها على الجانبين، دمشق مثل واشنطن، وليست البتة ضئيلة الأصداء ما وراء المحيط وصولاً إلى المتوسط؛ إقليمياً في الشرق الأوسط، ودولياً في أوروبا الغربية، واستثمارياً في أربع رياح الأرض ربما، ولا استثناء للكرملين والنطاق الروسي عموماً أيضاً.
هنا بعض تلك المستويات:
1 ـ العلاقات السورية ـ الإسرائيلية، حيث كان منتظَراً، لدى أصدقاء دولة الاحتلال في واشنطن أسوة بالمتشككين في السلطة الانتقالية أو خصومها أو منتقدي سلوكها الإجمالي إزاء الاعتداءات والتوغلات والتدخلات الإسرائيلية في الجولان المحتل والجنوب السوري عموماً ومشروع حكمت الهجري الانفصالي في محافظة السويداء خصوصاً؛ أن تذهب رغائب ترامب من الشرع إلى ما هو أبعد من مفاوضات أمنية سورية ـ إسرائيلية تجدد اتفاقية سعسع 1974؛ وإلى صيغة ما، تمهيدية أو واضحة الإشارة، نحو انضمام دمشق إلى اتفاقيات أبراهام التطبيعية.
واتكاءً على ما صدر، أو رشح وتسرب، من أقوال ترامب نفسه وكبار مساعديه، ثمّ تصريحات الشرع نفسه خلال وقائع البيت الأبيض، أو الحوار مع «فوكس نيوز» والـ»واشنطن بوست»؛ أنّ حصيلة الموقف تبلورت في المعادلة التالية: سوريا تختلف عن الدول التي انخرطت في اتفاقيات أبراهام في جانب أوّل هو حدودها مع الاحتلال (بمعنى أنّ دمشق ليست أبو ظبي أو المنامة أو الرباط أو الخرطوم)؛ وفي جانب ثانٍ هو أنّ الاحتلال الإسرائيلي في هضبة الجولان يتواصل منذ 1967، وشهد لاحقاً خروقات احتلالية في المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ والقنيطرة وتخوم محافظة درعا. اتفاقية أمنية محدّثة، إذن، وليس تطبيعاً أو اتفاقية سلام؛ ولم يكن بلوغ هذه السقوف مع ترامب، صديق دولة الاحتلال الصدوق، مغنماً يسير الانتزاع، والحقّ يُقال.
وفي جانب آخر، لم تصدر عن الكتل الكبرى لمجموعات الضغط المناصرة لدولة الاحتلال في الولايات المتحدة، ردود أفعال معادية أو ساخطة أو عاتبة على استقبال الشرع في البيت الأبيض، وكذلك على انعدام الحدود الدنيا التي ترى تلك المجموعات أنه توجب على ترامب استحصالها من الرئيس الانتقالي لصالح الاحتلال. لعلّ السبب الأوّل يعود إلى مناخ الترصد والضغط الذي يسود اليوم لدى الإدارة الأمريكية تجاه سلوك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بصدد سوريا الجديدة؛ وبالتالي فإنّ «البراغماتيين» من قادة مجموعات الضغط لم يخالفوا الإدارة في هذه المقاربة. أو أنّ السبب الآخر يمكن أن يكون رغبة (شاعت على نطاق واسع في واشنطن!) مفادها منح الشرع فضيلة الشكّ في أنه، بالفعل، لم يعد جهاديّ التوجّه في النظرة إلى دولة الاحتلال.
2 ـ مستوى العقوبات الاقتصادية و«قانون قيصر»: في الوسع المساجلة، استناداً إلى المعطيات الراهنة ومن دون استبعاد تطورات أخرى معاكسة أو حتى نقيضة؛ أنّ هذا الملفّ صنع المغانم الأثمن لزيارة الشرع إلى واشنطن؛ سواء تلك التي سوف تصيب الشعب السوري ومعيشته وحدود رفاهيته الإنسانية الدنيا، لأنها أساساً تشمل اقتصاد البلد وتنميته والشروع في إعادة بناء ما يُتاح الابتداء به، كما تنطوي على آفاق استثمار محلية وعربية وعالمية. الخزانة الأمريكية أعلنت تعليق عقوبات «قانون قيصر» لفترة 180 يوماً، كما أوضحت مصادر البيت الأبيض أن الإدارة دعت أعضاء الكونغرس المؤثرين، أنصار التحفظ على عقوبات «قيصر» تحديداً، إلى العمل على رفعها. ولم يكن اجتماع الشرع مع أحد كبار هؤلاء، بريان ماست الذي يحدث أيضاً أنه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب وبين الأشدّ مناصرة لدولة الاحتلال، سوى مؤشر مبكر على نوايا ترامب في هذا الملفّ.
ولم يكن من دون مغزى خاصّ، مكمّل للملفّ ذاته ولكنه أيضاً حمّال معنى مستقلّ، أنّ الإدارة الأمريكية نشطت (على نحو غير مسبوق، في واقع الأمر!) لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يرفع العقوبات الأممية عن الشرع؛ وهو إجراء تفاخر به وزير الخارجية أسعد الشيباني، من زاوية أنّ سوريا نجحت في توحيد مجلس الأمن الدولي! وهذا مغنم شخصي، قبل أن يكون حكومياً، يتوّج مشواراً كان الشرع خلاله قد قطع، في أقلّ من 12 شهراً، مسافات دبلوماسية شاسعة ولافتة تماماً، من دمشق إلى الدوحة وأنقرة والرياض وعمّان والقاهرة وموسكو ونيويورك وبيليم؛ تضمنت اجتماعات مع قادة دول، والمشاركة في قمم عربية واستثمارية، وإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحضور قمة المناخ للمرّة الأولى لأي رئيس سوري، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي…
3 ـ مستوى صناعة الصورة وتجسيد التحولات، وفي المقام الأوّل تلك التي نقلت شخصية المقاتل الثوري أبو محمد الجولاني، العضو في منظمات وفصائل جهادية وإسلامية مثل «القاعدة» و«جبهة النصرة» و«هيئة تحرير الشام»… إلى أحمد حسين الشرع، رجل الدولة الذي طوى في داخله شخصية قائد الفصيل، والرئيس الانتقالي الذي لا يلوح أنّ تحولاته الجذرية والجوهرية المتسارعة يمكن أن تُفهم، أو تُهضم وتُصدّق، بدرجات عالية من اليُسر والوثوق والمصداقية. كانت هذه حاله مع الشعب السوري، عبر التنوّع الوفير في فئاته الاجتماعية والدينية والمذهبية والإثنية، وسواء تحمّس له سواد أعظم من سوريين أنسوا فيه منقذاً من عذابات 54 سنة استبداد وجرائم حرب وفساد ونهب «الحركة التصحيحية»؛ أو تشككت في خياراته، وانتقدته وعارضته، فئات أخرى ذهبت تطلباتها منه أبعد من هذه الأجندة الإصلاحية أو تلك الاشتراطات المثلى في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق؛ أو طبّل له أنصار شعبويون، ليسوا سوى الوجه الأول من عملة تحمل على الوجه الثاني تطبيل رفض طائفياً أو إثنياً أو مناطقياً…
وقارئ تعليقات قرّاء الـ»واشنطن بوست» الأمريكية على حوار الصحيفة مع الشرع، وقد تجاوزت 250 تعليقاً حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لن يفوته إدراك ميزان مقارب لذاك الذي ساد في سوريا بعد دخول الشرع إلى دمشق منتصراً، وتنصيبه رئيساً انتقالياً: الدهشة إزاء هذه التحولات، والإقرار بأن زمن الإنجاز كان قياسياً، والتساؤل عن صدقية المتغيرات العميقة التي عصفت وتعصف بشخصيته، و… التفاؤل بمستقبل أكثر إشراقاً يستحقه الشعب السوري. ولم يكن عجيباً أن أيّ تعليق جادّ لم يتوقف (كما فعلت جمهرة من المعلقات والمعلقين على شاشات العرب المختلفة) عند تفصيل دخول الشرع إلى البيت الأبيض من المدخل التنفيذي، وليس من البوّابة المعتادة؛ في مقابل تثمين، خالطته الدهشة أيضاً، لمشاهد مخالفة الشرع تعليمات موكبه الأمنية، وخروجه من سيارته للسلام على سوريين احتشدوا لتحيته أمام جادّة البيت الأبيض.
وكانت صفة «التاريخية» هي التي شاعت على الألسن والتغطيات الصحافية، ليس لأنّ الشرع كان بالفعل أوّل رئيس سوري، انتقالي دائماً، يدخل البيت الأبيض منذ استقلال البلد سنة 1946، فحسب؛ بل، أغلب الظنّ، لاعتبارات أخرى ظهر بعضها، ويظلّ بعضها الآخر خافياً. فالخلاصات المقبلات، وليس الليالي وحدهنّ كما ذكّرنا الإمام الشافعي: حبالى، مثقلات، يلدنَ كلّ عجيب!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
———————————–
واشنطن – دمشق.. اختبار النوايا قبل كسر الجليد؟/ صهيب جوهر
2025.11.14
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة مفصلية أعادت فتح النقاش حول موقع سوريا الجديد في النظام الإقليمي والدولي قيد التشكل.
فالضجة التي رافقت طريقة دخوله إلى البيت الأبيض، وغياب المؤتمر الصحافي المشترك، والتباين في الرسائل الصادرة عن الطرفين، لم تُخفِ أن اللقاء نفسه يعكس انتقالاً تدريجياً في النظرة الأميركية إلى السلطة الجديدة في دمشق، ولو أن النتائج الفورية بقيت محدودة ومحاطة بكثير من الحذر.
ففي حين انشغل المراقبون بتحليل الرموز الشكلية، يبدو أن الحسابات الأميركية تتعلق بمرحلة أبعد بكثير من التفاصيل البروتوكولية. فواشنطن تنظر إلى سوريا باعتبارها نقطة ارتكاز في إعادة ترتيب شرق أوسط تتغير خرائطه السياسية والأمنية بسرعة، وتدرك أن استقرار الدولة السورية الناشئة – على هشاشتها الإدارية والعسكرية والاقتصادية – يشكّل مدخلاً ضرورياً للحفاظ على مصالحها ومنع القوى الإقليمية الأخرى من ملء الفراغ.
ومع أن سوريا اليوم تشرع في بناء مؤسساتها من الصفر تقريباً، بدءاً من القضاء ومروراً بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ووصولاً إلى إصدار عملة جديدة، إلا أن الولايات المتحدة تعتبر هذا الواقع فرصة لتوجيه مسار الدولة نحو نموذج يتلاءم مع متطلبات المجتمع الدولي، ويتيح تحجيم أي عودة للنظام السابق أو لمنظومته أو ارتباطاته السابقة بإيران وحزب الله.
تظهر إسرائيل سعياً واضحاً لفرض وقائع ميدانية مستمرة وجديدة في الجنوب، في حين تحاول تركيا توسيع نطاق نفوذها شمالاً، وتراقب روسيا من الساحل محاولة تثبيت حضور طويل الأمد يمنحها موقعاً متقدماً في التوازنات المقبلة.
ومع أن الشرع ورث دولة بلا جيش منضبط وبلا مؤسسات مكتملة، فقد استطاعت دمشق استثمار مرحلة الانتقال السياسي لإعادة فتح خطوطها الدبلوماسية شيئاً فشيئاً، بموازاة تفكك تدريجي للعقوبات الغربية وعودة بعثات عدة إلى أراضيها. هذا المسار، وإن كان بطيئاً ومشحوناً بالحسابات، يندرج في سياق رغبة دولية بإعادة إدماج سوريا في المنظومة الإقليمية، شرط أن تلتزم بضوابط جديدة في الحكم والإدارة والعلاقات الخارجية.
واللافت أن المسار الأميركي تجاه سوريا لم يبدأ من واشنطن، بل من الرياض وأنقرة، حيث لعب ولي العهد السعودي والرئيس التركي دوراً محورياً في التمهيد لأول لقاء بين الشرع وترمب. وهذا التحول يعكس وجود تفاهم ضمني بين واشنطن والرياض وأنقرة على إدارة “الورشة السورية”، وتقاسم النفوذ والتأثير داخل المشهد الجديد. وتبدو الولايات المتحدة مصممة على إحكام قبضتها على زاويتين من زوايا الجغرافيا السورية، من التنف إلى الحدود الشمالية الشرقية وصولاً إلى منطقة جنوب دمشق.
هذا المشهد ينسحب أيضاً على علاقات سوريا بجوارها، حيث تظهر إسرائيل سعياً واضحاً لفرض وقائع ميدانية مستمرة وجديدة في الجنوب، في حين تحاول تركيا توسيع نطاق نفوذها شمالاً، وتراقب روسيا من الساحل محاولة تثبيت حضور طويل الأمد يمنحها موقعاً متقدماً في التوازنات المقبلة. أما واشنطن فتركّز على بناء شبكة مصالح عابرة للملفات المحلية، تبدأ بإعادة دمج الأكراد والدروز في بنية الدولة الجديدة، ولا تنتهي عند مشاريع الاستثمار التي ترغب شركات أميركية وخليجية في ضخها داخل الاقتصاد السوري.
والزيارة نفسها كشفت عن رغبة أميركية في اختبار نيات الشرع أكثر مما كشفت عن استعداد لاتخاذ قرارات نهائية. فغياب أي إعلان واضح بشأن العقوبات أو الانضمام للتحالف الدولي ضد الإرهاب، يشير إلى رغبة في إبقاء مسار التطبيع مشروطاً بأداء الحكم في دمشق خلال الأشهر المقبلة. ولعل إشارات الشرع عن التقدم في المفاوضات مع إسرائيل، واعتبار بلاده قطعت “شوطاً جيداً نحو اتفاق”، فتحت باباً حساساً في واشنطن، لكنها لم تكن كافية لإقناع الإدارة بالمضي في خطوات رفع القيود المالية والاقتصادية دفعة واحدة، خصوصاً أن الكونغرس ما زال يتمسك بـ”قيصر” كوسيلة ضغط سياسية.
ورغم ذلك، فإن لقاءات الشرع في واشنطن، من بينها اجتماعات مع أعضاء مؤثرين في الكونغرس، أظهرت أن مسألة إعادة تموضع سوريا داخل النظام الدولي باتت مطروحة بجدية أكبر. وقد شكّل اللقاء المفاجئ مع النائب برايان ماست مثالاً على قدرة شبكات الضغط الكردية والسورية في واشنطن على طرح السوريين الجدد بطريقة مختلفة، وإن كان ماست نفسه من أشد المتحفظين على رفع العقوبات.
اللحظة التي يمثلها الشرع في التاريخ السوري ليست اعتيادية. فالرجل يقود بلداً يخرج من انهيار كامل، ويتعامل مع ملفات متداخلة من الانتقال السياسي إلى تفكيك النفوذ الإيراني إلى محاولة إعادة بناء علاقة متوازنة مع موسكو والصين والأوروبيين أيضاً. وواشنطن، من جهتها، تبدو معنية بتثبيت اتجاه دمشق بعيداً عن طهران، وبضمان أن التحول الجاري لن يكون مرحلياً أو قابلاً للانتكاس. ومن هنا يمكن فهم الإشارات التي أرسلها ترمب عن “الشراكة المحتملة” مع الشرع، رغم أن البيت الأبيض لا يزال يتعامل مع الملف بطريقة تجريبية تحفظ له هامش التراجع والضغط.
سوريا، من جهتها، تحتاج إلى اعتراف دولي يوقف التدخلات الإسرائيلية ويمنحها هامشاً لإعادة ترتيب الجنوب، كما تحتاج إلى مظلة أميركية تساعدها على استيعاب الأكراد ضمن بنية الدولة ومنع تجدّد النزاعات الداخلية، إضافة إلى دور روسي في ضبط الحساسيات داخل الساحل. أما العلاقة مع الصين فتتطلب جهود تهدئة بعد الاتهامات التي طاولت دمشق بشأن دور الإيغور.
ورغم أن الزيارة تمحورت حول مستقبل سوريا ودورها في الإقليم، فإن انعكاساتها على لبنان لا يمكن تجاهله، خصوصاً أن واشنطن باتت تتعامل مع الساحتين كملفين مترابطين لا يفصل بينهما سوى حدود جغرافية تآكلت وظيفتها منذ سنوات. فالمقاربات الأميركية الأخيرة، سواء عبر تصريحات توماس باراك أو جولات مورغان أورتاغوس أو عبر الرسائل المباشرة التي حملها وفد سيباستيان غوركا إلى بيروت، تُظهر أن واشنطن ترى في إعادة إنتاج الدولة السورية، وفي انتظام مؤسساتها الأمنية والسياسية، شرطاً ضرورياً لحماية استقرار لبنان ومنع تمدد الفوضى جنوباً وشرقاً.
فالحدود اللبنانية ـ السورية لم تعد مجرد خط عبور، بل صارت، بنظر الإدارة الأميركية، واحدة من نقاط اختبار الترتيبات الجديدة في المنطقة، سواء لجهة ضبط حركة السلاح والمال، أو لجهة الحدّ من أي نفوذ يستفيد من هشاشة الدولتين معاً. وفي هذا الإطار، بدا لافتاً أن بعض الأوساط في واشنطن تتعامل مع صعود الشرع كعامل يمكن أن يعيد التوازن إلى علاقة بيروت بدمشق، من دون العودة إلى نمط الوصاية السابقة، بل عبر مقاربات أكثر براغماتية يُعاد فيها تنظيم المصالح المشتركة على قاعدة احترام الحدود السياسية لا الأمنية فقط.
في المحصلة، حملت زيارة الشرع إلى واشنطن مزيجاً من الرمزية والاختبار السياسي. فلا هي مثّلت اختراقاً نوعياً، ولا بقيت ضمن حدود البروتوكول. وهي خطوة في مسار طويل، لا تزال فيه الولايات المتحدة تقيس أداء القيادة السورية، ولا تزال فيه دمشق تحاول استثمار اللحظة الدولية لإعادة تثبيت نفسها كدولة قابلة للحياة وسط شبكة مصالح متشابكة. والزيارة لم تُنهِ الأسئلة، لكنها وضعت سوريا على طاولة القرار الأميركي مجدداً، بطريقة تختلف تماماً عما كان عليه المشهد في العقدين الماضيين مع بشار الأسد وحزب البعث.
تلفزيون سوريا
——————————
التحالف مع واشنطن.. المزايا والمخاطر/ عدنان علي
2025.11.14
رغم أجواء الاحتفاء والتفاؤل التي سادت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، والتي توجت باللقاء مع الرئيس دونالد ترمب، إلا أن النتائج العملية لهذه الزيارة قد لا تظهر سريعاً كما توحي التحليلات المتفائلة التي تعتمد على التقاط الصور وتعطي أهمية مبالغ فيها لكلام ترمب، الذي يثرثر كثيراً لكنه بطبعه يحبذ الأخذ أكثر من العطاء.
والزيارة التي تطرقت إلى كل الانشغالات السورية، تركزت بطبيعة الحال على استكمال رفع العقوبات الأميركية المتمثلة خصوصاً بقانون قيصر، لتمكين الدولة السورية من الانخراط مجدداً في المجتمع الدولي سياسياً واقتصادياً ومالياً. لكن مقابل هذا الرفع، تُطرح المقايضات في القضايا الأخرى، خصوصاً توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل، إضافة إلى الانخراط في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”.
وإذا كانت النقطة الأخيرة ليست موضع خلاف، وجرى الإعلان فعلاً عن انضمام سوريا لهذا التحالف لتكون الدولة 90 فيه منذ إنشائه عام 2014، فإن الاتفاق مع إسرائيل لم ينضج بعد، وما زالت إدارة الرئيس ترمب تكيل بمكيالين في هذا المقام. ففي حين تعلن حرصها على وحدة سوريا واستقرارها وتقول إنها تريد إعطاءها فرصة، تعمد في الوقت نفسه إلى إرخاء الحبل لحكومة الاحتلال الإسرائيلي كي تواصل اعتداءاتها وتوغلاتها اليومية في الأراضي السورية، مع إعلانات متكررة من جانب تلك الحكومة بلسان بعض رموز التطرف فيها، عن نيتها مواصلة احتلال بعض المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، سيما قمة جبل الشيخ، حتى في ظل اتفاق أمني جديد مع الجانب السوري.
وهذه اللعبة المزدوجة من جانب الولايات المتحدة ترمي في النهاية إلى ترويض الموقف السوري لتقبل الطروحات الأميركية الساذجة بشأن ما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية، وضرورة انضمام سوريا إليها، برغم التوضيحات المتكررة التي قدمها الرئيس الشرع بأن لسوريا وضعاً مختلفاً عن بقية الدول التي انضمت لهذه الاتفاقيات، باعتبار أن لديها أراضٍ محتلة من جانب إسرائيل عام 1967، ولا يمكنها تالياً التطبيع معها ما لم تتم تسوية هذه القضية.
غير أن الملف الذي يبدو أنه تأثر أكثر من غيره من جراء زيارة الشرع لواشنطن هو العلاقة بين دمشق و”قسد”، والتي سارعت بلسان قائدها مظلوم عبدي إلى الترحيب بانضمام الحكومة السورية إلى التحالف ضد داعش، والإعلان عن جولة تفاوض جديدة في دمشق لتسريع اندماج “قسد” ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية في الدولة السورية. ومن المتوقع أن يحرز هذا المسار تقدماً حتى نهاية العام الجاري بعد أن أخذت “قسد” وقتها في المماطلة ومحاولة تعديل اتفاق 10 مارس/آذار أو طرح مفاهيم جديدة لعملية الاندماج على نمط اندماج الدولة السورية في “قسد” وليس العكس. وقد اتضح اليوم لأصحاب القرار في شمال شرقي سوريا أن الرياح الدولية، والأميركية تحديداً، تهب في اتجاه مساند للحكم الجديد في دمشق، وأنه لا فائدة من مواصلة المماطلة، خصوصاً أن القيادية في “قسد” إلهام أحمد حاولت الوصول إلى الولايات المتحدة خلال زيارة الشرع، بغية القيام بزيارة موازية أو الانضمام إلى الوفد الحكومي السوري، لكن السلطات الأميركية لم تبت بطلبها طوال فترة الزيارة، بغية عدم التشويش عليها عبر لقاءات تجريها أحمد مع أعضاء في الكونغرس أو مسؤولين آخرين.
وقد جرى ولا شك التأكيد خلال الزيارة على القضايا الأخرى المثارة على الساحة السورية مثل توسيع المشاركة في الحكم، وإشراك الأقليات، والتحقيق في الانتهاكات.. إلخ. مع ملاحظة أن نجل الشيخ حكمت الهجري، سلمان، سبق الشرع في الوصول إلى الولايات المتحدة، وحاول الاجتماع مع قيادات في الكونغرس الأميركي لإقناعهم بعدم رفع العقوبات عن سوريا وربط ذلك بمسألة السويداء، لكنه لم يحقق نجاحاً يذكر.
ومع هذه العناوين للزيارة وغيرها، يبقى الأهم، ليس كونها أول زيارة لرئيس سوري للعاصمة الأميركية منذ استقلال البلاد عام 1946 فحسب، بل ما بُث خلالها من رسائل تفيد برغبة سورية جامحة بالانتقال إلى “المعسكر الغربي” أو التحالف مع الولايات المتحدة، والقطيعة مع عقود من التحالفات في الجهة المقابلة، أي المعسكر الشرقي. ورغم أن هذه التسميات لم تعد ذات معنى اليوم، بعد انفراط عقد المعسكرين أصلاً، إلا أن العالم ما زال ساحة للاستقطاب السياسي بين محاور عدة، بعضها متبلور مثل الذي تقوده الولايات المتحدة، وإن كان غير متجانس سياسياً تماماً، وأخرى قيد الانفراط مثل محور روسيا وإيران، أو قيد التشكل مثل الصين وباكستان.. إلخ.
فيما يخص التحالف مع الولايات المتحدة، ينبغي الحذر من أن الأمر قد لا يتعلق بمحاربة تنظيم “داعش” فقط، وهذا أمر لا مشكلة فيه لدى الحكم في دمشق، والذي سبق له بالفعل محاربة التنظيم في أوقات مختلفة سابقاً، لكن قد يجري توسيع تفسيره على نحو محرج لدمشق، كأن يُطلب من سوريا الانخراط في حرب أو العمل ضد حزب الله في لبنان، والمجموعات الجهادية في شمالي سوريا، والفصائل الفلسطينية التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة كفصائل إرهابية، إضافة إلى فصائل عراقية رديفة محسوبة على إيران. وهذا بطبيعة الحال لا تتطلع إليه الإدارة في دمشق، أو هي في غنى عنه من دون شك.
إن التحول الاستراتيجي العميق في العلاقة مع الولايات المتحدة يحمل بالطبع مكاسب استراتيجية لسوريا ويضعها في قلب معادلة إقليمية جديدة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر عدة، ويهدد بجعل البلاد رهينة لضغوط خارجية لا تراعي الحساسيات المحلية أو قد تغضب بعض الحلفاء الإقليميين، وكل ذلك يهدد أيضاً بخسارة القرار الوطني المستقل.
تلفزيون سوريا
—————————–
الترامبيّة والشرع: سياسات الذكورة والصفقة/ صهيب أيوب
13 تشرين الثاني 2025
تحمل زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن واللقاء مع دونالد ترامب دلالات سياسيّة عديدة، لكنّها تحمل أيضاً دلالات رمزية تغذّيها السمات المشتركة بين الشرع والترامبيّة السياسيّة.
في الخطاب الترامبي، هناك أمّة مهدّدة وزعيم مخلّص. خطاب أحمد الشرع يسير في الاتجاه نفسه، وإن ضمن لغة أكثر محلية وعسكرية. إذ يقدم نفسه ممثلاً للشعب الذي قاتل ضد حكم الأسد، في مواجهة بقايا النظام القديم، ويوظّف المظلومية الوطنية والاجتماعية لتبرير سياسة مركزية صارمة، ويُشيطِن الخصوم باعتبارهم معرقلين أو تابعين للخارج، ويعيد تشكيل الخطاب الوطني على أساس هويّاتي لا سياسيّ. الترامبية وسياسة الشرع تتقاطعان في الأساس النفسي ذاته: الخوف من الفوضى والرغبة باليقين.
شرعية الانتصار
تعيد الترامبية تعريف السياسة بوصفها مسرحاً شعوريًا أكثر منها إدارة عقلانية. هي عودة الغريزة إلى مركز القرار، وتحوُّل الزعيم إلى الممثل الوحيد لإرادة الأمة. في السياق السوري، يظهر أحمد الشرع بوصفه إحدى أكثر التجارب قرباً من هذا النموذج، وإن اختلفت السياقات. الشرع لم يصعد من مؤسسات الدولة، بل من الميدان العسكري والسياسي الذي نشأ في قلب الحرب. شرعيّته ليست قانونية ولا انتخابية، بل مكتسبة من القوة والانتصار. وهي شرعية الترامبية في جوهرها. السلطة تأتي ممّن يملك القدرة على فرض النظام حين يعجز الآخرون. وبعد سنوات من الفوضى والعنف، نجح الشرع في تقديم نفسه كقائد حاسم، لا كسياسي توافقي. ومثلما قدّم ترامب نفسه كمخلّص لأميركا من نخب واشنطن، قدّم الشرع نفسه كمنقذ سوريا من نخب النظام القديم والمعارضة الخارجية معاً. كلاهما يستثمر لحظة انهيار الثقة بالمؤسسات.
الشعبويّة كأداة للسيطرة
الشعبوية، في جوهرها، ليست أيديولوجيا، بل طريقة في مخاطبة الجمهور. يستخدمها الشرع كما استخدمها ترامب لتجاوز المؤسسات وإقامة علاقة مباشرة بين الزعيم والشعب. هذه العلاقة تتغذّى على خطاب المظلومية والانقسام. خاطب ترامب الفئة المنسيّة في أميركا، والشرع يخاطب الفئة المقاتلة التي ترى نفسها ضحية الاستبداد والخذلان الدولي. الخطاب هنا يعمل كأداة تحشيد واستبعاد في آن واحد. كل من لا يؤمن بالسردية الرسمية يُعتبر جزءاً من المؤامرة أو النخبة الفاسدة. وهكذا تتكون دائرة مغلقة من الولاء تُختزَل فيها الدولة إلى صوت واحد ورمز واحد وسردية واحدة.
الدبلوماسيّة الصفقيّة
ألغى ترامب فكرة السياسة الخارجية ذات المبادئ لصالح منطق الصفقة. وتقوم دبلوماسيته الخارجية على معادلة رجل الأعمال لا رجل الدولة. والشرع، اليوم، يعيد إنتاج هذا النمط في سياق سوري. فزيارته إلى واشنطن هي أشبه بإعلان عن تبنّي الدبلوماسية كصفقة لا كتحالف. خطابه في لقاءاته يركز على الاستقرار والأمن ومحاربة الإرهاب، لا على العدالة أو الديموقراطية. يقدّم نفسه كشريك يمكن التفاهم معه عملياً، لا كممثل لمشروع أيديولوجي. يفاوض الغرب بلغة المصلحة المتبادلة: أمن مقابل دعم، وشرعية مقابل اعتراف. وهذا هو جوهر الترامبية في السياسة الخارجية، في تحويل العلاقات الدولية إلى بازار للمقايضة لا ميثاقاً للقِيَم.
الذكوريّة السياسيّة
الذكوريّة السياسيّة ليست مجرّد حضور رجال في السلطة، بل نظام رمزي يعيد ترتيب القِيَم حول مفاهيم مثل السيطرة والصلابة والعقاب. في هذا النظام، يُعاد إنتاج الزعيم كرجل خارق للجنس السياسي العادي. نصف عسكري ونصف أب. استخدم ترامب جسده ولغته ونبرته كجزء من خطاب الهيمنة: حركات اليد، النظرات المباشرة، الازدراء العلني لخصومه، كلها كانت أدوات مسرحية لتجسيد الرجولة. وفي سوريا، يتكرر هذا النمط عبر لغة أحمد الشرع الجسدية والخطابية. يجلس كقائد ميداني لا كسياسي بيروقراطي. يتحدّث بضمير الجمع: نحن الذين قاتلنا، رابطاً بين الجسد المقاتل والجسد الوطني. يقدّم نفسه كأب جديد للبلاد يعيد النظام بعد فوضى الأب القديم. بهذا، تتحوّل الذكورية من خاصية جندرية إلى بنية رمزية للسلطة. الحاكم هو من يملك السيطرة على جسده وعلى أجساد الآخرين، ومن يفرض النظام كما يفرض الأب سلطته داخل البيت.
المَسرحَة الأبويّة
الترامبية ليست مجرد سياسة شعبوية، بل هي أيضاً عرض مستمرّ للرجولة. الزعيم الترامبي يظهر قوته في كل حركة. يصرخ ويهين ويهاجم ويهدّد. إنها سياسة مبنية على الغريزة لا على الحوار. على الغضب لا على النقاش. عند أحمد الشرع، يتجلّى هذا النمط في صورة القائد الذي لا يخاف والذي يتعامل مع الخطر كدليل شرعية، ومع العنف كضرورة أخلاقية. في خطاباته، يربط بين القوة والسيادة، بين الرجولة والانتصار. وفي كل ذلك، هناك صدى واضح للترامبية في شكلها المسرحي. الرجولة هنا ليست جنسية فقط، بل رمزية. هي القدرة على الحسم في وجه الضعف وامتلاك الحقيقة في وجه التعدّد وفرض النظام على الفوضى. في خطاب الشرع، كما في خطاب ترامب، الجسد هو السياسة. إنهما يقدّمان نفسيهما كأجساد تتكلّم، لا كأفكار تُناقش. من خلال هذا الترميز، يعاد رسم حدود الأمة على جسد الزعيم. تختفي الدولة كمؤسسة قانونية، وتظهر كامتداد عضوي لقوّة الفرد.
لغة القوّة
يستخدم أحمد الشرع لغةً مشابهةً للترامبية الاقتصادية وبنفس كلماتها. «إعادة الصناعة»، «الاستثمار»، «فتح السوق»، ولكن بمنطق الكرامة الوطنية. كل مشروع إعمار هو عرض جديد للقوة، وكل نجاح اقتصادي يُقدَّم كدليل على صلابة الزعيم، لا كثمار لمؤسسات الدولة. وهنا تلتقي الترامبية الاقتصادية والذكورية السياسية السورية في نقطة واحدة: تحويل الاقتصاد إلى مسرح للهيمنة الرمزية، حيث يصبح المال امتدادًا للرجولة لا للمواطنة.
كلّ ما سبق يغذّي في النهاية ما يمكن تسميته بالفاشية العاطفية. تُبنى السياسة على الخوف والولاء والانفعال لا على التعدد والمؤسسات. الزعيم يخلق أعداء دائمين لتغذية شعوره بالبطولة. وكلما تضخّم جسده الرمزي، تقلّصت مساحة المجتمع. الترامبية هي محاولة لتأميم العاطفة في الديموقراطية الأميركية، أما بحالة أحمد الشرع، فهي محاولة لتأميم الرجولة في مجتمع خرج من الحرب. أن تكون رجلًا يعني أن تؤمن بالقائد وأن تثق بالقوّة.
ميغافون
—————————–
هل دخلت سورية عصر الابتزاز الاستراتيجي؟/ أسامة أبو ارشيد
14 نوفمبر 2025
وُصفت زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (10 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري) بأنها تاريخية لثلاثة أسباب رئيسة. أولاً، هذه أول زيارة لرئيس سوري (منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946) العاصمةَ الأميركية، واستقبال رئيس أميركي له في البيت الأبيض. ثانياً، وهو الأكثر إثارة، أن الشرع ليس أيَّ رئيس سوري، بل هو في العُرْفِ الأميركي “جهاديٌّ” سابق، كان مصنّفاً حتى أيام قليلة فقط في قوائم “الإرهاب” الأميركية والدولية، وسبق له أن قاتل القوات الأميركية المُحتلّة في العراق، واعتُقل في سجونها ما بين 2006 و2011. ثالثاً، دشّنت هذه الزيارة تحوّلاً استراتيجياً محورياً في تموضع سورية الجيوسياسي في سياق سعيها إلى الانتقال من فلك “المعسكر الشرقي”، الذي استظلّت بمظلته أكثر من ستّة عقود (تحت قيادة الاتحاد السوفييتي المُنحلّ عام 1991، أو وريثته روسيا، حتى نهاية العام الماضي مع سقوط نظام الأسد) إلى الفلك الأميركي. ولم يسعَ الشرع إلى إخفاء هذه الرغبة لديه، وهو يُعلن من واشنطن أنه يريد سورية “لا يُنظَر إليها بعد الآن أنها تهديد أمني، بل حليفاً جيوسياسياً، ومكاناً يمكن للولايات المتحدة أن تستثمر فيه بشكل كبير”.
من ثمَّ، لا غرابة أن هذه الزيارة أثارت جدلاً كثيراً بين أنصار الحكم السوري الجديد بعد إطاحة نظام الطاغية (الهارب) بشّار الأسد، نهاية العام الماضي، وخصومه. وضاعف من هذا الجدل أن تفاصيل كثيرة رافقت زيارة الشرع واشنطن، لم يكن من السهل التغاضي عنها وتجاوزها، وهو ما جعلها عرضةً لتأويلات وتفسيراتٍ كثيرة إمّا أنها جيرتها لصالح النظام الجديد في دمشق، على أساس افتراض حنكته ومرونته السياسية، أو وظفتها ضدّه زاعمةً إن الرجل لم يكن إلّا “عميلاً” تمَّ إعداده (على مدى سنوات) لهذه المهمة، وهذا الدور، لا لإطاحة “نظام ممانع” فحسب، بل لحرف سورية عن مسارها القومي المُقاوِم.
في السطور التالية، سيحاول هذا المقال تجنّب الانجرار إلى مثل هذا الجدال، من دون إنكار وجوده، عبر تلمّس بعض خلفياته، ثم التركيز في بعض المحذورات التي ينبغي أخذها في الاعتبار في سورية الجديدة.
لنبدأ أولاً بخلفيات مهمّة من الضروري استحضارها في هذا السياق. حتى 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أي قبل ثلاثة أيام من استقبال ترامب الشرع في البيت الأبيض، كان اسم الأخير لا يزال في القائمة الأميركية لـ”الإرهابيين العالميين المُصنَّفين بشكل خاص”. وفي ذلك اليوم، بادرت وزارة الخزانة الأميركية إلى رفع اسمه، واسم وزير الداخلية السوري أنس خطّاب منها. قبل ذلك بيوم، تقدّمت الولايات المتحدة بمشروع قرار في مجلس الأمن لشطب اسمَي الشرع وخطّاب من قائمة العقوبات الدولية المفروضة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة. وقد أُقرَّ المشروع في ا6 نوفمبر الجاري، في خطوة وصفها السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز بأنها “إشارة قوية إلى أن سورية دخلت عهداً جديداً منذ سقوط الأسد”.
التحوّل الأميركي نحو الشرع، الذي قاد فرع تنظيم القاعدة في سورية (جبهة النصرة)، حتى انفصاله عن “القاعدة” عام 2017 وتشكيله هيئة تحرير الشام التي صنّفتها واشنطن هي الأخرى “إرهابيةً”، بدأ منذ مايو/ أيار الماضي، عندما التقى ترامب في الرياض، بوساطة من وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان… منذ ذلك الحين، أعجب ترامب بشخصية الشرع، أو أنه يتظاهر بهذا، وبدأ يكيل له المديح، مثل أنه “شاب جذّاب” و”زعيم قوي وصلب”، وأسقطت مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت تعرضها واشنطن لمن يدلي بمعلوماتٍ تقود إلى القبض عليه أو تصفيته. كما علّقت عقوبات أميركية كثيرة على سورية التي تعود إلى حقبة النظام السابق، وبعد ذلك رُفع اسم هيئة تحرير الشام من قائمة “المنظّمات الإرهابية الأجنبية” (يوليو/ تموز الماضي). وكان اللقاء الثاني لترامب والشرع في سبتمبر/ أيلول في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
استحضار التاريخ “الصعب” للشرع، حسب وصف ترامب نفسه، بدءاً من اشتراكه في القتال ضدّ القوات الأميركية في العراق عام 2003 تحت مظلّة “القاعدة”، وصولاً إلى لقائه ترامب في البيت الأبيض، ولعبه كرّة السلّة مع قائدين عسكريين أميركيين في واشنطن، سبق له أن قاتلهما واعتُقل في سجونهما، فضلاً عن انخراط حكومته في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، هو ما أثار لغطاً كثيراً حول الرجل وهُويَّته، والدور الذي يُصرُّ بعضهم أنه مناطٌ به. ولم تقف الأمور عند هذا الحدّ، إذ تؤكّد تقارير غربية أن دمشق سمحت للولايات المتحدة بإقامة وجود عسكريٍّ لها في قاعدة المزّة الجوية بدمشق، في إطار ما وُصفت بأنها جهود سورية لإعادة تموضعها الاستراتيجي، بما يعيد رسم دورها في الخريطة الأمنية الإقليمية. ووفقاً لمسؤولين أميركيين، ستُخصّص القاعدة للإشراف على جهود مراقبة وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل. صحيح أن الحكومة السورية نفت هذه التقارير، إلا أنها تستند إلى مصادر سورية وأميركية وغربية متواترة. بل كان الشرع نفسه قد أشار من قبل إلى أن دمشق لا تعارض من حيث المبدأ وجوداً عسكرياً أميركياً في أراضيها، لكنّها تشدّد على أن أيَّ وجودٍ من هذا القبيل، يجب أن يتم بالتوافق الكامل مع الدولة السورية الجديدة، وبما يحفظ سيادتها ومصالحها الوطنية.
يوضح العرض السابق جانباً من المقارنة التي يسوقها خصوم الحكم السوري الجديد مع نظام حكم عائلة الأسد، الأب حافظ، والابن بشار، أكثر من نصف قرن. يقول هؤلاء إن الأسدَيْن حافظا على استقلال سورية وسيادتها أمام الأطماع الأميركية والإسرائيلية، وأن ذلك هو ما قاد في المحصّلة إلى “المؤامرة الكونية” على سورية التي انتهت بإطاحة نظام الأسد الابن، بعد عقود من الحصار الاقتصادي والسياسي. في المقابل، يقول أنصار الحكم الجديد إن سورية اليوم تدفع كُلفاً استراتيجية باهظة جرّاء عقود من حكم آل الأسد، والعزلة التي فُرضت على البلاد على خلفية ذلك. ولا ينسون أن يُذكّروا بأن الجولان السوري المحتل سقط فريسة لإسرائيل وحافظ الأسد وزيراً للدفاع، وأن رصاصةً واحدةً على مدى 58 عاماً لم تُطلَق لتحريره. وَيُحمِّل هؤلاء نظام بشّار مسؤولية تدمير سورية وتشريد معظم شعبها في العقد ونصف العقد الماضيَّين، ورهن سيادة البلاد للنفوذين الإيراني والروسي. ويضيفون إلى ذلك أنه لولا رفض بشّار التجاوب مع الإصلاحات الديمقراطية التي طالب بها الشعب السوري عام 2011، وقمعه الوحشي الحركات السلمية، لما دمّرت البلاد، ولا تمزّقت وحدتها الترابية، ولا سُمِح لإسرائيل بالتسلل إلى معادلتها الطائفية والجغرافية حالياً، وسعيها إلى تقسيم سورية.
على أيّ حال، وبعيداً عن إصدار أحكام في هذه اللحظة، المؤكّد أن سورية اليوم تتعرّض لابتزاز خطير، يدخل في باب “التدجين الاستراتيجي”. مفهوم أن سورية بحاجة إلى الرضا الأميركي لرفع العقوبات التي تشلُّ اقتصادها وتعوق إعادة إعمار البلاد، ويقدّر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار. كما أنها بحاجة إلى دور أميركي فاعل للجم الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها، إلا أن الولايات المتحدة ليست جمعيةً خيريةً، وقصص هيام ترامب بشخص الشرع، أصحَّ أم لا، لا ينبغي أن تُعْمي أعين الحكم الجديد في دمشق عن أن واشنطن، بالتماهي مع تل أبيب، تريان في سورية إحدى بوابات إعادة صياغة الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحهما أولاً وأخيراً. ومن غير المعقول أن يترفّع الحكم السوري الجديد عن اجترار واستمرار العداوة مع روسيا التي أجرمت في حقّ الشعب السوري، ولا يستطيع أن يرى ما وراء عدائه مع إيران وأدواتها في المنطقة، وخصوصاً أن أميركا وإسرائيل ليستا معنيتين بالانتصار على طهران لصالح سورية والعرب، وإنما لصالحهما هما فقط.
نتمنّى النجاح لسورية، ولكن لا نريد أن نفجع بها، كما لا نريد أن يتحوّل ابتزاز الشرع ورفاقه في الحكم ابتزازاً لسورية ذاتها. ثمَّة بونٌ شاسع بين المرونة وانتهاز الفرص، وبين الانخداع والتدجين.
العربي الجديد
———————————-
قراءة في زيارة الشرع/ حسام كنفاني
14 نوفمبر 2025
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض عادية. هي تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ إنه الدخول الأول لرئيس سوري إلى البيت الأبيض. ولكن رغم تاريخيّة هذه الزيارة، من الواضح أنها لم تحقق ما كانت تصبو إليه الحكومة السورية، فالملفات التي كانت على طاولة البحث، وهي أساساً ثلاثة، لم يتم الحسم في شأنها وبقيت معلقة إلى حين.
ثلاث قضايا أساسية حملها الشرع معه إلى البيت الأبيض، أولها وأهمها العقوبات المفروضة على سورية، سيما بموجب قانون قيصر الذي أوصل الأوضاع الاقتصادية في سورية، منذ عهد الرئيس الهارب بشار الأسد، إلى حدود الانهيار في ظل توقف التحويلات المالية والمعاملات الاقتصادية مع المؤسسات العالمية.
وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في زيارته الرياض في مايو/ أيار الماضي، برفع العقوبات عن سورية. لكن هذا عملياً لم يحدث، وبقيت عقوبات كثيرة مفروضة على النظام الجديد في انتظار “بوادر حسن نية” من الحكم الجديد. ولا تنفك بوادر حسن النية هذه تتوسع عند الإدارة الأميركية، فلائحة المطالب التي وضعتها واشنطن تزداد يوماً بعد يوم. بداية كان المطلوب إخراج المقاتلين الأجانب من معادلة الحكم الجديد، وتشكيل حكومة تمثل الأطياف السورية كافة، وحماية الأقليات في البلاد. ورغم أن أياً من هذه المطالب لم يستطع النظام الجديد تلبيته بشكل كامل، بل سعى إلى الالتفاف عليه، ازدادت لائحة الشروط الأميركية لتضم التفاهم مع إسرائيل، والتطبيع معها، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
من الواضح أنه كان صعباً التفاهم بين ترامب والشرع على هذه الشروط الجديدة. ويحسب للرئيس السوري أنه واجه الضغوط الأميركية في ما يخص التقارب مع إسرائيل، ووضع انسحاب الاحتلال من الأراضي السورية شرطاً مسبقاً لأي تقارب مع إسرائيل، وهو ما قاله في مقابلاته مع وسائل إعلام أميركية قبل زيارة البيت الأبيض.
وصلت هذه الرسائل إلى الرئيس الأميركي الذي كان يمنّي النفس باختراق على مستوى العلاقات السورية الإسرائيلية. غير أن حسابات ترامب لا تتوافق مع حسابات الشرع في هذا الشأن. فإضافة إلى الوضع الداخلي السوري، وكيف يمكن أن يستقبل قراراً بالانفتاح في العلاقة مع إسرائيل، هناك الرعاة الإقليميون، والذين يضع لهم الشرع اعتبارات كثيرة، فلا السعودية ولا قطر ولا تركيا حالياً في وارد مباركة أي خطوة يقوم بها الشرع تجاه إسرائيل، خصوصاً في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار. وحتى المحاولات الأميركية لإحداث خرق في العلاقات السعودية الإسرائيلية قوبلت برفض من الرياض باعتبار أن “الوقت لم يحن بعد”.
وبغض النظر عن مسألة العلاقات مع إسرائيل، برزت في الاجتماع فكرة الانضمام السوري إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. قد يبدو هذا العنوان بسيطاً وطبيعياً، ومن غير المفترض أن يشكل أزمة. لكن المطلب الأميركي هنا ليس مجرّد انضمام شكلي، بل انخراط فعلي وعسكري في مواجهة “داعش”. هذا الأمر ليس عادياً بالنسبة إلى تركيبة هيئة تحرير الشام، والتي تحكم سورية الآن. فكثير من الفصائل انضمت إلى الهيئة وفق أهداف دينية لا تتضمن التحالف مع الغرب لمحاربة مسلمين آخرين. الشرع يدرك ذلك، لذا كان عرضه “الانضمام السياسي” إلى التحالف، من دون الدخول الميداني الذي من شأنه أن يقلب الكثير من فصائل الهيئة ضده.
في كل الأحوال، رغم تاريخيّة الزيارة، لم تأت نتائجها وفق ما كان يشتهي الشرع. ففي ظل الخلاف حول النقطتين السالفتين، بقيت العقوبات على سورية ولم ترفع، وتعليق قانون قيصر 180 يوماً ليس إلا مهلة إضافية للحكم الجديد للتماهي مع المطالب الأميركية.
العربي الجديد
——————————-
إسرائيل تخشى أن تفرض الولايات المتحدة عليها الانسحاب من سورية/ نايف زيداني
14 نوفمبر 2025
إظهارالملخصicon
تخشى إسرائيل أن تفرض الولايات المتحدة عليها الانسحاب من المواقع السورية التي احتلتها قبل نحو عام، وسط دهشة من الاستقبال الذي حظي به الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض هذا الأسبوع، وتخوّفات من العلاقات التي تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان. ويتزامن ذلك، وفق التفاصيل التي نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية اليوم الجمعة، في وقت تصعّد فيه الجرافات والمعدّات الهندسية في هذه الأيام، على الطريق المعبّد الذي يصل إلى ارتفاع 2800 متر في قمة جبل الشيخ، وهو طريق كان حتى قبل عام تحت السيطرة السورية.
ويقوم مقاولو بناء إسرائيليون بترميم المواقع العسكرية التي احتلتها إسرائيل في أعالي الجبل استعداداً لثلوج الشتاء، والذي، بحسب المستوى السياسي في إسرائيل، لن يكون الشتاء الأخير لجيش الاحتلال الإسرائيلي هناك. في المقابل، يخشى مسؤولون إسرائيليون أن يكون لدى واشنطن ودمشق وجهات نظر مختلفة، خاصة بعد اللقاء الذي جمع الشرع وترامب. وأشارت الصحيفة إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار المرتقب، الذي قد يحل محل الاتفاق الذي حافظ عليه نظام الأسد منذ عام 1974 وحتى سقوطه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، “لن يكون اتفاق تطبيع وسلام، بل قد يكون إشكالياً لإسرائيل”، خاصة إذا فرضه ترامب على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما فعل مع اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس، الذي أبقى الحركة في السلطة في غزة مؤقتاً، وفق ادعائها.
ويحث المسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نتنياهو على “عدم التنازل عن قمة جبل الشيخ السوري” على الأقل (في إشارة إلى القمة التي احتلتها إسرائيل قبل نحو عام)، لما لها من أهمية استراتيجية لأمن الشمال. وتمكن من هذه المنطقة رؤية وتحديد نوع كل مركبة تدخل المنطقة، كما توفّر القمة سيطرة نسبية جيدة على ما تصنفها إسرائيل بطرق تهريب الأسلحة من سورية إلى لبنان، خاصة إلى حزب الله. ووفقاً للمزاعم الإسرائيلية، فإن هذه الطرق شهدت نشاطاً متزايداً في الأشهر الأخيرة، لكن قوات الجيش الإسرائيلي المتمركزة في موقعين على جبل الشيخ تنفذ عمليات تعطيل وإحباط لعمليات تهريب.
وهناك ثمانية مواقع للجيش الإسرائيلي في الجزء الذي احتله منذ نحو عام من الجولان السوري، وهي مواقع قابلة للتفكيك، لكنها مزوّدة ببنية تحتية محسّنة للجنود، وتخضع باستمرار لعمليات ترقية من قبل أفراد قسم التكنولوجيا واللوجستيات لتعزيز الاستجابة العملياتية منها وتحسين ظروف الجنود فيها.
إسرائيل قلقة من تدخل أردوغان وتسليح سورية
وتميل إسرائيل إلى مناقشة الانسحاب من هذه المواقع كما يطالب الرئيس السوري، وفقاً للصحيفة العبرية، لكن مقابل اتفاق وقف إطلاق نار جديد يضمن حرية العمل لإسرائيل لمهاجمة “التهديدات الإرهابية” القريبة أو الناشئة في هذه الجبهة، والتي تزعم إسرائيل أن حزب الله وإيران حاولا خلال العقد الماضي إقامة بنى تحتية عسكرية فيها لتكون جبهة إضافية ضد إسرائيل.
وصرّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في أكثر من مناسبة على مدار العام الأخير، بأن إسرائيل لن تنسحب من قمة جبل الشيخ التي احتلتها. لكن القرارات بشأن مستقبل الجبل، وفقاً للصحيفة، ستُتخذ على الأرجح في واشنطن وأنقرة. ويبدي مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قلقاً كبيراً من التقارب بين ترامب وأردوغان الذي يشكّل الجسر بين الشرع وترامب. ويعتبر هؤلاء أنه قد يسلّح القوات السورية بأسلحة خفيفة، وقد يمدّها لاحقاً بمنصات ثقيلة أو أنظمة دفاع جوي يمكن أن تحوّل القوات السورية إلى جيش فعلي، من بينها بطاريات الدفاع “إس 400” روسية الصنع، التي ستقيد كثيراً نشاط سلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة، على حد زعمهم.
وذكرت الصحيفة أن مسؤولين إسرائيليين أُصيبوا بالدهشة أيضاً من الاستقبال الذي حظي به الرئيس السوري في البيت الأبيض، ذلك أن إسرائيل تصرّ على أنه “إرهابي”. ونقلت عن المسؤولين قولهم: “لم يحدث قط أن زعيم تنظيم إرهابي، كان إرهابياً بارزاً ومطلوباً من قبل الغرب ولم يغيّر نهجه الجهادي ولا يزال محاطاً بشخصيات تسعى إلى تدمير إسرائيل، استُقبل بهذه الطريقة كشخص شرعي في البيت الأبيض، ولعب كرة السلة كصديق قديم مع جنرال كبير في الجيش الأميركي. هناك أكثر من سبب يدعو للقلق من هذا التطور. لا تزال مليشيات الشرع تتكوّن من شاحنات صغيرة، ورشاشات، وطائرات مسيّرة ذات قدرات جيدة لحرب العصابات. إذا نفّذ أردوغان نياته بتسليحهم، فسيكونون في مكان مختلف تماماً”.
—————————
جهود سورية لفك عقدة قانون قيصر في واشنطن/ محمد أمين
14 نوفمبر 2025
تواصل منظمات وجماعات ضغط سورية في الولايات المتحدة جهودها من أجل فك عقدة قانون قيصر، الذي يتضمن عقوبات أميركية صارمة ويلقي تأثيرها بظلاله على المشهد السوري برمته، لا سيما أنه من دون إلغاء غير مشروط للقانون لن يُفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار في سورية.
وكان التعويل أن يفضي اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي براين ماست، الذي يملك سلطة عرقلة أي جهود لتفكيك هذا القانون، على هامش زيارة الأول إلى واشنطن إلى حلحلة العقد تحديداً لجهة إلغاء هذا القانون بشكل نهائي والتخلي عن فكرة ربط الخطوة بأي شروط، أو على الأقل تحديد جلسة للقيام بهذه الخطوة، لكن لم تظهر أي مؤشرات في هذا الاتجاه بعد. وهو ما كان أشار إليه مدير الشؤون السياسية في منظمة المجلس السوري الأميركي (غير حكومي) محمد علاء غانم الذي أكد يوم الثلاثاء الماضي أنه “للأسف حتّى الساعة لم يغيّر النائب برايان ماست موقفهُ المعارض لإلغاء قانون قيصر إلغاءً غير مشروط. على الضغط أن يستمرّ”. مع العلم أن ماست أصدر بياناً عقب لقاء الشرع يوم الاثنين الماضي قال فيه “تقاسمت مساء الأمس الطعام مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وأجرينا حديثاً طويلاً وجاداً حيال كيفية بناء مستقبل للشعب السوري خالٍ من الحروب ومن التطرف ومن داعش. هو وأنا جنديان سابقان وعدوان سابقان. وقد سألته صراحةً: لماذا لم نعد عدوين وكان ردّهُ أنه يرغب في الانعتاق من الماضي وفي السعي النبيل لأجل شعبه وبلده، وفي أن يكون حليفاً رائعاً للولايات المتحدة الأميركية. اليوم سيلتقي بالرئيس ترامب وسينضمّ رسمياً إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش”.
برّاك يدعو لإلغاء قانون قيصر
وفي إشارة إلى استمرار الحراك حتى من داخل الإدارة الأميركية للدفع نحو إلغاء القانون، قال المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك، الذي حضر لقاءات الشرع في واشنطن بما في ذلك اللقاء الموسع مع الجالية السورية، في تدوينة مطولة نشرها أمس الخميس عبر منصة إكس، تناول فيها زيارة الشرع إلى واشنطن وما تخللها، إن “الخطوة التالية على طريق إعطاء سورية “فرصة حقيقية” هي الإلغاء الكامل لقانون قيصر. وإنّنا ندعو الكونغرس ونحثه على اتخاذ هذه الخطوة التاريخية. لقد قطعنا شوطاً كبيراً، لكننا بحاجة الآن لدفعة قوية أخيرة لتمكين الحكومة السورية الجديدة من إعادة تدوير عجلتها الاقتصاديّة ومنح الشعب السوري وجيرانه في المنطقة القدرة ليس على البقاء على قيد الحياة فحسب، بل والازدهار أيضاً”.
كما أعلن مدير الشؤون السياسية في منظمة المجلس السوري الأميركي، ليل الأربعاء الخميس، أن فريد المذهان والمعروف بـ “قيصر”، وهو المصور الذي سرّب آلاف الصور لقتلى سوريين في سجون النظام البائد وبسببها فُرض القانون، “سيعودُ لواشنطن الأسبوع المقبل للإدلاءِ بشهادته أمام الكونغرس الأميركي وليناشدَ أحرار أميركا إنسانيّاً وأخلاقياً للوقوف مُجدداً مع الشعب السوري، مُطالباً بإلغاء قانون قيصر بعد أن زال السبب بزوال آلة القتل والتدمير الأسدية”. وأمِل غانم “أن يساعدَ وجود السيد المذهان (قيصر) في واشنطن على تحقيق هدفنا المتمثّل في إلغاء القانون”، وفق ما جاء في منشور له على “فيسبوك”، قال فيه إن “عُقدةُ إلغاء قانون قيصر ما زالت بحاجة للفكّ فنحنُ مضطرّونَ للاستمرار في العمل”.
وفي السياق، قالت المنظمة السورية للطوارئ (SETF) (غير حكومية) إن جلسة استماع وصفتها بـ “بالغة الأهمية”، ستعقد في العشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الحالي في الكونغرس الأميركي حول إلغاء قانون “قيصر”، سيشارك فيها كبير حاخامات الجالية اليهودية السورية، الحاخام يوسف حمرا، في أول شهادة له أمام الكونغرس، إلى جانب فريد المذهان، والناشطة السورية الأميركية ميرنا برق. ولا تزال المنظمات السورية تضغط من أجل إقناع مشرعين أميركيين يرفضون حتى اللحظة إلغاء هذا القانون وأبرزهم ماست.
ومددت وزارتا الخزانة والتجارة الأميركيتان الاثنين الماضي، تعليق تطبيق عقوبات قانون قيصر جزئياً لمدة 180 يوماً. وكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في منشور على “إكس”، أن قرار تعليق العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر يندرج ضمن رؤية إدارة ترامب لتعزيز “الاستقرار والسلام في المنطقة”، ولدعم مساعي الحكومة السورية لإعادة تنشيط اقتصاد البلاد بعد سنوات من الحرب.
ومن دون إلغاء هذا القانون الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2020 وفرض على النظام السابق بسبب ارتكابه فظائع بحق السوريين أثبتتها صور المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب في السجون، لن تُفتح الأبواب أمام الاستثمارات ولن تبدأ عمليات إعمار البلاد التي تعاني من أزمات اقتصادية لها الدور البارز في عدم الاستقرار الأمني والذي هدد أكثر من مرة السلم الأهلي في الصميم. وبموجب القانون فإنّ الولايات المتحدة ملزمة بفرض عقوبات أيضاً على أي جهة أجنبية تتعاون مع الحكومة السورية في القطاعات الخاضعة للعقوبات، وهي القطاعات الحيوية في الحياة السورية، ما يعني تكبيل قدرة الحكومة السورية على النهوض بالاقتصاد وإعادة البناء.
أهمية إلغاء قانون قيصر
ويعوّل السوريون على جهود المنظمات السورية في الولايات المتحدة من أجل إلغاء هذا القانون وحل هذا الملف الشائك، فـ “إلغاء قانون قيصر خطوة إضافية على طريق تحرير الدولة السورية من قيود الدولة المارقة التي تم وصمها بها بسبب سياسات نظام المجرم الهارب ووالده من قبله”، وفق القانوني والسياسي محمد صبرا. وقال صبرا لـ”العربي الجديد” إن التخلص من هذا القانون يعيد الاعتبار لسورية دولة طبيعية فاعلة في شبكة العلاقات الدولية في العالم. وأشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب “ألغت سلسلة من العقوبات السياسية والديبلوماسية التي فرضت على سورية بموجب قانون الطوارئ الأميركية منذ عام 1979، وما تلاها من نظام عقوبات متكررة على المستويين السياسي والديبلوماسي”. وبرأيه فإن قانون قيصر هو المستوى الأخير في هذه العقوبات وإلغاؤه سيمكّن سورية من استعادة موقعها الدولي والتخلص من عبء المرحلة السابقة بكل آثارها السلبية على المواطن السوري أولا وعلى الدولة باعتبارها شخصا من أشخاص القانون العام الدولي. وبيّن أن إلغاء القانون المذكور “سيتيح للقيادة السورية في المرحلة الانتقالية القدرة على التحرك في المسرح الدولي بحرية أكثر ووفق قاعدة حماية المصالح السورية الخارجية، وسيتيح لها نسج شبكة جديدة من العلاقات والتحالفات التي تسهم في تثبيت الاستقرار الداخلي الأمني والسياسي والاقتصادي”.
من جهته، أوضح الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء قانون قيصر بشكل نهائي “سيكون خطوة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية عميقة بالنسبة لسورية”، مضيفاً أن “هذا القانون مثّل الإطار الأوسع للعقوبات الأميركية على النظام البائد وكل من يتعامل معه اقتصادياً، بما في ذلك الشركات والأفراد من دول أخرى. بالتالي، فإن رفعه نهائياً سيغيّر بيئة التعامل الاقتصادي مع سورية بصورة رئيسية”. وفصّل بالقول إنه من الناحية الاقتصادية، إلغاء القانون يعني انفراجا جزئيا في بيئة الاستثمار: الشركات الإقليمية – ولا سيما من لبنان، الأردن، العراق والإمارات – والدولية ستجد مساحة أوسع للدخول إلى السوق السورية من دون الخوف من العقوبات الثانوية الأميركية. وأوضح أن الإلغاء يعني أيضاً تحسنا محتملا في حركة التجارة والطاقة: قد تستأنف مشاريع مثل خط الغاز العربي، ويحفز دخول شركات الطاقة ما يخفف الضغط على الاقتصاد السوري ويزيد موارد الدولة من العملات الأجنبية. وأشار إلى أن تفكيك القانون المذكور يعني “تراجع حدة العزلة المالية: المصارف وشركات التحويل ستعيد النظر في سياساتها المتشددة تجاه التعاملات السورية، ما يسهل التحويلات الخارجية ويعزز النشاط التجاري”. وأوضح أن إلغاء القانون يدفع باتجاه “تحفيز إعادة الإعمار”، مضيفاً أن غياب الردع القانوني الأميركي سيفتح الباب أمام استثمارات واسعة في البنية التحتية والإسكان، خاصة من دول تربطها بسورية مصالح مباشرة مثل السعودية وتركيا. وبرأيه فإن تطور القطاعات الاقتصادية سينعكس على جميع القطاعات الصناعية.
العربي الجديد
—————————
تضارب المشاريع والكذبة الكبرى/ أحمد نظير أتاسي
اصبح من الواضح الان المشروع الذي جاء بالجولاني الى الحكم والمشاريع المتضاربة التي يجب عليه ان ينفذها في المستقبل.
كما قال ترامب فان مشروع احلال الجولاني محل الاسد كان مشروعا اسرائيليا تركيا. اليوم تسيطر تركيا على وزارة الدفاع ومجموعة الفصائل التي تنضوي تحتها. تحاول تركيا الحيلولة دون وصول قسد الي مرحلة الحكم الذاتي. لكنها اذا فشلت، وهي ستفشل، ستقوم بالسيطرة على حلب ليس فقط كجائزة ترضية بل كمنافس لشرق الفرات الكردي. الجولاني يتلقى تعليمات تركيا عبر وزير الخارجية فيدان، واليوم عبر السفير التركي في دمشق.
اسرائيل تريد السيطرة على درعا والسويداء، ولذلك قامت قوات الجولاني باطلاق حملة ابادة وفصل ديني في المنطقة وألصقت التهمة بالطائفة السنية الغبية (عبر فزعة العشائر) بشكل عام حتى يقتنع الدروز بأنه لا مفر من التقسيم. وتريد اسرائيل ربط منطقتها الجنوبية بمنطقة قسد عبر الصحراء، وهذا مشروع قيد التنفيذ لكن يبدو ان المسؤول عن ذلك هي وزارة الداخلية. الشرع يتلقى تعليمات اسرائيل عبر وسيط غير واضح بالنسبة لي حاليا (ربما عبر الرئاسة الامريكية).
الولايات المتحدة (المؤسسة العسكرية) تريد منطقة نفوذ في شرق الفرات تحت قيادة قسد. وتريد قواعد عسكرية لتوازن روسيا وربما لتوازن اسرائيل التوسعية، ولذلك اختارت المطار جنوب دمشق (هناك تقاطع مع مشروع اسرائيل في الصحراء). يتلقى الجولاني تعليمات امريكا من رئيس الاركان المركزية ديفيد كوبر الذي زار دمشق والذي لعب معه الجولاني كرة السلة وقابله قبل ان يذهب الى البيت الابيض.
الولايات المتحدة (مؤسسة الرئاسة) تنفذ مشروع من يدفع اكثر، وهو هنا قطر والسعودية. وهذا المشروع يريد انتاج مؤسسة رئاسة مسيطرة وديكتاتورية في سوريا تخضع للرغبات الخليجية والاموال الخليجية وتوافق لاحقا على مخطط التطبيع الكامل مع اسرائيل. ولا نزال لا نعرف دور سوريا في هذا المشروع. لكن مشروع الرئاسة قد يتعارض مع مشروع المؤسسة العسكرية ولذلك كانت هناك مقابلتان منفصلتان في امريكا. يقوم طرامب في هذا المشروع باعادة تأهيل الارهابي الجولاني ليصبح ديكتاتورا عاديا فرفع عنه عقوبات الرئاسة وعقوبات الامم المتحدة، لكنه لم يستطيع رفع عقوبات المؤسسة العسكرية المتمثلة بقانون قيصر. الذي ينقل تعليمات الرئاسة للجولاني هو توماس براك سفير طرامب في تركيا. ولذلك نجده حاضرا في كل الاجتماعات ويعطيه تعليمات كيف يتفاوض مع قسد لكنها غالبا تفشل لانه لا يوجد تنسيق بين الرئاسة والجيش.
روسيا تريد من الجولاني قاعدة عسكرية على البحر المتوسط. اسرائيل موافقة على كون روسيا وسيطة مع الجولاني في سوريا، وتركيا تبدو ايضا موافقة لان روسيا قد تمد الجولاني بالسلاح والنفط. اما المؤسسة العسكرية الامريكية فتبدو متحفظة من وجود الروس والظاهر انها حسمت امرها على الموافقة مقابل قاعدة عسكرية في الجنوب. وجود روسيا في الساحل يعني تقارب مع الضباط العلويين من جماعة الاسد وربما يؤدي ذلك الى فيدرالية او حكم ذاتي. البداية كانت مضطربة وأدى ذلك الى حملة ابادة في الساحل كذلك ألصقها الجولاني بالطائفة السنية الغبية من خلال الفزعة. لا نعرف من هو وسيط روسيا في سوريا مع الجولاني (زار الجولاني البطريرك الارثوذكسي بعد زيارة روسيا، لكن البطريرك مجرد حلقة درجة عاشرة). الامر احتاج الى مقابلة مع بوتين عامله فيها بوتين كولد عميل عند الامريكان.
الكذبة الكبرى على شقين:
الاول هي اعادة تأهيل الجولاني. وهذا قد يكون ممكن عالميا من خلال تخفيف او رفع بعض العقوبات. لكن هذا غير ممكن مع المستثمرين ومع الداخل السوري، فالجولاني وجماعته حالة من الغباء والجهل والتوحش ميؤوس منها.
الثانية هي اعادة بناء سوريا كبلد وكدولة وهذا مستحيل. جماعة الجولاني عصابة جاهلة وغير مؤهلة ولا تعرف الا امارة صغيرة دون بيروقراطية. والحالة السورية مدمرة بالكامل من ناحية القوانين والمؤسسات والخبرات والبنية التحتية وتراكم رأس المال والاعراف المعمول بها.
هذه الكذبة هي التي تجعل من كل المشاريع السابقة الذكر فاشلة، مع احترامي للمخططين، لان كل هذه المشاريع تفترض دولة سورية مركزية ضعيفة لكن قادرة على تحقيق الحد الادنى من البنيات التحتية لتحقيق المشاريع. هذه الدولة غير موجودة ولا يمكن ان توجد مع جماعة الجولاني.
ستتورط السعودية وقطر وربما البنك الدولي بالاستثمارات، وسيتم سرقتها. ستتورط روسيا (وتركيا) بالدعم العسكري لوزارة الدفاع وستتحول الى فصائل جهادية متناحرة وارهابية. ستتورط اسرائيل في معركة الى جانب قسد ضد تركيا والجولاني لا يربح فيها احد (يحاولون اليوم تفادي هذه المعركة). وستتورط امريكا مع جماعة قسد العصابة التي تشبه تماما عصابة الجولاني. وبعد عشرين سنة تشبه سنوات افغانستان سيقر الجميع بان المشروع كان فاشلا وسينسحبون بعد مزيد من الدمار تاركين سوريا لعصابة جهادية مثل الطالبان.
ما يحدث هذه الايام ان السوريين يسارعون الى تطبيق هذه المشاريع دون ان يعرفوا ذلك، تماما كما سارعوا الى تطبيق سايكس بيكو خلال الحرب العالمية الاولى بتعاونهم مع الشريف حسين وابنه فيصل دون ان يعرفوا ذلك.
الفيس بوك
انضمام سوريا إلى التحالف.. تكلفة الانتقال من “مسرح عمليات” إلى مشارك في الحرب/ محمد سليمان
14 نوفمبر 2025
لم يكن قرار توقيع سوريا على إعلان الشراكة مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، في واشنطن، مجرّد حدث دبلوماسي عابر بل هو نقطة تحوّل تاريخية تعيد رسم موقع دمشق على خريطة الأمن الدولي بعد أكثر من عقدٍ من الصراع والتجاذبات، لتكون دمشق، وللمرة الأولى منذ سنوات، في موقع الطرف المشارك لا الطرف المُستهدف داخل معادلة «مكافحة الإرهاب»، ما يعني بداية تحوّل في النظرة الدولية إلى سوريا ودورها.
وفي النظر إلى البيان الرسمي للتحالف، يظهر أن الاتفاق يشكّل إعلان تعاون سياسي وأمني تمهيدي، يفتح الباب أمام دعم تدريبي ولوجستي واستخباراتي لسوريا في مواجهة خلايا «داعش» التي ما تزال نشطة في البادية ومناطق حدودية. هذا الدعم، وإن كان تدريجيًا، يشكّل انتقالًا من مرحلة المراقبة الدولية لسوريا إلى مرحلة الشراكة المدروسة.
وفقا للكاتب علاء الدين الحسن، فإن دمشق كانت في فترة سابقة ملجًأ لعدد من الفصائل الجهادية، خصوصًا في سياق المواجهات مع القوات الأميركية في العراق، إلا أن هذا الاتفاق يظهر تحولًا لافتًا في الموقف السوري. ففي نظره، يُعد التوقيع رسالة واضحة من السلطة السورية حول تغيير نهجها في التعامل مع المجموعات الجهادية، بما يتماشى مع الضغوطات الغربية والسعي لتحقيق استقرار داخلي وأمني.
على الصعيد الاستراتيجي، يرى حسن أن هذا التوقيع يأتي في إطار إعادة تعريف دور سوريا في الشرق الأوسط الجديد، الذي سعت الولايات المتحدة لرسمه بعد حربها على الإرهاب. من هذا المنطلق، تعتبر سوريا، كما يضيف، “الحجر الأساس” في المشروع الأميركي للمنطقة. و”يتطلب ذلك أولًا إعادة هيكلة بنية سوريا الأمنية والعسكرية، بحيث تصبح قوة مساعدة في مكافحة الإرهاب بدلًا من كونها مصدرًا له”.
وبالتالي، يتطلب هذا التوقيع خطوة أبعد من مجرد الموافقة على قوانين مكافحة الإرهاب، ويحتاج إلى استراتيجية شاملة تمتد إلى تغيير جذري في السياسة الداخلية والخارجية السورية. وهذا يشمل تكثيف التنسيق مع التحالف الدولي، وتغيير البنى التي تنتج الحركات الجهادية وتصديرها، وفي الوقت نفسه تحجيم النفوذ الإيراني الذي يُعتبر أحد المحركات الأساسية التي تُسهم في استمرار “الجهادية” في المنطقة.
وفي ختام حديثه يرى الحسن أن توقيع سوريا على الاتفاق بشأن محاربة الإرهاب يحمل أبعادًا استراتيجية كبيرة، ويعكس تحولًا جوهريًا في السياسة السورية الذي، إن لم يترافق مع تغيير شامل في تعاملها مع القوى الإقليمية والمحلية، فقد يبقى خطوة فارغة من المضمون.
بدوره يرى المحلل السياسي حسام طالب أن الحديث عن انضمام سوريا إلى أي إطار دولي معنيّ بمكافحة الإرهاب، ولا سيما التحالف الدولي ضد داعش، يشير إلى تحوّل مهم في مقاربة المجتمع الدولي للدور السوري في الإقليم. هذه الخطوة، وإن كانت في طورها الأولي، تعكس اعترافًا ضمنيًا بضرورة إشراك الدولة السورية في الملفات الأمنية الكبرى، وتحديدًا ملف مكافحة التنظيمات المتطرفة الذي يتجاوز الحدود السورية ويتداخل مع الأمن الإقليمي والدولي.
ويتابع: لا يمكن توصيف ما يجري بأنه شراكة مكتملة الأركان بعد، لكنه مدخل سياسي وأمني يُعيد صياغة موقع سوريا في معادلة الأمن الدولي. ففتح الباب أمام التعاون مع دمشق يحمل دلالات تتعلق بإعادة النظر في سياسات العزل السابقة، خصوصًا مع تزايد إدراك القوى الدولية بأن الاستقرار في سوريا عنصر حاسم في استقرار المنطقة ككل.
من ناحية أخرى، “يتيح هذا المسار لسوريا الاستفادة من دعم أمني ولوجستي وتدريبي، الأمر الذي من شأنه تعزيز قدراتها في مواجهة الإرهاب داخل أراضيها ومنع إعادة تدوير الجماعات المتطرفة. كما يحمل بُعدًا رمزيًا مهمًا، يتمثل في انتقال سوريا من موقع يُنظر إليه كساحة صراع وتصفية حسابات إلى فاعل معترف بدوره في هندسة البيئة الأمنية الإقليمية”.
دور سوريا الجديد: مواجهة الإرهاب من الداخل
هذا التغيير يضع على عاتق الدولة السورية مسؤولية الانتقال من «مسرح عمليات» إلى «محور مكافحة». والرهان هنا ليس فقط على القدرات الأمنية، بل على قدرة دمشق على إعادة تمكين مؤسسات الدولة، تعزيز ضبط الحدود، ومواجهة الشبكات المتطرفة التي تلجأ إلى المناطق الرخوة لإعادة إنتاج نفسها.
في لحظة مفصلية كهذه، يتقدّم سؤالٌ محوري: هل تستطيع سوريا استثمار هذه اللحظة في بناء منظومة أمنية حديثة وفاعلة؟
الإجابة مرهونة بقدرتها على تنفيذ تعهداتها ميدانيًا، وإظهار نتائج ملموسة.
الترا سوريا
—————————–
تقارب ترامب- الشرع: مخاوف إسرائيلية من “تنازلات استراتيجية”
الجمعة 2025/11/14
تسود في إسرائيل مخاوف من التقارب بين واشنطن ودمشق، قد يدفع الدولة العبرية إلى تقديم “تنازلات استراتيجية”، بحسب ما ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في تقرير لها اليوم الجمعة.
وإذ أشارت الصحيفة إلى مواصلة قوات الجيش الإسرائيلي أعمال ترميم وتحصين مواقع عسكرية سيطر عليها في نهاية العام الماضي على قمة جبل الشيخ السورية، لفتت إلى أن التقارب، الذي جاء بعد اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع، قد يدفع تل أبيب إلى قبول ترتيبات ميدانية لا ترغب بها، خصوصاً ما يتعلق بالوجود العسكري في قمة جبل الشيخ والمواقع التي تسيطر عليها في الجولان السوري.
اتصالات إسرائيلية- سورية بلا نتائج
ووفقاً للصحيفة، فإن اتصالات لم تُفضِ إلى نتائج، جرت خلال الأشهر الماضية بين ممثلين عن حكومة بنيامين نتنياهو وجهات سورية، بهدف بلورة تفاهمات جديدة لوقف إطلاق النار في الجولان، بديلاً عن اتفاق فض الاشتباك الذي تم التوصل إليه عام 1974 وصمد إلى أن تنصلّت منه إسرائيل بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد. علماً أن النقاش لا يدور حول اتفاق سلام أو تطبيع، بل حول “تهدئة جديدة” قد تُفرض على إسرائيل في حال قرر ترامب اعتمادها ضمن رؤيته لإدارة الملف السوري.
وتحاول الأجهزة الأمنية في إسرائيل دفع نتنياهو إلى “عدم التنازل” عن بقاء طويل الأمد في قمة جبل الشيخ السورية التي ترى أنها تمثّل موقعًا ذا أهمية إستراتيجية، بالنظر إلى قدرتها على توفير مراقبة واسعة باتجاه الشمال، ومتابعة “حركة التهريب” بين سورية ولبنان، خصوصًا تلك المرتبطة بحزب الله.
إسرائيل تدرس الانسحاب من بعض المواقع
ويحتفظ الجيش الإسرائيلي بثمانية مواقع إضافية داخل الجولان السوري، تقع على مسافة بضعة كيلومترات من الخط الحدودي مع الجولان المحتل منذ عام 1967، بمحاذاة عشرات القرى السورية في منطقة حوران. وادعت الصحيفة أن الاحتكاك بين الجنود والسكان المحليين بقي محدوداً، “باستثناء حوادث فردية رفض خلالها بعض الأهالي، ممن كان لهم ارتباط سابق بتنظيمات مسلحة، تسليم أسلحتهم”.
وبحسب التقرير، تدرس إسرائيل إمكانية الانسحاب من بعض المواقع داخل الجولان السوري، مقابل تفاهم يضمن لها حرية العمل ضد “تهديدات محتملة أو ناشئة”، خصوصاً في المناطق التي سعت إيران وحزب الله إلى ترسيخ حضور عسكري فيها خلال السنوات الماضية. إلا أن قمة جبل الشيخ تبقى، وفق تصريحات سابقة لوزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من المواقع التي لا ترغب تل أبيب بالتخلي عنها، رغم أن القرار النهائي سيُتخذ، وفق الصحيفة، في واشنطن وأنقرة، لا في تل أبيب وحدها.
على صعيد متصل، تعرب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن قلقها من التقارب المتزايد بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي يلعب، بحسب التقديرات في تل أبيب، دوراً محورياً في فتح قنوات الاتصال بين الشرع والولايات المتحدة.
استغراب إسرائيلي
ونقلت الصحيفة استغراب ضباط في الجيش الإسرائيلي من “حفاوة الاستقبال” التي حظي بها الشرع في البيت الأبيض، حيث قال مسؤول عسكري: “لم يحدث قطّ أن قوبل قائدُ تنظيم إرهابي بهذه الطريقة كطرف شرعي في البيت الأبيض، ولم يسبق أن لعب كرة السلة كصديق قديم مع جنرال أميركي”، في إشارة إلى ما تعتبره إسرائيل “تحولاً مقلِقاً” في طريقة التعامل الأميركية مع القيادة السورية الجديدة.
ويواصل الجيش الإسرائيلي استهداف ما تبقى من المعدات العسكرية الثقيلة التي خلّفها جيش النظام البائد في سوريا، ولفتت الصحيفة إلى تقديرات تفيد بأن الجيش الجديد الذي يعمل الشرع على بنائه لن يكون شبيهاً بالجيوش العربية التقليدية، بل سيعتمد على تشكيلات مرنة وخفيفة. وتوضح كذلك أن قوات الشرع تنشط شمال دمشق باتجاه إعادة السيطرة على البلاد، بينما ينخفض التركيز على الجنوب المحاذي لإسرائيل.
وعلى صلة، التقى قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الجنرال براد كوبر، الشرع في دمشق قبل نحو ثلاثة أشهر، في لقاء أثار اهتماماً كبيراً داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بسبب العلاقة القريبة بين كوبر والمنظومة الأمنية في تل أبيب. واعتبرت الأوساط الأمنية في تل أبيب حضور زوجة كوبر اللقاء يعد إشارة سياسية تعكس رغبة واشنطن بتطوير العلاقة مع دمشق، رغم استمرار رغبتها المعلنة بالانسحاب من العراق وسوريا.
براغماتية الشرع
وتحذّر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من أن الشرع يبدي “براغماتية” في مواقفه العلنية، لكن يحيط به، بحسب التقديرات الإسرائيلية، أشخاص يحملون مواقف عدائية تجاه إسرائيل، ما يجعل مستقبل العلاقة معه “غير محسوم”.
وفي الساحة اللبنانية، تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد لعملية هجومية محدودة ضد حزب الله، قد تشمل ضربات جوية تستهدف منشآت إنتاج السلاح في البقاع وبيروت.
وتدعي تل أبيب أن هذه المواقع تُخفى عادة داخل مبانٍ مدنية أو تحت الأرض، وتستخدم لتحويل الصواريخ الثقيلة “غير الدقيقة” إلى صواريخ موجهة عبر تعديل رؤوسها الحربية.
وتقدّر إسرائيل أن حزب الله يمتلك عشرات آلاف الصواريخ التقليدية وعدة آلاف من الصواريخ الدقيقة، إضافة إلى قدرات تصنيع واسعة للطائرات المسيّرة الهجومية. كما تفيد التقديرات الأمنية بأن قوة “الرضوان” عادت تدريجياً إلى مناطق قريبة من الحدود، خلافاً لما يفترضه اتفاق وقف إطلاق النار.
وترى تل أبيب أن الرهان على قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ قرار حكومته بتفكيك سلاح حزب الله لم يثمر نتائج ملموسة، وقال مسؤولون عسكريون قولهم: “في مقابل كل منصة صواريخ يصادرها الجيش اللبناني من حزب الله، هناك منصة صواريخ يتم نصبها في البقاع”.
——————————-
سوريا.. “تكفير” الدولة لمشاركتها بالتحالف “الصليبي” ضد داعش.. طرح يشعل جدلا وردود رجال دين وأكاديميين
نشر الجمعة، 14 نوفمبر / تشرين الثاني 2025
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)—أشعلت تدوينات تداولها حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تهاجم الدولة السورية وتوجه لها انتقادات تصل إلى “التكفير” فيما يتعلق بقضية الانضمام للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما يُعرف بـ”داعش”.
وتهافتت الردود من قبل رجال دين وأكاديميين على هذا الطرح، حيث نشر رجل الدين الكويتي، المعتقل سابقا في سجن غوانتانامو، فايز الكندري، مقطع فيديو يرد فيه على ذلك، واصفا هؤلاء “التكفيريين” الذين يبثون تدويناتهم من أوروبا بأنهم أيضا خارجون عن الإسلام “لأن الدول الأوروبية والدول الغربية والولايات المتحدة تفرض ضرائب على المواطنين والمقيمين ثم تصرف هذه الضرائب ضمن موازناتها العامة التي تشمل وزارة الدفاع، إذ هو (التكفيري) يموّل الترسانة العسكرية التي تقتل المسلمين، وعليه إذا أخذنا برأي هذا التكفيري فإنه أيضا خارج عن ملة الإسلام..”
وعقّب المحيسني وهو رجل دين سوري على كلام الكندري بتدوينة قال فيها: “فضيلة الشيخ: فايز الكندري من المشايخ الفضلاء الذين جمع الله لهم بين الرواية، والدراية، والعلم، والتجربة.. أمضى جزءً كبيراً من عمره في معتقلات غوانتانامو.. يسجل رسالة لمجاهدي الشام ولعلمة الأمة ويؤصل مسألة دخول الدولة السورية في التحالف.. تأصيلاً مفصلاً جمع فيه الحجج العقلية والنقلية وناقش رواية المخالفين وسرد أقوال الأئمة المتقدمين.. في الدقيقة 2،20 حوار عقلي مع أحد من كفر الدولة السورية.. ثم حديث مهم عن توصيف الواقع في سوريا.. ثم القياس والقواعد الأصولية.. وفي الدقيقة 9،20 سرد أقوال أئمة السلف.. ثم تأصيل جميل عن فقه الضرورات.. ثم في الدقيقة 21 تحدث عن الباب الذي أُتي منه الخوارج”.
ودخل الأكاديمي السعودي، عبدالله الجديع على خط الجدال مستشهدا بإحدى التدوينات التي “تكفر” المشاركة في التحالف ضد داعش، منشورة العام 2014، قائلا بتعليق: “من العجائب أن يَذكر شخصٌ سجنَ آخر في سياق الثناء العلمي، مع أن الأصل فيمن خرج من سجن مريع كغوانتنامو أنه محتاج لتقييم نفسي وعقلي، بل وإعادة تأهيل وإدماج في المجتمع، فهو قد أمضى سنوات في سجن لا جامعة ولا مكتبة، لكن كثيرا من هؤلاء قد اضطربت المفاهيم لديهم، كما اضطربت آراؤهم مؤخرًا وبدت أقلامهم مرتجفة وهي تواجه سيلًا من تأصيلاتهم القديمة التي تنقض على ما انتهوا إليه! في تقديري، هذه الجماعات بحاجة إلى سكون ومراجعات فكرية جادة، يعقبها اعتراف صريح بأخطاء الماضي واعتذار عنها، لا محاولة التوفيق بين المتناقضات”.
ويذكر أن السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، قال عن لقاء الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وزيارته للبيت الأبيض التي رافقه فيها الأسبوع الماضي، في بيان: “شهدنا في المكتب البيضاوي التزام الرئيس الشرع تجاه الرئيس ترامب بالانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش، والذي يُمثل إطارًا تاريخيًا يُمثل انتقال سوريا من مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب – التزامًا بإعادة الإعمار والتعاون والمساهمة في استقرار المنطقة بأكملها.. ستساعدنا دمشق الآن بنشاط في مواجهة وتفكيك فلول داعش، والحرس الثوري الإيراني، وحماس، وحزب الله، وغيرها من الشبكات الإرهابية، وستكون شريكًا ملتزمًا في الجهود العالمية الرامية إلى إرساء السلام”.
————————–
==================
تحديث 13 تشرين الثاني 2025
——————————-
أحمد الشرع في واشنطن: الرئيس القوي يغير موقع سوريا جذرياً/ منير الربيع
الأربعاء 2025/11/12
في كل زيارة يجريها، أو فعالية يحضرها، يتحول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نجم للحدث. كان نجماً في الجمعية العامة للامم المتحدة، وكذلك في قمة المناخ في البرازيل، وصولاً إلى زيارته لواشنطن ودخوله إلى البيت الأبيض، ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. في اتصالات مع شخصيات التقاها الشرع في واشنطن، تبدو الانطباعات عنه إيجابية، وكثيرة التفاؤل. يبدو كأن هناك رهاناً عليه وعلى دوره وموقعه في سوريا ودورها وموقعها مستقبلاً. وفق ما يقول أحد المسؤولين في واشنطن، فإن الانطباعات التي خرج بها تشير إلى أن الشرع “لم يأت من فراغ؛ بل يعمل على تحضير نفسه منذ زمن، يمتلك إلماماً بكل الملفات، سياسياً، أمنياً وحتى على مستوى العلاقات الدولية”. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصفه بصاحب الكاريزما، والذي يمتلك رؤية واضحة. وهو ما أكده مسؤولون آخرون في صندوق النقد الدولي، اعتبروا أن الرجل يمسك بزمام أموره، لا يحاول أن يكون في موقع الذي يبرر تجربته أو تاريخه، ولا يحمّل المسؤولية للمشاكل التي ورثها أو ورثتها سوريا؛ بل يركز في تطلعاته نحو المستقبل. في تقييم الأميركيين أيضاً، فإن التجربة الدولية الأولى للشرع كانت محط اهتمام، بناء على الأفكار التي طرحها والطموحات التي عبر عنها، ويعتبر أن ثمة فرصاً لا تتكرر في التاريخ، فيعلن بوضوح استعداده لانتهاز هذه الفرصة.
وفق الانطباعات أيضاً، يُظهر أحمد الشرع لياقة، وقوة شخصية مع ثقة بالنفس، ويترك انطباعاً عبّر عنه ترامب بنفسه؛ إذ وصفه بصاحب القرار، الشجاع، القوي والذي لديه تاريخ قوي، ويعرف ما الذي يريده. وهذا ما يفترض أن يتكرس في العلاقة مع الداخل السوري ومع كل الجماعات والمكونات في سوريا؛ إذ أن الإنجازات التي يسعى إلى تحقيقها في الخارج، لا بد أن يُعمَل على تحقيقها في الداخل عبر تكريس المصالحات وإعادة توحيد البلاد وإشراك كل المكونات في العملية السياسية. يبدو الشرع ملتزماً التزاماً عميقاً بفكرة نبذ الحرب وانتهاج الديبلوماسية، وذلك ما يؤسس إلى إطالة أمد سلطته لما بعد المرحلة الانتقالية، التي ستكون بالنسبة إليه محطة تأسيسية أو ابتدائية للمرحلة المقبلة التي يريد فيها تحقيق مشروعه.
لزيارة الشرع إلى واشنطن رمزية أساسية؛ إذ يمكن من خلالها الاعتبار أن رحلة الإسلام الجهادي العابر للحدود قد انتهت، ويريد أحمد الشرع أن يطوي صفحاتها بنفسه، عبر انفتاحه على الغرب وإعلانه الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش، والتي استبقها بعمليات أمنية وعسكرية في سوريا ضد خلايا التنظيم. هذا النموذج الجهادي الذي أصاب الولايات المتحدة يوم 11 أيلول 2001، وشنّت بنتيجته حروب على المنطقة والعالم، يريد أحمد الشرع أن يقلبه بدخوله مسالماً إلى البيت الأبيض، في مرحلة تاريخية ترتبط بما يعتبره البعض الدخول في حقبة جديدة، وهي نهاية القتال المسلح أو عصر الجهاد والمقاومات. وهو ما يسعى بواسطته الشرع لتحويل سوريا من ساحة قتال، إلى ساحة لإنتاج الغذاء والزراعة والصناعة، وواحة للأمن، ومساحة للنقل بين دول المنطقة، لأن ذلك يستحيل أن يتحقق من دون شراكات مع الدول الأخرى.
تزامن دخول أحمد الشرع إلى البيت الأبيض مع لحظة وصول أول مسلم لمنصب عمدة نيويورك، في محاولة لإعادة تشكيل صورة إسلام سياسي جديد، يبدأ بالمصالحة مع العصر، والغرب بالتحديد. بهذا المعنى، لم تكن فقط، زيارة أول رئيس سوري إلى البيت الأبيض، لكنها زيارة لها رمزية بالنسبة للشرع كقائد إسلامي يرمز إلى التحول الكبير المبتدئ من باكستان وأفغانستان، وصولاً إلى آخر معاقل الحركات الإسلامية. فحتى حركة حماس بدأت تبحث جدياً في ما بعد إلقاء السلاح، وكيفية العمل على إعادة تنظيم نفسها سياسياً، وتأطير هذا التنظيم في كوكبة التحولات الإقليمية والدولية، وهي التي نجحت بانتزاع تواصل أميركي مباشر معها، من قبل فريق عمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وذلك أيضاً ما يجري فرضه على حزب الله بالمعاني السياسية، العسكرية، والمالية. وليس مصادفةً أن تقيم الولايات المتحدة الأميركية قاعدة عسكرية على شواطئ غزة، ستكون عملياً ضابطاً لإسرائيل ومنع مشروع التهجير، وهو ما يُطرح أيضاً بالنسبة إلى لبنان، أو سوريا التي تريد واشنطن إقامة قواعد فيها.
أيضاً، هذه الزيارة تعبر عن انتقال من الإيديولوجيا إلى الاقتصاد. ومن التكفير والهجرة، إلى بناء الدولة. وهو ما يؤكده الشرع باستمرار عندما يتحدث بإصرار على إعادة بناء الدولة السورية وفتحها أمام الاستثمارات الخارجية. إنه الانتقال من القتال إلى الإعمار. من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة الأميركية انتقلت بدورها من التحالف الضمني مع ما يُعرف بالأقليات أو التقاطع على مدى سنوات مع “الإسلام الشيعي” منذ الدخول إلى أفغانستان والعراق وحتى في حقبة أوباما في سوريا، إلى بناء شراكة وحوار مع المجتمعات والدول العربية والإسلامية ذات الأكثرية السنية، مع ما يعنيه ذلك من تقويض للنفوذ الإيراني، وإنهاء ما كان يسمى بـ”الهلال الشيعي”.
بما يخص سوريا نفسها، تدشن الزيارة لأول مرة منذ الخمسينيات، تحالفاً سورياً مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، كانقلاب استراتيجي، يُكمل حلقة النفوذ الأميركي والأطلسي من بحر العرب إلى مضيق البوسفور، لا سيما أن مرتكزات الاستراتيجية الأميركية في هذه المرحلة تقوم على التكامل في التحالف مع دول الخليج ولا سيما المملكة العربية السعودية، وتركيا وسوريا. وبذلك، فبدلاً من أن تكون سوريا أرضاً وجسراً، مقراً وممراً لمشروع إيران أو مشروع الممانعة، عادت صلة وصل بين أوروبا والجزيرة العربية وبين المتوسط وحدود إيران. وبدلاً من أن تكون سوريا حاجزاً باتت هي مفتاح الطريق بين قلب آسيا وحوض المتوسط. لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية تجيير كل هذا الانفتاح على الخارج أو الانفتاح الدولي على سوريا، لمصلحة الشعب السوري بمختلف مكوناته.
تفتح هذه الزيارة الباب أمام عهد سياسي جديد في سوريا، سيكون له انعكاسات على ثقافتها ومناهجها التعليمية، اقتصادها، دورها على مستوى المنطقة، أمنها، وعلاقاتها مع كل دول الجوار. وإذا كان حافظ الأسد رئيساً عربياً قوياً بين الرؤساء العرب الأقوياء، فلأنه كان دائم الدهاء في كيفية التعامل مع الدول، فكان حليفاً وخصماً قوياً في آن. أما اليوم فإن أحمد الشرع، سيكون حليفاً وشريكاً موثوقاً، وحاجة لدول غربية وعربية في سوريا. إنها المرة الأولى ربما منذ عقود، يمكن الحديث عن بداية علاقة تكاملية بين دول المنطقة. وهو ما سيفتح أفقاً وباباً للتنافس الإيجابي مع سوريا، إن من قبل العراق، الأردن أو لبنان.
المدن
——————————-
في أهمية زيارة الشرع واشنطن/ عمر كوش
13 نوفمبر 2025
حظيت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع واشنطن باهتمام ومتابعة كبيرين، خصوصاً من قطاعاتٍ واسعةٍ من السوريين، نظراً إلى أهميتها الاستثنائية، فهي جديرةٌ بأن توصف بالتاريخية، ولا تنحصر أهميتها في أنها أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى واشنطن منذ الاستقلال، بل لأنها ترقى إلى مصافّ الحدث السياسي شديد الحساسية، ونقطة تحوّل في وجهة سورية الجيوسياسية، وفي مسار العلاقات السورية الأميركية، إذ أنهت عقوداً عديدة من التأزّم والقطيعة. وبالتالي، تُطرح أسئلة كثيرة بشأن الحيثيات والدوافع وراءها، والمكاسب التي ستجنيها سورية والولايات المتحدة منها، وماهية الفرص التي ستفتحها أمام الجانبين، فضلاً عمّا ينبغي فعله في مرحلة ما بعد الزيارة، كي تتحوّل من مجرّد استعراض رمزي إلى نافذة فعلية لإنتاج نتائج ملموسة لصالح الشعب السوري.
مهدت واشنطن للزيارة باتخاذها خطواتٍ ملموسة لإنجاحها، وضمان عدم عرقلة ما تنوي إبرامه مع سورية، وكان منها مشروع القرار الذي صوت عليه مجلس الأمن بالإيجاب عشية الزيارة، وقضى بإزالة العقوبات المفروضة على الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، وتبعته إزالة وزارة الخزانة الأميركية اسمي الرجلين من قائمة العقوبات. وسبق أن بذلت الإدارة الأميركية جهوداً من أجل دفع الكونغرس إلى إزالة قانون قيصر، بالتزامن مع نداءات وجهتها الجالية السورية الأميركية، إضافة إلى حملات قادتها غرفة التجارة الأميركية ومنظّمات إنسانية تطالب برفع العقوبات “من دون شروط”، لتمكين الشعب السوري من العودة إلى الحياة الطبيعية. وقد دفعت كل هذه الجهود الكونغرس إلى اتّخاذ خطوة حاسمة، إذ أقرّ مجلس الشيوخ تضمين قانون “تفويض الدفاع الوطني” إلغاء قانون قيصر. وبعد نهاية اللقاء بين الرئيس ترامب مع الرئيس الشرع، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية تمديد تعليق هذا القانون ستة أشهر إضافية، الأمر الذي سيشكل حافزاً لإلغائه من مجلس النواب الأميركي، ما يعني إزالة جميع العقوبات الأميركية التي أثقلت كاهل السوريين، وشلّت الاقتصاد السوري برمته.
جاءت الزيارة إلى واشنطن بعد لقاءين سابقين بين الرئيسَين، الأميركي دونالد ترامب وأحمد الشرع، أولهما في الرياض، وبترتيب إقليمي، وشكّل اعترافاً أميركياً أولياً بشرعية القيادة السورية الجديدة، وثانيهما في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي شكلت مناسبة كي يروي الشرع، في كلمته أمام جمعيتها العامة، حكاية سورية للعالم أجمع، بوصفها دولة طبيعية، تعتمد على لغة الحوار مع دول جوار الإقليمي والعالم، وتبحث عن الشراكات والمنفعة المتبادلة مع دول العالم أجمع. غير أن اللقاء الثالث جرى هذه المرّة تحت قبة البيت الأبيض، ما يعني الانتقال من مرحلة الاعتراف بالشرعية إلى مرحلة البحث عن شراكات سياسية وأمنية. وبالتالي، لم تعد الإدارة الأميركية تنظر إلى سورية بوصفها ملفاً أمنياً عليها معالجته، بل بصفتها دولة فاعلة لها دور في رسم وصياغة مستقبل المنطقة.
تفيد تصريحات ترامب، عقب الاجتماع الذي جمعه وطاقم إدارته مع الشرع والوفد المرافق له، بأن الولايات المتحدة ستبذل كل ما في وسعها من أجل أن تنجح سورية، ما يعني مساعدتها في كل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية “من أجل جعلها دولة ناجحة”. ولا يعود الأمر إلى ثقة الرئيس ترامب بالرئيس السوري فحسب، بل إلى أن الإدارة الأميركية ترى أن استقرار سورية ومعها منطقة الشرق الأوسط يضمن تحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل أيضاً.
وقد اعتبر الرئيس الشرع في تصريحاته أن زيارته تشكل بداية لعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وأن سورية بات حليفاً جيوسياسياً لها. وكشف أن المفاوضات مع إسرائيل صعبة، لكنها مستمرّة بدعم أميركي، ولم يتردّد في القول إن أي اتفاق مع إسرائيل سيتطلب انسحابها من المواقع التي احتلها بعد سقوط نظام الأسد.
يبدو أن الملف الأمني كان في صدارة أولويات اجتماع الرئيسَين، إذ بالإضافة إلى بحث الاتفاق الأمني مع إسرائيل جرى الاتفاق على انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إذ كتب وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى على منصة إكس أن سورية وقعت اتفاق تعاون سياسي مع التحالف الدولي، فيما اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، أن الحكومة السورية أضحت شريكاً “أساسياً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة والحرب على الإرهاب”.
يمكن اعتبار انضمام سورية إلى التحالف الدولي خطوة ضمن مسارٍ أوسع تسعى منه سورية إلى القطع مع ماضيها، وإعادة تثبيت موقعها فاعلاً داخل النظامَين الإقليمي والدولي، فبعد سنوات من الحرب والعزلة، تحاول سورية أن تجد لنفسها موقعاً مناسباً، مستفيدة من حاجة القوى الإقليمية إلى تثبيت الاستقرار، كي تتمكّن من إنعاش اقتصاداتها، ومن حاجة الولايات المتحدة إلى الدولة السورية شريكاً، يمكنه إدارة ملفات الأمن والمصالح على الأرض. إضافة إلى أن الانضمام السوري إلى التحالف سيؤثر على حاجة واشنطن للتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ككيان مستقلّ أو شريك مباشر خارج إطار الدولة السورية، الأمر الذي يفضي إلى إعادة تعريف الولايات المتحدة لدورها ضمن هيكلية أمنية موسّعة على الأرض السورية.
اللافت عقد اجتماع عمل موسع، ضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيريه الأميركي ماركو روبيو والتركي هاكان فيدان، “بتوجيه من ترامب”، لمتابعة ما جرى الاتفاق عليه بين الرئيسين، الأميركي والسوري، ووضع آليات تنفيذ واضحة له. ويطاول الأمر، حسب الخارجية السورية، التوافق على المضي في تنفيذ اتفاق 10 مارس (2025)، بما يشمل دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، في إطار توحيد المؤسسات وتعزيز الأمن الوطني. إضافة إلى الاجتماع تناول الوضع في الجنوب السوري.
تبدو المقاربة الأميركية للوضع في سورية، بوصفها امتداداً لنمط مؤسّساتي في إدارة النفوذ، يهدف إلى تحقيق إنجاز اختراق سياسي في الشرق الأوسط، بالنظر إلى موقع سورية فيه، فالتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية ليس أداة سياسية أو عسكرية فحسب، بل إطار جيوسياسي واسع الاستخدام، توظّفه واشنطن لإعادة توزيع الأدوار الإقليمية والاصطفافات، بما يخدم أهداف سياساتها الرامية إلى الحدّ من النفوذ الإيراني، وتأمين أمن إسرائيل وحدودها، وترسيخ قيادتها في النظام الدولي. وفق هذه الرؤية، ترسم الإدارة الأميركية حدود شراكة مع الإدارة السورية الجديدة، بوصفها جزءاً من رؤية أمنية متكاملة.
في المقابل، سعى الرئيس الشرع إلى استغلال الزيارة من أجل دفع الإدارة الأميركية لتنفيذ الرفع الكامل للعقوبات المتبقية على بلاده، وخصوصاً قانون قيصر، ومساعدة سورية في النهوض اقتصادياً، والمساهمة في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار السوري، فضلاً عن الحصول على مساعدات أميركية ودولية. ولعل نتائج الزيارة لن تنعكس جميعها بشكل آني على الوضع في سورية، خصوصاً وأن مهامّ عديدة تنتظر الإدارة السورية في الوضع الداخلي، الذي يتطلب اتخاذ مزيدٍ من الخطوات في اتجاه توسيع المشاركة وفق مبدأ المواطنية المتساوية، وتوفير البيئة المناسبة أمنياً واقتصادياً لجذب الاستثمارات الضرورية للشروع في ملف إعادة الإعمار والتنمية.
أخيراً، تكتسي زيارة الشرع واشنطن أهمية خاصة من أنها تتوّج مساراً متكاملاً على المستويَين، الداخلي والخارجي، بدأ منذ سقوط نظام الأسد البائد، إذ أرسلت القوى الجديدة إشارات طمأنة إلى الداخل والخارج، بأنها لن تعتدي على أحد، ولن تشكل تهديداً لأيٍّ من دول الجوار، وتريد إعادة بناء ما دمّره نظام الأسد. وقد تلقف المحيط العربي التغيير السوري واحتضنه من دون شروط، وأسهمت دول هذا المحيط، خاصّة السعودية وقطر وتركيا في دفع الإدارة الأميركية إلى رفع العقوبات عن سورية وبناء شراكات معها، الأمر الذي تقاطع من رغبة الإدارة الأميركية في استقرار المنطقة ضمن مشروعها ومصالحها الحيوية.
المستغرَب أن معلقين سوريين اعتبروا أن الزيارة تدخل ضمن نهج إرضاء الخارج الذي تحوّل إلى سياسة للاستقواء في الداخل والقبض عليه. وذهب أحدهم إلى اعتبار أن كل ما تقوم به السلطة الجديدة في سورية من دبلوماسية نشطة من أجل تطبيع علاقتها مع دول الجوار والعالم، هو محاولة منها للحصول على الدعم الخارجي في معركتها من أجل البقاء في السلطة، وتوسيع مناطق النفوذ والسيطرة، على حساب جماعاتٍ محليةٍ أخرى. ولم يكلف هؤلاء عقولهم بالتفكير في مدى انعكاس تطبيع العلاقات مع دول العالم وإزالة العقوبات على حياة الشعب السوري، الذي ينتظر تحسّن الأوضاع المعيشية، بعد أكثر من خمسة عقود من الدمار الذي سبّبه نظام الأسد البائد.
العربي الجديد
———————————
إدارة التنافس في صفوف المعسكر الواحد/ مروان قبلان
12 نوفمبر 2025
شكلت زيارة الرئيس أحمد الشرع واشنطن، وانضمام سورية الوشيك إلى “التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب”، ذروة تحوّلات عميقة، خلطت بشدة تحالفات المنطقة واصطفافاتها، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولم تتبلور بصورتها النهائية بعد، وإن كانت إدارة الرئيس ترامب تأمل الفراغ من رسمها، بحلول نهاية ولايتها عام 2029. تمثلت نقطة الانعطاف الرئيسة، طبعاً، في السقوط المدوي لنظام بشّار الأسد، وانتقال سورية من المعسكر الروسي- الإيراني (ضعُف بشدّة، وإن لم يخرج نهائيّاً من المنافسة) إلى المعسكر الأميركي- التركي- السعودي. بانكفاء إيران، وروسيا، باتت المنافسة تتركّز ضمن صفوف المعسكر الواحد، الذي تقوده الولايات المتحدة، وقد تحوّل دورها إلى ضابط إيقاع في الصراع الذي يحتدم بين حلفائها على النفوذ والموارد في المنطقة الممتدة بين العراق والقرن الأفريقي، مروراً بسورية واليمن وحتى السودان وليبيا. في العراق، تبقى إيران، رغم ضعفها الظاهر، لاعباً رئيساً، لكن نفوذ تركيا يتنامى بسرعة، في مقابلها، خصوصاً في الشمال والوسط (مناطق الأكراد والعرب السنة)، وبعد فرضها اتفاقية “النفط مقابل الماء” على حكومة محمد شيّاع السوداني في بغداد، فيما تجهد دول الخليج أيضاً للحصول على موطئ قدم، عبر مشاريع استثمارية كبرى، أبرزها حالياً مشروع “طريق التنمية”، الذي يربط الخليج بأوروبا.
في سورية، التي تبدو كواسطة العقد، والجائزة الكبرى، في صراع إقليمي مرير، يحتدم التنافس بين تركيا وإسرائيل والسعودية، مع حضور للدورَين الإماراتي والقطري. وفيما تتنافس السعودية وتركيا على موقع الراعي الرئيس لحكومة أحمد الشرع، تعمل إسرائيل على إلزامها بشروطها، بعد أن نجحت ضغوط واشنطن، على ما يبدو، في دفعها للقبول بها خشية أن يكون البديل هو “داعش وأخواتها”، أو، ربما، الفوضى. أما الإمارات، ورغم أنها لا تتخذ موقفاً عدائيّاً واضحاً من حكومة الشرع، حتى الآن، أقله، بيد أنها ماضية في تطوير علاقاتها مع مناطق شرق الفرات، وكذلك في الساحل والسويداء، حيث يتزايد نفوذها بصورة ملحوظة هناك. يحدُث هذا فيما تتزايد المخاوف في دمشق من ظهور تحالف يجمع القوى الرافضة حكم الشرع في مناطق شرق الفرات، تقوده قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وفيما تشارك مصر الإمارات تحفظاتها تجاه الحكم السوري الجديد (لأسباب مرتبطة خصوصاً بتوجهاته الأيديولوجية، وعلاقاته المتنامية مع تركيا) إلّا أننا نرى، في المقابل، اتساعاً في هوة المواقف بين القاهرة وأبوظبي بشأن عديد من قضايا المنطقة، ونزاعاتها، تبدأ في غزّة والسودان، وتمتد إلى القرن الأفريقي، والعلاقة مع إثيوبيا، التي أنجزت سد النهضة متجاهلة كليّاً مصالح مصر المائية، وتطمح للحصول على منفذ على البحر الأحمر (بدعم إماراتي)، ما يعزّز صعودها قوةً إقليمية كبرى في شرق أفريقيا ومنطقة القرن. وفيما تتفق تركيا ومصر وقطر والسعودية على دعم الجيش في السودان، تدعم الإمارات، إلى جانب إسرائيل وإثيوبيا، قوات الدعم السريع، في اصطفاف جديد يتوقع أن يطاول تأثيره كامل منطقة القرن الأفريقي، وصولاً إلى اليمن، وكل إقليم البحر الأحمر. ومع أن مصر تتجه إلى بناء تحالف، يجمعها إلى إرتيريا والصومال وحكومة عبد الفتاح البرهان في السودان، لمواجهة النفوذ الإثيوبي المتصاعد في المنطقة، إلّا أنها تبقى متوجّسة من اللاعب التركي الذي يحاول ربط قوى المنطقة كلها، رغم تناقضاتها، به.
فوق ذلك، تبدي مصر تحفّظاً إزاء الدور التركي في غزّة، وعدم ارتياح لمحاولاتها المشاركة في ترتيبات اليوم التالي، رغم أن تركيا كانت جزءاً من التفاهم الرباعي الذي جرى توقيعه في شرم الشيخ إلى جانب الولايات المتحدة وقطر ومصر، وأدّى إلى وقف الحرب على غزّة. كما تختلف مصر بشدة مع تركيا في سورية، وما زالت مصالح الطرفين في حالة تناقض في ليبيا، رغم محاولات التقارب التي حصلت بينهما أخيراً. دخول مصر على خط الأزمة في لبنان يعطي انطباعاً برغبتها، أيضاً، في منع تركيا من استكمال وراثة النفوذ الإيراني في لبنان، بعد أن ورثته في سورية، على اعتبار أنّ “من يرث سورية يرث لبنان معها”. وهذا لا يعني قطعاً أن مصر قد تخلت عن تردّدها بشأن استعادة دورها الإقليمي الذي غاب عقوداً عن الساحة، لكنه يكشف عن تدافع رهيب بين حلفاء واشنطن على الموارد والنفوذ، وعلى الفوز بمكانة الوكيل الإقليمي الرئيس لها، فيما هي تنهمك بترتيب أوضاع المنطقة في طريقها للتفرّغ لصراعها الكبير مع الصين.
أين مصالح شعوب المنطقة، وموقفها من هذا كلّه؟ الشعوب وحدها من تملك الإجابة، وتقرّر متى تصرخ بها، وتحدّد، تبعاً لذلك، الشكل النهائي للصورة التي يحاول ساكن البيت الأبيض رسمها للمنطقة.
العربي الجديد
——————————-
الشرع في البيت الأبيض: مفارقات الماضي ومعادلات المستقبل
رأي القدس
11 – نوفمبر – 2025
توفر لدى مراقبي العلاقات السورية ـ الأمريكية إجماع واسع النطاق حول إطلاق الصفة التاريخية على زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، واجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار رجال الإدارة أمثال نائب الرئيس ووزير الخارجية ووزير الخزانة.
وليس ثمة مبالغة في توصيف حدث هو الأول من نوعه لأي رئيس في تاريخ سوريا الحديث ومنذ استقلالها سنة 1946، خاصة وأن الشرع يحلّ ضيفاً على العاصمة الأمريكية وخلفه «تاريخ صعب» حسب تعبير ترامب، فيجتمع مع رئيس القوة الكونية الأعظم للمرة الثالثة خلال فترة قياسية تقلّ عن 12 شهراً.
وصحيح أن وسطاء تدخلوا لتسهيل هذه اللقاءات، إلا أن اعتبارات أخرى جوهرية حكمت خيارات البيت الأبيض، على رأسها موقع سوريا الأثير على الخرائط الجيو ـ سياسية في المنطقة، خاصة بعد انطواء 54 سنة من نظام «الحركة التصحيحية» وما سبقه وأعقبه من تحوّلات إقليمية عميقة ذات امتدادات كونية.
والسمة التاريخية تشمل أيضاً مفارقة اجتماع هذا الرئيس الأمريكي تحديداً، بما يمثله من سياسات وعقائد وانحيازات، مع هذا الرئيس السوري الانتقالي تحديداً، الذي كان قبل سنة فقط قائداً لفصيل جهادي إسلامي لم يكن على وفاق مع التحالف الدولي على أرض سوريا، وسبق له أن قاتل الاحتلال الأمريكي في العراق.
ومن غير المستبعد أن بعض عناصر هذا «التاريخ الصعب» تجسدت قبلئذ، لدى ترامب وكبار مساعديه ورجال إدارته، في مفارقة أخرى مماثلة خلال استقبال الشرع في الكرملين، من جانب رئيس قوة كونية عظمى أخرى سبق لها أن تدخلت عسكرياً لمساندة نظام بشار الأسد، وشاركت مراراً في قصف فصائل المعارضة و«هيئة تحرير الشام» الجهادية التي كان يتزعمها أبو محمد الجولاني، الشرع لاحقاً.
وفي المقابل كانت معادلات سوريا المستقبل بما تنطوي عليه من آفاق بناء واستقرار واستثمار وتنمية، وتحديات جيو ـ سياسية وأمنية محلية ولكنها بالغة التأثير إقليمياً ودولياً، تتوازى مع تلك المفارقات وسواها، أو بالأحرى تتفوق عليها لجهة تدشين علاقات بين واشنطن ودمشق، عمادها مصالح عليا ومنافع متبادلة. وبالتالي لم يكن مفاجئاً خروج الشرع من البيت الأبيض بمكسب هو الأهم في ناظر المواطن السوري، وسلطة الشرع المؤقتة ذاتها، بصدد تعليق ما تملك الإدارة الأمريكية التحكم فيه من عقوبات ضدّ سوريا، ووعود من ترامب بالتدخل لدى أنصاره أعضاء الكونغرس لإلغاء المزيد من العقوبات المنصوص عليها في «قانون قيصر».
وأياً كان حجم تأثير واشنطن في لجم الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا عموماً ومنطقة الجولان وجنوب البلاد خصوصاً، فإن الحصيلة الواقعية سوف تكون مكسباً تكتيكياً على الأقل، في سوريا الجديدة غير القادرة على مواجهة عسكرية مع دولة الاحتلال. وأما انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» فإنه تحصيل حاصل، لأن الشرع كان في حالة عداء مع ذلك التنظيم أصلاً وقبل سقوط النظام.
وفي العموم، لن يطول الوقت حتى تتبلور ملامح أكثر وضوحاً لزيارة الشرع التاريخية هذه، وللتفاعلات الحيوية بين مفارقات الماضي ومعادلات المستقبل.
القدس العربي
————————–
الشرع يكشف لصحيفة الواشنطن بوست خطط سوريا الجديدة
من مقاتل إلى أول رئيس سوري في البيت الأبيض
في خطوة تاريخية غير مسبوقة، أصبح أحمد الشرع أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض.
خلال مقابلة حصرية مع واشنطن بوست يوم الاثنين، تحدث الشرع عن إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، استقرارها الاقتصادي، العنف الطائفي، ومفاوضاته المباشرة مع إسرائيل، مستعرضًا رحلته الاستثنائية من مقاتل في العراق وسوريا إلى رئيس دولة يلتقي رئيس الولايات المتحدة.
العقوبات والعلاقات مع الولايات المتحدة
التقيتم اليوم بالرئيس دونالد ترامب وأعضاء الكونغرس. أود أن تخبرنا ما هي أهداف رحلتك، وهل شعرت أنك حققتها بعد اللقاء؟
أحمد الشرع:
الهدف الأهم هو بدء بناء العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة، لأن العلاقة لم تكن جيدة خلال المئة عام الماضية.
بحثنا عن مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة وسوريا، ووجدنا أن لدينا الكثير من المصالح المشتركة التي يمكن البناء عليها، مثل المصالح الأمنية والاقتصادية. استقرار سوريا سيؤثر على المنطقة بأكملها، وعدم استقرار سوريا أيضًا سيؤثر على المنطقة.
الاستقرار مرتبط بالاقتصاد، والتنمية الاقتصادية مرتبطة برفع العقوبات. هذه المناقشات مستمرة منذ عدة أشهر، وأعتقد أننا وصلنا إلى نتائج جيدة. ولكننا ما زلنا ننتظر القرار النهائي.
أوستن تايس والمفقودون
سؤال: زميلنا أوستن تايس اختفى في سوريا. أيمكنك أن تخبرنا بما تعرفه عن البحث عنه ومكانه، وهل كنت تتواصل بشأنه مع البيت الأبيض وأطراف أخرى في واشنطن؟
أحمد الشرع:
خلال الحرب التي شنتها الحكومة السابقة ضد الشعب السوري، لدينا نحو 250,000 شخص مفقود — بينهم بعض الأشخاص من جنسيات أخرى مثل أوستن تايس.
تمكنا من الإفراج عن مواطن أمريكي من السجون عند وصولنا إلى دمشق وسلمناه فورًا للسلطات الأمريكية. أنشأنا لجنة للشخصيات المفقودة، وهناك تركيز على الأشخاص الذين يحملون الجنسية الأمريكية وفقدوا في سوريا، ونحن نتعاون مع السلطات الأمريكية.
التقيت ببعض عائلات المفقودين، بما في ذلك والدة أوستن تايس. إنها امرأة عظيمة. وقد جعلتها تلتقي بأمي أيضًا، لأن والدتي لها قصة مشابهة. لقد كنت مفقودًا لمدة سبع سنوات، وكان الجميع يظن أنني قد قتلت، ما عدا والدتي، التي كانت مؤمنة إيمانًا قويًا أنني سأعود يومًا ما.
ماضي الشرع كمقاتل في سوريا والعراق
سؤال: ماذا تقول لمواطن أمريكي يناقش العقوبات ويقول: “لماذا نرفع العقوبات عن رجل كان يقاتل ضد الولايات المتحدة؟”
أحمد الشرع:
أولًا، القتال ليس شيئًا مخزيًا إذا كان لأهداف نبيلة، خاصة إذا كنت تدافع عن أرضك وشعبك الذين يعانون من الظلم. أعتقد أن هذا شيء جيد يجب أن يُشاد به. لقد خضت العديد من الحروب، لكنني لم أتسبب أبدًا في موت أي بريء.
وعندما يشارك شخص في القتال، يجب أن يكون لديه خلفية أخلاقية قوية. المنطقة تأثرت بالسياسات الغربية وسياسات الولايات المتحدة، واليوم هناك العديد من الأمريكيين الذين يوافقوننا الرأي بأن بعض هذه السياسات كانت خطأ وأدت إلى الكثير من الحروب التي لم يكن لها داعٍ.
العنف الطائفي والأقليات في سوريا
سؤال: أحد المخاوف التي يثيرها المعارضون لرفع العقوبات هو العنف المستمر في بلدكم. في ظل النظام السابق، كان هناك جهود لإشعال النزاعات بين المجموعات، وبعض هذه المجموعات لا تزال تقاتل. كيف ترد على المنتقدين الذين يقولون إنك لم تفعل ما يكفي للحد من هذا النوع من العنف، وما خطتك لضمان عدم استمرار الهجمات على الأقليات؟
أحمد الشرع:
سوريا خرجت لتوها من حرب شرسة، وكانت تعيش تحت الدكتاتورية ونظام صارم حكم البلاد لمدة 60 عامًا. نحن الآن نمر بمرحلة انتقالية، وفي المرحلة الانتقالية هناك ظروف وقوانين تختلف عن الدول المستقرة.
على سبيل المثال، الحرب الأهلية في الولايات المتحدة — بعد انتهائها، هل استقر الوضع بعد سنة واحدة؟ أم استغرق الأمر سنوات عديدة؟ نحن في مرحلة إعادة بناء الدولة، وإعادة بناء القانون. ولكنني لا أقول إن سوريا خالية من المشاكل، فهذه ليست نهاية القصة.
هناك مصالح فردية لبعض المجموعات التي ترغب في الاستقلال أو الحكم الذاتي. بعض هذه الأطراف تريد إيجاد مبرر لمصالحها، فتستخدم طائفتها أو دينها كغطاء.
ويتحدثون عن تهديد وجودي لطائفتهم أو دينهم. في سوريا، نحن نعيش في تعايش مع مختلف المجموعات الدينية منذ 1,400 سنة. نحن ما زلنا موجودين، وما زلنا نحافظ على هذا التنوع.
محاربة تنظيم الدولة الإسلامية
سؤال: لا يزال هناك تنظيم الدولة في شرق البلاد. يقول الأمريكيون إن سبب وجودهم هو محاربة التنظيم. هل يمكنك التحدث عن وضع الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية والمجموعات الكردية، وهل تعتقد أن الولايات المتحدة وهذه المجموعات لازالت ضرورية كقوة؟
أحمد الشرع:
خضنا حربًا مع تنظيم الدولة لمدة 10 سنوات، وفعلنا ذلك دون تنسيق مع أي قوة غربية أو أي دولة أخرى.
اليوم، سوريا قادرة على تحمل هذه المسؤولية. إبقاء سوريا مقسمة، أو وجود أي قوة عسكرية خارج سيطرة الحكومة، يمثل أفضل بيئة لازدهار داعش.
أعتقد أن أفضل حل هو أن تشرف القوات الأمريكية الموجودة في سوريا على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن قوات الأمن المركزية. مهمة حماية الأراضي السورية ستكون مسؤولية الدولة.
إسرائيل وسوريا
سؤال: تعرضت سوريا لهجمات متكررة من الجيش الإسرائيلي، كما تحتل أراضٍ سورية ويبدو أنها تحاول إثارة النزاعات الطائفية، خصوصًا ضمن المجتمع الدرزي. كيف تخطط لحماية السيادة السورية من القوى الداخلية والخارجية؟
أحمد الشرع:
دخلت سوريا في حرب مع إسرائيل قبل 50 عامًا. ثم في عام 1974، كان هناك اتفاق فك الاشتباك. هذا الاتفاق استمر 50 عامًا. ولكن عندما سقط النظام السابق، ألغت إسرائيل هذا الاتفاق. وسعت وجودها في سوريا، وطردت بعثة الأمم المتحدة واحتلت أراضٍ جديدة.
لقد نفذوا أكثر من 1,000 غارة جوية في سوريا منذ 8 ديسمبر، شملت قصف القصر الرئاسي ووزارة الدفاع. لكننا، لأننا نريد إعادة بناء سوريا، لم نرد على هذه العدوانات.
التقدم الإسرائيلي في سوريا ليس لأسباب أمنية، بل لأطماع توسعية. إسرائيل دائمًا تقول إنها قلقة بشأن سوريا بسبب التهديدات التي تشكلها الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني، ونحن نحن من طرد هذه القوات من سوريا.
نحن منخرطون في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وقطعنا شوطًا كبيرًا نحو الوصول لاتفاق. ولكن للوصول إلى اتفاق نهائي، يجب على إسرائيل الانسحاب إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر. الولايات المتحدة معنا في هذه المفاوضات، والعديد من الأطراف الدولية تدعم وجهة نظرنا. اليوم، وجدنا أن السيد ترامب يدعم وجهة نظرنا أيضًا، وسيعمل على دفع الأمور بسرعة للوصول إلى حل.
سؤال: هل ستوافق سوريا على نزع السلاح في المنطقة جنوب دمشق؟
أحمد الشرع:
الحديث عن نزع السلاح عن منطقة بأكملها سيكون صعبًا، لأنه إذا حدث أي فوضى، من سيقوم بحمايتها؟ إذا استخدمت هذه المنطقة كمنصة لإطلاق ضربات ضد إسرائيل، من سيكون مسؤولًا؟ وفي نهاية المطاف، هذه أرض سورية، ويجب أن يكون لسوريا الحرية في التعامل مع أراضيها.
إسرائيل احتلت الجولان لحماية نفسها، والآن تفرض شروطًا في جنوب سوريا لحماية الجولان. بعد سنوات قليلة، ربما يحتلون وسط سوريا لحماية جنوبها، وسيصلون على هذا الطريق إلى ميونيخ.
العلاقة مع روسيا
سؤال: بشار أسد موجود في موسكو تحت حماية الحكومة الروسية. هل طرحت هذا الموضوع مع الروس؟ هل طلبت إعادة محاكمته على الجرائم التي ارتكبها؟
أحمد الشرع:
خضنا حربًا ضد روسيا لمدة 10 سنوات، وكانت حربًا صعبة وقاسية. لقد أعلنوا مرات عديدة أنهم قتلوني.
نحن بحاجة لروسيا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن. نحتاج تصويتهم لدعم مصالحنا في بعض القضايا، ولدينا مصالح استراتيجية معهم. لا نريد دفع روسيا للبحث عن خيارات بديلة في التعامل مع سوريا.
قضية بشار الأسد تمثل إشكالية لروسيا، وعلاقتنا معهم ما زالت في بدايتها. سنحافظ على حقوقنا كسوريين للمطالبة بمحاكمة الأسد.
——————-
الشرع في واشنطن.. حدث تاريخي “ولكن”/ فيصل علوش
13 نوفمبر 2025
دعونا نتفق أولًا على أنّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، هي حدث “تاريخي”، كما وصف تمامًا، ذلك أنّ الزائر هو بالفعل أول رئيس سوري منذ الاستقلال سنة 1946، يزور العاصمة الأميركية ويلتقي رئيسها في البيت الأبيض، مع ما تنطوي عليه هذه الخطوة من إمكانية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في المنطقة، وحصول تحولات استراتيجية عميقة في المشهد الشرق أوسطي؛ من قبيل أن تصبح سوريا من الدول الحليفة للغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، واحتمال انضمامها إلى نادي التطبيع الإبراهيمي، نزولًا عند الرغبة (المشيئة) الترامبية، على الضد مما كان عليه الحال في الحقبة الأسدية، حين كانت دمشق حليفًا موثوقًا لـ”الكتلة الشرقية”، في العهدين السوفييتي ومن ثم الروسي، ومحسوبة على “محور المقاومة” المناهض للتطبيع مع إسرائيل، وحليفًا استراتيجيًا كذلك لإيران ومشاريعها في الشرق الأوسط عامة.
ولا يقلل من رمزية هذا “الحدث التاريخي” أيضًا، إن كان الرئيس السوري قد دخل إلى البيت الأبيض من بوابته الرئيسة أم من باب خلفي، ففي الواقع، إن مجرد حدوث الزيارة واللقاء مع الرئيس دونالد ترامب سيعزز من شرعية الشرع كرئيس لسوريا ما بعد الأسد، ويمنحه قوة إضافية إزاء خصومه أو منافسيه المفترضين في الداخل. وهو كان حصل على موافقة أولية على هذه الشرعية، أميركيًا، منذ حصول المصافحة العلنية بينه وبين ترامب، لأول مرة، في الرياض في أيار/ مايو الماضي، وصولًا إلى اللقاء الأخير معه في البيت الأبيض، (الذي تمّ على الأرجح بمبادرة مزدوجة؛ خليجية وتركية)، وقد حظي خلاله بحفاوة الاستقبال الودي، على الرغم من “تاريخه الصعب”، على حدّ تعبير الرئيس ترامب، إذ كان قبل سنة فقط، قائدًا لفصيل جهادي انشق عن تنظيم “القاعدة” الذي نفّذ هجمات نيويورك الشهيرة، وكان قبلها مقاتلًا ضد القوات الأميركية في العراق، حيث سجن بصفته عضوًا في “تنظيم الدولة”. وقبل الزيارة بأيام قليلة فقط، رفع مجلس الأمن الدولي العقوبات المفروضة عليه وعلى وزير داخليته بسبب ارتباطاتهما السابقة بمنظمة القاعدة. أما الآن، فقد توجّه إلى واشنطن ليعلن استعداده لانضمام سوريا (رسميًا) إلى التحالف الدولي الذي شكلته واشنطن في عام 2014 لمحاربة “داعش”، وربما الموافقة، أيضًا، على إنشاء قاعدة عسكرية أميركية بالقرب من دمشق، حسب ما أشارت “رويترز” ومصادر دبلوماسية عدة.
محطة نوعية إنما..
وهكذا، فقد مثّلت الزيارة غير المسبوقة محطة نوعية في سياق التطوّرات السياسية المتصلة بسوريا الجديدة ودورها في المنطقة، وذلك بعد أن شكّلت دول الخليج العربيّ، وخصوصا السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب تركيا، الحاضنة العربية والإقليمية، والدعامة الاقتصادية والسياسية والأمنية الوازنة للحكم الجديد في سوريا.
لكن وعلى الرغم مما ذكرناه آنفًا، فمن الخطأ الاعتقاد أن الزيارة ستؤتي أكلها وتعود بالفائدة كاملة على سوريا وشعبها، لأن الأمر لا يتعلق بها كحدث مجرد فحسب، إنما يتصل كذلك بطبيعة (ماهية) الأطراف المعنية به، ومنظومة التفاعلات التي قد يخلفها هذا الحدث على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية. وعلى سبيل المثال، فقد اتضح من سياق اللقاءات التي حصلت على هامش الزيارة، وعلى خلفية اقتناع الرئيس ترامب بتفويض تركيا بالكثير من الحيثيات السورية، أنه تمت دعوة الأخيرة لتكون ضامنًا للاتفاقات المبرمة بين الرئيسين ترامب والشرع، بدلالة اجتماع العمل الذي عُقد في البيت الأبيض بين وزراء الخارجية السوري والتركي والأميركي لمتابعة تنفيذ الاتفاقات، بما فيها اتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي، الخاص بدمج القوات الكردية ضمن صفوف الجيش ومؤسسات الدولة السورية الجديدة.
وإذا كان الرئيس الشرع يأمل أن تشكل الزيارة مدخلًا لرفع العقوبات الأميركية عن سوريا وإدخالها في نظام السويفت، في سبيل الحصول على المساعدات والاستثمارات والتمويل الخارجي اللازم للبدء في عملية إعادة الإعمار، التي تشير التقديرات إلى أنها تتطلب نحو 215 مليار دولار على الأقل، وإذا كان الحديث عن إعادة إعمار سوريا يثير لعاب ترامب وعائلته التي تهتم في شكل خاص بالمشاريع السياحية والمضاربات العقارية، وكانت جهات في دمشق أدركت ذلك ولوّحت بعزمها على تشييد “برج ترامب” الدمشقي، في إطار المساعي التي جرت لترتيب أول لقاء بين الشرع وترامب عند زيارة الأخير للمملكة السعودية قبل أشهر، إلا أن المشرعين الأميركيين يبدون ترددًا في تحقيق هذا “الأمل”، مشترطين على دمشق الالتزام بمبادئ عدة، (منها ضمان حقوق الأقليات والتعددية الدينية في البلاد، وتحسين العلاقات مع إسرائيل). ومن المرجّح أن تخضع هذه العملية لتجاذبات النواب لفترة قد تطول، وبالتالي استمرار العقوبات والمعوقات التي قد تحول دون تعافي الاقتصاد السوري.
ثم حتى لو تم إلغاء العقوبات في شكل كامل، فإن ذلك شرط لازم للبدء في إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، لكنه غير كافٍ، ذلك أن الأمر يستوجب درجة مطمئنة من الأمن والاستقرار في سوريا، وسنّ منظومة من القوانين اللازمة لتأمين المناخ الملائم للاستثمارات الأجنبية، والتي تنظم نشاط البنوك، وتضمن معالجة الفساد وتبييض الأموال، وتنفيذ المشاريع على النحو الأعدل والأمثل.
وكان ترامب علّق العقوبات المفروضة لمدة ستة أشهر إضافية – باستثناء التعاملات المتعلقة بإيران وروسيا – مع تقديم وعد بالتدخل لدى أنصاره من أعضاء الكونغرس لإلغاء المزيد من العقوبات المنصوص عليها في “قانون قيصر”، علمًا أن مجلس الشيوخ وافق على إلغاء هذا القانون، لكن الأمر يحتاج إلى موافقة مجلس النواب أيضاً. ولذلك، فقد عقد الشرع جلسة مباحثات خاصة مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، النائب الجمهوري برايان ماست الذي يُعدّ، إلى جانب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، من أبرز النواب المعارضين لرفع العقوبات الأميركية نهائيًا عن سوريا.
بين الطموح والواقع
وإلى ذلك، يأمل الشرع في الحصول على دعم سياسي أميركي يمكن أن يشكل جدار حماية لسلطته في مواجهة العربدة الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ سقوط الحكم الأسدي، كأن تساعد واشنطن في إبرام اتفاق أمني مع إسرائيل على غرار اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية بموجبه إلى الحدود التي كان عليها الوضع قبل 8/12/2024، غير أن واشنطن لا تخفي، في المقابل، رغبتها في تحويل المفاوضات بين دمشق وتل أبيب إلى انخراط في التطبيع و”الاتفاقيات الإبراهيمية”، في وقت لا تكفّ فيه إسرائيل عن اعتداءاتها المتكررة على الأراضي السورية، بعد أن وسّعت من نطاق احتلالاتها، وتطالب بـ”شرعنة” احتلالها المستجد لقمة جبل الشيخ، وبوجود منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا تشمل معظم أراضي محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، فضلًا عن مطالبتها بتخلي دمشق نهائيًا عن هضبة الجولان التي احتلّتها في عام 1967، وأعلنت ضمّها في عام 1981، وهو الأمر الذي لم يعترف به سوى دونالد ترامب أثناء رئاسته الأولى. كما تتواتر معلومات عن ممارسة ضغوط أميركية لبلورة تفاهم إسرائيلي ـ تركي لتقاسم النفوذ في الجغرافيا السورية.
كما أن انضمام سوريا للتحالف ضد “داعش” ومحاربة الإرهاب، يتطلب من السلطة السورية أن تقطع نهائيًا مع ماضيها الجهادي، لا نقول على مستوى خوض المعركة الفكرية والعقدية المطلوبة أصلًا، ولكن المتعذرة على أرض الواقع، إنما على مستوى تفكيك الجماعات والفصائل الموسومة بالإرهاب، وما ينطوي عليه ذلك من صراعات وصدامات محتملة مع بعضها التي تعتبر أنها ساهمت بإيصال الشرع والنخبة المحيطة به إلى الحكم في سوريا. كما يحتاج الأمر إلى ضمان عدم تسرب عناصر وجهات متطرفة إلى الجيش السوري “الجديد”. ويحتاج كذلك إلى وجود توافق مع القوات الكردية التي تخشى من أن يكون نقل مسؤولية محاربة “داعش” إلى سلطة دمشق سيعني التنازل عن خدماتهم، ثم التخلي عنهم من قبل حلفائهم الأميركيين.
كل ذلك في وقت لا زالت فيه السلطة الجديدة في دمشق ضعيفة وهشّة، ولا تحوز على ما يكفي من الرضا والقبول لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وخصوصًا بعد المذابح التي حدثت على خلفية طائفية في الساحل والسويداء، وعزّزت من مخاوف الأقليات الطائفية والأثنية إزاء الحكم الجديد في البلاد، الذي لا يبدي، في نظرها على الأقل، ما يكفي من المؤشرات على أنه بصدد بناء دولة وطنية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة العدل والقانون، وقيام دولة المؤسسات المحايدة تجاه مختلف الأطياف والمكونات السورية.
الترا سوريا
——————————–
الشيباني: إزالة عقوبات “قيصر” مسألة وقت وسورية لم تعد هامشية/ محمد كركص
13 نوفمبر 2025
قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن زيارته لواشنطن كانت “ناجحة جداً” وركزت على مختلف الملفات، معتبراً أن “إزالة عقوبات قيصر بالكامل مجرد مسألة وقت”. وأضاف الشيباني خلال جلسة حوارية في معهد “تشاتام هاوس” في لندن، مساء الخميس، أن العلاقة مع الولايات المتحدة “تسير بشكل جيد جداً وستنعكس على كامل المنطقة”، موضحاً أن “السفارة السورية التي أُعيد فتحها في لندن ستخدم مصالح السوريين، ولن تعود مقراً للاستخبارات كما كانت في السابق”.
وأشار الوزير السوري إلى أن هناك “ملفات مهمة جداً مع بريطانيا”، وأن الحكومة “تسعى للاستفادة من الفرصة التاريخية لترسيخ العلاقات”، مشدداً على أن “سورية لم تعد دولة هامشية، بل باتت مهمة لجميع دول العالم”. وأوضح أن الحكومة السورية الحالية “تعمل على مدار الساعة لتعريف العالم بسورية الجديدة”، مشيراً إلى أن “نظرة العالم إلى سورية تغيّرت خلال 11 شهراً فقط، وبُدِّد كثير من المخاوف التي كانت قائمة”، مبيناً أن “سورية منهكة وتمر بمرحلة انتقالية وتحتاج إلى الوقت للتعبير عن نفسها”.
وأكد الوزير السوري أن الحكومة “ستضمن ألا تكون سورية الجديدة طائفية”، وأنها “تسعى لتكون نموذجاً للعالم”، موضحاً بقوله: “ملأنا الفراغ السياسي في سورية خلال 11 شهراً، ونعمل على توفير مناخ سياسي صحي يؤسس لمشاركة الجميع”. ولفت الشيباني إلى أن الحكومة “تعمل وفقاً للإمكانات المتاحة”، وتطمح إلى “إجراء انتخابات رئاسية خلال 4 أو 5 سنوات”، معتبراً أن “نجاح التجربة السورية يعتمد على التعايش وبناء الثقة ونبذ الطائفية”. وأضاف أن السلطات “حافظت على ثقافة المؤسسات في سورية، وتعمل على ترميم الدستور والقوانين بطريقة مدروسة”.
وفي ما يتعلق بالأوضاع الأمنية، قال الشيباني إن “أحداث الساحل كانت مفتعلة من فلول النظام السابق”، مؤكداً أن “الحكومة لا تقبل التجاوزات التي ارتُكبت”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن “الحكومة حاولت التدخل لضبط الأمن في السويداء”، مضيفاً: “لا مشكلة لدينا مع أبناء المكون الدرزي، ونتعامل برويّة لاحتواء الأزمة”.
وعن العلاقة مع إسرائيل، أوضح الوزير أن “إسرائيل تلعب حالياً دوراً سلبياً في سورية وغير راضية عن التغيير”، مؤكداً أنها “واصلت انتهاكاتها في الداخل السوري”، لكن الحكومة “لم تنجرّ إلى الاستفزاز، وحاولت الرد بالدبلوماسية”، وأضاف: “نعمل على إعادة بناء سورية، وننظر لأي اتفاق محتمل مع إسرائيل في هذا الإطار، وعلى إسرائيل أن تدرك أن مصلحتها تقتضي عدم التدخل في سورية”. ولفت الشيباني إلى أن “العديد من الأطراف الدولية تدعم الموقف الدبلوماسي السوري إزاء الانتهاكات الإسرائيلية”، مضيفاً أن “الحكومة الحالية ورثت عن نظام الأسد مشاكل مع الجميع، لكنها نجحت في إعادة تعريف العالم بسورية”.
وأكد الوزير السوري أن “المرأة في سورية قوية ومتمكنة ومثقفة ولها دور بارز”، مشدداً على التزام الحكومة “إبراز دور المرأة والحفاظ على حقوقها ومشاركتها الفاعلة”، مضيفاً أن “سورية الجديدة تؤمن بالتنوع وترفض أي شكل من أشكال التقسيم”.
وأشار الشيباني إلى أن الحكومة “أعادت الاستثمار في سورية بما يحمي المستثمر ويعالج الصورة السلبية التي خلّفها النظام البائد”، وأضاف أن “الأولوية اليوم هي لبناء البلد بعيداً عن الصراعات والأطماع الإقليمية”. وأكد أن “سورية تسعى لعلاقات هادئة ومتوازنة مع الجميع”، مشيراً إلى أن “الدور الروسي في سورية لن يكون كما في الماضي، وأن الحكومة لا تسعى للعداء مع موسكو”.
وأوضح الشيباني أن “تغيير اسم الدولة السورية من صلاحيات البرلمان أكثر من صلاحيات الحكومة”، مشيراً إلى أن بلاده “تطمح إلى إعادة تفعيل السفارة والبعثة السورية في تركيا خلال المرحلة القريبة القادمة”، معتبراً أن “ذلك من أولويات الدبلوماسية السورية حالياً”، ودعا المجتمع الدولي إلى “مساعدة الشعب السوري في مرحلة إعادة الإعمار”، مؤكداً أن بلاده “تسير بخطى واثقة نحو بناء سورية جديدة منفتحة على العالم ومتصالحة مع ذاتها”.
وكان الشيباني قد رفع في وقت سابق من اليوم الخميس العلم السوري فوق مبنى السفارة السورية في لندن، وذلك بعد 14 عاماً من إغلاقها منذ أن بدأ نظام الأسد المخلوع قمع الشعب السوري مع اندلاع الثورة عام
—————————–
الشرع في واشنطن.. هل تفتح الزيارة مغاليق الملفات السورية العالقة؟/ محمد كساح
12 نوفمبر 2025
يبدو أن الزيارة الهامة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ترخي بظلالها على الملفات العالقة والتي شهدت طوال المدة السابقة استعصاء كبيرًا، وأبرزها مصير تفاهمات أمنية مرتقبة بين دمشق وتل أبيب، وملفا السويداء وقسد جنوبي وشرق البلاد، حيث يتوقع مراقبون أن حلها بات أقرب من أي وقت مضى.
نتائج فوربة
وتزامن اللقاء الذي جمع ترامب والشرع في المكتب البيضاوي خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض، دون حضور وسائل الإعلام، مع إعلان واشنطن تعليقًا جزئيًا للعقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر.
وفي خطوة أخرى وصفت كنتيجة مباشرة للزيارة، أعلن وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، في منشور عبر منصة “إكس”، عن إعادة افتتاح السفارة السورية في الولايات المتحدة الأميركية بعد أكثر من عقد على إغلاقها. وكان وزير الإعلام، حمزة المصطفى، قد أكد في وقت سابق أن واشنطن أعلنت رسميًا إعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة الأميركية، في خطوة وصفت بأنها تُعدّ من أبرز نتائج زيارة الشرع إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي سياق متصل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور عبر منصته “تروث سوشيال”، إنه بحث مع الرئيس الشرع سبل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن الشرع “من أبرز الداعمين لهذا المسار”، بحسب تعبيره.
وأضاف ترامب أن “الجميع يتحدث عن المعجزة العظيمة التي تحدث حاليًا في الشرق الأوسط”، مؤكدًا أن “سوريا تلعب دورًا أساسيًا في هذا التحول”.
وشدد الرئيس الأميركي على أن “سوريا المستقرة والناجحة تمثل ضرورة لكل دول المنطقة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة”، معربًا عن رغبته في لقاء الرئيس الشرع مجددًا، قائلًا إنه “أظهر التزامًا حقيقيًا بالاستقرار والسلام”.
وفي سياق متصل آخر، نُقل عن مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية أن “سوريا خلال الزيارة انضمّت للتحالف الدولي لهزيمة داعش. وبذلك تصبحُ سوريا العضوَ التسعين في تحالف مكافحة داعش، لتشتركَ مع الولايات المتّحدة في القضاء على فلول التنظيم وإيقاف دَفقِ المقاتلين الأجانب. وستسمح الولايات المتحدة لسوريا باستئناف العمل في سفارتها في واشنطن لتعزيز التنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب، والأمن، والاقتصاد”.
بدوره، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إنه شارك في جزء من اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه في البيت الأبيض مساء الإثنين، مشيرًا إلى أن زيارته إلى الولايات المتحدة تزامنت مع زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن.
وأوضح فيدان، في تصريحات لوكالة “الأناضول”، أنه عقد اجتماعًا مطولًا في البيت الأبيض ضم وزيري الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسوري أسعد الشيباني، والمبعوثين الخاصين للرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وإلى سوريا توماس باراك، وانضم إليهم لاحقًا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وأضاف أن الاجتماع ركز على كيفية إدارة الأوضاع في جنوب وشمال سوريا، وعلى مستقبل “قانون قيصر” والعقوبات الاقتصادية.
وحذّر وزير الخارجية التركي من أن سوء إدارة الأوضاع في الجنوب السوري (محافظة السويداء)، وفي الشمال الشرقي الخاضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، قد يهدد وحدة الأراضي السورية، لكنه أشار إلى أن الأميركيين “أصبحوا أكثر إدراكًا لضرورة الحفاظ على وحدة البلاد وضمان أمن جميع مكوناتها العرقية والدينية دون تهديد لأي طرف”.
كما كشف فيدان أنه عقد اجتماعًا ثلاثيًا جمعه بوزيري الخارجية السوري والأميركي لبحث آفاق التعاون بين الدول الثلاث، مذكّرًا بأن اجتماعًا مشابهًا عُقد في مدينة أنطاليا التركية في أيار/مايو الماضي.
مفتاح للحل
وتعليقًا على هذه التصريحات، ينظر الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي، د. مهند حافظ أوغلو، إلى زيارة الرئيس الشرع لواشنطن كمفتاح لحل جميع الملفات العالقة، مؤكدًا خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن الاتفاق الأمني بين دمشق وتل أبيب بعد هذه الزيارة بات أقرب من أي وقت مضى.
يرصد حافظ أوغلو تأسيسًا لمحاولات إدخال سوريا في اتفاقات إبراهام للتطبيع مع إسرائيل و”لكن ذلك يحتاج إلى وقت طويل وإلى حدوث تأكيدات على أرض الواقع من أن إسرائيل أنها لن تعربد في الجنوب السوري ولن تقوم بأي غارات لا على دمشق ولا على غيرها”.
وتأسيسًا على ما سبق، يلمّح إلى وجود انعكاس مباشر لهذا الانفتاح السوري نحو واشنطن على ملف السويداء، متوقعًا أن يتم إنهاؤه بشكل كامل، لأن هذا الملف مرتبط بشكل وثيق بالاتفاقية الأمنية المرتقبة بين دمشق وتل أبيب ولأن الأخيرة هي من ساهمت في تحريك السويداء ضد الحكومة السورية، وفقًا لتعبيره.
ونظرًا لهذا الارتباط، يرجح حافظ أوغلو أن يتم التوصل إلى حل ملف السويداء فور توقيع التفاهمات الأمنية مع تل أبيب بشكل أوتوماتيكي، الأمر الذي ينهي حالة الاستعصاء التي تطاول ملف السويداء.
وبما يخص ملف قسد، فهو ليس بعيدًا عن التأثيرات الكبيرة لدخول الشرع إلى البيت الأبيض، وفقًا لما يؤكده حافظ أوغلو، الذي يلفت إلى اتفاق على إنهائها وبالتالي ليس أمام قسد سوى الذهاب إلى دمشق وتسليم السلاح وحل نفسها، على حد قوله.
ويرجح أن يتم التوصل إلى اندماج قريب لقسد ضمن الجيش لكن كأفراد لا ككتلة صلبة، نظرًا لما يرى أنه رفض تركي وإقليمي لوجود كتل صلبة داخل الجيش السوري، مشيرًا إلى أنه في حال فشلت خطة الاندماج وفق الترتيب هذا، فسوف نشهد عملية عسكرية نوعية ضد قوات سوريا الديمقراطية.
التفاصيل تعرقل التفاهمات
من جانبه، يتفق الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي مع د. مهند حافظ أوغلو، في أن زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن ولقاءه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالموازاة مع الإعلان عن تعليق العقوبات الأميركية، تعد نجاحًا للدبلوماسية السورية، وسوف تحمل تأثيرات كبيرة على ملفي السويداء وقسد وتفاهمات الجنوب الأمنية.
ويوضح علاوي خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن ملف التفاهمات الأمنية مع إسرائيل يحتاج إلى مزيد من الوقت والمفاوضات والوساطة الأميركية، حيث تم التوصل إلى الخطوط العريضة للتفاهمات لكن الخوض في التفاصيل والاتفاق على صيغة مشتركة حولها هو ما يؤخر توقيع هذه التفاهمات.
وفي ظل الانفتاح الأميركي على سوريا وما يمكن ملاحظته من تحركات أميركية جادة تخص الملف السوري، يعتقد علاوي أن ملفي السويداء وقسد في طريقهما إلى الحل. مؤكدًا أن ملف السويداء يرتبط على الأغلب بالملف الأمني مع تل أبيب.
أما ملف قسد فيوجد دفع باتجاه حلحلته وفق المسار الذي رسمه اتفاق آذار/مارس 2025، ويشير علاوي إلى أن الاجتماع الذي ضم كلًا من وزراء خارجية الولايات المتحدة وتركيا وسوريا قد تم فيه وضع اللمسات الأخيرة على تطبيق الاتفاق، مرجحًا حدوث انفراجة واضحة قبل نهاية العام الحالي في ملف قسد على الأقل.
—————————-
سوريا والعقوبات: الأشهر الستة التي سوف تحدد مصير الملف/ محمد سليمان
12 نوفمبر 2025
يشهد الملف السوري مرحلة مفصلية، تُرسم ملامحها الأولى بتعليق عقوبات قانون قيصر الأميركي، وهي الخطوة التي تحمل في طياتها إشارات تنتمي إلى السياسة أكثر من الاقتصاد، فالقرار الأخير بتعليق العقوبات جزئيًا يشير إلى أن المجتمع الدولي يراقب عن كثب أداء السلطات السورية، وأن أي تقدم سياسي أو أمني أو اقتصادي سيكون له أثر مباشر على إمكانية رفع العقوبات بالكامل.
وفق المحلل السياسي كمال بكار، هذه الخطوة تمثل فرصة للسلطات السورية الجديدة لاستعادة شرعية دولية واسعة، لكنها مرتبطة بشروط صارمة لا يمكن تجاهلها: “مجرد تعليق أو رفع العقوبات، سواء أُعلن أنه مشروط أو لم يعلن، فهو مشروط. أي تقييم للعقوبات يتم كل ستة أشهر، وأي تحسن سياسي يُترجم مباشرة في إعادة النظر بالعقوبات”.
هذه الفرصة ليست فقط فرصة اقتصادية، بل اختبار سياسي شامل لقدرة سوريا على إعادة تموضعها على الساحة الدولية، وبناء الثقة مع الغرب، بعد سنوات من العزلة والتوتر الإقليمي.
رفع جزئي مشروط: الرسالة السياسية
يؤكد كمال بكار أن تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر يحمل رسالة سياسية واضحة:
“هناك اليوم إعفاء من العقوبات لمدة ستة أشهر، وبعدها يتم إعادة تقييم عملك في الملفات المهمة. كل ذلك مشروط بحسن سير العملية السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية”.
وأضاف: “هذه الخطوة ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل رسالة سياسية للسلطات السورية بأن المجتمع الدولي يتابع التزاماتها عن كثب. رفع كامل للعقوبات سيكون ممكنًا فقط إذا تم تحقيق تقدم ملموس”.
محللون سياسيون، ومن ضمنهم الناشط السياسي طلال سيف، يؤكدون أن البعد السياسي للخطوة أكبر بكثير من البعد الاقتصادي، يقول سيف: “تعليق العقوبات يعطي سوريا القدرة على التعامل كدولة مقبولة عالميًا، ويخلق ثقة متبادلة مع إدارة الرئيس الأميركي والدول الغربية، وهي ثقة أساسية لبناء مستقبل سياسي مستقر”.
الأشهر الستة القادمة: اختبار الالتزامات السورية
يشدد كمال بكار على أن الفترة المقبلة تمثل اختبارًا حقيقيًا للسلطات السورية، مع التركيز على أربعة ملفات رئيسية:
ــ مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم داعش: ويشمل مفهوم الإرهاب “التنظيمات التي ترفض هذا التقارب أو الخط الأميركي، أو التي تعارض سلوكيات السلطة الجديدة”.
ــ الإصلاحات السياسية والحقوقية: تعزيز الحريات وحقوق الإنسان ومشاركة المجتمع المدني هو معيار رئيسي لبناء الثقة الدولية.
ــ الالتزامات الاقتصادية: السماح ببعض الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحسين بيئة الأعمال يظهر جدية السلطات في استثمار الفرصة المتاحة.
ــ العلاقات الدولية والإقليمية: استمرار الحوار مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا سيكون معيارًا رئيسيًا لتقييم الخطوات المقبلة.
فرص وتحذيرات: المشهد السياسي خلال الأشهر الستة
يؤكد كمال بكار أن الفترة المقبلة فرصة حاسمة للسلطات السورية الجديدة: “هذه الفرصة الأكبر والأثمن لهذه السلطة في عملية تقارب مع الغرب. إذا استطاعت انتهازها، ستعبر السلطة ومعارضوها وبلادها إلى خط الأمان؛ وإذا فشلت، سنكون مقبلين على واقع أمني وعسكري وسياسي واقتصادي أقرب إلى الدمار”.
ويضيف طلال سيف: “المشهد السياسي في الأيام القادمة يعتمد على مدى قدرة الحكومة السورية على الالتزام بالشروط الدولية، خاصة في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية. أي إخفاق سيؤدي إلى تراجع فرصها السياسية واستمرار العقوبات”.
فرصة سياسية مشروطة
رفع أو تعليق العقوبات عن سوريا ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو خطوة سياسية مشروطة تعتمد على الالتزام بمجموعة من الملفات الأساسية. وفق المحلل كمال بكار والناشط طلال سيف، الأشهر الستة القادمة هي فترة اختبار حقيقية للسلطات السورية، وستحدد ما إذا كانت البلاد ستشهد تحررًا سياسيًا حقيقيًا على المستوى الدولي أم ستظل مقيدة بالعزلة والتحديات الداخلية والخارجية.
—————————
بين النفي والشائعات.. هل يصلح مطار المزة بدمشق لإقامة قاعدة أميركية؟/ حنين عمران
2025.11.12
أثار التقرير الذي نشرته “رويترز” قبل أيام حول إقامة قاعدة عسكرية جوية في دمشق اعتماداً على 6 مصادر، موجة من الانتقادات والتساؤلات بين النفي والإنكار والتكهنات حول موقع القاعدة وأسباب وجودها.
التقرير الذي نفاه “مصدر مسؤول” في وزارة الخارجية، ينطوي على كم من المعلومات التي يمكن قراءتها مرتين وثلاث، والوقوف عندها، ولا سيما أن التقرير يذكر طلب مسؤول في الإدارة الأميركية حذف اسم القاعدة وموقعها من التقرير؛ ليبقي المحررون بعد ذلك على جملتين تشيران إلى موقع غير دقيق للقاعدة “عند مدخل المناطق الجنوبية من سوريا” و”أميركا تستعد لترسيخ وجودها العسكري في قاعدة جوية بدمشق”.
بين التسريبات والتوقعات
بينما تتضارب التوقعات حول موقع القاعدة الجوية الأميركية، أُطلقت شائعات حول إقامة القاعدة في مطار المزة العسكري، الواقع جنوب غربي العاصمة دمشق، والذي يبعد عن وسط العاصمة دمشق قرابة 5 كم.
وأثارت هذه التوقعات استياء وغصب البعض؛ لكون المطار كان في زمن النظام يضمّ معتقلاً مؤلفاً من ثلاثة سجون: سجنان للرجال وسجن للنساء، وهو ما دفع البعض إلى الحديث عن وجود مقابر جماعية في منطقة المطار وفي محيطه. أما السبب الثاني للاستياء فهو قرب موقع المطار من مناطق تعرضت لقصف عنيف من النظام المخلوع خلال سنوات الثورة السورية، وتحديداً داريا والمعضمية، والتي تضم عدداً كبيراً من المقابر الجماعية غير المكتشفة بعد.
وعلى الجانب الآخر، وبين المزح والجد، تناول بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي الخبر بالحديث عن غلاء أسعار الأراضي والعقارات هناك، والمبالغ التي قد تدفعها الحكومة السورية أو أميركا كتعويضات للأهالي.
وفي الوقت الذي نفت فيه وزارة الخارجية الخبر من خلال “مصدر مسؤول” ومجهول، ما سمّته “مزاعم رويترز” وفق الإخبارية السورية، فإن تسريبات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، من مصدر في وزارة الدفاع، تشير إلى مواقع أخرى محتملة لتعزيز الوجود الأميركي في سوريا، وتحديداً مطار خلخلة العسكري (المؤلف من مدرجين 3 كم – و2.8 كم) بريف السويداء، أو اللواء 29 نقل جوي والواقع ضمن أراضي مطار دمشق الدولي في جنوب شرقي العاصمة، أو مطار الثعلة العسكري بريف السويداء الغربي (مدرجين بطول 3 كم)، أو اللواء 15 في شمالي درعا.
ونفى المصدر نفسه أن تُقام قاعدة جوية في مطار المزة العسكري كما أشيع وذلك لأسباب تحدث عنها تتعلق بسيادة الدولة، وكون إقامة قاعدة أو مركز تنسيق في الجنوب أفضل من ناحية ضمان الحدود وضمان اتفاق السويداء لاحقاً.
ماذا عن مطار بْلَي؟
عند الحديث عن تعزيز الوجود الأميركي العسكري في سوريا، وبافتراض صحة تقرير رويترز عن كون ذلك سيكون في الجنوب السوري وعلى تخوم العاصمة، فإنَّ الأصابع تتجه إلى مطار خلخلة الواقع شمالي السويداء.
في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أوضح الخبير العسكري العقيد عبد الجبار العكيدي، أوضح أن الاحتمال الأكبر هو نقل غرفة عمليات التحالف الدولي من الجزيرة إلى جنوبي البلاد بدلاً من الإبقاء عليه في مناطق سيطرة “قسد”، وبذلك تؤسس أميركا لوجود شرعي لها بالقرب من العاصمة السورية بالاتفاق مع الحكومة.
ورجّح وعلى عكس التوقعات والتسريبات، أن يُستَخدم مطار بلَيْ لهذه الغاية، ويقع المطار في جنوب العاصمة دمشق على 45 كم منها، ويضم مهبطاً وحيداً للطائرات؛ وهو ما يتقاطع مع ما أورده تقرير رويترز عن تأسيس وجود أميركي في جنوبي سوريا.
ونفى العكيدي استخدام الألوية العسكرية لهذه الغاية؛ كونها تفتقر إلى شروط إقامة “قاعدة جوية” ولا سيما مع وجود مطارات عسكرية قابلة للاستخدام من دون الحاجة إلى التأسيس من الصفر، إلا في حال استُخدمت هذه الألوية لإقامة غرفة عمليات أو نقطة مراقبة أو مركز تنسيق.
يقول العكيدي لموقع تلفزيون سوريا “كان مطار بلي الواقع جنوب العاصمة يضم مكاناً مخصصاً لهبوط طائرات حربية مثل ميغ 23 وسوخوي 22، كما أن مطار خلخلة مرجَّح لكونه واقع في جنوبي البلاد ويضم تجهيزات فنية ولوجستيات أفضل من غيره، مع يحتاج إلى الصيانة ودعم فني وملاحي وغير ذلك”.
كما أن استخدام اللواء 29 بالقرب من مطار دمشق الدولي لهذه الغاية في حال كان الهدف هو قاعدة جوية، هو احتمال ضئيل؛ لكون ألوية الدفاع الجوي كانت مهمتها حماية المطارات وهذه الألوية عموماً لا تضم مدارج بل منصات إطلاق صواريخ ورادارات، بينما تحتاج القواعد الجوية وجود مدارج بطول 3 كم وسطياً.
نقطة تخديم لوجستي لا قاعدة جوية
على الرغم من أن تقرير رويترز تحدث صراحةً عن “قاعدة جوية في دمشق” إلا أن المعطيات السياسية الأمنية والعسكرية، وبمعزل عن تصريحات وزارة الخارجية، تشير إلى ضآلة احتمالية تنفيذ الفكرة.
كما أن القول بإقامة قاعدة يستوجب شروطاً ويحمل تَبعات، كوجود مركز قيادة وتنسيق، وشروط فنية وتجهيزات مثل الرادارات ومضادات طائرات “منظومة دفاع جوي”، وحظائر لأسراب الطائرات، ونقطة تذخير ونقاط هبوط وإقلاع، ومدارج جاهزة، وخزانات وقود… وغير ذلك.
أشار الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية عمار فرهود، إلى أنَّ القاعدة الجوية تحتاج إلى توصيف قانوني تُقام على أساسه، على عكس نقاط التخديم اللوجستي، والتي من الممكن أن تضم مكتب ارتباط أميركي سوري.
ورجَّح فرهود إقامة نقطة بهذا الشكل من أجل التنسيق العسكري وتنفيذ العمليات، كأن تهبط الطائرات القادمة من قاعدة التنف مثلاً في هذه النقطة من أجل تنفيذ عملية ما، وبعد الانتهاء تقلع الطائرات باتجاه التنف مرة أخرى، وإذا كان الأمر سيتم بهذه الطريقة فلا تُسمى هذه “قاعدة جوية”.
وعن الأسباب الأمنية لنفي وجود “قاعدة جوية” في قلب العاصمة دمشق؛ أي في مطار المزة العسكري تحديداً، أوضح فرهود أن “البيئة الأمنية” غير ملائمة لذلك؛ ولا سيما مع احتمالات استهداف القاعدة بعد تأسيسها وبالتالي استهداف دمشق؛ ما سيزعزع أمنها واستقرارها.
أما الأسباب العسكرية التي تنفي ذلك، فمردّها إلى أن عدداً من القواعد الجوية موجودة أصلاً، وهي قواعد غير بعيدة ومن الممكن استخدامها لتنفيذ العمليات والضربات الجوية، كقاعدة الأزرق الجوية في الأردن، وقاعدة التنف في الجزيرة، وقاعدة عين الأسد في العراق، والقواعد الجوية في تركيا وإسرائيل.
ماذا عن التحركات في مطار المزة؟
شهد مطار المزة نشاطاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة لطائرات هبطت فيه، وهو ما جعل الأهالي في محيط المطار وبعض الوسائل الإعلامية تربط ذلك بتأسيس قاعدة جوية أميركية داخله، ولا سيما بعد تقرير رويترز.
مصدر في وزارة الدفاع السورية أكّد أن النشاط داخل مطار المزة مرتبط باستقبال وفود دبلوماسية وعسكرية بطائرات حطّت في مطار المزة، مشيراً إلى أن هيئة الأركان نفت استخدام المطار لإقامة قاعدة.
من جانبه، أشار الباحث عمار فرهود في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن هبوط طائرة أو إقلاعها من مطار ما، ليس مقياساً على استخدامه كقاعدة، كما أن معظم الطائرات التي شاهدها الناس هي طائرات عسكرية لوفود كردية دبلوماسية جاءت إلى دمشق. ويعد مطار المزة، هو المطار الأقرب إلى قلب العاصمة مقارنةً بمطار دمشق الدولي.
أثر ذلك في “السيادة”
تتالى الأخبار المتعلقة بتعزيز وجود أميركا عسكرياً في المنطقة بالتزامن مع تكثيف تحركاتها في سوريا كحالة من “إعادة التموضع العسكري والسياسي”، ولا سيما بعد خسارة إيران لعدد كبير من قواعدها ومواقعها في سوريا بعد سقوط النظام.
وتحمل فرضية إنشاء قاعدة جوية أو نقطة لوجيستية أو غرفة عمليات في قلب العاصمة ومحيطها -إذا تم الأخذ بصحتها- دلالات حول الشكل الذي تأخذه العلاقات السورية الأميركية، مع المفاوضات المستمرة لرفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
أوضح الباحث في الشؤون السياسية مالك الحافظ، لموقع تلفزيون سوريا، أن وجود قوة خارجية في العاصمة أو محيطها لا يلغي السيادة بالكامل لكنه يقيدها في القطاعات التي تشمل الحركة الجوية والاستخبارات، لتكون النتيجة بنية حكم مركبة.
واعتبر الحافظ أن السيادة ضمن هذا الإطار ستتحول إلى مستوى وظيفي، لأن التحكم الفعلي ينتقل من الجغرافيا إلى القدرة على الإدارة، يقول: “إن ترسيخ الوجود العسكري الأميركي قرب دمشق يعني أن الولايات المتحدة تعمل ضمن نموذج “إدارة المخاطر” وليس “إعادة تشكيل الدولة”. أي أنها تضع أدوات مراقبة وليس أدوات نفوذ شامل”.
وبينما يجزم البعض بالأثر السلبي لذلك في السيادة السورية وسلب العاصمة قرارها السياسي، أشار الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية ضياء قدور، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن هناك مبالغةً وتهويلاً فيما يتعلق بتوصيف السيادة عند الحديث عن الوجود العسكري الأميركي في سوريا؛ ولا سيما أن سوريا خارجة من أزمة أكثر من عقد من الزمن وفاقدة للسيادة منذ زمن النظام المخلوع وممزقة جغرافياً.
يقول قدور “تخلصت سوريا من مئات المواقع العسكرية والأمنية الروسية والإيرانية بعد سقوط النظام، ووجود قاعدة أو نقطة بقبول الحكومة السورية لا يعدّ مشكلة بل يمكن اعتباره انتصاراً على المدى القريب، ولا سيما أنه يضفي طابعاً مؤسساتياً رسمياً بين سوريا وأميركا”.
سيمنح ذلك بالضرورة ارتياحاً للأطراف التي لا تزال على “عدم وفاق” مع الحكومة السورية، ولا سيما في السويداء وشمال شرقي سوريا، مع استمرار مطالبهم بالتدخل الأميركي، وهو ما يعني تضييق فجوة الثقة من خلال الضمانات الأميركية.
ويؤكد الباحث مالك الحافظ أن الوجود الأميركي يقلل من احتمالات التوترات الداخلية، كما يمكن أن يخلق بيئة أمنية أكثر استقراراً على المدى القصير.
يقول “يتوقف كل شيء على حجم الوجود ونوعه؛ فغرفة عمليات صغيرة تعني تأثيراً محدوداً، أما قاعدة جوية كاملة تعني تأثيراً أعلى على المجال الجوي، والفرق بينهما يحدد عمق التغيير في موازين القوة، على المدى البعيد”.
ولا يزال شكل الوجود العسكري الأميركي في قلب العاصمة أو محيطها غير محدد في ظل التكتم من الطرفين الأميركي والسوري، وبينما يمثل هذا الوجود تحدياً مباشراً لمحاولات إيران للتمدد من جديد في سوريا، ورسالة ضمنية لروسيا، إلا أنه في المقابل، يطرح تساؤلات حول شرعية الوجود الأميركي في الأراضي السورية ومآلاته على المدى البعيد.
تلفزيون سوريا
——————————————-
خلف الكواليس.. ما حدث باجتماع الشرع وترامب يكشفه توم باراك لافتا إلى “إكسير سحري” للسعودية وقطر وتركيا
الخميس، 13 نوفمبر / تشرين الثاني 2025
عقّب السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، على لقاء الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وزيارته للبيت الأبيض التي رافقه فيها الأسبوع الماضي.
ونشر باراك بيانا على صفحته بمنصة إكس (تويتر سابقا) قال فيه: “حول الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، يُمثل هذا الأسبوع نقطة تحول حاسمة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وفي التحول الملحوظ الذي شهدته سوريا من العزلة إلى الشراكة، كان لي الشرف الكبير بمرافقة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، حيث أصبح أول رئيس دولة سوري يزور البلاد منذ استقلالها عام 1946”.
وتابع: “أعلن الرئيس ترامب في 13 مايو/أيار أنه سيرفع جميع العقوبات الأمريكية لمنح سوريا فرصة. وفي اجتماع ودي وموضوعي عُقد هذا الأسبوع، أكد الرئيس دونالد ترامب والرئيس الشرع قناعتهما المشتركة بأن الوقت قد حان لاستبدال القطيعة بالتواصل، ولمنح سوريا – وشعبها – فرصة حقيقية للتجديد.. أنا، برفقة نائب الرئيس ج. د. فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، شهدنا في المكتب البيضاوي التزام الرئيس الشرع تجاه الرئيس ترامب بالانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش، والذي يُمثل إطارًا تاريخيًا يُمثل انتقال سوريا من مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب – التزامًا بإعادة الإعمار والتعاون والمساهمة في استقرار المنطقة بأكملها.. ستساعدنا دمشق الآن بنشاط في مواجهة وتفكيك فلول داعش، والحرس الثوري الإيراني، وحماس، وحزب الله، وغيرها من الشبكات الإرهابية، وستكون شريكًا ملتزمًا في الجهود العالمية الرامية إلى إرساء السلام”.
وأضاف: “في جلسة ثلاثية محورية مع وزير الخارجية روبيو، ووزير الخارجية التركي حقان فيدان، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، رسمنا المرحلة التالية من الإطار الأمريكي التركي السوري: دمج قوات سوريا الديمقراطية في الهيكل الاقتصادي والدفاعي والمدني السوري الجديد، وإعادة تعريف العلاقات التركية السورية الإسرائيلية، وتعزيز التوافق الذي يدعم وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، فضلاً عن مختلف قضايا الحدود اللبنانية.. يستحق دور تركيا الدؤوب تقديرًا خاصًا، فهو شهادة على الدبلوماسية الهادئة والثابتة التي تبني الجسور حيث كانت الجدران قائمة. لقد كان التحالف الموسع بين قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا، الداعم لعودة الدولة السورية الوطنية للمنطقة بأسرها، بجميع مكوناتها القبلية والدينية والثقافية، بمثابة إكسيرٍ سحري.. الشرق الأوسط، بطبيعته، فسيفساء حية: منطقة منسوجة من ثقافات وأديان وقبائل وتقاليد لا تُحصى. وفي داخله، تقف سوريا كفسيفساء داخل تلك الفسيفساء، أرضٌ تشاركت فيها شعوب وأديان مختلفة لقرونٍ على نفس التربة، وعانت من نفس العواصف، وتسعى الآن إلى نفس السلام. في التفاعل الدقيق بين هذه الطبقات، يكمن التحدي والوعد بتجديد المنطقة”.
ومضى باراك بالقول: “تُرسي قيادة الرئيس ترامب مسارًا جديدًا للتوازن قائمًا على ’الأمن أولًا، ثم الرخاء‘ – مستقبل لا تُحدده ظلال الماضي وأهواله، بل بوعد وآمال مستقبل جديد مُعاد تعريفه. ليس جديدًا على التاريخ أو على هذه المنطقة أن يصبح خصوم سابقون حلفاءً مُخلصين؛ الجديد – والاستثنائي – هو أن دول المنطقة نفسها تُحقق ذلك، لا بتفويضات وإملاءات غربية. لن يكون الطريق ممهدًا. التكامل عمليةٌ مستمرة، وليس حدثًا عابرًا، ورؤية رجل واحد باتت الآن مشتركة بين الكثيرين، ويمكن أن تُصبح حقيقة. هذه شهادةٌ على جهود جميع الفرق في كل دولة، الذين يُشكلون حجر الأساس الذي يُرسي دعائم هذه اللبنات.. الخطوة التالية في ’إعطاء سوريا فرصةً حقيقية‘ هي الإلغاء الكامل لقانون قيصر.. ندعو الكونغرس ونحثه على اتخاذ هذه الخطوة التاريخية. لقد قطعنا شوطًا طويلًا، لكننا الآن بحاجة إلى دفعة أخيرة قوية لتمكين الحكومة السورية الجديدة من إعادة تشغيل محركها الاقتصادي، والسماح للشعب السوري وجيرانه الإقليميين ليس فقط بالبقاء، بل بالازدهار أيضًا.. لقد كان هذا اسبوعا لا ينسى”.
————————
لقاء الشرع- ترامب.. توقعات بانتصارات كبيرة لتركيا
الاثنين 2025/11/10
تتطلع تركيا إلى جني ثمار الاجتماع المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، إذ قد تحقق الزيارة انتصارات كبيرة لأنقرة، بحسب تقرير لموقع “المونيتور”.
تنسيق تركي- إسرائيلي
وقال الموقع إن الاجتماع التاريخي في البيت الأبيض يُبشر بمكافآت ملموسة بالنسبة لأنقرة، من رفع العقوبات إلى فرصة إعادة تشكيل الشرع كفاعل مستقل، مما قد يُمهّد الطريق لتنسيق إسرائيلي- تركي أكثر سلاسة بشأن المشهد العسكري السوري.
إلا أن للنقاشات بين الشرع وترامب حول شروط دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الدولة السورية، تداعيات كبيرة على استراتيجية تركيا الإقليمية، كما سيختبر ذلك نهج أنقرة تجاه “قسد”.
وتسعى تركيا الآن إلى تعزيز مكانة الشرع على الساحة الدولية لتعزيز قبضة دمشق على السلطة والحفاظ على نفوذها على جارتها الجنوبية، إذ برزت أنقرة كأبرز داعم للرئيس السوري من بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
كما حثّت أنقرة منذ فترة طويلة العواصم الغربية والحكومات العربية على تكثيف التعاون مع إدارة الشرع ورفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا.
وحسب الباحث في المجلس الأطلسي، عمر أوزكيزيلجيك، فإن زيارة الشرع المقبلة للبيت الأبيض تمثل نجاحاً للسياسة التركية في الشرق الأوسط.
الشركات التركية تستعد
وقبيل زيارة الشرع، صوت مجلس الأمن، على رفع العقوبات عن الرئيس السوري وأعضاء رئيسيين في حكومته، وهي الخطوة التي من المتوقع أن تعزز تدفق الأموال إلى سوريا في مرحلة التعافي بعد الحرب.
ووفق “المونيتور”، فإن الشركات التركية على أهبة الاستعداد للاستفادة من حملة إعادة الإعمار، كما تأمل أنقرة أن يشجع انتعاش الاقتصاد السوري وتسريع عملية إعادة الإعمار على العودة الطوعية لأكثر من 3 ملايين لاجئ سوري يقيمون حالياً في تركيا.
الشرع من الوكالة الى قائد مستقل
ومن المتوقع أن تعمل زيارة الشرع إلى البيت الأبيض على تعزيز صورته كزعيم مستقل، وهو التصور الذي سعت أنقرة منذ فترة طويلة إلى ترسيخه. وأكد أوزكيزيلجيك، أن الشرع كان دائماً “فاعلاً مستقلاً” وليس “رجل تركيا”. وأضاف أن تركيا تسعى إلى “تقاسم عبء إعادة إعمار سوريا”، وترى في البلاد “جسراً للتعاون بين أنقرة والعواصم العربية”.
وخلال اجتماع ترامب مع التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض في 25 أيلول/سبتمبر قال الرئيس الأميركي: “إنهم وكلاء لك. أعتقد أنك تستحق الفضل في ذلك”.
وفيما دافعت تركيا عن الشرع على الساحة العالمية، حرصت على تجنب تصويره باعتباره وكيلاً لتركيا، خوفاً من أن القوى الإقليمية، لاسيما دول الخليج الغنية بالنفط مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد تتردد في الانخراط أو الاستثمار وسط شكوك حول الإسلام السياسي المدعوم من تركيا.
معادلة إسرائيل وتركيا
وقال الموقع إن زيارة الشرع إلى واشنطن قد تساهم في تهدئة المخاوف الإسرائيلية بشأن خلفيته الإسلامية والعلاقات العسكرية بين أنقرة ودمشق، لأنها تتزامن مع المحادثات الجارية بوساطة الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل بهدف التوصل إلى ترتيب أمني لوقف الضربات الإسرائيلية في البلاد.
وأضاف أن التعاون الأمني الوثيق بين دمشق وواشنطن من شأنه أن يعزز ثقة إسرائيل، مما قد يمهد الطريق لتعاون دفاعي أعمق بين تركيا وسوريا، اللتين أطلقتا بالفعل تدريبات عسكرية مشتركة وبرامج تدريبية للطلاب السوريين.
وفي حال هدأ الرفض الإسرائيلي، فإن أنقرة سوف تواجه أيضاً عقبات سياسية أقل في توريد المعدات العسكرية إلى دمشق.
وقالت الباحثة البارزة في معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي والمتخصصة في الشؤون التركية، جاليا ليندنشتراوس، لموقع “المونيتور”: “إن القضية الكبرى بين إسرائيل وتركيا فيما يتعلق بسوريا هي ما إذا كانت تركيا ستحتفظ بوجود عسكري خاص بها في وسط وجنوب سوريا”.
وأضافت: “في سوريا، حيث للولايات المتحدة رأي في مسار سياستها الخارجية ومجال الأمن، سيكون من الأسهل على إسرائيل التكيف مع هذا الوضع. وفي مثل هذا السيناريو، من غير المرجح أن تستخدم تركيا وسط وجنوب سوريا كقاعدة عسكرية أمامية”.
وتحتفظ تركيا بالفعل بنحو 10 آلاف جندي في شمال سوريا، لكن المسؤولين الإسرائيليين رسموا خطا أحمر ضد أي تقدم تركي إلى الجنوب، وهو ما من شأنه أن يجعل قواتها قريبة بشكل غير مريح من الحدود الإسرائيلية.
مصير “قسد”
ويكمن الجانب الأبرز في زيارة الشرع، وفق “المونيتور”، بمستقبل “قسد”، والتي تعتبرها أنقرة تهديداً أمنيًا قومياً رئيسياً.
وعلى هامش الزيارة، من المتوقع أن يوقع الشرع وترامب وثيقة انضمام دمشق رسمياً إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والمكون من 89 عضواً، والذي تأسس في عام 2014 لمحاربة “داعش”، بحسب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك.
ووفقاً لأوزكيزيلجيك، فبعد انضمام سوريا رسمياً إلى هذا التحالف، فإن اعتماد واشنطن على “قسد” التي يقودها الأكراد باعتبارها شريكها الرئيسي على الأرض قد يتضاءل.
وفيما انضمام سوريا إلى التحالف ضد “داعش” يتماشى مع المصالح الأمنية التركية، يبقى الجانب الأكثر حساسية في محادثات الشرع في واشنطن سيركز على المفاوضات الجارية بشأن دمج “قسد” بالجيش السوري.
وقال المدير الأول في معهد “نيولاينز” في واشنطن، نيكولاس هيراس: “يريد فريق ترامب (قسد) في القيادة العسكرية السورية في دمشق. لكن مع ضمانات بأن الوحدات التي يقودها الأكراد سيكون لها دور تلعبه في أمنهم المحلي”.
بالنسبة لأنقرة، فإن استمرار وجود الهيكل لـ”قسد” يشكل خطاً أحمر، لأنها تعتقد أن وجود عناصر تابعة لحزب العمال الكردستاني داخل المجموعة من شأنه أن يقوض نزع سلاح الحزب على نطاق أوسع وعملية السلام في تركيا.
وكانت تركيا هدّدت مراراً وتكراراً بشن عملية عسكرية ضد “قسد” إذا رفضت التخلي عن أسلحتها والانضمام إلى الجيش السوري، مع تحديد الموعد النهائي في اتفاق آذار/مارس.
——————————
“هآرتس”: أربع جبهات رئيسية بالشرق الأوسط تنتظر قرار ترامب
الخميس 2025/11/13
تتراكم على مكتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسودات خططٍ لم يتم تجميعها بعد، ضمن خطة عملية قابلة للتنفيذ يمكن أن تُغلق الجبهات الأربع الرئيسية في الشرق الأوسط؛ بحسب تقرير لصحيفة “هآرتس” العبرية.
وقالت الصحيفة: “لقد قُدمت لمجلس الأمن مسودة جديدة لاقتراح قرار يحدد الإطار التشغيلي للقوة المتعددة الجنسيات في غزة، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة؛ بينما ينتظر لبنان أن تمارس واشنطن ضغوطاً على إسرائيل لقبول اقتراحه بشأن مفاوضاتٍ تتعلق بالترتيبات الأمنية؛ ويدور حوار بين واشنطن وطهران، لكنه لم يتطور إلى مسار سياسي فعلي حتى الآن؛ أمّا في سوريا، فبعد الزيارة التاريخية التي قام بها رئيسها أحمد الشرع للبيت الأبيض، ينتظر الجميع مبادرة أميركية بشأن تطوير الترتيبات الأمنية مع إسرائيل. صحيح أن زيارة الشرع صُوّرت أنها إنجاز سياسي لكلٍّ من الرئيس السوري وترامب، لكنها، عملياً، تركت أسئلة كثيرة مفتوحة، وهو ما يثير الشكوك في طبيعة هذا “الإنجاز”.
الجبهة السورية
وأضافت الصحيفة: “يمكن للشرع أن يكون راضياً عن قرار الولايات المتحدة بشأن تمديد الإعفاء من العقوبات المفروضة على سوريا، بموجب “قانون قيصر”، لكن من المشكوك فيه أن يفتح هذا التمديد الباب أمام تدفّق الاستثمارات والمساعدات التي يحتاج إليها بلده، فالمستثمرون والمانحون لن يسارعوا إلى فتح خزائنهم، في ظل غموض مصير أموالهم خلال الأشهر المقبلة، وخصوصاً في ظل اعتراضات بعض أعضاء الكونغرس، بمن فيهم جمهوريون بارزون يصغون جيداً للموقف الإسرائيلي. لكن في الواقع، لا يختلف هذا الإعفاء عن الإعفاء الذي مُنح للشرع في شهر أيار/مايو”.
من جهة أُخرى، أعلن الشرع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، ليصل عدد أعضائه إلى 90 دولة، لكن حتى الآن، يظل هذا التحالف إطاراً سياسياً فقط، على الرغم من أهميته الرمزية، وما دام لم يتم تنظيم النشاط العسكري السوري، فلن تتمكن الولايات المتحدة من سحب قواتها من البلد، ولا يمكنها تسليم إدارة الحرب للجيش السوري، الذي لا يزال يفتقر إلى الجاهزية والتجهيزات الكافية. وهذا التحرك يُفترض أن يكون جزءاً من خطة استراتيجية جديدة طموحة وضعتها تركيا وسورية والولايات المتحدة، وفقاً لـ”هآرتس”.
تركيا توفر المظلة العسكرية للجيش السوري
وبموجب الخطة، ستوفر تركيا المظلة العسكرية العليا للجيش السوري، وسيتم دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش، وتُجرَّد المناطق الحدودية ذات الأغلبية الكردية من السلاح، على أن يعيد النظام السوري فرض سيادته الكاملة عليها، لكن حتى الآن، هناك ألغام سياسية كثيرة تفصل بين النيات والتنفيذ؛ فالأكراد يبدون استعدادهم للانضمام إلى الجيش السوري، لكن بشرط الاحتفاظ بتشكيلاتهم كقوة تنظيمية تدافع عن مناطقهم، وهو ما ترفضه دمشق وأنقرة.
وعلى الرغم من “التقدم الكبير” الذي تحدث عنه الشرع في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فإن الترتيبات الأمنية ما زالت متعثرة، وأعلن الشرع في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” معارضته القاطعة لإنشاء منطقة منزوعة السلاح بين دمشق والحدود الجنوبية والغربية لسورية، حسبما تطلب إسرائيل، مؤكداً أنه من أجل التوصل إلى اتفاق، “يجب على إسرائيل الانسحاب إلى خطوط الثامن من كانون الأول/ديسمبر،” اليوم الذي سقط فيه نظام الأسد، وبدأت إسرائيل باحتلال أراضٍ سورية. تستند معارضة الشرع لإقامة منطقة منزوعة السلاح إلى ركيزتين: الأولى، عملية، فهو يرى أن مثل هذه المنطقة سيتيح لجماعات معادية لإسرائيل العمل ضدها، ولا يتضح مَن سيقف ضدها؛ الركيزة الثانية وطنية، إذ شدد الشرع على أن “هذه الأرض سورية في نهاية المطاف، ويجب أن يبقى لسورية الحق في إدارة أراضيها بحُرية.” ويبدو كأن هذه المواقف التي تقول دمشق إن واشنطن تؤيدها، تلغي احتمال تولّي القوات الأميركية إدارة المنطقة المنزوعة السلاح، أو أن تعمل كقوة إقليمية لردع الهجمات على إسرائيل. إن مواقف الشرع منسّقة بدقة مع القيادة التركية التي ترى في إسرائيل تهديداً لوحدة الأراضي السورية، ولضمان عدم انحراف واشنطن عن هذا الخط، أو ممارسة ضغوط على الشرع لتقديم تنازلات، أُوفدت أنقرة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لمرافقته في زيارته للبيت الأبيض، والذي شارك أيضاً في لقاءات الشرع وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية.
وقالت الصحيفة: “هناك سيناريو آخر يتحدث عن نشر قوة شرطة روسية في جنوب سوريا، على غرار الترتيبات التي كانت قائمة في عهد الأسد، بموافقة إسرائيل والتنسيق معها”، وسبق أن أعلن الشرع، خلال زيارته لموسكو ولقائه الرئيس بوتين في تشرين الأول/أكتوبر، أن سوريا “ستحترم جميع الاتفاقات الموقّعة مع روسيا” وفُسّر هذا التصريح بأنه تعهُّد بالسماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها في طرطوس وحميميم والقامشلي، وإشارة إلى استئناف العلاقات الكاملة بين دمشق وموسكو.
السؤال الآن هو إلى أي مدى سيكون ترامب مستعداً للضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في سورية؟ وهل سيمنح تركيا “امتياز إدارة الحرب ضد داعش”، وبالتالي يجعلها القوة العسكرية المهيمِنة في سورية؟ وهل سيتخلى عن تحالفه مع الأكراد؟ وهل ستؤدي هذه الخطوات فعلاً إلى اتفاق أمني مع إسرائيل؟
الجبهة اللبنانية
على الجبهة اللبنانية أيضاً، لم يتحقق بعد أيّ اختراق يقرّب طموح ترامب إلى إطلاق مفاوضات بين بيروت والقدس؛ قال الرئيس اللبناني جوزاف عون في مؤتمر صحافي أخيراً، إنه لا يزال ينتظر ردّ إسرائيل، عبر الوسطاء الأميركيين، على اقتراحه بشأن بدء المفاوضات، وفي مطلع الشهر، صرّح قائلاً: “لا طريق أمام لبنان سوى التفاوض (مع إسرائيل)، فهناك ثلاثة مجالات للعمل السياسي: الدبلوماسية، والاقتصاد، والحرب. وعندما لا تؤدي الحرب إلى نتيجة، ما الذي يبقى؟ جميع الحروب في العالم انتهت بالتفاوض، والمفاوضات لا تُجرى مع الأصدقاء، بل مع الأعداء.” لكن عون، الذي لا تُعتبر هذه المحاولة الأولى منه لفتح قنوات مع إسرائيل، لم يوضح ما إذا كان مستعداً لمفاوضات مباشرة، بحسب ما تطالب واشنطن، ولم يوافق بعد على تغيير تركيبة لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، بحيث تضم سياسيين وخبراء مدنيين إلى جانب العسكريين، خوفاً من أن يبدو ذلك كأنه تفاوُض سياسي مباشر مع إسرائيل، والاعتقاد السائد في لبنان هو أن إسرائيل غير معنية بالتفاوض، لا بشكل مباشر، ولا غير مباشر، وتفضّل مواصلة استغلال “السماء المفتوحة” التي تتيح لها حرية العمل العسكري؛ في هذا السياق، عُقد في الناقورة الاجتماع الثالث عشر للجنة المراقبة أمس، فعرض الجانب اللبناني انتهاكات إسرائيل، لكن من دون أي تقدُّم سياسي.
وفي الوقت عينه، اشتكى قائد الجيش اللبناني من أن إسرائيل لا تسمح لقواته بدخول مناطق يُشتبه في وجود أسلحة أو منشآت تابعة لحزب الله فيها، متهماً إياها بأنها تفضّل تنفيذ غارات جوية، بدلاً من تمكين الجيش من تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله؛ وعلى الرغم من ذلك، فإن الجيش اللبناني يواصل محاولته تطبيق خطته التي عرضها على الحكومة في آب/ أغسطس الماضي، والتي تعهد فيها بجمع سلاح حزب الله في المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني قبل نهاية العام، الموعد الذي يبدو غير واقعي الآن.
خلاصة
وتابعت الصحيفة: “مثلما هي الحال في سوريا، ينتظر اللبنانيون أيضاً قراراً أميركياً يفرض على إسرائيل ولبنان اعتماد الورقة السياسية التي قدمها المبعوث الخاص توم باراك، والتي تنص على وقف الهجمات الإسرائيلية مدة شهرين، وخلالها، تُجرى مفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية وترسيم الحدود البرية وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بين البلدين. وفي موازاة ذلك، تنسحب إسرائيل، بالتدريج، من خمسة مواقع تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية.لكن بحسب برّاك، رفضت إسرائيل الخطة تماماً”.
وصرّح دبلوماسي أوروبي يشارك بلده في هذه المخططات لصحيفة “هآرتس” بأن “الانطباع الآن هو أن هناك نشاطاً دبلوماسياً واسعاً وأوراق عمل كثيرة تنتقل من يد إلى يد، لكن في النهاية، هناك جهة واحدة يجب أن تضرب على الطاولة، وتفرض التحركات على الأرض، وهي تجلس في البيت الأبيض، ولا أحد يعرف إلى أين تتجه.”
المدن
—————————-
أحمد الشرع مدلّل ترامب: جهاديّ “بريء” حتّى من تاريخه الشخصي!/ عمّار المأمون
13.11.2025
الشرع حمل السلاح ووجّهه ضد سوريين آخرين، لم يدافع عنهم، بل قتلهم لأسباب أيديولوجيّة. كما هجّرت هيئة تحرير الشام قرى مسيحية ودرزية حين استتبّ لها الحكم في إدلب، بل إنها نبشت قبر شيخ متصوف وأخفته في مكان مجهول. لا نعلم إذاً أي “ظلم” يتحدث عنه الشرع حين حمل السلاح وأراد دفعه عن الناس!
كُلّلت تحولات أحمد الشرع “البراغماتية” ومسار “نزع التشدد” الذي مرّ به، بزيارته البيت الأبيض. دخل الشرع المكتب البيضاوي، قابل دونالد ترامب، وتبادلا الصور والهدايا والضحكات، لحظة تدشين الوجه الجديد لـ”الحرب على الإرهاب”، أحمد الشرع، أبو محمد الجولاني، الجهادي السابق، ورئيس المرحلة الانتقالية، الذي سيعود إلى دمشق مع قبعة “ماغا”، علامة الولاء لترامب.
احتفى السوريون – الأميركيون بزيارة الشرع، وعمل داعمو اليمين الأميركي من السوريين الجمهوريين على استقبال الشرع أفضل استقبال، بل إن طارق نعمو، من سهّل اللقاء بين الشرع وبين براين ماست، قال إنه مستعد للتخلي عن كرديته في سبيل سوريا، هكذا هم المفرطون في وطنيتهم إذاً، يسلخون هوياتهم في سبيل بلادهم، حسّ وطنيّ عال يتمحور حول أحمد الشرع نفسه. حسّ وطني دفع بمعاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، إلى وصف ما حصل في واشنطن بأنه “ترتيب ربانيّ”، وأن الشرع يأتي رجل مثله كل مئة عام!
ظهر الشرع أيضاً في لقاء على فوكس نيوز، أبرز القنوات الداعمة لترامب، والتي أخطأ القائمون عليها، ووضعوا صورة الشرع وراء العلم السوري القديم! لكن هذه تفاصيل. رئيس سوريا الجديدة لا يهمه القناة وتيارها السياسي، المهم “سوريا” وطمأنة الأميركيين بألا علاقة له بأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذ كان بعمر الـ19، ولم يكن له حينها قرار.
تكررت حجة “طيش الشباب” على لسان أحمد الشرع لتبرئة نفسه من ماضيه الجهادي في العراق وفي سوريا، ماض تشهد عليه مئات الجثث، لكن هي رعونة شابّ أمضى النصف الأول من حياته في السجون الأميركية بالعراق، والنصف الثاني في الأنفاق متخفياً في سوريا، حيث بايع داعش، ثم القاعدة، ثم أسس جبهة النصرة، ثم هيئة تحرير الشام، وكلها مصنّفة كجماعات إرهابية، وارتكبت من الجرائم ما ارتكبته. لكن ذلك كله لا يهمّ، فورة مراهقة، وسوريا بلد معقّد، وحسب ترامب، الشرع ذو ماض “قاس” وهو الشخص المناسب للحكم ، لكن لا إرادة للسوريين في أي شيء مما سبق.
يرسم الشرع في أميركا ماضيه كما يشاء، ويخاطب كل جمهور كما يريد، تبرأ من القاعدة بحجة الشباب، لكنه أكّد أنه “مقاتل” وحارب تنظيم داعش وخليفته، لكنه أيضاً يعيد رسم حياته الشخصية، فحين سئل عن الصحافي الأميركي المفقود في سوريا أوستن تايس، أكد أن جهود السلطة السورية لم تتوقف لإيجاد خبر عنه، وأن والدته التقت والدة تايس، فهي أيضاً، أي والدة الشرع، ظنت ابنها ميتاً لسنوات!
مقارنة تتجاهل أن تايس لم يختر أن يختطفه النظام السوري ويختفي أثره بعدها، بينما أحمد الشرع، اختار طريق “الجهاد”، و”الاختفاء” بعد عودته إلى سوريا من العراق، والخوض في الجماعات الجهاديّة، لكن هذه هي “البراغماتية”، تلك التي لا يفهمها أحد سوى مطبّلي الشرع وبعض المستشرقين، ناهيك بأنه في لقائه مع الواشنطن بوست، وتحت صور الشطرنج المريبة، يطالعنا الشرع بدرس عن أخلاقيات القتال قائلاً: “القتال ليس شيئاً مشيناً إن كان لأجل أهداف نبيلة، خصوصاً إن كان المرء يدافع عن أرضه والناس الذين يعانون من الظلم… حين يقرر أحدهم حمل السلاح، عليه أن يمتلك خلفية أخلاقية قوية جداً”.
تصريح مثالي طوباوي، يغفل فيه مؤسس جبهة النصرة، أنه استهدف الجيش الحر مرات عدة، وخطط لتفجيرات استهدفت من حمل السلاح أيضاً ضد النظام السوري، ناهيك بأن الشرع نفسه، لم يتبنَّ “الثورة السورية” والعلم الجديد إلا متأخراً، لم يكن هدف الشرع حينها إسقاط النظام أو تحرير السوريين، حصل ذلك لاحقاً بعد التعاون مع التحالف الدولي والهدنة مع روسيا ونظام الأسد.
الشرع حمل السلاح ووجّهه ضد سوريين آخرين، لم يدافع عنهم، بل قتلهم لأسباب أيديولوجيّة. كما هجّرت هيئة تحرير الشام قرى مسيحية ودرزية حين استتبّ لها الحكم في إدلب، بل إنها نبشت قبر شيخ متصوف وأخفته في مكان مجهول. لا نعلم إذاً أي “ظلم” يتحدث عنه الشرع حين حمل السلاح وأراد دفعه عن الناس!
تسأل الصحيفة الشرع بوضوح عن خطته لـ”ضمان عدم استمرار الهجوم على الأقليات”، فيجيب قائلاً: “إنهم يتحدثون عن تهديد وجودي لإيمانهم ومللهم”، يتابع أن التعايش في سوريا بين الجماعات الدينية المتنوعة قائم منذ 1400 عام. اختيار التاريخ الهجري هنا ذو دلالات عدة، لكن لا يهم الآن، يتجاهل الشرع، القائم على السلطة في دمشق، أن مجازر الساحل والسويداء تمت بتواطؤ مع القوات الحكومية أو تسهيل منها، ونتيجتها استباحة فئات من السوريين وإذلالهم بسبب دينهم و”ملتهم”، وإهانتهم بصورة واضحة! أفلا يُعتبر هذا تهديداً للتعايش!
أكثر تصريحات الشرع التي تثير الاستفزاز، قوله التالي: “قاتلت في حروب عدة، لكني لم أتسبب أبداً بموت شخص بريء”، هكذا نرى بأعيننا كيف يتم تزوير التاريخ وغسيل الماضي الجهادي من دون مساءلة من مطبّلي السلطة الجديدة، جبهة النصرة، بقيادة أبو محمد الجولاني، فخخت وفجّرت في مدن سورية عدة، استهدفت منشآت النظام والمدنيين. هؤلاء الضحايا المدنيون لا عدالة لهم، موتى غير معترف بهم، كونهم كانوا يعيشون “في مناطق سيطرة النظام”.
ادعاء عدم التسبب بـ”موت شخص بريء” مشين للضحايا وأهلهم وللشرع نفسه الذي ينكر تاريخه بعبارات منمّقة، تاريخ نعلم أنه لن يحاسَب عليه ولا أي أحد من الفصائل وقادتها، كون العدالة الانتقالية في سوريا لا تمس سوى “مجرمي النظام البائد”، هي البراغماتية الفصامية إذاً، أبو محمد الجولاني ليس أحمد الشرع أبداً، لكن، في الحالتين، كلاهما مسؤول عن قتل أبرياء، الأول “يُبرأ” لأنه كان شاباً طائشاً، والثاني ما حجته؟ مشغول بلعب كرة السلّة!
الشرع وبعد الحديث عن انضمامه الى التحالف الدولي لقتال تنظيم الدولة، أضحى الوجه الجديد لمكافحة الإرهاب، “منصب” يتولاه بمباركة من ترامب الذي لم يوفر فرصة للإعجاب بالجهادي السابق. نعته بالقويّ وذي الماضي القاسي، ثم تبادل الضحكات معه ورشّه بالعطر، هكذا يهندم أفسد رئيس في العالم الابن الأخير للجهاد العالميّ، هكذا هو الاستشراق الجهادي، صور ناصعة لجهادي سابق يلعب الشطرنج ، كل شيء معقّم، ولا تهم الحقيقة، فضمن الاستشراق الجهادي، تاريخ الدماء لا يشوش على الصورة، والأهم، لا أعداء لسوريا سوى داعش، وكأن روسيا لم تقصف الشرع نفسه، والتحالف لم يقصف ويقتل في المنطقة الشرقية من سوريا، كل الدول الكبرى بريئة من دماء السوريين!
اكتمل إدراج الشرع على الساحة العالمية، أخطاء “طيش الشباب” لا حساب عليها، والتاريخ الجهادي يمكن التغاضي عنه ببزّة نظيفة وصور ناصعة، ولقاء على “فوكس نيوز”، وآخر مع “الواشنطن بوست”. رجل سوريا الجديد جاهز لتدشين “الشرق الأوسط الجديد” بنكتة. يعطّر ترامب الشرع بما وصفه بالعطر “الأفضل على الإطلاق” ويهديه زجاجتين، الأولى له والثانية لزوجته، ويسأله:” كم زوجة لديك ؟” فيرد الشرع وهو يضحك: “واحدة”.
يتكرر المشهد أمام الكاميرات حين يقول الشرع لترامب، إن هناك هدية لميلانيا، فيقول الشرع: “القطعة الثانية للسيدة الأولى، كم زوجة لديك أنت؟”، يرد ترامب:”حتى الآن واحدة”.
“حتى الآن واحدة”، هكذا إذا هو نادي الرجال ذوي الماضي “القاسي”، سؤال عن عدد الزوجات، مسايرة للنكات السمجة، تبادل عطور وهدايا، أعداء سابقون ثم أصدقاء مفرطو الرجولة، قصف متبادل ثم ضحكات ونفض غبار الماضي وأشلاء ضحاياه، والنساء نكتة للتندر!
أما عن نتائج الزيارة، ففعلياً لا شيء جديد، لم يُرفع قانون قيصر! بل رُفع الشرع ووزير داخليته عن قوائم الإرهاب، أي لا عراقيل أمامه إن أراد لعب كرة السلّة في أي مكان في العالم!
درج
————————————
الخروج السوري عن النص.. فانتازيا شرق أوسطية/ مالك داغستاني
2025.11.13
“الجميع يتحدّث عن المعجزة العظيمة التي تجري حالياً في الشرق الأوسط”، كان هذا الاقتباس من بين ما كتبه ترامب في تغريدةٍ لهُ، إثر لقائه مع الرئيس أحمد الشرع في المكتب البيضاوي.
طبعاً للرئيس الأميركي فهمه الخاص عن المعجزات، مما لا يتوافق قطعاً مع ما نراه في المنطقة. لكن في سوريا على وجه التحديد، يرى السوريون ومعظم المحيط أن ما جرى وما زال يجري هو واحدة من أعظم المعجزات في تاريخ سوريا المعاصر.
على الطرفين المتناقضين تماماً، المؤيد لما حدث ويحدث والمعارض له، يبدو الأمر خارج المنطق ويفوق الخيال. المؤيدون للحكم السوري الجديد، سوريون وغير سوريين، أفراداً ودولاً، فإن أقصى أحلامهم حدثت وما زالت تحدث بتسارعٍ غير مسبوق، على الساحة السياسية الخارجية بما يخص علاقة سوريا بالعالم والجوار. والمعارضون، أفراداً ودولاً، يرونها كذلك خارج المنطق، لكنها في نظرهم كابوسٌ يأملون أن هناك من سيوقفه قريباً ليستيقظوا على واقعٍ جديد.
لم يكن أكثر المتفائلين في المخيمات السورية، ولا أكثر الواقعيين في قصور السلطة، ولا حتى أكثر المتشائمين في شوارع ضاحية بيروت، يتصوّر أن ما جرى في عامي 2024 و2025 يمكن أن يحدث فعلاً. لم يكن أحدٌ يتوقع أن تتحول سوريا إلى مسرحٍ لانقلابٍ شامل في الجغرافيا والسياسة. من كان يتخيّل أن الأسد الصغير، الذي جلس على كرسيّ الحكم بثقةٍ منذ ربع قرن، خلفاً لأبيه الذي بدورهِ جثم على صدور السوريين أكثر من ابنه، سوف يغادر البلاد خلال عشرة أيام فقط؟ أو أن الرجل الذي كانت الولايات المتحدة قد رصدت عشرة ملايين دولار لمن يأتي برأسه، سيلقي خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أقل من عامٍ واحد من وصوله إلى حكم دمشق؟ السوريون أنفسهم ما زالوا غير مصدّقين حتى اليوم أن ما جرى قد جرى فعلاً، فكلّ ما عشناه خلال العام المنصرم بدا وكأنه مقطعٌ من روايةٍ خياليةٍ كتبها قلمُ رجلٍ يشطّ في أحلامه، ثم جاء الواقع ليجعلها مما يمكن أن يصدّقه العالم.
تفاجأ الجميع، حين بدا لهم أن التاريخ في الشرق الأوسط خرج عن مساراته المألوفة وقرّر أن يكتب نفسه بنفسه، دون إذنٍ من قادة العالم والمحللين السياسيين الذين ظلّوا يردّدون: “لا حلّ في سوريا إلا الحلّ السياسي”. ليأتي الحلّ العسكري الخاطف فيطيح بهذه الحكمة الجاهزة، ويحوّلها مثالاً عن الخلل في تحليل العلاقات الدولية والدبلوماسية الباردة.
في واحدةٍ من مظاهرات إدلب عام 2024، وقف رجلٌ بسيط أمام الكاميرا وقال بثقةٍ: “قريباً رح نكون بالقصر الجمهوري”. ضحك الناس يومها، وشارك البعض المقطع على سبيل التندر. لم يعرف الرجل أنه كان يختصر بعفويته ما لم تستطع مراكز الدراسات في أهمّ عواصم العالم أن تتنبّأ به. هو، على الأرجح، لم يقرأ كتب العلوم السياسية، لكنه بكل تأكيد
قرأ تعب الناس وقرأ هشاشة النظام، وربما قرأ شيئاً من التعابير في وجوه المقاتلين واستعداداتهم وتحركاتهم قبل أن ترصدها الأقمار الصناعية.
حقيقة ما جرى في سوريا نهاية عام 2024 أنه كان انقلاباً على طرائق التفكير نفسها. والطريف أن التجربة السورية أثبتت، على نحوٍ لا يدانيه الشك، أن التحليل السياسي كما يُمارَس في العالم العربي، لم يعد علماً رصيناً قائماً على قراءة اللوحة، بقدر ما هو طقسٌ لغويٌّ أقرب إلى المحفوظات الشعرية. المحللون الذين أمضوا سنواتٍ يتجادلون حول شكل “الانتقال السياسي”، وجدوا أنفسهم فجأة أمام انتقالٍ فعليٍّ لا يشبه أيّاً من سيناريوهاتهم، التي اعتمدت غالباً على نوعٍ من التسوية الشكلية بين النظام والمعارضة. انتقالٌ جاء عبر انفجارٍ في قلب اللوحة السوريّة، صفع الجميع بمزيجٍ لونيٍّ جديدٍ لم يكن يخطر في بال أحد.
انكشاف الحدث السوري في لحظات سقوط الأسد تلا وتزامن مع انهياراتٍ متتابعةٍ في المنطقة. حزب الله فقد قوّته في لبنان، إيران تلقّت ضرباتٍ قاصمة، وتلا ذلك أن تركيا بدأت منذ فترة، عملية سلامٍ مع حزب العمال الكردستاني بعد عقودٍ من الدم. وكأنّ الشرق الأوسط كلّه قرّر فجأةً أن يغيّر تضاريسه السياسية خلال سنةٍ واحدة. ومع ذلك بالنسبة للسوريين، بقيت سوريا هي العقدة المركزية، المسرح الذي انفجرت فيه معجزة الانقلاب على ما كان يُدعى بالأبد السوري.
لعلّ أكثر ما يثير السخرية هو أن المحللين الذين عجزوا عن التنبؤ بكلّ ذلك، عادوا بعد أيامٍ، بوجوههم ذاتها، ليشرحوا لنا بثقةٍ (علمية) تفاصيل ما جرى. أحدهم تحدّث عن “توازنات دقيقةٍ انهارت فجأة”، وآخر ذكر إنها “لحظة نضوجٍ تاريخيٍّ للمجتمع السوري”. لكن الحقيقة أن ما جرى لم يكن نتيجة توازناتٍ ولا نضوج، لكنه النتيجة الحتمية للإنهاك. إنهاكٌ للسلطة والمعارضة وشعب الخيام، ومعهم المحللون السياسيون وجملهم الإنشائية بطبيعة الحال. وصل الجميع إلى الحائط ذاته، وعندما وصلوا إليه لم يكن هناك من خيارٍ سوى أن تنهار حجارة الحائط قرب بعضهم، وعلى رؤوس البعض الآخر.
في خضمّ هذا التحول، وفي بؤرته تماماً، جاء الرئيس السوري الجديد، الرجل الذي كان مطارَداً بالأمس ومطلوب الرأس، ليقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة متحدثاً عن “عصرٍ جديد في سوريا والمنطقة”. المفارقة لم تكن في المشهد البروتوكولي، لكنّه في الذاكرة السورية الفقيرة إلى ذاك النوع من المشاهد، فليس هناك من رئيسٍ سوريٍّ وقف على هذا المنبر منذ 58 عاماً. المشهد أنهى عقلاً سياسياً بأكمله حكم سوريا والمنطقة لعقود، مع حضور عقلٍ مناقضٍ بطرحٍ جديدٍ لم يُختبر بعد، وهو بالتأكيد بحاجةٍ إلى الاختبار قبل إطلاق الأحكام.
تبدو لي كلمة “فانتازيا، مناسبةً لوصف ما حدث. ليس لغرابة الوقائع، فالأهم أنه كشف أن ما كنّا نظنّه “واقعياً” كان في حقيقته العميقة فقراً في الخيال. الفانتازيا الحقيقية لم تكن في سقوط الأسد خلال عشرة أيام، لكن في الإيمان الطويل بأنه لن يسقط أبداً، وفي قناعات الكثيرين بأن إيران قدَراً سوريّاً، وأن حزب الله خالدٌ كرمزه الذي قُتل قبل أن يشهد المعجزة
السورية. لقد انهارت كلّ هذه المسلّمات دفعةً واحدة، طبعاً ليس من دون أن تسيل الدماء في السياق المعتاد من الفوضى التي تعرفها المنطقة. وعلى من يريد مستقبلاً كتابة تاريخ هذه المرحلة أن يكتبه بصيغةٍ مركّبةٍ مع خيالٍ يشبه الفانتازيا. مزيجٌ من البطولة والتعب، ومن الذكاء والجنون، وممّا جرى تحت الطاولة ولمسْنا آثاره دون أن نعلم تفاصيله تماماً حتى اليوم.
بطبيعة الحال، فإن سوريا ستكون في قلب هذا التاريخ رغم أنها لم تنتصر بعد، فالحديث عن أيّ نصرٍ وطنيٍّ ما زال مبكّراً جداً لأسباب داخلية لن أتطرّق إليها في هذه المادّة. لكن الأكيد أن سوريا القديمة انتهت، وبدأت سوريا أخرى مختلفة كلّياً. ربما سيبتسم رجلُ إدلب اليوم، وهو يرى الرئيس الجديد في البيت الأبيض، ويقول “قلتلكن رح نكون بالقصر الجمهوري، لكن لم يخطر لي البيت الأبيض”. ابتسامةٌ تختصر أربعة عشر عاماً من سنوات الدم، ومثلها من سنوات التحليل الفارغ، إضافةً إلى ستين سنةً من الانتظار. وفي ضحكته الساخرة، ربما تختبئ حكمةٌ لم يدركها المحللون جميعاً.
الطريف وسط هذا، أن كلّ الصفعات التي تلقّاها مَن يحلّلون الوضع السوري اليوم باعتباره “في طريقهِ إلى الكارثة”، لم تثنِهم بعد عن التحليل السطحيّ ضيّق الأفق، مستعينين غالباً بأخبارٍ ملفّقةٍ أو بتحليلاتٍ مرسَلةٍ لا سند لها في الواقع سوى في عقولهم، والأهم أنها مبنيّة على مظاهر قشرية، وتفسيرات تهويمية. وعلى العكس من المألوف، كلما هُزموا في محطةٍ هربوا إلى الأمام دون أيّة مراجعة، وكأن لعنة “الكذب القهريّ” قد أصابتهم دون أيّ أملٍ لهم بالفكاك منها. فهم لا يرون، ولا يريدون أن يروا، هذه السابقة التاريخية التي لم تحدث في تاريخ الحركات الجهادية: انتقال منظمةٍ جهاديةٍ إلى خطابٍ جديدٍ وقطعٍ كاملٍ مع لغتها، بلغ حدَّ إحراق كلّ المراكب منعاً لأيّ تراجع.
أميركا وأوروبا والعالم بمعظمه صدَّق الأمر. فقط المعارضون الجدد ومحلّلوهم الأكثر بصيرةً لم يستوعبوا ولا يريدون تصديق هذه الانتقالة، وهذا التغيير الذي لا سابق له في تلك الحركات الجهادية، وما زالوا يتحدّثون عن التقيّة معتقدين بيقينٍ ساذجٍ أن الرئيس الشرع، في يومٍ ما، بعد “التمكين”، سوف يمدّ لسانه ساخراً من السوريين ودول الإقليم وكامل الكرة الأرضية، ليقول لهم: “ما زلتُ جهادياً في تنظيم القاعدة، لم أتغيّر وإنما كنت أخدعكم”. والمؤسف أكثر أنه لا توجد أيّة إشارةٍ تشي بأن هؤلاء سوف يتغيّرون في المدى المنظور.
لم أكتب اليوم، كما اعتدتُ، عن الوضع السوري الداخلي، وهو الأهم دائماً بالنسبة لي. مع ذلك، آملُ، ومثلي كثرٌ من السوريين، أن يُستخدم وينعكس الوضع الطبيعيّ الجديد لسوريا عالمياً في تقوية “سوريا الناس”، واستخدام ما تحقق لتصحيح الكثير من الإخفاقات الداخلية، خصوصاً على الصعيد الأمني والسلاح المنفلت والجرائم المتنقّلة، والأهم لجهةِ الحوار مع كل السوريين المختلفين، دون الاستقواء على أحدٍ، سوى مجرمي الأسد والمتطرّفين الذين يتربّصون بكواتم الصوت والعبوات الناسفة.
تلفزيون سوريا
—————————–
في تبييض أحمد الشرع/ جلبير الأشقر
11 – نوفمبر – 2025
الدعوة لزيارة البيت الأبيض هي قمة التبييض السياسي، في المنظور الغربي على الأقل. وها أن أحمد الشرع ـ الذي تحوّل بين ليلة وضحاها من أبو محمد الجولاني، أمير «هيئة تحرير الشام»، «جبهة النصرة» سابقاً، المنشقة عن تنظيم «القاعدة»، إلى أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية، وخلع بدلة الجهادي باللون الكاكي ليلبس الطقم الغربي وربطة العنق الملازمة له ـ ها أن أحمد الشرع ذاته قد زار البيت الأبيض، حيث استقبله دونالد ترامب من وراء مكتبه، وكأنه يتفحصه قبل منحه شهادة رضاه. وقد سبق الزيارة بثلاثة أيام فقط رفع اسم الشرع-الجولاني من قائمة «الإرهابيين» المطلوبين لدى الولايات المتحدة، مع الوعد بمكافأة قدرها عشرة ملايين من الدولارات لمن يأتي به حياً أو ميتاً كما في أفلام الوسترن. وسبحان من يغيّر ولا يتغيّر!
وقد جاءت زيارة الشرع للبيت الأبيض بعد أقل من شهر من زيارة أخرى أكثر إثارة للعجب بعد، وإن لم تحظَ باهتمام مماثل في الإعلام الغربي، ألا وهي زيارة الشرع لموسكو ولقاؤه مع فلاديمير بوتين في الكرملين. وما هو أعجب في زيارة الشرع لروسيا أنه حاربها لسنوات عديدة، خلافاً للولايات المتحدة التي مدّ لها يد العون، لا سيما في مواجهة «داعش»، من خلال علاقاته الوثيقة بتركيا الأطلسية. والحال أن الشرع لم يتردد في مصافحة الرجل الذي أسهم أكبر إسهام في تدمير سوريا وقتل شعبها دفاعاً عن حكم بشار الأسد، الذي كان الشرع يرى فيه عدوه اللدود وقد وفّرت له موسكو ملاذاً مريحاً وآمناً في روسيا.
ويندرج في سلسلة العجائب ذاتها توافق الدول والمحاور الإقليمية المتنافسة على التودّد للشرع: تركيا، ودول الخليج، وسواها. وحدها إيران لم تنضم إلى الجوقة، ولا شك في أن المنطق الطائفي الذي يتحكم بنهجها كما بنهج «هيئة تحرير الشام» هو العقبة الرئيسية في هذا الصدد. أما إسرائيل، فهي تُعامِل الحكم الجديد في دمشق مثلما تُعامِل الحكم اللبناني: بالضغط العسكري بغية تحقيق مرماها. فهي تبغي انضمام البلدين، سوريا ولبنان، إلى جوقة «التطبيع» العربية، بشرطين: الصدام مع «حزب الله» في لبنان من خلال السعي لنزع سلاحه، وإقرار دمشق بخسارة هضبة الجولان التي احتلّتها الدولة الصهيونية في عام 1967 وضمّتها إلى أراضيها في عام 1981، وهو الضمّ الذي اعترف به دونالد ترامب رسمياً باسم الولايات المتحدة أثناء رئاسته الأولى.
كل هذا بينما لا يزال الوضع السوري على كفّ عفريت: سلطة جديدة لا تحوز على ما يكفي من القوة للسيطرة على البلاد، بل لا تستطيع السيطرة على الجماعات المسلحة التي استندت إليها طوال سنين؛ ومذابح طائفية عزّزت إيمان الأقليات الطائفية السورية بأن لا أمان لها إزاء الحكم الجديد سوى إذا انتزعت استقلال مناطقها بقوة السلاح وحمتها على غرار ما حققه الكُرد في الشمال الشرقي السوري؛ وحكمٌ في دمشق هو عكس ما كانت سوريا في حاجة إليه، إذ لا يمت إلى الحياد الطائفي والديمقراطية والنزاهة بصلة، بل يسير على خطى الشراكة العائلية التي ميّزت حكم آل الأسد والمخلوف.
فما هو سر تكاثر العجائب التي وصفنا أعلاه منذ أن حلّ أحمد الشرع محلّ بشار الأسد في القصر الرئاسي الذي بناه والد الأخير؟ إنه بكل بساطة إسقاط كل طرف لرغباته على الحكم الجديد، وانتهازية هذا الحكم التي لا حدود لها. والحقيقة أن النظام العربي السائد، بكافة أطرافه، كان قد فعل كل ما بوسعه لتحويل الثورة السورية من انتفاضة شعبية ديمقراطية، تشكّل خطراً عليه، إلى حرب جهادية طائفية ضد حكم آل الأسد، تتناسب مع «طبائع الاستبداد» التي تسود المنطقة العربية. وكلهم باتوا يخشون أن تتحول سوريا ما بعد الأسدية إلى أسوأ مما كانت عليه خلال سنوات الحرب الأهلية، أي أن تتأجج نار بؤرة تصدير الإرهاب الجهادي التي اشتعلت في سوريا منذ أكثر من عشر سنوات. وتشاطرهم الخشية ذاتها الدول الغربية مثلما تشاطرها روسيا، بل وحتى الصين التي لا تزال متحفظة إزاء الحكم السوري الجديد وقد اشترطت عليه أن يتخلص من المقاتلين الجهاديين الآتين من أقاليم الصين المسلمة.
ثم، وكما هي العادة في العلاقات الدولية، تسود اعتبارات المصلحة الاقتصادية: فإن سوق إعادة إعمار سوريا سوق ضخمة، يفوق حجمها بكثير حجم سوق إعادة إعمار قطاع غزة التي أثارت رغبات ترامب «السياحية». وقد قدّر البنك الدولي سوق الإعمار السورية بما يتراوح بين 140 ملياراً و340 ملياراً من الدولارات، معتبراً أن الكلفة الأرجح ستكون بين التقديرين وتبلغ ما يناهز 215 مليار دولار. وفي حين استثمرت الدول الخليجية العربية ولا زالت تستثمر مليارات الدولارات في شراء العقارات وتمويل المشاريع السياحية في مصر، على الأخص، فإنها تتطلّع لتحوّل سوريا إلى مجال استثمار مماثل، مثلما بدأت تفعل في زمن بشار الأسد قبل عام 2011.
وبمجرّد قول «عقارات»، يخطر دونالد ترامب وعائلته وأعوانه تلقائياً على البال، حيث إنها إدارة أمريكية تتميّز بطغيان المضاربة العقارية في تحديد سلوكها العام. وقد أدرك الشرع الأمر، إذ لوّح بترحيبه بتشييد «برج ترامب» في دمشق عندما كانت المساعي جارية لترتيب لقاء بينه والرئيس الأمريكي عند زيارة هذا الأخير للمملكة السعودية في أيار/ مايو الماضي. ولا شك في أن أفق الاستفادة من سوق الإعمار السورية، على الرغم من أنها لا تزال افتراضية للغاية، له دور هام في موقف الرئيس الأمريكي. والأمر ذاته ينطبق على الدول الأوروبية، ومنها فرنسا التي يسعى رئيسها إيمانويل ماكرون إلى تقليد أسلافه في محاولة اقتطاع حصة من الكعكة الاقتصادية العربية (جذب دولارات النفط والغاز، الحصول على عقود البناء، تصدير الأسلحة، إلخ) بانتهاج سياسة أقرب إلى الإجماع العربي الرسمي مما هي سياسة واشنطن. وقد أسرع ماكرون لاستقبال الشرع في قصر الإليزيه قبل لقاء الزعيم السوري بترامب في الرياض.
أخيراً، ثمة رغبة مشتركة لدى الحكام الأوروبيين في ممالأة أقصى اليمين في بلدانهم بالسعي للتخلّص من اللاجئين السوريين. فيرون في إعلان ثقتهم بالحكم الجديد في دمشق تمهيداً ضرورياً لترحيل اللاجئين إلى سوريا بحجة أنها باتت آمنة، ولو تناقض هذا الزعم مع الواقع بصورة فاقعة. وقد أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الأسبوع الماضي أنه دعا الشرع لزيارته في برلين كي يفحص معه شروط إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهو الذي كان قد انتقد بشدّة قرار المستشارة السابقة أنجيلا ميركل في فتح أبواب ألمانيا أمام اللاجئين قبل عشر سنوات.
هذه الأسباب مجتمعة هي التي تفسّر المفارقة العجيبة التي تجعل شتى الدول تتسابق على تبييض الشرع والتودّد لحكم جماعة كانت تُصنَّف بالإرهابية قبل أشهر. وهو منظر لائق جداً بحال السياسة العالمية في زمننا «الترامبي».
كاتب وأكاديمي من لبنان
القدس العربي
——————————–
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي مكسب أم مخاطرة؟/ باسل المحمد
تخطو دمشق نحو واحدة من أكثر خطواتها حساسية منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، مع اقتراب انضمامها رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، المتوقع إعلانه خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن الرئيس الشرع وصل، أمس الأحد، إلى العاصمة الأميركية في زيارة رسمية، حيث من المقرر أن يلتقي يوم غد الاثنين الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وتسجَّل هذه الزيارة كسابقة في التاريخ السياسي السوري باعتبارها الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، والثانية للشرع إلى الولايات المتحدة بعد مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي.
وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، قد أعلن أن الرئيس الشرع سيوقع خلال زيارته على وثيقة شراكة تضع سوريا داخل هذا التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وأكد براك أن هذا الانضمام يمثل تحولا كبيرا ليس لسوريا فحسب، بل للمنطقة بأسرها، وهو ما يعكس حجم الرهانات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بهذه الخطوة.
لكن هذا التحول، رغم ما يحمله من مكاسب محتملة، يضع سوريا أمام استحقاقات داخلية حساسة، تتعلق بتوازن القرار السيادي، فضلا عن تداعيات أمنية قد تطول البنية العسكرية والملف الداخلي لمكافحة الجماعات المتشددة.
تعزيز الشرعية الدولية
مع التحول المرتقب في موقع سوريا داخل النظام الدولي، يُنظر إلى انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة باعتباره خطوة تتجاوز بعدها العسكري، لتفتح الباب أمام إعادة إدماج الدولة السورية في المشهد الدبلوماسي العالمي، بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
ويرى مراقبون أن الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة في السياسة السورية، مع محاولة الحكومة الانتقالية بقيادة الشرع إعادة إدماج سوريا في المنظومة الدولية وموازنة علاقاتها بين الشرق والغرب.
وبحسب دراسة صادرة عن مركز “جسور للدراسات” فإن الانضمام للتحالف سيعزز شرعية الحكومة على المستوى الدولي، وبالتالي دفع وتيرة رفع العقوبات الدولية عنها وخصوصا العقوبات الأممية المفروضة على خلفية تصنيف بعض شخصيات القيادة السورية على قوائم الإرهاب.
وستتيح هذه التطورات تحسنا للأوضاع الاقتصادية في البلاد من خلال دخول الاستثمارات والمشاريع التي ما زالت معطلة بفعل تلك العقوبات.
وتؤكد الدراسة أن الانضمام يمثل قطيعة حقيقية مع نهج نظام الأسد الذي تسبب بتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وفرض عليها عزلة وعقوبات سياسية واقتصادية، ويعيد سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي دولةً لا تهدد جيرانها، وتحافظ وتلتزم بالسلم والأمن الدولييْن.
وفي هذا السياق أوضح مؤسس منظمة “سوريا طريق الحرية”، هشام نشواتي في تصريح للجزيرة نت أن هذه الخطوة تمنح الحكومة الجديدة شرعية دولية واعترافا رسميا أكبر من مكاسب التحالف، وتعكس التزاما بالاستقرار ومشاركة في مواجهة عدو مشترك هو تنظيم الدولة، مما يحفظ سوريا ويساعد التحالف، مشيرا إلى أنها رسالة من التحالف بتوفير الاستقرار، والإسهام في وحدة البلاد.
ولطالما أكدت القيادة السورية على سعيها لاستعادة مكانة سوريا الطبيعية في المجتمع الدولي بعد عقود من العزلة من خلال مشاركتها في المؤتمرات والمناسبات الإقليمية والدولية .
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال في مؤتمر صحفي “الرئيس السوري قد يأتي للبيت الأبيض وهو يعمل بجد. رفعنا العقوبات عن سوريا من أجل منحها فرصة، وسمعت أن رئيسها يقوم بعمل جيد للغاية”.
سحب ملف الإرهاب من يد “قسد”
يمثل انضمام سوريا المرتقب إلى التحالف الدولي فرصة لدمشق لاستعادة واحدة من أكثر الأوراق حساسية في المشهد الأمني، وهي ورقة مكافحة الإرهاب في الشرق السوري، والتي احتكرتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لسنوات بدعم مباشر من واشنطن.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، من “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة”، أن أهمية هذه الخطوة تأتي من المكاسب السياسية المحتملة، وهي استعادة الحكومة السورية لدورها في ملف محاربة الإرهاب في الضفة الشرقية للفرات، بعد احتكاره من قبل قوات قسد منذ عام 2015.
ويضيف قباقيبو للجزيرة نت أن الانضمام للتحالف يضع دمشق في محل شريك مباشر لواشنطن لمحاربة تنظيم الدولة، مما يقلص من شرعية الوكيل المحلي الحالي قسد، وهذا الأمر يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة وقد يعيد التوازن إلى منطقة الجزيرة السورية.
وفي الاتجاه ذاته قال الباحث محمود علوش، في تصريح للجزيرة نت، إن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة سيجعل سوريا شريكا إقليميا رئيسيا لواشنطن والغرب في مكافحة الإرهاب.
وأوضح علوش أن هذه الخطوة نتيجة متوقعة في تحول التفضيلات الأميركية، عندما تجد الولايات المتحدة شركاء جددا يمثلون دولا وليسوا جماعات، في مكافحة الإرهاب، وهم أعلى قيمة وفعالية بطبيعة الحال.
وشهدت الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا في العمليات المشتركة التي نفذها التحالف والحكومة السورية، وأبرزها الغارة التي نُفّذت في 20 أغسطس/آب 2025، بالتنسيق والدعم من القوات الحكومية، والتي قُتل خلالها قيادي عراقي كبير في تنظيم الدولة الإسلامية صلاح نومان الجبوري.
ورقة مكافحة الإرهاب في الشرق السوري احتكرتها قوات قسد لسنوات بدعم مباشر من واشنطن (الفرنسية)
خبرات أمنية وعسكرية
يرى مراقبون أن انضمام سوريا للتحالف الدولي يفتح بابا واسعا أمام تحسين قدراتها الأمنية والاستخباراتية، بعد سنوات من إنهاك مؤسساتها العسكرية وتراجع كفاءتها في مواجهة الخلايا المتطرفة.
ويؤكد الباحث السياسي ضياء قدور أن التنسيق مع التحالف يمثل نقطة انطلاق لإعادة بناء قطاع الأمن، بمعنى أن هذا التعاون يتيح اكتساب الجيش السوري الجديد خبرات وتدريبات نوعية، إلى جانب تدفق المعلومات الاستخباراتية الضرورية لمكافحة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة.
ويضيف قدور في حديثه للجزيرة نت أن هذا المكسب مهم لمؤسسة عسكرية عانت من التدهور والتشظي خلال 14 عاما من الحرب السورية.
ويُنظر إلى هذا التعاون الاستخباراتي من الناحية الأكاديمية على أنه عنصر حيوي لتحسين الكفاءة العملياتية ومنع تحوّل التهديد الإرهابي إلى خطر طويل الأجل على الاستقرار الداخلي، يضيف الباحث قدور.
وفي سياق متصل ذكر تقرير معهد الشرق الأوسط أن سوريا ستكون على الصعيد العسكري أمام فرصة للحصول على دعم فني وعملياتي مباشر من الولايات المتحدة ودول التحالف للمشاركة الفاعلة في العمليات المشتركة ضد التنظيم.
وأشار التقرير إلى أن دمشق من الجانب الأمني ستتمكن من الوصول إلى أنظمة تبادل المعلومات التابعة للتحالف، بما يشمل التحقق من هوية المجندين الجدد داخل وزارتي الدفاع والداخلية، لمنع تسلل عناصر تنظيم الدولة إلى أجهزة الحكومة.
ونقل المعهد عن مصدر رفيع في مديرية الأمن العام، أن التنسيق الأخير بين دمشق وقيادة التحالف شمل اتفاقيات عملياتية متعددة، أبرزها: تبادل المعلومات الاستخبارية بين وحدة الاستطلاع في وزارة الداخلية وغرف عمليات التحالف الدولي، بما يمهّد لتأسيس قنوات تعاون أمنية أكثر مؤسسية واستدامة.
توترات داخلية محتملة
يمثّل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي تحديا داخلياً يتجاوز البُعد السياسي والعسكري، ليصل إلى البُعد العقائدي والأيديولوجي، خصوصا لدى الفصائل الإسلامية المتشددة والمقاتلين المهاجرين الرافضين لأي تقارب مع الولايات المتحدة أو الغرب.
ويشير تقرير لمعهد الشرق الأوسط، صدر في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى وجود معارضة من عناصر داخلية تعارض التعاون مع القوى الغربية، قد تعرقل أي شراكة مستقبلية، وهو ما يفرض -بحسب التقرير- على كل من دمشق والتحالف اتخاذ خطوات استباقية لطمأنة هذه الأطراف، وتبديد المخاوف المرتبطة بالسيادة أو النفوذ الخارجي.
من ناحيته يتوقع الباحث ضياء قدور أن أي تقارب سريع مع واشنطن أو تفاهمات أمنية مع إسرائيل، قد يهدد بتوليد انشقاقات داخلية واسعة، ويحوّل بعض المقاتلين المهاجرين والتيارات الرافضة إلى قوة معارضة عنيفة أو يسهل تنظيمهم تحت لواء تنظيمات متطرفة.
ويتطلب هذا السيناريو ـبحسب قدورـ من الرئيس الشرع إستراتيجية “احتواء ودمج” دقيقة، وتبني خطاب وطني جامع لمنع تقويض الاستقرار من الداخل قبل أن تتمكن الدولة من الاستفادة من المكاسب الخارجية.
وظهرت على الأرض بوادر هذا التوتر مطلع أكتوبر/تشرين الأول، حين نفذت طائرة أميركية غارة استهدفت قياديا في جماعة إسلامية متشددة تعرف باسم “أنصار الإسلام” شمال غربي سوريا.
ونقل موقع “المونيتور” عن مسؤول أمني في دمشق قوله “أبلغنا الأميركيين أننا لم نعد نريد وجودهم العسكري في هذه العمليات، فنحن نحارب تنظيم الدولة منذ سنوات، ويمكنهم تزويدنا بالمعلومات فقط إذا دعت الحاجة.”
وأوضح المسؤول أن هذا الموقف جاء نتيجة انزعاج بعض شرائح الشعب السوري من التعاون العسكري المباشر مع الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة.
بين الشراكة والارتهان لواشنطن
رغم ما يحمله الانضمام إلى التحالف الدولي من مكاسب سياسية وأمنية، تُثار مخاوف داخلية من أن تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لتقييد استقلالية القرار الوطني، أو جعل دمشق في موقع التبعية لواشنطن، خاصة وأن التحالف يرتبط تاريخيا بالمصالح الأميركية وأدوارها المباشرة في الشرق الأوسط.
ويحذر الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو من أن أخطر نقطة في هذا الموضوع هي الارتهان السياسي لواشنطن، لأن خطوة الانضمام للتحالف الدولي تحمل العديد من الفرص، إلا أن ارتباط التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بالمصالح الأميركية يجعل هذا الأمر سيفا ذا حدين؛ فواشنطن قد تستثمر التعاون الأمني لفرض أجندات سياسية تمس ملفات داخلية كإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، أو مستقبل العلاقة مع روسيا مثلا.
ويحذر قباقيبو من إعادة تجربة الارتهان السياسي، كما فعل النظام المخلوع حين ارتهن لروسيا وإيران؛ ومن ثَم فالأهم اليوم هو تحويل هذا الانضمام من مجرد مشاركة إلى شراكة وازنة، تضمن المكاسب الأمنية دون فقدان استقلالية القرار الوطني.
وفي هذا السياق أكد وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني أن زيارة الشرع إلى واشنطن “ستكون محطة محورية في إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة”.
وأضاف الشيباني خلال مشاركته في منتدى حوار المنامة أن هناك الكثير من المواضيع التي يتم الحديث عنها، بداية من رفع العقوبات وفتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة وسوريا، مشيرا إلى أن الحكومة السورية تريد شراكة قوية جدا مع واشنطن.
المصدر: الجزيرة
——————————–
ماذا دار بين الشرع والجالية السورية في واشنطن؟/ أحمد العقلة
الأربعاء 2025/11/12
في سياق زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، كشف الدكتور سامر الصفدي، عضو التحالف السوري الأميركي، عن لقاء الشرع مع الجالية السورية في واشنطن، مؤكداً بأنه خطوة عملية باتجاه تعزيز التواصل مع أبناء الجالية ودعم جهود التعافي الوطني.
الشرع يعرض رؤية حكومته
وبعد لقائه الرئيس، أوضح الصفدي في حديث خاص لـ”المدن” أن الشرع عرض خلال اللقاء رؤية الحكومة للمرحلة المقبلة، مركّزاً على أولويات الاستقرار والمصالحة وإعادة الإعمار، مع تأكيد دور الجاليات السورية في الخارج كشريك فاعل في الاستثمار والتنمية، وحرص الدولة على توسيع الانخراط الدولي لضمان نمو اقتصادي شامل ومستدام.
وقبل اللقاء بين الشرع وترامب التقى الرئيس السوري مع أفراد من الجالية السورية الأميركية وجرى البحث في موضوع العقوبات والاقتصاد والمسارات السياسية.
وأشار الصفدي في حديثه لـ”المدن” إلى أن “الرئيس في لقائه مع الجالية السورية في واشنطن استعرض مسيرة الوطن منذ الأيام الأولى للثورة وصولاً إلى التحرير ويوم النصر، وتحدث بصراحة عن مشاعره الشخصية وعن التضحيات الجماعية الكبيرة التي قدمها الشعب السوري، مؤكداً أن الوحدة والاستقرار والمصالحة وسيادة القانون هي أساس المرحلة المقبلة بلا أي نقاش”.
لحظة تاريخية
وأضاف: “أما الزيارة نفسها فهي لحظة تاريخية بكل المقاييس، كانت تسبق اللقاء بالرئيس دونالد ترامب. خلال أقل من عام حققنا مكاسب دبلوماسية سريعة جداً لم يتوقعها أكثر المتفائلين، والأمل الآن كبير جداً بإلغاء قانون قيصر كلياً قريباً، مما سيفتح الباب واسعاً أمام إعادة الإعمار والاستثمار والتطبيع الاقتصادي مع الحفاظ الكامل على حماية المدنيين”.
ولفت إلى أن “اللقاء تحدث عن أن الانخراط البنّاء مع الشركاء الدوليين مستمر بقوة لتعزيز الأمن والتنمية على المدى الطويل. في الاقتصاد وإعادة الإعمار هناك تعهد واضح بنمو شامل يشمل جميع المناطق السورية بدون استثناء”.
وبحسب الصفدي فقد بحث الاجتماع الأولويات المعلنة وهي خلق فرص العمل، تأهيل البنية التحتية، توفير موثوقية الطاقة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وخلال الفترة القريبة المقبلة ستُصدر تنظيمات تشريعية جديدة وستُقوَّى المؤسسات وستُطلق شراكات فعّالة لتسريع عودة الخدمات والإسكان والصناعات الأساسية.أما التعافي الاجتماعي فالأولوية العليا هي استعادة الخدمات الأساسية وتمكين العودة الآمنة والكريمة للأسر النازحة واللاجئة، مع توسيع الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية كركيزتين أساسيتين للاستقرار المستدام.
الجالية والشتات
وتابع: “بالنسبة للجالية والشتات، فقد أكد الرئيس أن دورهم مركزي في التعافي والتحديث، وعقد معهم جلسة أسئلة وأجوبة مباشرة طويلة وتعهد باستمرار الحوار، ودعاهم للمساهمة بالخبرات ورؤوس الأموال والشبكات لتسريع نمو القطاع الخاص والتحديث العام.السفير باراك من جهته دعا الكونغرس صراحة للإصغاء إلى الرئيس ترامب والمضي قدماً في إلغاء قانون قيصر، ونسب التقدم الكبير إلى جهود السوريين أنفسهم، وأشار إلى انخراط قوي من النائب بريان ماست واتصالات مكثفة معه ومع الرئاسة السورية، وطالب الجميع بمواصلة الضغط والتواصل النشط مع مكاتب الكونغرس.
وختم بالقول: “ما نترقبه الآن هو مذكرات سياسات واضحة حول العقوبات ومناخ الاستثمار وأولويات القطاعات والجداول الزمنية والجهات المسؤولة، وإعلانات قريبة جداً في البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة كدليل عملي على تسارع الزخم”.
المدن
——————————
سوريا خارج «أقواس الإرهاب»… آنَ وقت المراجعات الفكرية/ يوسف الديني
خروج سوريا من قوائم الإرهاب ينبغي ألا يُفهم على أنه نهاية المطاف أو تتويج لمرحلة، بل بوصفه بداية فرصة تاريخية لإعادة تعريف الذات الوطنية والفكر السياسي في بلدٍ أنهكته الحروب والتناقضات الآيديولوجية. فالخطوة التي أقدمت عليها واشنطن وبدعم من دول الاعتدال، وفي مقدمتها السعودية، لم تكن منحة سياسية بقدر ما كانت اختباراً لقدرة الدولة السورية على التحول من شرعية القوة إلى شرعية الفكرة، ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الوعي.
لقد أتى رفع التصنيف متزامناً مع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، وانضمامه للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، في لحظة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة، إذا أحسنت دمشق التعامل معها، باتجاه بناء سردية فكرية حديثة تترجم هذا الانفراج السياسي إلى تحولٍ حقيقي في العقل الجمعي.
إن الخطر لا يكمن في الماضي بقدر ما يكمن في الركون إلى وهم أنه قد انتهى، فرفع الاسم من القوائم يتطلب مراجعة فكرية جادة وشجاعة، تتجاوز حدود البراغماتية السياسية إلى تفكيك البنية الآيديولوجية التي غذّت الانقسام والتطرف.
من منظور سوسيولوجي، تعيش سوريا اليوم ما يمكن وصفه بلحظة «ما بعد الأصولية»، لا بمعنى أن هذه المرحلة قد استقرت، بل بمعنى أن شروطها أصبحت ممكنة. فالحقل الرمزي للصراع، كما يسميه بيير بورديو، ما زال فاعلاً في الوعي السوري؛ إذ تتنازع الذاكرة الجماعية خطابات المقاومة والثورة والأمن، ولا تزال اللغة السياسية حبيسة إرثٍ من العنف الرمزي والاصطفاف الهوياتي. لكن خروج الدولة من التصنيف الدولي يفتح المجال لتحرير هذا الحقل من وصايته الآيديولوجية، والبدء في إنتاج شرعية رمزية جديدة، تقوم على الاعتراف المتبادل والمراجعة بدل الإقصاء. إن ما تحتاج إليه دمشق ليس فقط إصلاح المؤسسات أو إعادة الإعمار المادي، بل تأسيس «لغة جديدة» تُعيد تعريف مفاهيم مثل الهوية والعدالة والانتماء، بحيث تصبح هذه المفاهيم أدوات للتوحيد لا للتعبئة. فالتاريخ السوري الحديث أثبت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح، بل في الأفكار التي تمنحه معنى وقداسة.
في المشهد السوري اليوم، يبرز تيارٌ أكثري يسعى إلى اغتنام فرصة رفع التصنيف والانفتاح الدولي، من دون أن يتخلى عن «ذاكرة» تشكّل جزءاً من هويته السياسية والدينية؛ إذ يحاول الموازنة بين الحفاظ على إرث القتال وإعادة تأويله ضمن إطار الدولة الحديثة، بحيث لا يُمحى الماضي، بل يُعاد توظيفه في خدمة الشرعية الجديدة. إلى جانبه، يظهر تيار نقدي أقل حجماً وتأثيراً وأكثر قلقاً، بدأ يراجع التجربة الأصولية في سوريا خلال سنوات الأزمة بوصفها ظاهرة فكرية أكثر منها حدثاً سياسياً، ويرى أن إخفاقها نابع من تحويل المفاهيم الدينية الكبرى إلى أدوات تعبئة آيديولوجية. هذا التيار الذي يقوده مثقفون وفقهاء وفاعلون مدنيون، يطرح بديلاً يقوم على «الإسلام المدني» في مقابل «الإسلام السياسي»، وعلى فكرة المواطنة بوصفها عقداً أخلاقياً لا أداة انقسام. في المقابل، لا تزال بقايا الذاكرة الأصولية تُشكّل قوة رمزية فاعلة، تنظر بعين الريبة إلى التحولات الجارية وتعتبرها مساساً بـ«طهورية» المشروع القديم، مستندة إلى سردية المظلومية وإلى شبكاتها الرقمية في الدفاع عن شرعيتها. هذا التعايش بين المراجعة والتمسك، بين النقد والحذر، يكشف أن الوعي السوري لم يستقر بعد، وأن التحول الفكري ما زال في طور التكوين، لكنه يشكّل في الوقت ذاته ميداناً واعداً لإعادة إنتاج المعنى؛ حيث تعود السياسة لتكون مجالاً للجدل لا للسلاح.
ومع أن رفع التصنيف خطوة مهمة، فإن ما سيمنحها معناها الحقيقي هو ما سيحدث بعدها. فالمعركة المقبلة ليست ضد بقايا التنظيمات المسلحة بل ضد أنماط التفكير التي تغذيها. والاختبار الأكبر أمام دمشق هو بناء سردية وطنية جديدة تتجاوز ثنائية «التطرف مقابل المدنية» التي خنقت المشرق لعقود. فالمراجعة الفكرية لا تعني الإنكار، بل تعني امتلاك الشجاعة لقراءة التجربة الماضية نقدياً، وتحويلها إلى معرفة تحصّن المجتمع ضد تكرارها. إن بناء «رأسمال شرعي جديد»، كما يصفه تشارلز تيلي، يحتاج إلى توافقٍ وطني على أن الدولة لا يمكن أن تستمد قوتها من العنف، بل من وعي الناس بشرعيتها الأخلاقية، ومن قدرتها على تمثيلهم من دون تمييز. هذا الوعي هو الذي سيجعل رفع التصنيف خطوة تأسيسية، لا مجرد مكسبٍ سياسي مؤقت.
وتشير التجارب المقارنة في العصر الحديث إلى أن غياب المراجعة الفكرية بعد النزاعات يُبقي جذور التطرف حية، تتحول مع الوقت إلى أشكالٍ أكثر مرونة وخفاء. لذلك فإن الرهان الحقيقي في سوريا اليوم هو على «تحصين الوعي»، لا على الردع الأمني وحده. فالأمن يبدأ في العقول، حين تتشكل قناعة جماعية بأن التعدد ليس خطراً، وأن النقد الذاتي ليس ضعفاً. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الثقافة والتعليم والإعلام كأدواتٍ لإعادة صياغة اللغة العامة، بحيث يُعاد الاعتدال إلى مكانته كقيمة وطنية، لا كخيارٍ سياسي مؤقت. إن دولة تستثمر في المراجعة لا تفقد هيبتها، بل تبني مناعتها الفكرية على أسسٍ أعمق.
ولعل ما يجعل هذه اللحظة استثنائية أن سوريا تقف الآن على حافة التحول من «دولة الصراع» إلى «دولة المعنى»، من إدارة الأزمات إلى إنتاج الوعي. فرفع التصنيف الأميركي منح دمشق نافذة نادرة لإعادة تعريف نفسها، لا كطرفٍ في معركة ضد الإرهاب، بل كدولة قادرة على إنتاج فكرٍ مضادٍ له، يوازن بين الأمن والحرية، بين الدين والعقل، وبين الذاكرة والمستقبل. هذه الفرصة إذا أُحسن استثمارها، يمكن أن تُدشّن مرحلة «ما بعد الإسلاموية» التي تحدّث عنها أوليفييه روا؛ حيث يتحول الدين من أداة حكم إلى إطارٍ أخلاقي للعيش المشترك. عندها فقط يمكن القول إن سوريا بدأت تتحرر، ليس من تصنيفٍ سياسي فحسب، بل من إرثٍ ذهني طويل جعلها ساحة لصراعات الآخرين.
إن ما يُنتظر من دمشق اليوم ليس الاكتفاء بخطاب الانتصار، بل الشروع في مراجعة فكرية جريئة تُعيد ترتيب أولويات الدولة والمجتمع، وتحول تجربة الحرب إلى ذاكرة نقدية بنّاءة. فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون بالسلاح، بل الذين يمتلكون الشجاعة لمساءلة ماضيهم وصياغة معنى جديد للحاضر. وسوريا، وقد خرجت رسمياً من قوائم الإرهاب، أمامها الآن فرصة أن تخرج من ظلاله أيضاً؛ بأن تُحوّل الاعتدال إلى مشروع وطني، والمراجعة إلى ثقافة عامة، لتصبح نموذجاً لدولة تتعلم من أزمتها ومِن ورائها كل دول الاعتدال ستمد يدها لها من أجل تحقيق هذا التحول البنيوي.
الشرق الأوسط
————————————
الفتاوى المتصارعة… سوريا في التحالف الدولي/ فهد سليمان الشقيران
13 نوفمبر 2025 م
لم يعد النمط السياسي الذي قرر خطّه الرئيس السوري أحمد الشرع خافياً على أحد؛ براغماتية سياسية، وإقبال على الحلّ الكامل مع إسرائيل، مع اقتناع بنماذج التطوّر لدى دول التنمية الصاعدة، بغية بدء مرحلة إعادة الإعمار، كلها أقوال مكتوبة ومتلوّةٌ في وسائل الإعلام.
لكن الأهم من ذلك هو الإرباك الذي أحدثه نموذج الشرع الحالي في صلب الأوساط الأصولية والغضبة التي سببتْها النقلة السريعة لدى منظّريهم وقيادييهم.
يعلم الشرع جيداً أن الخروج من تنظيماتٍ ذات هيكلية صلبة ليس سهلاً، وله أثمانه. لقد صدر عديد من الفتاوى والكتابات القلقة والمصدومة من تغيّر الشرع وبهذه السرعة حيث الانتقال من جبهات حلب ودرعا إلى بلاط البيت الأبيض وبسياسات لم يتوقعوها منه.
لقد ارتطمت نظريات الأصولية بجبالٍ من الأسئلة، وعاشت صنوفاً من مشاعر الخيبة والإحباط.
لقد غلب على خطاب الشرع منذ توليه الحكم التركيز على المجالات السياسية والاقتصادية. لم يعتنِ كثيراً بالتبرير الفقهي لحلفاء الأمس، ولذلك فإن هذه الثغرة استعملها أنداده من أجل ضرب مشروع «الخروج السوري» من الأزمة الكبرى.
غير أن وزير العدل السوري مظهر الويس نُشرت له، بالتزامن مع زيارة الشرع، فتوى مطوّلة حول المواضيع التي جننّت الأصوليين وحاول فيها ردم الهوّة بين الشرع الجديد والقدامى الناقمين.
تأتي فتوى وزير العدل بعد أن راجت فتاوى مناوئة لدخول سوريا في التحالف الدولي للحرب على تنظيم «داعش». على سبيل المثال كتب أحدهم مفتياً بأن «من يدخل هذا الحلف لتنفيذ الأجندة الأميركية حاملاً مشروعاً علمانياً ديمقراطياً، ففعله رِدَّة، لأن فيه متابعة للكفار على كفرهم وإعطاءهم مقاليد الطاعة، ولا التفات للحجج الواهية هنا من منع الظلم والبغي لأن هذا لا يبرِّر فعل الكفر».
مثل هذه الفتوى التحريضيّة تعبّر عن الانقسام الشديد داخل التنظيمات على المستوى النظري، فتكفير فعل الشرع يعني أن ثمة معركة داخلية في سوريا لابد من أن يخوضها الشرع بغية سحق ما تبقى من هياكل إرهابية مارقة.
نعود إلى فتوى وزير العدل، ومن ضمن ما ورد فيها: «بعيداً عن الضجيج والمزاودة، ومن باب وضع النقاط على الحروف حتى لا تلتبس الأمور في ظل التشويش والتخليط الذي يمارسه البعض، ونصيحةً للشباب حتى يعرف الحق من الباطل لأن الأمر دين، وحتى لا يظن أن الصمت عجز والسكوت عِيٌّ، ففي الجعبة الكثير».
أما تبريره الفقهي في الفتوى حول دخول سوريا التحالف الدولي، فهو كالتالي: «ما دام ميزان المصالح والمفاسد يشير إلى ترجيح كفة المصالح العامة ودرء المفاسد والشرور، وأنّ العمل يأخذ شكل التنسيق والتعاون المعلوماتي والتدريبي الذي يعزز سيطرة الدولة واحترام سيادتها، ولا يتضمن أي تنازلٍ عن حقٍّ شرعي أو إقرارٍ بمخالفة شرعية أو تبعية ومظاهرة أو مناصرة، بل هو استفادة في أمور لها سياقها الموجود أصلاً بسبب الدواعش أنفسهم وما سببوه من تدخلات، ولذلك فإنّ هذا الأمر يكون مشروعاً بهذه الضوابط مع ضرورة اليقظة والحذر، ويندرج كل ذلك ضمن قواعد السياسة الشرعية وفقه الواقع».
كل ذلك الجدل يبين مستوى الاحتدام السجالي في سوريا وخطورته المستقبليّة. قد تنتقم التنظيمات الإرهابية تنتقم بشتى الصنوف وهذا تحدٍّ حقيقي يعرفه كل من يتتبع هذه الظاهرة الأصولية وأطوارها من كثب.
هناك أشبه ما يكون بـ«الورطة الفقهية»؛ كيف تقنع حلفاء الأمس بكل الذي تدار به الأمور اليوم؟!
تصاعد هذا السجال وبقوة مع زيارة الشرع للبيت الأبيض، ودخول سوريا التحالف، هذا فضلاً عن الاتفاقيات المبرمة والتي ستُبرَم مع الشرق والغرب.
الخلاصة؛ أن التحديات في سوريا لم تنتهِ بعد، وآيةُ ذلك هذا الاعتراض الأصولي الشرس على سياسات الحكومة السورية الحالية. من المهم الانتباه إلى مكر هذه التنظيمات؛ إنهم يعدّون أنفسهم شركاء في «التحرير»، ويريدون حصّتهم من الكعكة.
وأخيراً، فإنه من الصعب هدم أفكار تلك الجماعات بفتوى، فبناؤها النظري معقّد ويحتاج ضربه إلى جهدٍ ووقت وصبر وإلى قوّة لا تلين.
الشرق الأوسط
—————————————–
ما بعد فتح واشنطن… سوريا إلى أين؟/ وليد فارس
“الجمهورية العربية السورية” الثانية ستكون نسخة معكوسة عن سابقتها على الصعيدين الدفاعي والعسكري
الأربعاء 12 نوفمبر 2025
إسرائيل، التي لم تخف من تركيا، لن تجرؤ على الاصطدام بقوات أميركية منتشرة في سوريا، ولا أن تصطدم مقاتلاتها بالقوة الجوية الأميركية. لذا فحذاقة النظام أن يقيم جداراً أميركياً حول العاصمة يحميها عملياً، بحجة حماية الاستثمارات الأميركية.
مؤيدو الرئيس السوري أحمد الشرع مبتهجون للنصر العظيم لزيارة الولايات المتحدة ومقابلة الرئيس دونالد ترمب، والحصول على دعم مباشر من الإدارة على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات المالية والاقتصادية والدبلوماسية وربما الأمنية والدفاعية. وتمت تغطية شاملة ومفصلة لاجتماعات المكتب البيضاوي والوزارات والأجهزة الأخرى في العاصمة، إلا أن أهم إنجازات الوفد الحكومي كانت تصاريح ترمب المؤيدة والمادحة للرئيس السوري. فتأتي حصيلة الزيارة الأموية “للإمبراطورية الأميركية” كأنها ناجحة جداً على الصعيد الاستراتيجي، لا سيما بالنسبة إلى السلطة الحاكمة في دمشق.
فالإدارة تبارك دخول الشركات الضخمة الأميركية إلى سوريا، وبسرعة فائقة للغاية، مما يعني سيولة ستذهب إلى الحكم والمكونات الاقتصادية المؤيدة له، وأرباحاً كبيرة ستدخل خزائن البزنس الأميركي وربما الدولة أيضاً. على هذا الصعيد المالي والاقتصادي، فالسلطة المنبثقة تاريخياً عن جبهة “النصرة” باتت على وشك الوصول إلى مستوى الشراكة الكاملة مع واشنطن، كما هو الحال بين قطر وتركيا من ناحية، والسعودية والإمارات ومصر من ناحية ثانية، مع واشنطن. ولكن ربما المستوى الأهم بالنسبة إلى النظام الجديد هو التعاون العسكري القادم، وهو ربما الأكثر زلزلة من كل المستويات الأخرى.
“الجمهورية العربية السورية” الثانية ستكون نسخة معكوسة عن سابقتها على الصعيدين الدفاعي والعسكري، فسوريا البعث منذ الستينيات وسوريا الأسد منذ 1970 اعتمدتا كلياً على السلاح السوفياتي ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران على الدعم العسكري الخميني. أي بكلام آخر على التسليح الغربي، وبالتالي هل سيتوجه الحكم السوري الجديد إلى الغرب بصورة كاملة؟ هل سيتحول أبناء “النصرة”، وهي بنت القاعدة تدريجاً، إلى أميركا للتسلح والتدريب تحت حجة “الشراكة الجديدة”؟ الخطاب “الجهادي التأسيسي” قد لا يشجع على ذلك، ولكن الاجتهادات الاستراتيجية ليست فقط تقبل بذلك، لكنها ربما تشجعها.
فمبدأ “التمكين” الذي استحدثه العقائديون الإخوانيون، وعلى رأسهم الشيخ الراحل يوسف القرضاوي، قد سمح “بالتسلح ولو من العدو الكافر” كما تسلحت طالبان من المخازن السوفياتية وبعد ذلك بعقدين تسلحوا من مخازن الأميركيين من دون عقدة ذنب إطلاقاً. لذا إن حصل أحفاد القاعدة، فرع سوريا والعراق، الذين قبلوا بالصفقة الأميركية، لن يرفضوا سلاح أميركا وعقودها وشركاتها. فالتمكين هو عقيدة تشرع الحاضر والماضي بشرط الالتزام بالمستقبل العقائدي “عندما تتيح الظروف”. نعم، الدولة الأموية الجديدة ستحصل على السلاح (من “الكفار”) من دون تردد، وستحارب “الإرهاب” ضمن التحالف الدولي، كما تفعل الأردن ومصر والسعودية والإمارات، بهدف واحد متعدد الرؤوس: الحفاظ على دولتهم لهم، والمحافظة على هويتها الأموية، وتمويلها، وتسليحها، وقهر معارضيها، وإنهاء الدور الاستقلالي للأقليات.
وبالمقابل، تنمية الدولة الجديدة وتحديثها وتحسين وضع علاقاتها في المجتمع الدولي، وإدخالها في التحالف الغربي ولو كان موجهاً ضد فصيل إسلامي متشدد آخر اسمه “داعش”. فالفصيل الحاكم في دمشق هو الممثل الأعلى لـ”المجاهدين الحقيقيين”، بينما داعش هي “المنحرفين”، وبالتالي فالأمويون سيقفون مع التحالف الدولي ضد “منحرفي” الدواعش، ويقبضون ثمن ذلك باعتراف دولي جارف بالسلطة في دمشق وحمايتها ضد كل أعدائها مجتمعين، من إيران إلى إسرائيل إلى دول عربية معتدلة، والسماح لها بالحسم ضد “أقلياتها المتمردة” من أكراد وعلويين ودروز ومسيحيين وغيرهم. بذكاء وحنكة، ستحول النخبة الأموية الدعم الأميركي إلى حليف ضد أعدائها بعد فتح واشنطن، إلا أن الأخطار متعددة.
الإدارة قد تخصص قاعدة عسكرية قرب دمشق لتوطيد العلاقات الدفاعية بين أميركا وسوريا الأمويين، وتنسق الجهود ضد “داعش”، إلا أن السلطة الجديدة، وبدهاء كبير، ستحول قوة القاعدة إلى جدار كبير “لحماية” القصر الجمهوري ووزارة الدفاع ومراكز القوة الأساسية للميليشيات، إذ لديهم قناعة بأن إدارة الرئيس لن تقبل بأن يأمر بنيامين نتنياهو بغارات على قيادات السلطان السورية.
فإسرائيل، التي لم تخف من تركيا، لن تجرؤ على الاصطدام بقوات أميركية منتشرة في سوريا، ولا أن تصطدم مقاتلاتها بالقوة الجوية الأميركية، لذا فحذاقة النظام أن يقيم جداراً أميركياً حول العاصمة يحميها عملياً بحجة حماية الاستثمارات الأميركية. من هنا، فاستراتيجية “الأمويين الجدد” المدعومة تركياً وقطرياً ستحول سوريا العربية الجديدة إلى محمية أميركية تمتد على ثلاث دول بتمويل استثماري بمليارات الدولارات، وتحت هكذا غطاء فولاذي، ينهي الحكم الجديد مشاريع الحمايات الذاتية، ويضع حداً للتوغل الإسرائيلي، ويؤمن صد أي زحف ميليشياوي من إيران والعراق.
لذا، ففتح واشنطن قد يكون بداية لخلافة أموية متجددة “عادت لعاصمتها” بعد قرون، تقابل عودة إسرائيل القديمة لأرض كنعان بعد غياب ألفي سنة. هذه حكايات تاريخية، ولكن الحكاية الحقيقية أبسط، لأنها كناية عن صفقات العصر وحسابات معقدة للكتل والمصالح في ثوب عاطفي تاريخي.
سنرى…
—————————————
زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن… خطوة مهمة لكن هل نجاحها أكيد؟/ بيل ترو
بعد صعود استثنائي انتقل الشرع من مقاتل مطلوب إلى زائر للبيت الأبيض مروراً بملعب كرة سلة في قاعدة عسكرية أميركية
الأربعاء 12 نوفمبر 2025
أحمد الشرع، المقاتل السابق في “القاعدة”، أصبح أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض بعد سقوط الأسد، ويسعى حالياً للحصول على ضمانات لرفع العقوبات وكبح الهجمات الإسرائيلية. أما ترمب، فيستهدف اتفاقاً أمنياً بين سوريا وإسرائيل ضمن “اتفاقات أبراهام”، وسط انقسامات داخلية عميقة وتحفظات كردية.
ربما يكون أوضح دليل على أن اسمك لم يعد مدرجاً على قوائم الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية من انتشار مقطع مصور لك وأنت تلعب كرة السلة مع مجموعة من القادة العسكريين الأميركيين.
هذه ليست سوى الحلقة الأحدث في السرد الاستثنائي لمسيرة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي انتقل من مقاتلٍ سابق في صفوف تنظيم “القاعدة”، رُصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، إلى رجلٍ وصفه دونالد ترمب بأنه “الشاب الجذاب والقوي الجديد في الشرق الأوسط”.
بعد نجاحه في مباراة كرة سلة لم يُكشف مكانها، زار الرئيس الشرع العاصمة واشنطن للقاء أحدث معجبيه وأكثرهم نفوذاً. كذلك أصبح أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض منذ أن نالت بلاده استقلالها عام 1946.
ولا يمكن اعتبار جدول أعمال الاجتماعات المغلقة اليوم سهلاً بأي حال، إذ يتناول بعضاً من أكثر خطوط التصدع توتراً في منطقة تغلي بالاضطرابات.
تولّى الشرع سابقاً قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة “هيئة تحرير الشام”، التي كانت متحالفة مع تنظيم “القاعدة” في فترةٍ من الفترات، قبل أن تنفصل عنه عام 2017. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، صعد إلى السلطة بعدما قاد قوات المتمردين التي أطاحت بالديكتاتور السوري بشار الأسد.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الشرع الرئيس الموقت لسوريا، الدولة التي تكافح لإعادة البناء وتضميد جراحها الطائفية العميقة التي استغلّتها القوى الدولية، بعد حربٍ أهلية استمرت 13 عاماً، وأعقبت أكثر من نصف قرن من حكم عائلة الأسد القمعي.
وقد حقق الرئيس الشرع بعض المكاسب البارزة؛ ففي الأسبوع الماضي وحده أُزيل اسمه من القوائم السوداء للعقوبات الأميركية والبريطانية والأممية.
ولا شكّ في أنه يسعى خلال زيارته إلى واشنطن للحصول على تطمينات بشأن الرفع الدائم وغير المشروط لما تبقى من العقوبات التي، على رغم تعليقها الجزئي، ما زالت تُلقي بظلالها على الاستثمارات الدولية التي تحتاجها بلاده المدمرة جراء الحرب.
أما ترمب، فتتصدّر جدول أعماله رغبته في التوصل إلى اتفاق أمني محتمل بين سوريا، أحدث حلفائه الإقليميين، وإسرائيل، أقرب شركائه.
من المرجح أن يكون الرئيس الشرع أكثر اهتماماً بالحصول على ضمانات من الرئيس الأميركي بأنه يستطيع كبح جماح إسرائيل المجاورة، التي تثير التوترات من خلال قصفها المتكرر لسوريا منذ الإطاحة بالأسد وتدخلها المباشر في الاشتباكات الطائفية في جنوب البلاد.
وتزعم إسرائيل، التي اجتاحت قواتها الأراضي السورية وبحسب تقارير بنت قواعد عسكرية داخلها، أنها تحاول حماية دروز سوريا، وهم أقلية دينية وعرقية تعود جذورها التاريخية إلى المذهب الشيعي ويعيش أتباعها في سوريا ولبنان وإسرائيل.
وبالاستناد إلى الضغوط التي تمارسها الطائفة الدرزية داخلها، اتخذت إسرائيل موقفاً عدوانياً، فأمطرت مواقع القوات الحكومية السورية في الجنوب ووسط دمشق بالصواريخ، مستهدفة وزارة الدفاع والقصر الرئاسي.
ويريد الشرع وضع حدٍّ لهذه الهجمات الإسرائيلية المتكررة والتوغلات العسكرية.
أما ترمب، فالأرجح أنه يريد الدفع باتجاه إبرام اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، على الأرجح ضمن إطار اتفاقات أبراهام، وهي اتفاقات التطبيع والعلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وعدة دول، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة.
وإلى جانب هذه القضية، تشمل المحادثات أيضاً إمكانية انضمام سوريا إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو ما قد يُعلَن عنه خلال الزيارة.
قبل ساعات من المحادثات التاريخية، ظهرت تقارير عن مؤامرتين منفصلتين من “داعش” لاغتيال الرئيس الشرع تم إحباطهما خلال الأشهر الماضية، وفقاً لمصادر أمنية سورية تحدثت إلى وكالة “رويترز”.
وفي عطلة نهاية الأسبوع، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن حملة تستهدف خلايا “داعش” في أنحاء البلاد، وفقاً لوسائل الإعلام الحكومية.
وتأتي هذه التطورات عقب تقريرٍ لـ”رويترز” أفاد بأن الولايات المتحدة تخطط لإقامة وجودٍ عسكري دائم في قاعدة جوية بدمشق، داخل المناطق الخاضعة لسيطرة إدارة الرئيس الشرع.
كل ذلك من شأنه أن يمثل تحولاً كبيراً في المشهد السوري، إذ لطالما كانت أقرب حلفاء واشنطن وشركاؤها في الحرب ضد “داعش” هي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والتي يقودها الأكراد.
وتتمركز هذه القوات في المنطقة ذات الحكم الذاتي ذات الغالبية الكردية شمال شرقي البلاد، وقد قاتلت جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية في المعارك العنيفة التي قضت على “خلافة داعش”.
أبلغني قادة في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مراراً أنهم ما زالوا يتوجسون من إدارة دمشق. وهناك أسباب كثيرة لذلك: علاقات الشرع السابقة بتنظيم “القاعدة”، ودمج المقاتلين الإسلاميين الأجانب في الجيش السوري، والمخاوف بشأن الحكم الذاتي الكردي، فضلاً عن الدعم التركي الذي تحظى به قوات الشرع وتحالفها مع الجماعات السورية المسلحة المدعومة من تركيا، والتي تخوض منذ عام 2019 حربها الخاصة ضد المواقع الكردية.
وفي الشهر الماضي، توصلت الحكومة السورية والقوات التي يقودها الأكراد إلى اتفاقٍ مبدئي يقضي بدمج “قوات قسد” في الجيش الوطني كخطوة أولى.
لكن انعدام الثقة ما زال قائماً، ولا تزال هناك قضايا لم تُحل، من بينها الجهة التي ستتولى إدارة مرافق احتجاز عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) التي تديرها حالياً “قوات قسد” والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.
ومن شأن أي تحالفٍ جديدٍ يترسخ بين الرئيس الشرع وترمب أن يزيد الضغط على “قسد” للامتثال له.
ومع ذلك، ونظراً لتعقيد جدول الأعمال وعمق أزمات المنطقة، فإن الاجتماع، مهما كان مثمراً، لن يكون نجاحاً مضموناً. لكنه يشكل بداية مهمة.
© The Independent
———————————-
من “المقامر” إلى “الإعمار”.. للشرع: “دخول الحمام مش زي خروجه”/ تسفي برئيل
11 – نوفمبر – 2025
ترامب الآن يشبه مقامراً قرر وضع كل ماله على رهان واحد، أحمد الشرع، الزعيم الذي نجح في السيطرة على سوريا بصورة عاصفة، وربما كل الشرق الأوسط. ولكن خلافاً للمقامر الأعمى في الكازينو، الذي لا يستطيع بعد ليلة طويلة من الخسارة إلا الدعاء بسقوط حجر النرد على المكان الصحيح، جلب ترامب حجر النرد من المنزل للتأكد من ميل “الطاولة” لصالحه. أمس، التقى مع الشرع للمرة الثالثة. بدا واضحاً لهما اعتمادهما على بعضهما، نجاح الشرع الذي قد يكون الإنجاز السياسي والاستراتيجي الأهم لترامب منذ بداية ولايته، في حين يعرف الشرع أن شرعيته وقدرته على قيادة سوريا تعتمد على ترامب. السؤال هو: كيف يُعرّفان النجاح وكيف يستغلانه؟
سيقترح الشرع على ترامب مهراً مهماً: انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي شكل في 2014 للقضاء على “داعش”، الذي يضم في عضويته 89 دولة؛ ضم سوريا إلى الكتلة “المؤيدة للغرب”، بالأساس المؤيدة لأمريكا، والانفصال عن “الكتلة الشرقية” التي كانت ذات مرة سوفييتية ثم روسية؛ ووقف نفوذ إيران في الشرق الأوسط؛ والترتيبات الأمنية مع إسرائيل؛ وربما الانضمام إلى “اتفاقات ابراهيم” التي أصبحت العلامة التجارية لسياسة ترامب في المنطقة. أما الشرع من ناحيته فحصل من ترامب على عدة سلف، أهمها عناق ومصافحة علنية في مشهد غطي إعلامياً في الرياض في أيار الماضي. في تلك اللحظة، حصل “الشاب الجذاب ذو الماضي القوي”، حسب ترامب، على اعتراف أمريكا والشرعية. بعد ذلك، تم رفع اسمه من قائمة الإرهابيين الدوليين، التي تم فيها وضع جائزة بـ 10 ملايين دولار مقابل رأسه. بعد ذلك، حرر ترامب سوريا لستة أشهر من العقوبات الثقيلة التي تم فرضها عليها، وبذلك ألمح إلى أن سوريا أصبحت مفتوحة أمام الاستثمارات وتدفق أموال المساعدات، ليس من الولايات المتحدة فقط، بل من كل العالم.
ولكن في لقاء أمس داخل الغرفة البيضاوية، لم يجلس الشرع وحده مع ترامب. هو مثل مجموعة مستثمرين مهمة، ربما الأكثر أهمية في الشرق الأوسط، التي يدين لها بالمكانة التي حصل عليها، والتي تمسك بأداة تأثير ثقيلة الوزن على ترامب. وقفت على رأس هذه المجموعة السعودية التي حاكمها الفعلي محمد بن سلمان، الذي يتوقع أن تتم استضافته في البيت الأبيض قريباً بعد غياب استمر سبع سنوات، والذي كان المحرك الرئيسي الذي جعل ترامب يعترف بالشرع. جلست إلى جانبه الإمارات وقطر وتركيا، التي سارعت إلى تحويل سوريا إلى دولة رعاية وجباية المقابل السياسي الذي تستحقه عن سنوات المساعدة والتمويل والتدريب العسكري لـ “هيئة تحرير الشام”، ووحدت المليشيات الإسلامية التي قادها الشرع حتى إسقاط نظام الأسد. كل دولة من هذه الدول، وجميعها معاً، تشكل دعامة اقتصادية وأمنية للنظام الجديد في سوريا، بل وتوفر غطاء ضمانات تضمن لترامب النجاح في رهانه.
في هذا السياق، يمكن التذكير بأن هذه الدول لم تسجل حتى الآن أي نجاح كبير في حل النزاعات الإقليمية، سواء في اليمن أو السودان أو ليبيا، حتى العراق تركته لرعاية إيران بعد حرب الخليج، ونتائج تدخلها في غزة يجب انتظارها. الدولة التي غابت عن هذه الصورة الجماعية هي إسرائيل، التي يجب عدم التقليل من إسهامها في نجاح حملة إسقاط الأسد. فقد حيّدت معظم قدرات حزب الله لمساعدة الأسد، وأضرت بالقوات الإيرانية والقوات التي تؤيدها في سوريا، التي كان يمكنها الدفاع عن النظام. بعد ذلك، كان يمكن للشرع الاندفاع من إدلب، ووصل بدون أي عوائق إلى القصر الرئاسي في دمشق. والآن تُعتبر إسرائيل، حتى في واشنطن، العائق أمام تحقيق الإنجاز السوري.
لكن الغطاء الدائم الذي تمكن الشرع السياسي من إقامته لنفسه خلال سنة تقريباً، سيجد صعوبة في إزاحة العقبة الكأداء التي تقف أمامه والتي ستصعب عليه الوفاء بالتزاماته للرئيس ترامب والمواطنين السوريين والدول المؤيدة. إن انضمام سوريا للتحالف ضد “داعش” مثلاً، سيلزم الشرع بوضع قوات سورية مدربة ومؤهلة ومسلحة في ساحة المعركة، في الوقت الذي ما زال فيه الجيش السوري “الجديد” في مهده. بدأت تركيا الآن في تدريب الجيش وإعداده، وتقوم السعودية وقطر بتمويل تنظيمه العسكري، أما الإدارة الأمريكية فمن المتوقع أن تشرك سوريا في المعلومات الاستخبارية والسلاح. نفذت القوات السورية حتى الآن خمس عمليات عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية، وسجلت نجاحاً كبيراً في تصفية نشطاء “داعش”. ولكن حتى يستطيع الجيش السوري تحمل المسؤولية عن كل المعركة، فهو بحاجة ليس فقط إلى الوقت، بل بالأساس إلى إدارة سليمة لقوات الجيش وغربلة المقاتلين الذين سينضمون إليه لضمان عدم تسرب جهات متطرفة ورجال عصابات إليه، وسيطرة كاملة على المليشيات التي لم تنضم بعد إلى الجيش.
التقرير عن محاولات اغتيال الشرع، التي تم إحباطها على يد قواته، وازدياد نشاطات مقاتلي “داعش”، 3 – 5 آلاف مقاتل، تدل على ان هذه الجبهة قد تمتد إذا لم تُستأصل بسرعة. سوريا، بالتعاون مع تركيا، اقترحت بناء سجون لأعضاء “داعش” على حدودها كي تنقل إليها عشرات آلاف المعتقلين من السجون التي أقيمت في الأقاليم الكردية. الولايات المتحدة تؤيد هذه الفكرة، لكن كل العملية بحاجة إلى تجنيد وتدريب آلاف المقاتلين، وتوافق مع القوات الكردية، حلفاء واشنطن. الأكراد يخشون وبحق من أن نقل المسؤولية عن محاربة “داعش” إلى النظام السوري يعني التنازل عن خدماتهم، وبعد ذلك التخلي عنهم. أعلن الأكراد أنهم على استعداد للانضمام إلى الجيش السوري، لكن كقوة تنظيمية موحدة وليس كأفراد، وطلبوا أن تعطى لهم مسؤولية أمن الأقاليم الكردية. سيحاول ترامب ومبعوثه توم باراك إقناع الشرع بإيجاد تسوية معينة تكون مرضية للأكراد وتضمن أمنهم الشخصي والمجتمعي. ولكن الصيغة العجيبة لهذه التسوية لم توجد بعد.
الترتيبات الأمنية مع إسرائيل تنتظر اللمسة الأخيرة. فرغم التقدم الذي أحرز في المفاوضات المباشرة بين الطرفين والرغبة في توقيع اتفاق أثناء زيارة الشرع لواشنطن، فإن بعض التفاصيل ما زالت عالقة. وحسب تقرير “رويترز” في الأسبوع الماضي، تعتزم الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية قرب دمشق لمراقبة التريبات الأمنية مع إسرائيل، التي تقوم على إنشاء منطقة منزوعة السلاح من جنوب دمشق وحتى الحدود السورية الغربية والجنوبية. نفت سوريا ما جاء في هذا التقرير، وحتى لو كانت النية جدية، فمن غير الواضح ما هي صلاحيات القوة الأمريكية وما هو نطاق المنطقة منزوعة السلاح، وما إذا كانت قوات الشرطة السورية ستتمكن من العمل فيها، وما هو مصير السلاح الموجود لدى الدروز في السويداء، وإذا كانت إسرائيل ستتمكن من الحفاظ على اتصال مباشر معهم.
الترتيبات الأمنية، سواء مع إسرائيل أو حول مستقبل القوات الكردية، تعتمد بشكل أساسي على قرار الشرع وترامب، لكن التحدي المدني يبقى مهمة ضخمة منفصلة، تنتظر تحديد ملامح إعادة إعمار سوريا. حتى الآن، نجح الشرع في الحصول على التزامات مالية كافية، حوالي 28 مليار دولار، من أجل إعادة إعمار سوريا، معظمها من السعودية وقطر وتركيا. ولكن حسب تقديرات البنك الدولي، يحتاج إعمار سوريا إلى استثمارات تبلغ أكثر من 300 مليار دولار.
إضافة إلى المساعدات الأولية لتلبية الاحتياجات الإنسانية ودفع رواتب الجنود، تنتظر الأموال رفع العقوبات الأمريكية، لا سيما المشمولة في قانون “قيصر” الذي تم سنه في 2019، والذي يحظر تقديم أي مساعدات مالية أو غيرها للحكومة السورية. وقد وافق مجلس الشيوخ بالفعل على إلغاء هذا القانون، لكن استكمال التشريع يحتاج إلى موافقة مجلس النواب أيضاً. ومن المرجح أن تستمر هذه العملية لفترة طويلة، وأن تواجه بمعارضة حتى في الحزب الجمهوري. حتى ذلك الحين، لن يقوم أي مستثمر أو أي دولة، بما في ذلك الدول العربية المانحة، بتقديم التبرعات، في هذه الأثناء أكثر من نصف سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر. وربما يزداد النمو 1 في المئة فقطـ في هذه السنة.
إن الغاء العقوبات شرط ضروري للبدء في إعادة الإعمار، لكنه غير كاف. على النظام سن سلسلة طويلة من القوانين التي ستنظم نشاطات البنوك وتضمن الاستثمارات الأجنبية وتعالج الفساد وتبييض الأموال ووضع شروط لتوزيع الامتيازات لتنفيذ المشاريع. حتى الآن، عرف الشرع كيفية التعامل مع قوات المعارضة، لكنه قد يكتشف بأن المعركة على الأموال معقدة أكثر من المعركة العسكرية التي أدارها بنجاح ضد نظام الاسد.
هآرتس 11/11/2025
القدس العربي
——————————
زيارة الشرع لواشنطن ورسالة من الباب الخلفي/ جمال زحالقة
في زيارة لواشنطن هي الأولى من نوعها منذ الاستقلال عام 1946، التقى رئيس سوريا أحمد الشرع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض الإثنين الماضي. وطالت المقابلة، التي كان من المقرر أن تستمر 20 دقيقة، زهاء ساعتين، جرى خلالها تناول القضايا المتعلّقة بإسرائيل وبداعش وبرفع العقوبات عن سوريا، وغيرها من الأزمات السورية «الساخنة».
دخول الشرع البيت الأبيض من الباب الخلفي الجنوبي، وليس من المدخل الرسمي، الذي يُستقبل فيه رؤساء الدول، يعني وفق البروتوكول الأمريكي أنها ليست زيارة رسمية كاملة، وأنه يجري التعامل معها بتحفّظات وبمحاذير، ورسالة «الباب الخلفي» هي، أن على الرئيس السوري أن يقطع شوطا إضافيا للإيفاء بالشروط الأمريكية لمنحه الشرعية التامة، وهي نوع من الضغط عليه للاستجابة لقائمة طويلة من المطالب الأمريكية.
إسرائيل هي لاعب مركزي على خط العلاقة الأمريكية ـ السورية، وسكوتها عن الزيارة وعمّا جرى فيها هو علامة رضا
قد يكون هذا الاستقبال المتحفّظ، هو إضافة نوعية لأساليب ترامب في «تقزيم» ضيوفه ـ كما فعل مع رئيسي أوكرانيا وجنوب افريقيا، حين أحرجهما أمام الكاميرات. وقد يكون أيضا ـ وهذا الأرجح ـ استجابة لطلب إسرائيلي بعدم منح الشرعية الأمريكية الكاملة للرئيس السوري، قبل أن يلبّي الشروط الأمنية والسياسية الإسرائيلية. في كل الأحوال، المسألة ليست من أي باب دخل الشرع، بل في أن اختيار الدبلوماسية الأمريكية لباب الدخول هو رسالة معناها «انت لا تستحق بعد دخول البيت الأبيض من بابه العالي المكانة»، حتى لو التقيت الرئيس الأمريكي نفسه، وهو رسالة سياسية، أنّ «عليك ان تفعل المزيد من أجل أن تكون جديرا بالدخول من بوّابة استقبال الرؤساء الرسمية». لقد حظي الشرع بشرعية أمريكية وازنة ومهمة جدا بالنسبة لمكانته الدولية والداخلية في سوريا، لكنها ليست كاملة وتبقى مشروطة برضى الإدارة الأمريكية عن سلوكه في المرحلة المقبلة. لقد كانت هذه الزيارة ممكنة أصلا، بسبب انقلاب مزدوج في سوريا تبعه تحوّل متناظر ومزدوج في الموقف الأمريكي. في سوريا جرى إسقاط بشار الأسد وحل محلّه أحمد الشرع، ما غيّر فورا توجهات الحكم في سوريا وأنهى حقبة التحالف الإيراني ـ السوري الوثيق، وأصبح الاقتراب من الغرب، ومن الولايات المتحدة بالأخص، سياسية رسمية وعملية. بموازاة ذلك أعلن الشرع تحرّره من ماضيه الجهادي، وطرح نفسه رجل دولة رصينا ومتّزنا، وقد أدّت هذه التغييرات إلى إعادة النظر في التعامل الأمريكي مع سوريا، التي اعتبرتها الولايات عمليا دولة معادية، وفي الموقف من أحمد الشرع، الذي صنّف أمريكيا كإرهابي وكهدف للاعتقال أو التصفية، وأصبح ترامب يصفه بالوسيم والقوي والمؤهل والموثوق به.
خمسة شروط
تمهيدا للقاء ترامب ـ الشرع جرى شطب اسم الأخير من قائمة العقوبات المفروضة على تنظيمي «داعش» و»القاعدة»، وجاء في قرار مجلس الأمن، الذي قدّمته الولايات المتحدة، وبالتالي كان تعبيرا عمّا تريده وتستطيع تمريره في مجلس الأمن، أن التوقعات من سوريا أن «تتخذ تدابير حازمة: للتصدي للتهديد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب؛ وحماية حقوق الإنسان.. ومكافحة المخدرات؛ والنهوض بالعدالة الانتقالية؛ والقضاء على أي بقايا لأسلحة كيماوية؛ وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين؛ والقيام بعملية سياسية شاملة يقودها سوريون ويمتلكون زمامها». الشروط التي أقرها مجلس الأمن (بامتناع الصين) تبقى ضمن المعقول والمقبول، لكنها ليس سوى جزء يسير من المطالب الأمريكية من النظام السوري. فقد سبق أن طرحت وزارة الخارجية الأمريكية ثمانية أسئلة لحكومة الشرع، التي اجابت عليها بإسهاب. وجرى لاحقا تقليصها إلى خمس نقاط: «أولا، التوقيع على الانضمام الى الاتفاقيات الإبراهيمية مع إسرائيل؛ ثانيا، إبعاد الإرهابيين الأجانب عن سوريا؛ ثالثا، ترحيل الإرهابيين الفلسطينيين عن سوريا؛ رابعا، مساعدة الولايات المتحدة في محاربة داعش؛ تحمّل مسؤولية معسكرات الاعتقال شمالي سوريا، التي تأوي محاربي داعش وعائلاتهم». وجرى تحويل البنود الثلاثة المتبقية من الثمانية الأصلية إلى قنوات أخرى، وهي تشمل «التحقيق في مصير الأمريكيين المفقودين في سوريا (ومنهم الصحافي أوستين تايس)؛ ومخزون الأسلحة الكيماوية؛ والتصدي لنشاط المجموعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
هناك بالطبع شروط أمريكية أخرى، وكذلك مطالب إسرائيلية كثيرة تتبنى الولايات المتحدة معظمها. والانسجام الأمريكي مع الطموحات الإسرائيلية يصل إلى حد السعي إلى هندسة مجمل الجغرافيا السياسية الإقليمية، بحيث تكون إسرائيل هي المحور المركزي، وحوله تدور بقية أقطار الشرق الأوسط. هذا ينسجم مع أحد أهم الاستراتيجيات المتداولة في واشنطن حاليا، وتقوم على انسحاب الولايات المتحدة من مناطق العالم المختلفة مع الإبقاء على علاقة حميمية مع وكيل مركزي في كل منطقة، تكون له السطوة والهيمنة، ويقوم بحماية ورعاية المصالح الأمريكية، وإسرائيل هي هذا الوكيل في الشرق الأوسط.
إسرائيل على الخط
إسرائيل هي لاعب مركزي على خط العلاقة الأمريكية ـ السورية، وسكوتها عن الزيارة وعمّا جرى فيها هو علامة رضا، ففي ندوة عقدها «معهد واشنطن» الأسبوع الماضي بمناسبة زيارة الشرع، قال ميخائيل هرتسوغ السفير الإسرائيلي السابق للولايات المتحدة: «إسرائيل ترحّب برغبة الشرع لبناء علاقة قوية مع الولايات المتحدة، وهي تفضّل أن تراه متحالفا مع أصدقائها وليس مع أعدائها.. سوريا لم تعد جزءا من المحور الإيراني بفضل الانتصارات التي حققتها إسرائيل في السنتين الأخيرتين». لكن إسرائيل تبقى متحفّظة من الشرع، وذهب بعض المحللين الإسرائيليين إلى أن إسرائيل هي العائق أمام «شرعية كاملة» للنظام السوري الجديد في واشنطن، وإلى أنه يجب استغلال هذا الأمر لإجبار الشرع للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أو على الأقل للقبول بالمطالب الأمنية الإسرائيلية بشأن منطقة معزولة السلاح في جنوب سوريا، والإبقاء على حرية حركة المقاتلات الإسرائيلية في الأجواء السورية، للإغارة على ما تعتبره إسرائيل تهديدا لأمنها، وللمرور عبرها لقصف إيران وربما العراق.
ما تريده إسرائيل من سوريا هو منع الجيش التركي من نصب منصّات صواريخ مضادة للطائرات على أراضيها، وتعتبر ذلك تهديدات مباشرا لأمنها، ولما تراه حقّها في الهيمنة المطلقة على الأجواء السورية. وهي ترفض سحب قواتها من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، وتربط ذلك بجعل جنوب سوريا منطقة عازلة منزوعة السلاح. الولايات المتحدة تولي سوريا أهمية كبيرة وهي ترعى المفاوضات الجارية بين إسرائيل وسوريا، حول هذه المسألة، وصرح الرئيس السوري أن هناك مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وأن هناك تقدما كبيرا فيها. ويجري تناقل أخبار عن قرب التوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب السوري.
حصاد الزيارة
لا يُعرف الكثير عمّا دار حقا في اجتماع الشرع مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، لكن من الواضح أن زيارة الشرع جاءت بحصاد وفير، فقد رُفعت عنه شخصيا العقوبات، وأعلنت الخزانة الأمريكية وقفا مؤقتا لمعظم العقوبات المفروضة على سوريا، مع استثناء ما له علاقة بإيران وروسيا، ما يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار ولانتشال الاقتصاد السوري من تحت الركام. كما رشح أن الولايات المتحدة ستساعد النظام السوري في رأب الصدع مع الأكراد، وظهرت أصداء الزيارة في تصريحات قائد «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد»، مظلوم عبدي، الذي أبدى استعدادا للاندماج في أجهزة الدولة السورية. لكن يبدو أن الرئيس السوري قد وقع في فخ المبالغة حين قال، إن ترامب يدعم الموقف السوري على حساب المطلب الإسرائيلي بخصوص جعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح، ولا دليل بالمجمل على أن الشرع قد أقنع ترامب بضرورة لجم الانفلات الإسرائيلي في سوريا، الذي وصل ـ كما قال الشرع ـ إلى ألف غارة، من دون أن يطلق الأمن السوري رصاصة واحدة.
لقد جرى الاتفاق أيضا على فتح السفارة السورية من جديد في واشنطن، وعلى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. لكن يبقى الإنجاز الأكبر للزيارة التاريخية للرئيس السوري للبيت الأبيض هو الحصول على شرعية النظام وشرعية القائد، فدخول واشنطن مهم للشرع حتى لو كان ذلك من الباب الخلفي.
كاتب وباحث فلسطيني
القدس العربي
——————————
تقرير يناقش أسباب ودوافع انضمام سوريا لـ”التحالف الدولي”
نشر “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب” اليوم، الأربعاء 12 من تشرين الثاني، تقريرًا حول أسباب ودوافع سوريا من الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”
وقال “المركز الأوروبي” في تقريره الذي نشره عبر موقعه الرسمي، إن محاربة تنظيم “الدولة”، تصبّ في مصلحة الحكومة الانتقالية السورية، خاصة أنها لا تسيطر بعد على جميع مناطق البلاد، مشيرًا إلى ازدياد نشاط التنظيم مجددًا منذ سقوط النظام السابق.
وأوضح المركز مكاسب الحكومة السورية من الانضمام إلى التحالف الدولي في عدد من النقاط تمثل أبرزها في:
إعادة تأكيد دورها الإقليمي والدولي.
استعادة الشرعية السياسية على الساحة الدولية، وتجاوز صورة الدولة المنعزلة.
تحسين علاقاتها مع بعض الدول الغربية والعربية.
الحصول على دعم دبلوماسي واقتصادي، يخفف من آثار العقوبات المفروضة عليها.
كما أن هناك مكاسب مرتبطة بالمنافسات الإقليمية، بحسب المركز، شملت:
الحصول على نفوذ أكبر في المفاوضات الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل المنافسة مع القوى الإقليمية الأخرى حول مستقبل سوريا والمنطقة.
تقوية العلاقات مع حلفاء تقليديين ودول إقليمية ذات مصالح مشتركة، مما يعزز موقعها التفاوضي على الساحة الدولية.
الاستفادة من الدعم الاستخباراتي والتنسيق العسكري مع الدول الكبرى، مما يعزز قدرتها على مكافحة الإرهاب بشكل أكثر فاعلية واحتواء أي تجدد محتمل للتنظيم.
أبرز بؤر التوتر
أكد المركز الأوروبي، أن التنظيم لا يزال يشكّل تهديدًا كبيرًا لسوريا، مشيرًا إلى أن “بعض أتباع الشرع القدامى يرون أن المسار الجديد له معتدل للغاية، وهم ينشقّون عنه وينضمّون إلى تنظيم أو غيره من الجماعات الجهادية”.
ونوه إلى أن التنظيم يُعيد تنشيط خلاياه، ويُحدّد أهدافًا جديدة، ويُوزّع أسلحة، ويُكثّف جهوده في التجنيد والدعاية.
وأشار إلى أن التنظيم لم يعد يسيطر على المدن والأراضي، إلا أن لديه ملاذات آمنة في مناطق صحراوية وجبلية يصعب السيطرة عليها.
المركز أوضح أن مخيم “الهول” في شمال شرقي سوريا الخاضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والذي يضم آلافًا من مؤيدي تنظيم “الدولة” السابقين، يشكل إحدى بؤر التوتر والخطر من قبل التنظيم.
وحذر من العواقب التي وصفها بـ”الوخيمة” في حال فقدت القوات الكردية موطئ قدمها هناك، موضحًا أهمية استمرار القتال ضد التنظيم على الأرض.
المركز قال إن التنظيم تحول في أساليبه من التركيز على الاستيلاء على الأراضي، إلى تنفيذ الهجمات “الإرهابية”، مشيرًا إلى أن انخفاض عدد الهجمات التي تبنّاها تنظيم “الدولة” في سوريا والعراق خلال العام الحالي، يعود إلى اتساع نطاق لامركزية التنظيم بشكل ملحوظ، مع بروز فرعه الأفغاني (داعش خراسان) بشكل خاص مؤخرًا.
تحذير من مخاطر الانضمام
قال المركز الأوروبي، إن الولايات المتحدة تسعى للاستثمار في التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها الساحة السورية، في ظل سعي الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لكسب الشرعية الدولية عبر محاربة تنظيم “الدولة”.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تهدف من وراء مساعيها إلى إعادة تموضعها في الشرق الأوسط، وموازنة النفوذ الروسي والإيراني.
لكنه حذر من أن انضمام سوريا إلى التحالف، يحمل بعض المخاطر التي تتمثل في:
إثارة حفيظة أطراف إقليمية.
إضعاف قدرة الحكومة الانتقالية على السيطرة الكاملة على الأراضي، أو كبح الخلايا المتبقية لتنظيم “الدولة”، بسبب هشاشة الوضع الداخلي.
وأكد المركز أن المواجهة مع التنظيم ستتخذ طابعًا استخباراتيًا وأمنيًا أكثر من كونها عسكرية، فالمعركة ضد الفكر المتطرف، وشبكات التمويل والتجنيد عبر الإنترنت، باتت الميدان الحاسم.
ورجح المركز الأوروبي أن يستمر التحالف الدولي في دعم العمليات الوقائية وتبادل المعلومات، لتجنّب عودة التنظيم بشكلٍ أكثر تطورًا ولامركزية في السنوات المقبلة.
انضمام سوريا للتنظيم
أعلنت سوريا انضمامها إلى “التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية”، تزامنًا مع زيارة رسمية للرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض ولقائه ترامب في 10 من تشرين الثاني الحالي.
وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، قال في منشور عبر منصة “إكس”، الثلاثاء 11 من تشرين الثاني، إن سوريا وقّعت إعلان تعاون سياسي مع “التحالف الدولي”، مؤكدة دورها كشريك في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي.
ويُعدّ هذا الاتفاق سياسيًا، ولا يتضمن حتى الآن أي بنود عسكرية، بحسب المصطفى.
كما أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، في مقابلة مع قناة “الحدث” السعودية، أن سوريا وقعت اتفاقية الانضمام إلى “التحالف الدولي”.
عمليات ضد التنظيم
كانت وزارة الداخلية السورية أعلنت، في 8 من تشرين الثاني الحالي، إطلاق عملية أمنية “واسعة النطاق” في عدد من المحافظات، تستهدف ملاحقة خلايا تنظيم “الدولة”، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة.
وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن العملية الأمنية التي أطلقتها الوزارة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، اشتملت على 61 مداهمة في مختلف المحافظات السورية، وأسفرت عن 71 عملية اعتقال، تضمنت قيادات من مختلف المستويات، بالإضافة إلى عناصر عاديين ارتكبوا جرائم عدة، من بينها استهداف مواطنين وعناصر من وزارة الدفاع.
العمليات الأمنية أسفرت أيضًا عن تحييد عنصر من تنظيم “الدولة”، وإصابة أحد عناصر الأمن، بالإضافة إلى مداهمة مخازن ومستودعات للذخيرة والسلاح وأوكار تحتوي على معدات لوجستية في مناطق عدة، وفق تعبيره.
وشملت العملية كلًا من محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص ودير الزور والرقة ودمشق وريفها والبادية السورية، بحسب ما قاله البابا في حواره مع قناة “الإخبارية” السورية.
—————————-
الشرع يعيد رسم خريطة العلاقات مع أميركا في مقابلة حصرية مع واشنطن بوست
بعد زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها إلى الولايات المتحدة، جلس الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الاثنين الماضي لإجراء مقابلة مع مراسلتي صحيفة واشنطن بوست، سوزانا جورج وتوبي راج.
وفي المقابلة التي استمرت ساعة كاملة عقب لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار أعضاء الكونغرس، كشف الشرع عن ملامح توجه جديد في علاقة دمشق بواشنطن، بعد قرن من العداء والقطيعة.
وعرض الشرع -الذي كان في وقت سابق مقاتلا ضد القوات الأميركية في كلٍّ من العراق وسوريا قبل أن يصبح رئيسا- رؤية تقوم على المصالح المشتركة، مع التركيز على الأمن والاستقرار ورفع العقوبات الاقتصادية، في محاولة لإعادة إدماج بلاده في المنظومة الدولية.
“القتال ليس عارا إذا كان دفاعا عن الأرض وعن المظلومين”
وشدد في حديثه على أن الهدف الأساسي من زيارته إلى واشنطن هو “بناء علاقة جديدة بين سوريا والولايات المتحدة بعد 100 عام من التوتر وسوء الفهم”.
وأوضح أنه لمس من إدارة ترامب إمكانية “وضع أسس لمصالح مشتركة”، خصوصا في الجوانب الأمنية والاقتصادية.
واعتبر الشرع أن استقرار سوريا شرط لاستقرار المنطقة بأكملها، وأن العقوبات المفروضة عليها تعرقل الإنعاش الاقتصادي، واصفا رفع العقوبات التي تشل اقتصاد بلاده وتعطِّل مشاريع إعادة الإعمار، بأنه خطوة جوهرية في هذا المسار.
وأشار الرئيس السوري إلى أن المفاوضات حول رفع العقوبات مستمرة منذ أشهر وتحققت فيها “نتائج جيدة”، في حين تنتظر دمشق القرار النهائي من واشنطن.
ملفات حساسة عالقة
وفي أحد أكثر ملفات العلاقة حساسية، تناول الشرع قضية الصحافي الأميركي المفقود أوستن تايس، الذي اختفى عام 2012، مؤكدا أن بلاده أنشأت لجنة خاصة بالتنسيق مع السلطات الأميركية للبحث عن جميع المفقودين خلال سنوات الحرب، والذين يقدر عددهم بنحو 250 ألف شخص.
وكشف أنه التقى والدة تايس ونقل لها تضامنه الإنساني معها، موضحا أنه عاش تجربة مشابهة حين اختفى لمدة 7 سنوات وظن الجميع أنه قُتل، ما عدا أمه كانت وحدها تؤمن بعودته.
وفي مواجهة الانتقادات في الكونغرس التي تقول إن رفع العقوبات عن رجل “قاتل الأميركيين سابقا” يُعد مكافأة غير مستحقة، دافع الشرع عن تاريخه القتالي قائلا إن “القتال ليس عارا إذا كان دفاعا عن الأرض وعن المظلومين”، موضحا أنه شارك في حروب كثيرة لكنه “لم يتسبب في مقتل أبرياء”.
وأضاف أن كثيرين في الولايات المتحدة نفسها باتوا يعترفون بأن سياسات واشنطن في الشرق الأوسط كانت خاطئة وأدت إلى “حروب عبثية”، مضيفا أنه يرى الآن تحولا داخل الولايات المتحدة باتجاه الاعتراف بذلك.
قضايا الأمن الداخلي
وفي ما يتعلق بالعنف الطائفي المستمر في سوريا حتى بعد سقوط النظام السابق، أقر الشرع بأن البلاد تمر بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد بعد 6 عقود من الحكم الدكتاتوري وسنوات الحرب المدمرة.
واتهم مجموعات داخل سوريا بمحاولة استغلال المخاوف الطائفية لتحقيق مآرب سياسية أو انفصالية، لكنه أكد أن بلاده احتفظت بتنوّعها الديني والعرقي على مدى 1400 عام، وأن الدولة تعمل على إعادة بناء المؤسسات والقانون.
وفي الملف الأمني والعسكري، حمّل الشرع استمرار حالة الانقسام الداخلي ووجود قوى مسلحة خارج سيطرة الدولة مسؤولية تواصل نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق الشرقية.
ورغم أن القوات الأميركية تؤكد ارتباط وجودها بمحاربة ذلك التنظيم، فإن الشرع أعلن أن الجيش السوري بات الآن قادرا على تولي هذه المهمة، معربا عن اعتقاده بأن الحل الأمثل يكمن في إشراف القوات الأميركية بشكل مؤقت على دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أجهزة الأمن التابعة للدولة.
إسرائيل وروسيا
وفي منعطف سياسي آخر يعكس التحول في نهج القيادة الجديدة بدمشق، أكد الرئيس السوري أن بلاده منخرطة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
واتهم الشرع إسرائيل بخرق اتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1974 بعد سقوط النظام السابق، وتنفيذ أكثر من ألف غارة داخل سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، بينها استهداف القصر الجمهوري ووزارة الدفاع.
وقال إن سوريا لم ترد عسكريا لأنها “تركز على إعادة البناء”، معتبرا أن التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية ليس بدافع الأمن، بل نتيجة “طموحات توسعية”.
وشدد على أن أي اتفاق نهائي يقتضي انسحابا إسرائيليا إلى حدود ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول، رافضا فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح جنوبي دمشق لأنها تضع السيادة السورية تحت تهديد دائم.
نحن بحاجة لروسيا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن. ونحتاج صوتها إلى جانبنا في بعض القضايا
وفي ما يتعلق بروسيا، قال الشرع إن العلاقة مع موسكو تنطوي على مزيج من البراغماتية والحذر. وعن مصير الرئيس المخلوع بشار الأسد المقيم في موسكو، أشار إلى أن الموضوع “يزعج موسكو”، وأن الحكومة السورية ستواصل المطالبة بتقديمه للعدالة “في الوقت المناسب”.
وختم قائلا “نحن بحاجة لروسيا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن. ونحتاج صوتها إلى جانبنا في بعض القضايا، ولدينا مصالح إستراتيجية معها، ولا نريد دفعها إلى خيارات بديلة في التعامل مع سوريا”.
المصدر: الواشنطن بوست
———————————-
الشرع: الاحتلال الإسرائيلي قد يتوسع ويتجاوز حدود سوريا
12 – نوفمبر – 2025
واشنطن: قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن إسرائيل احتلت مرتفعات الجولان بحجة “حماية” نفسها، ولو استمرت في فرض شروطها فربما يتوسع احتلالها ليصل إلى مدينة ميونخ الألمانية.
جاء ذلك في مقابلة للشرع مع صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في ختام زيارته إلى الولايات المتحدة، التي وصلها الأحد وغادرها الثلاثاء، عقب لقائه نظيره الأمريكي دونالد ترامب.
وسئل الشرع بشأن ما إذا كانت سوريا ستوافق على نزع سلاح المنطقة الواقعة جنوب دمشق، بناء على مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأجاب بأن “الحديث عن نزع السلاح من منطقة بأكملها سيكون صعبا”.
وعزا ذلك إلى أنه “إذا ساد أي نوع من الفوضى، فمن سيتولى حماية المنطقة؟”.
وتابع: “وإذا استُخدمت هذه المنطقة المنزوعة السلاح من قبل بعض الأطراف كمنصة لضرب إسرائيل، فمَن سيتحمل المسؤولية عن ذلك؟”.
و”في نهاية المطاف، هذه أراضٍ سورية، وينبغي أن تتمتع سوريا بحرية التصرف في أراضيها”، كما أكد الشرع.
ومضى قائلا: “لقد احتلت إسرائيل الجولان لحماية إسرائيل (كما تزعم)، والآن تفرض شروطا في جنوب سوريا لحماية الجولان”.
واستطرد: “لذا، بعد بضع سنوات، ربما ستحتل (إسرائيل) وسط سوريا لحماية جنوبها. سيصلون (الإسرائيليون) إلى ميونيخ عبر هذا الطريق”، على حد تعبيره.
وبعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد أواخر 2024، تصاعدت الانتهاكات الإسرائيلية لسوريا، رغم تأكيد دمشق التزامها باتفاقية فصل القوات لعام 1974، والتي أعلنت تل أبيب انهيارها.
ورغم أن الحكومة السورية لم تشكل أي تهديد لتل أبيب، شن الجيش الإسرائيلي مئات الغارات الجوية منذ الإطاحة ببشار الأسد، فقتل قتل مدنيين ودمر مواقع وآليات عسكرية وأسلحة وذخائر تابعة للجيش السوري.
وتحتل إسرائيل هضبة الجولان السورية منذ حرب 5 يونيو/ حزيران 1967، وتجري دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية مفاوضات للتوصل إلى اتفاق امني.
المفاوضات مع إسرائيل
وكشف الشرع، في المقابلة، عن قطع “شوط جيد” في المفاوضات مع إسرائيل.
وقال: “نحن منخرطون في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وقطعنا شوطا جيدا نحو التوصل إلى اتفاق”.
وأضاف أن “الولايات المتحدة معنا في هذه المفاوضات، والعديد من الأطراف الدولية تدعم وجهة نظرنا في هذا الصدد”.
و”السيد ترامب يدعم وجهة نظرنا أيضا، وسيدفع بأسرع ما يمكن للتوصل إلى حل لهذه المسألة”، بحسب الشرع.
ووضع الشرع شرطا نهائيا لإبرام الاتفاق، وهو أن “تنسحب إسرائيل إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر” 2024.
وعقب الإطاحة ببشار الأسد، وسعت إسرائيل رقعة احتلالها في جنوبي سوريا، واحتلت المنطقة السورية العازلة.
تنظيم “الدولة” و”قسد”
في سياق آخر، شدد الشرع على أن مهمة حماية الأراضي السورية من تنظيم “الدولة” الإرهابي هي “مسؤولية الدولة”.
ومساء الثلاثاء، أعلنت السفارة الأمريكية بدمشق، عبر منصة شركة “إكس” الأمريكية، انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة عام 2014.
وقال الشرع: “كنا في حرب مع تنظيم”الدولة” لمدة عشر سنوات، وفعلنا ذلك دون تنسيق مع قوة غربية أو أي دولة أخرى”.
وتابع: “سوريا اليوم قادرة على تحمّل هذه المسؤولية”.
وحذر من “إبقاء سوريا مقسمة، أو وجود أي قوة عسكرية خارج سيطرة الحكومة، يُمثّل البيئة الأمثل لازدهار تنظيم”الدولة” “.
وأعرب عن اعتقاده بأن “الحل الأمثل هو أن تشرف القوات الأمريكية الموجودة في سوريا على دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في قوات الأمن التابعة للحكومة المركزية”.
ومضى قائلا: “وستكون مهمة حماية الأراضي السورية من مسؤولية الدولة”.
وفي 10 مارس/ آذار الماضي، وقّع الشرع اتفاقا مع فرهاد عبدي شاهين قائد “قسد” (الذي يشكّل عناصر “بي كي كي/ واي بي جي عموده الفقري).
وينص الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، غير أن شاهين يماطل في تنفيذ الاتفاق.
وشدد الشرع على أن سوريا هي مَن “طردت الميليشيات الإيرانية وحزب الله من سوريا”.
وبشأن مصير بشار الأسد، قال إن قضيته “مزعجة لروسيا” (التي منحته “لجوءا إنسانيا”).
لكنه شدد على أن سوريا “ستحافظ على حقوقها في المطالبة بتقديم الأسد للعدالة”.
وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أجرى الشرع أول زيارة إلى روسيا منذ توليه منصبه في يناير/ كانون الثاني الماضي، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد (2000-2024).
——————————
عضوان في مجلس الشيوخ يكشفان تفاصيل لقائهما مع الشرع
2025.11.12
قال عضوا مجلس الشيوخ الأميركي جيم ريش (جمهوري عن ولاية أيداهو) وجين شاهين (ديمقراطية عن ولاية نيوهامشر)، إن لقاءهما مع الرئيس السوري أحمد الشرع تناول مستقبل العلاقات الثنائية ودور سوريا الإقليمي، مؤكدين دعم الولايات المتحدة لانخراط دمشق بشكل بنّاء مع جيرانها، بما فيهم “إسرائيل”.
وقال ريتش وشاهين في بيانهما المشترك، الذي نُشر على الموقع الرسمي للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي
، يوم الثلاثاء، “لقد سررنا بالترحيب بالرئيس الشرع في مبنى الكابيتول الأميركي لمناقشة مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا. وأكدنا مجدداً دعمنا لسوريا مستقرة وممثلة ومزدهرة، مدعومة بإلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر في عهد الأسد، وضمان سلامة جميع المكونات السورية، والمشاركة البنّاءة مع جيرانها، بما في ذلك إسرائيل”.
وأضاف البيان أن الرئيس الشرع التزم بالتعاون في محاربة تنظيم “داعش”، وهو ما يصب – بحسب النص – “في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة”، مؤكدين أن واشنطن “تشجع دمشق على التحرر من النفوذين الروسي والإيراني”.
وأشار العضوان إلى أن الجهود المشتركة بين الجانبين ستتركز على تدمير ما تبقّى من ترسانة الأسلحة الكيماوية ومكافحة إنتاج وتهريب المخدرات مثل الكبتاغون والميثامفيتامين، إلى جانب العمل على إطلاق سراح الأميركيين المحتجزين في سوريا، وفي مقدمتهم الصحفي أوستن تايس.
واختتم العضوان بيانهما بالقول: “تحت قيادة الرئيس الشرع، أصبحت الحكومة السورية شريكاً للولايات المتحدة، ونحن مستعدون لدعم هذه العلاقة المتنامية. وبينما يمضي الكونغرس قدماً في تشريع لإلغاء كامل عقوبات قيصر، يراقب العالم كيف ستعامل سوريا شعبها وجيرانها. وإذا واصلت مسارها الحالي، فستزداد ثقة صانعي السياسات والمستثمرين بمستقبلها”.
وجاء هذا البيان بالتزامن مع إعلان السفارة الأميركية في دمشق، أن سوريا أصبحت الدولة رقم 90 المنضمة إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، معتبرة الخطوة “مرحلة جديدة من التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وشركائها”.
وأكدت السفارة أن انضمام سوريا للتحالف سيتيح توسيع التنسيق الأمني والتدريب المشترك، بما يعزز حماية المدنيين من تهديدات التنظيم، ويمهّد الطريق نحو إعادة الإعمار ورفع العقوبات الاقتصادية في حال استمرار التعاون السياسي والعسكري القائم بين الجانبين.
—————————
لجنة العلاقات الخارجية بالشيوخ الأمريكي تؤيد رفع العقوبات عن سوريا
أنقرة: أعربت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي عن دعمها لرفع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”.
جاء ذلك في بيان صادر عن اللجنة، الثلاثاء، تطرق فيه إلى لقاء رئيس اللجنة جيم ريش والسيناتورة جين شاهين بالرئيس السوري أحمد الشرع الذي زار واشنطن قبل يومين.
وأكد البيان دعمه لسوريا “مزدهرة ومستقرة”، مدعومةً برفع العقوبات بموجب “قانون قيصر”.
وأشار إلى التزام الشرع بالتعاون في مكافحة تنظيم داعش، وإلى متابعة ريش وشاهين عن كثب جهود سوريا في التخلص من الأسلحة الكيميائية التي تعود لفترة حكم نظام بشار الأسد المخلوع، وكذلك المخدرات مثل الكبتاغون والميثامفيتامين.
وأضاف: “إذا استمرت سوريا على مسارها الحالي، فلا شك لدينا في أن صانعي السياسات والمستثمرين، سيثقون بمستقبل سوريا”.
وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول 2019 أقر الكونغرس الأمريكي “قانون قيصر” لمعاقبة أركان نظام الأسد على “جرائم حرب” ارتكبها بحق المدنيين في سوريا.
إلا أن استمرار القانون بعد سقوط النظام يؤثر سلبا على الشعب السوري، كونه يفرض عقوبات على أي جهة محلية أو أجنبية تستثمر أو تتعامل مع البلاد في قطاعات مثل الطاقة والطيران أو البناء والمصارف.
والاثنين الفائت، أفادت وزارة الخزانة الأمريكية، في بيان مكتوب بشأن عقوبات قانون قيصر على سوريا، بأنه “في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني، علق وزير الخارجية ماركو روبيو جزئياً تطبيق عقوبات قانون قيصر لمدة 180 يوماً، لإثبات التزامنا بتخفيف العقوبات على سوريا”.
(الأناضول)
—————————–
ترامب والشرع.. تفاهمات تمهد لعهد سوري جديد
l 12 نوفمبر 2025
مثل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض نقطة تحول في مسار العلاقات السورية الأميركية بعد قطيعة امتدت لعقود.
ترامب عبر عقب اللقاء عن ثقته في قدرة الشرع على أداء مهامه بنجاح، مؤكدا أنه على “وفاق تام” معه، ومعلنا أن واشنطن تعمل مع إسرائيل لتحسين العلاقات الثنائية بينها وبين سوريا.
في المقابل، دعا الرئيس السوري في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” إلى تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الوجود العسكري ومكافحة تنظيم داعش، معتبرا أن بلاده لن تدخل حالياً في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين.
يرى الكاتب والباحث السياسي عبد الكريم العمر، خلال حديثه إلى برنامج الظهيرة على سكاي نيوز عربية، أن دخول سوريا مرحلة الانفتاح على الولايات المتحدة يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية.
ويضيف أن تصريحات ترامب عقب اللقاء تؤكد وجود تفاهمات جدية تشمل القضايا الأمنية، والانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، فضلاً عن توقيع اتفاقات أمنية مع إسرائيل.
وبحسب العمر، فإن الزيارة تمثل نقطة تحول في إعادة بناء الدولة السورية داخليا وخارجيا، لا سيما مع تحسن الوضع الأمني في البلاد.
ولفت إلى أن استقرار الداخل السوري شرط أساسي لانطلاق عجلة الإعمار واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ودمشق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر من خلال عودة الانضباط الأمني داخل سوريا، وإعادة تشكيل الأجهزة الاستخباراتية، واستيعاب الكوادر العسكرية السابقة في إطار مؤسسي جديد.
ويؤكد الباحث، أن نجاح دمشق في السيطرة الأمنية عزز الثقة الدولية، إذ لم تشهد البلاد صدامات أهلية أو اضطرابات طائفية كتلك التي شهدتها دول أخرى بعد سقوط أنظمتها.
ولفت العمر كذلك، إلى تنامي التعاون الاستخباراتي بين دمشق وواشنطن، والذي ترجم عمليا في تنفيذ عمليات مشتركة ضد خلايا داعش، كما لم يستبعد احتمال وجود قاعدة جوية أميركية في سوريا ضمن إطار التعاون العسكري المشترك، معتبرا ذلك تطورا طبيعيا في ضوء التحالف الأمني الجديد ومفاوضات السلام السورية الإسرائيلية.
ويرى العمر أن تعليق العقوبات الأميركية بموجب قانون “قيصر” لمدة 180 يوما يعد إنجازا مهما للرئيس الشرع، إذ لا يمكن رفعها نهائيا إلا بقرار من الكونغرس.
وأكد أن واشنطن لم تفرض شروطاً تعجيزية على سوريا، لأن أغلب مطالبها مثل مكافحة الإرهاب وتقليص النفوذ الإيراني أصبحت جزءا من السياسة السورية الجديدة التي تقوم على الانفتاح والتوازن.
ويضيف أن سوريا اليوم مختلفة عن الماضي، فهي “منفتحة على الغرب بشكل كامل، وليست عدوة لأحد”، ما يجعلها في موقع محوري لاستقطاب الاستثمارات وإعادة الإعمار، بالتوازي مع مساعي عدة دول لإعادة فتح سفاراتها في دمشق.
منعطف جديد بمسيرة الرئيس السوري الشرع بلقاء ترامب
من جانبه، يؤكد الكاتب والباحث السياسي طارق الشامي، أن اللقاء بين ترامب والشرع سبقه تفاهم حول خمس نقاط أساسية، تم تنفيذ ثلاثٍ منها، أبرزها إخراج المقاتلين الأجانب وتنظيمات الإيغور، وإخراج بعض القيادات الفلسطينية من سوريا، إلى جانب التفاهم على دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش النظامي، كما بدأت مفاوضات أولية بشأن الترتيبات الأمنية مع إسرائيل، في حين بقي ملف الاتفاقات الإبراهيمية قيد النقاش.
ويرى الشامي أن قبول سوريا الانضمام رسميا إلى التحالف الدولي ضد داعش يشكل اختبارا حقيقيا للحكومة الجديدة، خاصة مع انتشار التنظيم في مناطق متفرقة شمال شرق البلاد.
كما يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تراقب سلوك الحكومة السورية عن كثب، خصوصا فيما يتعلق بحقوق الإنسان وإدارة ملفات حساسة كملف معتقلي داعش ومخيم الهول، مؤكدا أن الإدارة الأميركية ستقدم تقارير دورية للكونغرس كل ستة أشهر حول مدى التزام دمشق بهذه المعايير، وفقا لمقتضيات قانون “قيصر”.
ولفت الشامي كذلك، إلى أن الهدف الأميركي الاستراتيجي من الانفتاح على دمشق هو إبعاد كل من إيران وروسيا عن الساحة السورية، وهو ما ينعكس في بنود قانون “قيصر” التي تمنع التعاون الاقتصادي معهما.
——————————
وزير العدل السوري: الاتفاق مع «التحالف» يعزّز سيادة الدولة
جانبلات شكاي
11 – نوفمبر – 2025
دافع وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية مظهر الويس، عن انضمام سوريا الى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم « الدولة الإسلامية»، موضحاً أن الأمر جاء على خلفية أن «ميزان المصالح والمفاسد يشير إلى ترجيح كفة المصالح العامة ودرء المفاسد والشرور».
وأكد أن «العمل يأخذ شكل التنسيق والتعاون المعلوماتي والتدريبي الذي يعزز سيطرة الدولة واحترام سيادتها»، مشيراً الى أن «الدولة يُباح لها في تقدير المصالح ما لا يُباح للأفراد، لأنها تنظر في المآلات وتقدّر المصالح العليا للأمة».
اتفاق سياسي لا عسكري
وعلى هامش زيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى واشنطن الإثنين، واجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الأول من نوعه لرئيس سوري في البيت الأبيض، أعلن وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أن دمشق وقعت اتفاقا للتعاون السياسي مع التحالف الدولي لهزيمة «داعش»، لتصبح بذلك العضو التسعين في التحالف.
وفي منشور له عبر منصة «إكس» قال مصطفى إن الاتفاق سياسي ولا يتضمن حتى الآن أي مكونات عسكرية، وزيارة الشرع للبيت الأبيض تُشير إلى بدء فصل جديد في العلاقات السورية الأمريكية، وعودة سوريا الكاملة إلى الساحة الدولية، في حين نقلت الوكالات عن مسؤول في الإدارة الأمريكية قوله إن سوريا أعلنت خلال زيارة الشرع انضمامها إلى التحالف العالمي لهزيمة تنظيم «الدولة»، موضحاً أنها ستصبح بذلك العضو التسعين في التحالف، وستتعاون مع الولايات المتحدة للقضاء على فلول تنظيم «الدولة» ووقف تدفق المقاتلين الأجانب. وذكر أن الولايات المتحدة ستسمح لسوريا باستئناف العمليات في سفارتها في واشنطن لـ «تعزيز التنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن والاقتصاد».
ولاقى الإعلان السوري ترحيباً من أوساط سياسية مختلفة باعتباره يمثل مرحلة جديدة على مستوى العلاقات الثنائية بين واشنطن ودمشق.
وفي منشور لافت له عبر منصته على تليغرام تحدث الويس عما تم التوصل إليه من اتفاق مع الإدارة الأمريكية، وقال إنّ قضايا الولاء والبراء من أبرز المسائل التي أُثيرت عبر التاريخ الإسلامي بين الغلو والجفاء، وضل فيها خلق كثير، معتبراً أنه في طبيعة التعامل مع التحالف الدولي اليوم فإنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، وطبيعة التعامل المطروح اليوم في واقعه يأخذ شكل التنسيق والتعاون الأمني المعلوماتي، وليس تحالفاً عسكرياً مفتوحاً بالمفهوم الشرعي أو السياسي التقليدي، وليس تبعية أو رضى أو إعطاء لمقاليد الطاعة والانقياد أو إقراراً لمخالفة شرعية بل هو إقرار بسيادة الدولة السورية واعتراف بها ونوع من التنسيق تستفيد منه بلا شك الدولة السورية في حربها التي تقوم بها أساساً على عدو صائل يشكل خطراً داهماً وفي دفعه مصالح مشتركة لا يمانع الشرع من تواردها واتفاقها. وفي تفسيره لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي قال الويس: إن المجاهدين في الشام كانوا الأسبق في قتال داعش والتبرؤ منها، وذلك قبل نشوء التحالف بزمن طويل، وقد خاضوا ضده معارك شرسة، وبذلوا فيها الكثير من التضحيات، دفاعاً عن دينهم وأعراضهم وأموالهم، انطلاقاً من عقيدتهم وأوامر ربهم، ولم ينتظروا في ذلك إذناً من أحد أو تنسيقاً مع أحد.
وأكد أنهم لا يزالون إلى اليوم ماضين في قتالهم وردّ عدوانهم كلما ظهرت فتنتهم، موضحاً أنه عندما كان التحالف يأخذ شكلاً عسكرياً واضحاً، كنا نُحذّر دائماً من الخلط بين الاقتران والمزامنة في التوقيت بين قتال داعش عند الثوار وما يقوم به التحالف آنذاك، فالمزامنة لا تعني الاشتراك ولا التبعية، ولنا في قتالهم مبرراتنا وأهدافنا ومنطلقاتنا الشرعية الخاصة، وهذا التزامن لا يضر شرعاً ولا يغيّر في الحكم شيئاً، وهذا الأمر في نازلتنا الآن أبعد، لأن الصورة الحالية تختلف كلياً عن الصور السابقة.
بلاء وسبب للتدخل
وأكد الويس أن «داعش» ثبت بالوقائع والتجارب أنها كانت بلاءً على بلاد المسلمين، وسبباً رئيساً في تدخل القوى الكبرى، فحيثما وُجدوا كانوا ذريعة للتدخل الأجنبي ومطية للاختراق، ولهذا وجب النظر إلى المآلات والعواقب لا إلى الظواهر وحدها.
وتابع: أنّ الواقع اليوم يقول إنّ السيادة هي للدولة السورية الجديدة على الأراضي التي تقع تحت سلطتها، وهي صاحبة السلطة، والمسؤولة شرعاً وعرفاً وقانوناً عن حفظ الأمن وحماية المواطنين بمختلف مكوّناتهم، ومن واجبها أيضاً حمايتهم من خطر وشر خوارج «داعش» المستحلّين للدماء والأموال الصائلين بالمفخخات والأحزمة والعبوات الناسفة والخادمين لأعداء الأمة.
وأوضح أن التحالف موجود ويقوم بعمليات أمنية متفرقة، ولذلك لا بد من تنظيم الحالة وضبط الأمور بما يضمن وحدة القرار والسيادة، حتى تستقر أوضاع الدولة الناشئة، ولا يُتخذ خطر «داعش» ذريعة لتدخلات أكبر أو انتقاص من السيادة أكثر.
وانتهى الويس إلى القول بأن العمل يأخذ شكل التنسيق والتعاون المعلوماتي والتدريبي الذي يعزز سيطرة الدولة واحترام سيادتها، ولا يتضمن أي تنازل عن حقّ شرعي أو إقرار بمخالفة شرعية أو تبعية وتولّ ومظاهرة أو مناصرة، مؤكداً أنه يُباح للدولة في تقدير المصالح ما لا يُباح للأفراد، لأنها تنظر في المآلات وتقدّر المصالح العليا للأمة.
—————————
فيديو للشرع يسأل ترامب عن عدد زوجاته والأخير يرش له عطراً
الرئيس الأميركي ظهر يرش العطر للشرع والشيباني ويسأله عن زوجاته
الرياض – نورا الجندي
12 نوفمبر ,2025
خطفت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الاثنين الماضي، إلى الولايات المتحدة الأميركية الأنظار دولياً، خصوصاً وأنها الأولى إطلاقاً التي يقوم بها رئيس سوري إلى البيت الأبيض.
الشرع لـ “واشنطن بوست”: ترمب يؤيد استقرار سوريا ورفع العقوبات عنها بالكامل
فيديو العربية الشرع لـ “واشنطن بوست”: ترمب يؤيد استقرار سوريا ورفع العقوبات عنها بالكامل
تبادلا الهدايا
فقد غطت وسائل الإعلام العالمية كل التفاصيل، بدءاً من دخول الرئيس واستقباله مع فريقه، حتى مقابلاته الإعلامية ولقائه بالجالية السورية هناك، إلى وصوله إلى بلاده عائداً.
ومن بين المواقف التي أخذت زخماً كبيراً على المنصات، كان انتشار مقطع فيديو للرئيس الأميركي دونالد ترامب يهدي نظيره السوري عطراً ويشرح له عن ميزاته.
كما ظهر ترامب يرش للشرع العطر وكذلك الشيباني مؤكداً على أنه من أفخر الأنواع.
وبينما كان سيد البيت الأبيض ينوه للشرع بأن زجاجة العطر الثانية لزوجته، مازحه بسؤال عن عدد زوجاته، ليرد الشرع بأنها واحدة فقط (في إشارة إلى زوجة الرئيس السوري لطيفة الدروبي والتي أطلت معه في مناسبات عديدة منذ تنصيبه رئيساً).
لكن الرئيس لما ينسَ الموقف، حيث أظهر الفيديو الشرع وهو يشرح للرئيس الأميركي عن الهدايا التي جلبها معه من سوريا، وهي عبارة عن نسخ من أشياء أثرية قديمة كأول أبجدية بالتاريخ، وأول ختم بالتاريخ، وأول نوتة موسيقية بالتاريخ، وأول تعريفة جمركية.
وأثناء الشرح، لفت الشرع نظيره إلى أن إحدى الهدايا تعود لزوجة ترامب السيدة الأميركية الأولى ميلانيا، ثم سأله ممازحاً عن عدد زوجاته ليرد ترامب بأنها واحدة حتى الآن، ويدخل الجميع في نوبة ضحك.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع كشف عن أنه تلقى من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدية رمزية خلال لقائهما مساء الاثنين، في البيت الأبيض.
وصرح الشرع خلال حوار أجرته معه قناة “فوكس نيوز” الأميركية، أن نظيره الأميركي أهداه قبعة حملته الانتخابية التي تحمل شعار MAGA.
بدوره، أوضح مندوب سوريا الدائم في مجلس الأمن إبراهيم علبي، أن اللحظات بين الرئيسين كانت عفوية، ولم يكن مخططاً لخطوة تبادل الهدايا بشكل رسمي.
كما كشف أن الرئيس تجوّل مع نظيره السوري في أرجاء البيت الأبيض، واستعرض معه الغرف.
أول زيارة على الإطلاق لرئيس سوري
يذكر أن زيارة الشرع شكلت أول زيارة على الإطلاق يقوم بها رئيس سوري إلى البيت الأبيض، وذلك بعد ستة أشهر من أول لقاء مع ترامب في السعودية.
العطر الذي أهداه ترامب للرئيس السوري العطر الذي أهداه ترامب للرئيس السوري
1 من 2
في حين وعدت وزارة الخزانة الأميركية “بمواصلة تخفيف العقوبات” وأعلنت عن قرار جديد يحل محل إعفائها الصادر في 23 مايو الماضي بشأن قانون قيصر لعام 2019، الذي فرض عقوبات واسعة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الرئيس السابق بشار الأسد. إذ مدد القرار على ما يبدو الإعفاء 180 يوماً أخرى.
وكان ترامب وصف في تصريحات مصاحبة للقاء، الرئيس الشرع بأنه “قائد قوي للغاية” و”شخص صلب”، في إشارة إلى تقديره للدور الذي يلعبه في الظروف الراهنة.
———————-
==================
تحديث 11 تشرين الثاني 2025
——————————-
كلفة استقبال الشرع في «البيت الأبيض» ومكاسبه/ بكر صدقي
حين تنشر هذه المقالة يكون أحمد الشرع قد التقى في البيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هي زيارة تاريخية بلا شك من أكثر من وجه، فصّلت وسائل الإعلام في الإشارة إليها بما يعفينا من تكرارها. فإذا تجاوزنا صخب إعلام سلطة دمشق ومؤيدي السلطة على وسائل التواصل الاجتماعي في الاحتفال المبالغ بها، وركزنا على ثمن اللقاء بالرئيس الأمريكي والمكاسب المرجوة منه، لرأينا مجموعة عناوين ستشكل مضمون المباحثات بين الرجلين. لنبدأ بالمكاسب المباشرة: إن مجرد حدوث اللقاء في البيت الأبيض يعزز شرعية الشرع كرئيس مؤقت لسوريا ما بعد الأسد، ويمنحه قوة معنوية إزاء خصومه أو منافسيه المفترضين، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية التي كانت قيادتها تأمل في المشاركة في الوفد المرافق للشرع وفشلت مساعيها في تحقيق ذلك. وقد تشكل هذه الزيارة مدخلاً لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب كما قيل إنه مطروح فعلاً على طاولة البحث حالياً. وقبل الزيارة تمكنت واشنطن من إقناع مجلس الأمن برفع العقوبات المفروضة على الشرع ووزير داخليته بسبب علاقتهما السابقة بمنظمة القاعدة. يبقى في اليد موضوع رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا وإدخالها في نظام السويفت لفتح باب المساعدات والاستثمارات الدولية التي تحتاجها السلطة بصورة ملحة، كمجرد أمل لا نعرف متى يمكن تحقيقه. كذا يأمل الشرع في الحصول على دعم سياسي يشكل جدار حماية في مواجهة العربدة الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ سقوط نظام الأسد، وفي سحب المظلة الأمريكية عن قسد والضغط عليها بهدف إخضاعها لسلطة دمشق. في هذه الأبواب ليس ثمة مكاسب محققة بل مجرد آمال دون تحقيقها اشتراطات صعبة.
أما من حيث الأكلاف فيمكن تلخيصها بعدد من العناوين: أولها القطع النهائي مع الماضي الجهادي، وما ينطوي عليه ذلك من صراعات دامية محتملة مع الشركاء الذين أوصلوا الشرع والنخبة المحيطة به إلى حكم سوريا. وقد رأينا بروفا تجريبية مصغرة لهذه «الوظيفة المنزلية» في الصدام مع فصيل الغرباء المكون من جهاديين فرنسيين، انتهت بالفشل من غير أن يعني ذلك أن محاولات أخرى لن تجري مع الفصيل نفسه أو فصائل أخرى بعد حين. فإدخال سلطة دمشق في التحالف الدولي لمحاربة داعش سيتطلب تفكيك الفصائل الموسومة بالإرهاب من قبل التحالف. وعلى أي حال أعلنت وزارة داخلية الشرع عن حملة مستمرة ضد خلايا لداعش في مدينة حمص وأريافها بصورة متزامنة مع زيارة الشرع المرتقبة إلى واشنطن. كما سبق للسلطة أن اعتقلت مسؤولي مكتب منظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في دمشق وطردتهم، قبل بضعة أشهر، بدعوى علاقتهم مع إيران في إطار الاشتراطات الأمريكية للتعاطي معها.
أما بخصوص الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وسعي السلطة لإبرام اتفاق أمني، تأمل السلطة أن تنسحب القوات الإسرائيلية بموجبه إلى حدود اتفاق فض الاشتباك للعام 1974، فمن المحتمل أن سبب الفشل في التوافق عليه بعد ثلاث جولات من المفاوضات هو رغبة إسرائيل في فرض نص يطوي المطالبة السورية بالأراضي المحتلة منذ العام 1967، وربما يشرعن أيضاً احتلال إسرائيل المستجد لجبل الشيخ. وأوردت تقارير إعلامية عن نية الإدارة الأمريكية في إنشاء قاعدة عسكرية في العاصمة دمشق أو في جوارها القريب، بهدف منح إسرائيل تطمينات للحصول على موافقتها على الاتفاق الأمني، وربما لتنسيق العمليات الاستخبارية مع دمشق في إطار التحالف الدولي الذي من المفترض أن تنضم إليه سلطة الشرع، ومن باب آخر لموازنة الوجود العسكري الروسي في سوريا الذي تم تكريس استمراره أثناء زيارة الشرع لموسكو.
في موضوع قوات سوريا الديمقراطية، ليس ثمة أي إشارة إلى نية واشنطن في سحب وجودها العسكري من شرق الفرات ومنطقة التنف. وتسعى واشنطن إلى إيجاد صيغة للتعامل مع الوضع بما لا يثير حفيظة تركيا ولكن من غير تسليم عنق قسد لسلطة دمشق، من خلال الضغط على الطرفين للتوافق على شكل اندماج قسد مع وزارة دفاع الشرع. وتظهر إشارات متضاربة بهذا الخصوص، الأمر الذي يفهم منه مراهنة كل طرف على تغييرات محتملة في المشهد السياسي.
كذلك تتواتر معلومات عن ضغط أمريكي لإحداث تفاهم إسرائيلي ـ تركي حول تقاسم النفوذ على الجغرافيا السورية، وعن عزم تركيا على إنشاء قواعد عسكرية جديدة خارج الشريط الحدودي في الشمال في إطار الاتفاق العسكري مع سلطة دمشق، الأمر الذي تعذر في محاولات سابقة بسبب استهدافها بطائرات إسرائيلية.
إذا نظرنا إلى مجموع هذه التطورات الجديدة أو المحتمل حدوثها قريباً، لرأينا أن ثمن دخول الشرع البيت الأبيض سيكون باهظاً جداً على سوريا التي يتم تقاسم النفوذ العسكري فوق أراضيها بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، في حين تسعى سلطة دمشق لاتباع نموذج ليبرالي منفتح تتقاسم فيه «الكعكة السورية» دول وشركات عابرة للحدود في الوقت الذي يئن فيه السوريون جوعاً وعوزاً.
قبيل زيارة أردوغان إلى واشنطن، في شهر أيلول الماضي، كشف زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزال عن استقبال الرئيس التركي لنجل ترامب، دونالد ترامب الابن، في قصر دولمة بهجة في إسطنبول، وقال إن أردوغان قد وعد ضيفه بشراء 300 طائرة ركاب من طراز بوينغ مقابل الحصول على موعد للقاء بالرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، إضافة إلى صفقات أخرى لشراء طائرات حربية من طراز F16. علماً أن أردوغان كان قد طلب هذا اللقاء منذ تنصيب ترامب في ولايته الثانية، وكان يأمل تحقيقها في شهر نيسان. معروف أن شركات علاقات عامة تحصل على مبالغ طائلة من زعماء العالم الذين يرغبون بلقاء الرئيس الأمريكي. أما مع ترامب فترتفع الكلفة أكثر.
فإذا كانت هذه هي الحال مع رئيس دولة إقليمية قوية وعضو في حلف الناتو، فلنا أن نتخيل تكاليف «اقتناص» دعوة من ترامب من قبل دولة صغيرة ومدمرة كسوريا ورئيس مؤقت بسلطة هشة كسلطة الشرع. وهو اقتناص لا علاقة له طبعاً بجهود دبلوماسية منها بل بفضل جهود إحدى الدول الحاضنة.
حين تصافح رجلاً كترامب، يحسن بك أن تتفقد ذراعك، فربما خسرتها!
كاتب سوري
القدس العربي
————————–
“ذا هيل” تكشف كواليس أول زيارة للشرع إلى واشنطن ولقائه المغلق مع ترامب
ربى خدام الجامع
2025.11.11
شهد البيت الأبيض يوم الإثنين زيارة تاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع، في أول لقاء لرئيس سوري مع الإدارة الأميركية في واشنطن، وسط أجواء من السرية غير المألوفة بالنسبة لهذا النوع من الاجتماعات كما أوردت صحيفة ذا هيل الأميركية.
وتركّزت المحادثات على تعزيز العلاقات بين دمشق وواشنطن، ومناقشة رفع العقوبات المفروضة على سوريا، بما فيها قانون قيصر، بالإضافة إلى بحث التعاون في مكافحة الإرهاب وملف الصحفيين الأميركيين المفقودين.
وأشاد الرئيس ترامب بالشرع واعتبره قائدًا قويًا قادمًا من خلفية صعبة، مؤكدًا استعداد الطرفين للعمل معًا من أجل نجاح سوريا الجديدة.
وفي الوقت نفسه، أثارت الزيارة جدلاً واسعًا بين النواب الأميركيين والجالية السورية في الولايات المتحدة حول مستقبل العلاقات الثنائية ومسارات إعادة الإعمار في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة التي نشرتها صحيفة ذا هيل الأميركية ضمن إطار ملف العلاقات السورية-الأميركية، وعودة سوريا إلى الساحة الدولية بعد سنوات الحرب، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لموقف الصحيفة أو لما جاء في هذه المادة.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا للمادة:
أبقى الرئيس ترامب الاجتماع التاريخي مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع خلف أبواب موصدة، في خطوة غير معهودة بالنسبة لرئيس من عادته أن يفتح أبواب المكتب البيضاوي في أغلب الأحيان أمام عدسات الكاميرات والصحفيين عند لقائه بقادة دول أخرى.
كانت تلك أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، غير أن الشرع لم يقطع الطريق المخصص لكبار الشخصيات التي تزور هذا البيت، والذين يعبرون مدخل الجناح الغربي الممتد على الطريق الشمالي، بل شوهد وهو يجتاز مدخل الجناح التنفيذي الغربي، الذي يمنع على الصحفيين دخوله، وذلك كما أظهر مقطع فيديو التقط للرئيس السوري من خلف القضبان الفولاذية للسياج الفاصل.
لذا، فإن تسلسل تلك الأمور ألقى عباءة من السرية على تلك الزيارة رفيعة المستوى.
تعاون وانسجام
لعب ترامب دوراً مهماً في دعم الرغبة المعلنة للشرع، وهي تحويل سوريا إلى دولة صديقة بعد عقود من الحرب والإرهاب والاتجار بالمخدرات في ظل النظام المخلوع الذي ترأسه الديكتاتور بشار الأسد.
وفي مؤتمر صحفي منفصل أقيم في المكتب البيضاوي مساء يوم الإثنين، تحدث ترامب أمام الصحفيين عن الرئيس السوري قائلاً: “إنه قائد قوي جداً، أتى من مكان قاس جداً، وهو شاب صلب يعجبني.. ولقد انسجمت مع الرئيس، أي الرئيس الجديد لسوريا، ولهذا سيبذل كل منا قصارى جهده حتى تنجح سوريا”.
في حين نشر وزير الخارجية السوري صور الاجتماع في المكتب البيضاوي ظهر فيها ترامب والشرع وهما يبتسمان أثناء مصافحة أحدهما للآخر، وحولهما لفيف من كبار المسؤولين، على رأسهم ماركو روبيو وزير الخارجية، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، ونائب الرئيس فانس، والمبعوث الخاص لترامب إلى سوريا والسفير الأميركي إلى تركيا، توماس براك.
وخلال لحظة من اللحظات، انضم وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لهذا الاجتماع وتحدث عن مدى تعاون أنقرة الوثيق مع دمشق وواشنطن.
اجتماع ناجح
أعلن نائب من الكونغرس بأن جميع المؤشرات التي ظهرت خلال التحاور بين الوفد السوري والمسؤولين في الإدارة الأميركية، تدل على أن الاجتماع الذي تم في المكتب البيضاوي كان ناجحاً على الرغم من طبيعته المغلقة والسرية.
إذ خلف الكواليس، تناقش المسؤولون السوريون والأميركيون حول عدد من الأمور لتعميق العلاقات بين دمشق وواشنطن.
ملف رفع العقوبات
ومن أكبر العقبات التي ظهرت المسألة المعنية بمتابعة الكونغرس لرفع قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، أي ذلك القانون الذي منع تقريباً عقد أي صفقة دولية مع نظام الأسد، ولهذا يعتبره مؤيدو الشرع اليوم عقبة أمام إعادة إعمار سوريا وتأهيلها.
في اجتماع عقد في ساعة متأخرة من مساء يوم الأحد، التقى الشرع بأعضاء من الكونغرس، كان بينهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب الأميركي، النائب برايان ماست الذي لم يوافق بعد على رفع عقوبات قيصر بشكل كامل.
وذكر ماست في تصريح له بأنه أصبح بينه وبين الشرع “خبز وملح”، على الرغم من أن الشرع كان في السابق أحد القادة في تنظيم القاعدة والذي سبق للقوات الأميركية في العراق أن سجنته، وعلى الرغم من أن ماست من كبار المحاربين القدماء في الجيش الأميركي، وقد حصل على أوسمة كثيرة، فقد حارب في أفغانستان، وخسر ساقيه في انفجار عبوة ناسفة، وقد علق على الشرع بقوله: “أنا وهو عسكريان سابقان وعدوان سابقان”، ولدى سؤاله عن سبب سقوط تلك العداوة التي كانت بينهما رد ماست بأنه يتمنى للشرع أن: “يتحرر من الماضي وأن يسعى لتحقيق هدف نبيل من أجل شعبه وبلده، وأن يتحول إلى حليف مهم للولايات المتحدة الأميركية”.
غير أن مكتب ماست رفض التعليق عندما سئل عن إمكانية تأييده لرفع عقوبات قيصر.
أما النائب جو ويلسون، وهو الراعي لمشروع رفع عقوبات قيصر في مجلس النواب الأميركي، فقد أعلن بأنه يقدر ذلك الاجتماع كثيراً، وقال: “أقدر الحوار الجميل الذي أجراه برايان ماست، وهذا ما كشف رغبة الرئيس الشرع الكبيرة في التعاون مع الولايات المتحدة والتخلي عن ماضيه، أي أنه يدرك تماماً أهمية إقامة علاقة مع أميركا”.
ولكن من دون رفع كامل للعقوبات، لن يتمكن ترامب إلا من إلغاء العقوبات عن سوريا لمدة ستة أشهر فحسب، وقد سبق له أن قام بتلك الخطوة في أيار الماضي وكرر ذلك يوم الاثنين.
كما ألغى ترامب نظامين أشد صرامة للعقوبات المفروضة على سوريا، لكن هذين النظامين أقل تغلغلاً في الاقتصاد السوري مقارنة بقانون قيصر، وهذان النظامان هما: قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية، وقانون حقوق الإنسان في سوريا.
يذكر أن النائب جين شاهين، وهي عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ، تقدمت بمشروع قانون يوم الاثنين يقضي بإلغاء هذين النظامين للعقوبات.
كما وجه الرئيس الأميركي لوزارة الخزانة والمالية والخارجية أمراً يقضي بإصدار توجيه للشركات التجارية والمستثمرين الأميركيين لطمأنتهم حيال إجراء أي تعامل تجاري أو مالي في سوريا، لأن ذلك سيتم من دون مخالفة القيود الأخرى، مثل منع التعامل المالي أو التجاري مع روسيا وإيران.
محاربة تنظيم الدولة
وأعلن ترامب يوم الإثنين أنه يتوقع أن يتم الإعلان عن انضمام سوريا للتحالف الدولي المعني بمحاربة تنظيم الدولة “داعش”، معتبراً ذلك خطوة مذهلة بالنسبة للشرع الذي سبق أن كلف ببناء بنية تحتية لهذا التنظيم في سوريا.
وفي تصريح لأحد كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، قال: “كانت تلك الزيارة تاريخية كونها تمثل النتائج الإيجابية لسعي القادة نحو تحقيق سياسات السلام مع التعهد بمنع انتشار الإرهاب”.
وأضاف: “ستنضم سوريا للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، وبذلك ستصبح سوريا الدولة العضو رقم تسعين في هذا التحالف، أي أنها ستدخل في شراكة مع الولايات المتحدة للقضاء على فلول تنظيم الدولة ولوقف تدفق المقاتلين الأجانب”.
يذكر أن الشرع سبق أن صُنف ضمن قائمة الإرهابيين على مستوى العالم، غير أن إدارة ترامب رفعت عنه هذا التصنيف خلال الأسبوع الماضي.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد مساء يوم الإثنين، قال ترامب: “يقول الناس بإن ماضيه قاس.. أما أنا فأرى وبكل صراحة بأنه إن لم يكن لك ماض قاس، فلن تكون أمامك أي فرصة”.
وللشرع مؤيدون رفيعو المستوى في مبنى الكابيتول أي مقر مجلس الشيوخ والنواب، وعلى رأسهم السيناتور جوني إرنست التي نظمت اجتماعاً في ساعة متأخرة من مساء يوم الأحد حضره نواب من الحزب الديمقراطي أيضاً، وهذه النائبة التي خدمت في الجيش الأميركي ضمن قوات الحرس الوطني أيام حرب العراق، كرست كل دعمها لرفع عقوبات قيصر بشكل كامل، وذكرت في تصريح لها بأنها تقدّر “فرصة استضافة الرئيس الشرع لإجراء حوار صريح وبنّاء حول مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا وذلك قبل الاجتماع المحدد له في البيت الأبيض”، وأضافت بأنها ترحب بمساعي ترامب لمشاركة سوريا بوصفها: “شريكاً في مكافحة الإرهاب، إلى جانب احتمال انضمامها للاتفاقيات الإبراهيمية” أي لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، وتابعت بالقول: “تعتبر زيارة اليوم خطوة مهمة لبناء الثقة، ولتعزيز الحوار ولتوحيد الجماعات العرقية والدينية المتنوعة في سوريا”.
غير أن هذا لا يعني أن الجميع رحبوا بزيارة الشرع، فمن بين الرافضين ظهرت لورا لومر التي تفتخر بكونها تضمر رهاباً تجاه الإسلام على حد وصفها، والتي تعتبر من الأصوات المحرضة من اليمين المتطرف كونها أظهرت مدى تأثيرها الكبير على ترامب، فقد انتقدت لومر فريق ترامب لترتيبه الأمور من أجل هذه الزيارة، واتهمت الشرع بارتكاب عنف طائفي في سوريا.
————————————–
فورين بوليسي: استقبال ترامب للرئيس السوري الشرع يعيد تشكيل النظام الإقليمي
نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرًا أعدّته ألكسندرا وورد قالت فيه إن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن أعادت تشكيل النظام الإقليمي.
وقالت إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استضاف الشرع يوم الإثنين في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ ما يقرب من 80 عامًا. ويمثّل هذا اللقاء، الذي يُذكّر أيضًا بتاريخ الشرع كزعيم لتنظيم “القاعدة” في سوريا، تحسنًا كبيرًا في العلاقات مع الدولة التي كانت منبوذة سابقًا.
وقبل أقل من عام، رصدت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على الشرع لعلاقاته بتنظيم “القاعدة”. ولكن بعد الإطاحة بالديكتاتور بشار الأسد، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، في عملية قادها المقاتلون التابعون للشرع، أعاد الأخير تشكيل صورته وصورة سوريا العالمية كحليف محتمل للغرب.
وقد رفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالفعل بعض العقوبات المفروضة على الشرع ومسؤولين في حكومته تمهيدًا لتعاون عالمي أفضل.
وبعد لقائه بترامب، في أيار/مايو، أشاد الرئيس الأمريكي بالشرع ووصفه بأنه “رجل قوي” و”مقاتل” يتمتع “بماضٍ قوي للغاية”. ويأمل الشرع في استخدام صورة “الرجل القوي” لإبرام صفقة مع الولايات المتحدة لرفع العقوبات الأمريكية بشكل دائم على سوريا.
في عام 2019، فرض ترامب عقوبات بموجب “قانون قيصر” لمعاقبة دمشق على انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في ظل نظام الأسد. ولكن في حزيران/يونيو، تنازل ترامب عن تلك العقوبات من خلال أمرٍ تنفيذي، مشيرًا إلى الحاجة إلى “منح السوريين فرصة للعظمة”.
ويبدو أن ترامب حاول تهدئة مطالب الشرع، يوم الإثنين، من خلال إعلان وزارة الخزانة أنها ستوقف معظم العقوبات على سوريا، باستثناء تلك المتعلقة بالمعاملات مع روسيا وإيران. لكن الشرع يسعى إلى حلّ دائم، الأمر الذي يتطلب قانونًا من الكونغرس، ويبدو أن المشرعين الأمريكيين مترددون في تلبية مثل هذا الطلب ما لم تلتزم دمشق بعدة شروط، مثل ضمان التعددية الدينية في البلاد وتحسين العلاقات مع إسرائيل.
وقالت وورد إن رفع العقوبات الأمريكية عن دمشق أمرٌ حيوي لانضمام سوريا إلى السوق المالية العالمية، حيث جادل الشرع بأن الاستثمار الأجنبي ضروري لتعزيز نظام الرعاية الصحية في البلاد وإعادة بناء بنيتها التحتية الحيوية بعد أن دمّرت الحرب الأهلية، التي استمرت 13 عامًا، البلاد.
كما يسعى الرئيس السوري إلى الحصول على تمويل خارجي للمساعدة في إعادة الإعمار، والتي يقدّر البنك الدولي أنها ستتطلب 216 مليار دولار على الأقل.
ولكن الشرع ليس الوحيد الذي يريد الاستفادة من علاقاته مع واشنطن، حيث طلب ترامب منه الانضمام إلى تحالف يضم 89 دولة لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو أمر يقوم به الجيش السوري الجديد والمقاتلون الأكراد في شمال شرق سوريا.
كما يأمل ترامب بتوسيع “اتفاقيات أبراهام” وتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، والسماح بوجود عسكري أمريكي في قاعدة المزة، وبناء برج ترامب في قلب دمشق.
وكما كتب أستاذ العلوم السياسية مارك لينش في “فورين بوليسي”: “ترى واشنطن وحلفاؤها في المنطقة فرصة في ترسيخ مراجعة إيجابية للنظام الإقليمي من خلال دمج سوريا ما بعد الأسد بقوة في معسكرهم”.
من جانب آخر، تساءلت صحيفة “التايمز” البريطانية في افتتاحيتها إن كان ترامب قادرًا على عقد صفقة سلام مع شخص كان حتى وقت قريب “إرهابيًا عالميًا مصنّفًا على قائمة خاصة” وبمكافأة 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات عنه. لكن الرئيس الأمريكي استقبل، يوم الإثنين، هذا الخريج من جماعات إرهابية مثل “القاعدة” و”الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” بحفاوة في البيت الأبيض.
بعد أن أطاح بالطاغية بشار الأسد من السلطة، العام الماضي، أصبح السيد الشرع رئيسًا مؤقتًا لسوريا، ويمكنه أن يلعب دورًا هامًا في السعي نحو السلام في الشرق الأوسط.
واستدركت أن هذا الوضع ليس مستغربًا، إذا أخذنا حالة ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي أصبح شخصية رئيسية في اتفاقيات أوسلو عام 1993 مع إسرائيل، التي نبذ فيها الفلسطينيون الإرهاب واعترفوا بحق إسرائيل في الوجود.
انهار الاتفاق الذي حظي بإشادة واسعة في نهاية المطاف، لكنه أرسى نوعًا من السابقة للمسلحين المستعدين لتغيير مواقعهم مقابل الاحترام.
وفي الواقع، التقى السيد ترامب بالفعل بجهادي سابق في السعودية، ويبدو أن الرجلين حريصان على تطوير العلاقة.
وأضافت أن طموح الولايات المتحدة واضح، فهي تأمل أن تصبح دمشق، بقيادة الشرع، شريكًا في مكافحة تجارة المخدرات التي جعلت من شباب العديد من الدول المجاورة مدمنين.
يريد الرئيس الأمريكي أن تبتعد سوريا عن الأسلحة الكيميائية، وأن تمنع أي عودة للجماعات الجهادية. والهدف هو انضمام سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. ولا يزال هناك 2,500 مقاتل من التنظيم نشطين في سوريا والعراق.
وللحفاظ على هذا التهديد تحت السيطرة، يتعين على السوريين، الذين كانوا يُنظر إليهم في السابق على أنهم دمى في يد موسكو وطهران، أن يتعاونوا بشكل أوثق مع الجيش الأمريكي.
وقالت “التايمز” إن الهدف الأبعد ربما كان انضمام سوريا الديمقراطية إلى مجموعة “اتفاقيات أبراهام” للدول العربية التي تعترف بإسرائيل والمستعدة للتعاون معها.
إلا أنه سيكون من الصعب على الشرع التوافق على قضية مشتركة مع تحالف أبراهام المتوسع، إذ لا تزال إسرائيل وسوريا رسميًا في حالة حرب، حيث تحتل إسرائيل مرتفعات الجولان السورية.
وبالتالي، سيسعى ترامب إلى تحسين الصفقة. قد تُرفع آخر العقوبات الأمريكية المتبقية على سوريا، وقد تتدفق الاستثمارات إلى إعادة إعمار المناطق الحضرية التي دُمّرت خلال 13 عامًا من الحرب الأهلية.
كلّ هذا وسط أسئلة من شركاء واشنطن حول قدرة سوريا على الصمود، وهل يستطيع جهادي سابق أن يحل محل ديكتاتور قوي، أم عليه أن يُنشئ دولة بوليسية خاصة به؟
كما أن حجم إعادة إعمار كلٍّ من سوريا وغزة يثير بعض القلق في الغرب. فهناك زخم متزايد وراء تخفيف العقوبات الغربية، ليس فقط لأنه سيساعد على استقرار حدود إسرائيل، ولكن أيضًا لأنه يُسهّل عودة مئات الآلاف من اللاجئين الذين عاشوا العقد الماضي كمهاجرين غير مرحّب بهم دائمًا في أوروبا الغربية.
وعلى الشرع إثبات قدرته على توحيد بلده الممزق، وأن الجهاديين السابقين يستطيعون النجاة بدون إراقة الدماء، على حد قول “التايمز”.
——————————-
من إدلب إلى البيت الأبيض.. ماذا خلف اللقاء بين ترامب والشرع بواشنطن؟/ عبد الناصر القادري
2025.11.10
بعد أقل من عامٍ على دخوله القصر الجمهوري في دمشق، يدخل أحمد الشرع البيت الأبيض كأول رئيس سوري، في واحدةٍ من القراءات النادرة للتاريخ المكتوب والمشاهد عياناً، في لقاءٍ هو الثالث من نوعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد لقائهما الأول في الرياض، والثاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والثالث الآن في واشنطن.
الزيارة التي تأتي بعد مرور أقل من 11 شهراً على إسقاط النظام، تمثل تحولاً جوهرياً في مسار العلاقات السورية – الأميركية، وتفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة من التفاهمات الإقليمية والدولية ورفع العقوبات الأميركية عن سوريا.
تأتي زيارة الشرع الثانية إلى الولايات المتحدة (الأولى إلى مقر الأمم المتحدة بنيويورك) بعد جولاتٍ دبلوماسية مهمة شملت خلال الأشهر القليلة الماضية عدداً من عواصم القرار الدولية مثل باريس، وموسكو، وأنقرة، والرياض، والدوحة، وأبوظبي، مع خطط لزيارات مقبلة إلى برلين، ولندن، وبيجين.
هذا الحراك يعكس انفتاحاً دولياً متسارعاً على سوريا الجديدة في ظلّ تحديات هائلة تتعلق بأمن المنطقة والإقليم بعد سقوط أحد أكثر الأنظمة قمعاً في العالم، وتحديات أمام الحكومة السورية والشعب أيضاً.
هل من حالاتٍ شبيهة للزيارة؟
السؤال الذي يطرحه السوريون والمراقبون على حدٍّ سواء هو: كيف يزور الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض، وهو الذي كان حتى وقتٍ قريب على لوائح الإرهاب، وكانت واشنطن قد رصدت جائزة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومة عنه؟ كيف يتحوّل من “مطلوب” إلى “ضيفٍ رسمي” يستقبله الرئيس الأميركي عند باب البيت الأبيض ويسيران معاً إلى المكتب البيضاوي؟
تاريخياً، شهدت السياسة الأميركية حالات مشابهة. ففي شباط عام 1983، استقبل رونالد ريغان قادة المقاومة الأفغانية بلباسهم التقليدي في المكتب البيضاوي، عقب عملية “سايكلون” (Operation Cyclone)، الاسم الرمزي لبرنامج وكالة المخابرات المركزية (CIA) لتسليح وتمويل المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي (1979–1989).
كما وثّق اجتماعٌ آخر في 12 نوفمبر 1987 في غرفة روزفلت في البيت الأبيض بين ريغان ووفدٍ من قادة المقاومة الأفغانية، صدر بشأنه بيانٌ رسمي قال فيه الرئيس الأميركي: “هؤلاء السادة هم المعادل الأخلاقي للآباء المؤسسين لأميركا”.
ومثالٌ آخر، زار فيدل كاسترو نيويورك وواشنطن عام 1959، بعد أن دعمت الولايات المتحدة ثورته سراً ضد دكتاتورية فولغينسيو باتيستا. ورغم تجنّب الرئيس دوايت أيزنهاور لقاءه، التقاه ريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأميركي خارج البيت الأبيض حينها.
ولم تكن الشخصيات السورية (تحديداً أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب) التي أُزيلت من لوائح الإرهاب استثناءً، فواشنطن صنّفت سابقاً حركة مجاهدي خلق الإيرانية على قوائم الإرهاب عام 1997، لكنها أزالتها عام 2012 بعد ضغطٍ سياسيٍّ في الكونغرس ودعمٍ من شخصياتٍ أميركية بارزة، لتتحول الحركة إلى طرفٍ معترف به دولياً كمعارضةٍ للنظام الإيراني.
وهكذا، تُظهر السياسة الأميركية أنّ المصالح قد تعيد تعريف “الإرهاب” وفق السياق السياسي، وأن استقبال الشرع في البيت الأبيض ليس استثناءً بل من النوادر التي تعد امتداداً لنهجٍ براغماتي يعتمد على تبدّل الأولويات وتشابك المصالح.
تلفزيون سوريا
————————
ما أبرز ملفات لقاء الشرع بترامب وما نتائجه؟
قال السفير السوري لدى الأمم المتحدة الدكتور إبراهيم العلبي إن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن كانت تاريخية بكل المقاييس، وتأتي نتيجة التغيرات النوعية والإنجازات التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح العلبي -في حديثه للجزيرة- أن لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض لم يكن بروتوكوليا فقط، بل اتسم بالودية والمناقشات الجادة، إذ أشاد ترامب بالشعب السوري والقيادة السورية، وتبادل الطرفان الهدايا، كما جرى التركيز على عدد من الملفات العملية خلال الاجتماع الوزاري الموسع بحضور وزراء خارجية سوريا وتركيا.
وأشار السفير إلى أن أهم الملفات التي حملها الرئيس السوري إلى واشنطن تمثلت في الجانب الاقتصادي، حيث ناقش رفع العقوبات عن سوريا وإعادة بناء قدرتها التجارية، مؤكدا أن الرئيس ترامب أعرب عن استعداده للتدخل لدى الكونغرس لإنهاء ما تبقى من القيود، مشيدا بإنجازات الإدارة السورية خلال فترة قصيرة.
قسد وإسرائيل
كما تناول الاجتماع ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واندماجها ضمن الإطار الأمني الوطني، إضافة إلى استكمال الاتفاق الأمني مع إسرائيل، وهو ملف قال العلبي إنه بحاجة إلى جلسات إضافية لتطبيقه تقنيا، مع تأكيد الولايات المتحدة على أهمية ضمان أمن سوريا واستقرارها المزدهر.
وحول طلبات الجانب الأميركي، أوضح السفير أن اللقاء لم يكن على شكل مطالب، بل كان نقاشا إستراتيجيا مشتركا، حيث تم بحث سبل دعم سوريا الجديدة المزدهرة، ومتابعة التعاون السياسي ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، مؤكدا أن الحوار يسعى لترسيخ إطار سياسي متكامل بعد القضاء على التنظيم على الأرض.
وبخصوص الملف الإسرائيلي، بيّن العلبي أن سوريا أكدت احترام الاتفاقية الأمنية الموقعة عام 1974، ولفت إلى أن التوغل الإسرائيلي في مناطق وجود قوات الأمم المتحدة أثار القلق، مؤكّدا أن الجانب الأميركي أبدى تفهمه وضرورة الضغط على إسرائيل لضمان استمرار العملية التفاوضية، مع الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
واعتبر السفير السوري أن نتائج الزيارة إيجابية وناجحة، مشيرا إلى الحفاوة التي قوبل بها الرئيس السوري من الجالية السورية في الولايات المتحدة، ومشدّدا على أن الزيارة تأتي ثمرة جهود وطنية مستمرة لتعزيز العلاقات الدبلوماسية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التوازن والتواصل مع المجتمع الدولي.
وأشار السفير إلى أن هذه الزيارة التاريخية تمثل نقطة تحول في العلاقات السورية الأميركية، وتفتح المجال لمزيد من التنسيق في الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية، مع التركيز على إعادة سوريا إلى مسار ازدهارها واستقرارها.
خطوة متقدمة
ووصف العلبي اللقاء بأنه خطوة متقدمة في مسار إعادة سوريا إلى الحلبة الدولية، مع الالتزام بخطى ثابتة نحو بناء علاقات دبلوماسية متوازنة، مؤكّدا أن نجاح الزيارة يعكس صمود السوريين وقدرتهم على تحويل محنتهم إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
وكان الشرع عقد أمس الاثنين محادثات مع ترامب، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946، وذلك بعد أيام من شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية.
وأفاد بيان للبيت الأبيض بأن الاجتماع بين الزعيمين بدأ ظهر اليوم، من دون الإفصاح عن تفاصيل المباحثات التي توقعت مصادر دبلوماسية أن تتركز على ملفات الأمن الإقليمي، والعلاقات الثنائية، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في سوريا.
ويأتي اللقاء تتويجا لعام مفصلي في تاريخ سوريا الحديث، إذ صعد الشرع (43 عاما) إلى السلطة أواخر العام الماضي بعد الإطاحة ببشار الأسد، وقاد تحولات داخلية وخارجية جذرية أعادت بلاده إلى الساحة الدولية، مبتعدا عن محور طهران وموسكو، ومقتربا من واشنطن وأنقرة ودول الخليج.
وكانت الخارجية الأميركية أشادت الجمعة الماضي بما وصفته “تقدّما ملحوظا” في سلوك القيادة السورية الجديدة، مشيرة إلى تعاونها في التخلص من بقايا الأسلحة الكيميائية والمساعدة في كشف مصير مواطنين أميركيين مفقودين في سوريا.
من جانبه، أثنى ترامب في تصريحات سابقة على “شجاعة” الشرع، قائلا إن “سوريا تمر بمرحلة معقدة، لكنه (الشرع) يتعامل معها بوصفه رجل دولة حقيقيا”. وأضاف أن إدارته تعمل مع الكونغرس لرفع بعض العقوبات، في حين يبقى إلغاء قانون قيصر لعام 2019 رهنا بموافقة تشريعية لاحقة.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن واشنطن تتوسط حاليا في محادثات غير معلنة بين سوريا وإسرائيل حول “ترتيبات أمنية جديدة” على الحدود الجنوبية، في وقت تتحدث فيه مصادر سورية عن تعاون استخباري متزايد مع الولايات المتحدة في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية.
المصدر: الجزيرة
——————————————
الشرع من الاعتذار عن تاريخه إلى الاعتزاز به/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/11/11
عقب وصوله إلى السلطة في دمشق، حرص الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على إرسال الإشارات التي تشير إلى تغيّره عمّا كان من قبل، بل إنه في حوار شهير برر ماضيه الجهادي بمرحلة الشباب التي كان يمر بها، وبما يوحي بالتراجع والاعتذار عنه، ولو لم يعتذر صراحة. الأمر نفسه ينطبق على المغالاة في إبراز علم الثورة بعد إسقاط الأسد، فالأمر يتعلق من جهة كثر بتوقهم الشديد إلى استخدام العلم بما يرمز إليه من تضحيات، إلا أن رسالة إبراز العلم من قبل السلطة الجديدة، فحواها التراجع عما هو معروف لجهة معاداتها علم الثورة، واضطهاد جبهة النصرة التي حملت لاحقاً اسم “هيئة تحرير الشام” أولئك الذين حملوا العلم وما يمثِّله. وكما هو معلوم، سرعان ما طوى جماعة الهيئة حماستهم لعلم الثورة، لصالح إبراز العُقاب الذي وضِع كهوية بصرية.
في موضوع الحريات والديموقراطية، تسهل العودة إلى المظاهرات التي عمّت إدلب، في نيسان وأيار 2024، ضد هيئة تحرير الشام الحاكمة، وأساليب القمع التي استخدمتها الهيئة ضد المتظاهرين. ويمكن تذكّر الإطار النظري المعادي صراحة للديموقراطية من خلال اللوحات الطرقية الكبيرة التي تجهر بشعارات معادية للديموقراطية، وقد بقيت في طرقات إدلب لأسابيع بعد إسقاط الأسد. أبعد من ذلك، يمكن استرجاع سجل من ناشطي الثورة، ضحايا التغييب والإخفاء القسري والقتل، وأيضاً استرجاع سجلّ من القتال ضد فصائل أخرى بغرض السيطرة والهيمنة، بدل توحيد المجهود العسكري ضد الأسد كما يُفترض في معركة لم يفت عليها الكثير من الوقت لتُنسى.
الفصائل التي صعدت مع الهيئة إلى السلطة ليست أفضل حالاً، ففي سجلّها أيضاً الكثير من الانتهاكات، في أماكن سيطرتها، حيث لم يكن هناك دافع طائفي، ولا يُفترض وجود خلاف سياسي جذري، بما أن الجميع متفق على معاداة الأسد. مجازر الساحل ثم السويداء، مع امتداح رئاسي للفزعات والنفير العام غير النظامي، هي جميعاً صورة مكبَّرة وطائفية عن سلوك الفصائل التي صارت هي السلطة بعد الأسد، بما في ذلك مظاهر الاستباحة التي رافقت المجازر وتلتها.
الأخطاء الكثيرة في ممارسة الجانب المدني من السلطة يمكن الاستدلال عليها من خلال الاحتفاليات التي يقيمها المطبِّلون لها كلما تراجعت عن خطأ ما صغير، وإن لم تتراجع عن آخر. مع أن التراجع عن الخطأ هو الأصل، وتكرار الأخطاء ينبغي إخضاعه للمساءلة، لا الاحتفال مرة أخرى بما يُصوَّر فضيلةَ التراجع، فالدول ليست حقول تجارب فردية واعتباطية.
لقد أبدى السوريون جميعاً، وبمختلف انتماءاتهم الدينية وعدمها، تسامحاً مع السجل المعروف لفصائل السلطة الحالية كُرمى لإسقاط الأسد وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد. والنسبة الساحقة منهم، أيضاً بصرف النظر عن الانتماءات الدينية وعدمها، تغاضت عن أنّ أحداً في هذه السلطة لم يعتذر عن أخطائه وخطاياه، ليقدِّم نموذجاً يُحتذى به من آخرين خارج السلطة. لكن ثمن الصمت هو عدم تكرار الماضي، إذ من المعلوم أن لا أحد يعتزّ بأخطائه، تحديداً التي تسببت بأذية لآخرين، سوى الذين يرون أنفسهم معصومين. وإذا كان لا بد، فمن الجائز أن يعتز المرء بتعلّمه من أخطائه، بحيث لم يعد يرتكب المزيد منها.
عطفاً على هذا الفهم كله، واظب أنصار الشرع (المستجدّون بغالبيتهم الساحقة) على التنويه بتغيّره عمّا كان عليه أيام الجهاد والسلفية، وبأنه ليس على الصورة المعروفة عن التيار الجهادي. وشاع في الشهور الأولى تعبير “أعطوهم فرصة” بمعنى أن السلطة الجديدة راغبة في التغيير، لكنها بحاجة إلى وقت لإنجازه. هذا كله يتضمن الإقرار بأن الماضي لم يكن ناصعاً، وبأن المقارنة بجرائم الأسد لا تمنح صكّ براءة لانتهاكات أقل عدداً.
لكن، بخلاف ذلك كله، نقل التلفزيون العربي عن الشرع يوم الأحد، خلال لقائه الجالية السورية في واشنطن، قولَه: “أنا أعتزّ بتاريخي، ولا أخجل من أي مرحلة تاريخية مررت بها”. فهذا القول يسير في اتجاه مغاير لإغلاق ملفات الماضي البعيد والماضي القريب؛ الملفات التي تتطلب اعترافاً صريحاً بالأخطاء والخطايا المرتكبة، بعد التلميح إلى ذلك من قبيل الحديث عن “فخ السويداء” مثلاً.
القول نفسه أتى في سياق لا يبدو مطمئناً، فقد نقل التلفزيون العربي أيضاً قول الشرع: “الحفاظ على النصر كلفته أكبر من تحقيق النصر ذاته، والعمل أمامنا كبير ومُكلف”. فالجميع يعلم الكلفة الباهظة التي دفعها السوريون لإسقاط الأسد، وكان من المفترض أن تبدأ مرحلة جديدة بعد إسقاطه، هي مرحلة الانتقال السياسي إلى نظام ديموقراطي تداولي يحافظ بطبيعته على النصر، لأن النصر الحقيقي هو في هذا الانتقال الذي لا يُشار إليه إطلاقاً، ليبقى الكلام عند حدود معركة انتهت.
لقد اندلعت الثورة في آذار 2011 من أجل الانتقال إلى نظام ديموقراطي، ومن أجل أن يكون في سوريا رؤساء قد يخطئون ويستقيلون، وفي كل الأحوال يعودون إلى بيوتهم في أجل لا يتعدى سنوات معدودة، على غرار كل الديموقراطيات التي يكون فيها الرؤساء مؤقتون وعابرون، ولطالما تكرر القول إن سوريا تستحق أن يكون فيها رئيس سابق على قيد الحياة كنايةً عن التحول المنشود. ومثلما يواظب أنصار السلطة على التذكير بأيام الأسد والمقارنة معه، يجدر بهم أن يتعرّفوا على ما انطلقت الثورة من أجله، بما أن معظمهم (بمن فيهم الذين في السلطة) لم ينتموا من قبل إلى قيَم الثورة. هذا ليس اتهاماً لأحد، فهناك شخصيات معروفة، وبمواقف معروفة بمناهضتها للحريات والديموقراطية، وهي اليوم تتبوأ مراكز عُليا في السلطة، من دون أن يصدر عنها ما يفيد بالتراجع العلني الصريح عن المواقف القديمة، ولو من دون اعتذار صريح عن الممارسات المشينة التي رافقت تلك المواقف السابقة.
اختبرت سوريا طوال عقود نموذج القيادة الحكيمة التي لا تخطئ، ولم يمضِ وقت كافٍ لنسيان تلك التجربة الدموية المريرة. النصر على الأسد لا يتم بإزاحته فقط، بل بإزاحة كافة مظاهر الأسدية، ومنها ما يتعلق بتصنيم السلطة وتنزيهها. وطالما وجِد سوريون تأذّوا، أو استبيحت حيواتهم وأملاكهم وكراماتهم، من دون اعتذار أو تعويض معنوي، فهذا يعني أن النصر على الأسدية لم يحدث بعد. والأسوأ أن عدم الاعتراف بالأخطاء ينطوي دائماً على استهانة بالضحايا، وعلى استعداد لتكرارها، لذا كانت الحكمة التي مفادها أنْ لا خوف من الذين يخطئون!
المدن
—————————–
عهد أحمد الشرع يبدأ من واشنطن…/ خيرالله خيرالله
ليس أمام أحمد الشرع خيارات أخرى غير الخيار الأميركي أقلّه من أجل الوصول إلى ترتيبات مع إسرائيل تشمل بين ما تشمله وجودا مشتركا سوريا – إسرائيليا في جبل الشيخ.
الأربعاء 2025/11/12
ليس أمام أحمد الشرع خيارات أخرى
ثمة بداية جديدة في سوريا تمثلها زيارة أحمد الشرع لواشنطن واستقبال الرئيس دونالد ترامب له في البيت الأبيض. تحّمت عقدة العلاقة بالولايات المتحدة بكلّ الأنظمة التي توالت على سوريا منذ استقلالها في العام 1946. قد يكون الاستثناء الوحيد الفترة التي تلت الانفصال عن مصر التي بدأت في 28 أيلول– سبتمبر 1961 وانتهت بالانقلاب البعثي في 8 آذار – مارس 1963، وهو انقلاب عسكري استخدمه ضباط علويون من أجل وضع يد أقلّية يدها على سوريا. لم يلتق حافظ الأسد، بعدما نصّب نفسه بالقوّة رئيسا لسوريا في العام 1971، رئيسا أميركيا في واشنطن. تعمّد تفادي الذهاب إلى العاصمة الأميركية كي يؤكّد العداء لأميركا. كان يعتبر العلاقة بإسرائيل الضمانة الأهمّ لنظامه الأقلّوي. لم تكن أميركا بالنسبة إليه سوى جسر لتفاهمات من تحت الطاولة مع الدولة العبرية التي كانت وراء السماح له بدخول لبنان ووضعه تحت الوصاية ابتداء من العام 1976.
في عهد أحمد الشرع، تخلّصت سوريا من عقدة أميركا التي رفعت اسم الرئيس السوري من لائحة الإرهاب، كما فرضت على الأمم المتحدة رفعه أيضا من تلك اللائحة بموجب الفصل السابع. يعني الاستناد إلى الفصل السابع وضع سوريا تحت هذا الفصل… وفرض مراقبة مستمرّة على سلوك النظام الجديد فيها من خلال انضمام تلك الدولة إلى “التحالف الدولي” الذي يقاتل تنظيم “داعش” ويسعى إلى التخلّص من خطر هذا التنظيم الإرهابي.
تظلّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لواشنطن وهي الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال البلد حدثا تاريخيا… لكنّ التحديات الحقيقية ستظهر في مرحلة ما بعد الزيارة
في النهاية، جاءت زيارة الشرع لواشنطن تتويجا لتحوّل كبير على الصعيد الإقليمي بدأ مع هرب بشّار الأسد من دمشق إلى موسكو في 8 كانون الأوّل – ديسمبر 2024. لم يكن الأمر مجرّد هروب رئيس دولة لم يمتلك في أي يوم شرعية حقيقية. كان أكثر من ذلك بكثير، ذلك أن خروج بشّار الأسد يعني، أوّل ما يعني، خروج إيران من سوريا. كذلك، يعني الهروب أنّ روسيا لم تعد لاعبا أساسيا في هذا البلد العربي الذي كان يسمّي نفسه “قلب العروبة النابض”. لم يمتلك النظام السوري، نظام حافظ الأسد الذي سلّم الجولان في حزيران – يونيو1967 أيام كان لا يزال وزيرا للدفاع، سوى الشعارات، من نوع “المانعة” و”المقاومة”، لتغطية الدور الذي لعبه في خدمة إسرائيل لا أكثر… وكي يبقى في السلطة ما يزيد على نصف قرن.
يبدأ عهد أحمد الشرع من لا شيء. لكنّه يبدأ من واشنطن. يحتاج الرئيس السوري الجديد، الذي يحتاج بدوره إلى شرعية وطنيّة حقيقية، إلى بناء علاقة من دون عقد مع الولايات المتحدة التي تتطلع إلى وجود قوي في سوريا. الأهمّ من ذلك كلّه، أن العلاقة مع أميركا، التي كانت لدى حافظ الأسد ثم بشّار الأسد وسيلة لابتزاز العالم بما في ذلك العالم العربي، ليست عيبا. مثل هذه العلاقة باتت في الوقت الحاضر ضرورة سوريّة في حال كان مطلوبا تفادي السقوط كلّيا في الفخّ الإسرائيلي، فخّ تفتيت سوريا.
يبدو الفارق بين أحمد الشرع وكلّ من حافظ الأسد وبشار الأسد في أن الرئيس السوري الحالي يستعين بأميركا من أجل المحافظة على نظامه. في المقابل كان الأسد الأب والأسد الإبن يستعينان بإسرائيل من أجل حماية النظام العلوي. لعلّ أكثر ما يدلّ على ذلك إصرار حافظ الأسد على بقاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان على الرغم من كلّ العروض التي قدّمت له من أجل استعادة الأراضي السوريّة المحتلة. كان آخر هذه العروض ذلك الذي كان موضع بحث بين حافظ الأسد والرئيس بيل كلينتون في جنيف قبل أشهر قليلة من وفاة الأسد الأب في حزيران – يونيو من العام 2000. رفض حافظ الأسد العرض الأميركي الذي وافقت عليه حكومة إيهود باراك في إسرائيل مستخدما حججا واهية.
لم يحد بشّار الأسد عن هذا التوجه في أي وقت. بقي وفيّا لكل الالتزامات التي أعطاها والده لإسرائيل، بما في ذلك ضمان استمرار احتلالها للجولان وضمان أمنها على طول خط وقف النار بين البلدين.
في عهد أحمد الشرع، تخلّصت سوريا من عقدة أميركا التي رفعت اسم الرئيس السوري من لائحة الإرهاب، كما فرضت على الأمم المتحدة رفعه أيضا من تلك اللائحة بموجب الفصل السابع
ليس أمام أحمد الشرع خيارات أخرى غير الخيار الأميركي، أقلّه من أجل الوصول إلى ترتيبات مع إسرائيل تشمل بين ما تشمله وجودا مشتركا سوريا – إسرائيليا في جبل الشيخ. الأكيد أنّ المطلوب التوصل إلى إتفاق أمني يسمح للرئيس السوري ترتيب أوضاعه الداخليّة أوّلا.
يُفترض في العلاقة مع واشنطن ألّا تعنى التخلي عن فكرة بناء نظام يختلف تماما عن ذلك الذي بناه حافظ الأسد الذي توصل بواسطة هنري كيسنجر إلى “نقاط تفاهم” مع إسرائيل مهدت لاتفاق فك الاشتباك في أواخر العام 1974.
مهدت “نقاط التفاهم” تلك لممارسة الضباط العلويين كلّ أنواع القمع، خصوصا في حقّ الأكثريّة السنّية. لا يدلّ على ذلك أكثر من مجزرة حماة في شباط – فبراير 1982. استمرّ ذلك حتّى يوم فرار بشّار الأسد من دمشق.
الأمل الآن في أن تمهّد زيارة الشرع لواشنطن لسلوك من نوع مختلف على صعيد الداخل السوري. يعني ذلك، بكلّ بساطة، أن الظلم الحقيقي الذي لحق بأهل السنّة في عهدي حافظ الأسد وبشّار الأسد يجب ألّا يبرّر أي تجاوزات لا في حق العلويين ولا في حقّ الأكراد ولا في حقّ الدروز والمسيحيين. على العكس من ذلك، يُفترض في التخلّص من عقدة العلاقة بأميركا التمهيد لعلاقة من نوع مختلف بين االمواطنين السوريين والنظام الحاكم… بعيدا عن أي سعي لتكرار تجارب النظام العلوي بغطاء أميركي بدل الغطاء الإسرائيلي.
تظلّ زيارة أحمد الشرع لواشنطن، وهي الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ إستقلال البلد حدثا تاريخيا. لكنّ التحديات الحقيقية، ستظهر في مرحلة ما بعد الزيارة. سيظهر ما إذا كان الرهان على أميركا في محله من أجل الحدّ من عنجهية اليمين الإسرائيلي!
إعلامي لبناني
العرب
—————————-
دمشق في البيت الأبيض: الزيارة التي كسرت نصف قرن من العزلة/ علي قاسم
زيارة الشرع إلى واشنطن تحمل رمزية هائلة إنها فرصة لسوريا لإعادة تعريف نفسها كدولة طبيعية لا كجبهة إيديولوجية ولأميركا لتجاوز دورها كخصم وظيفي إلى شريك في إعادة بناء المنطقة.
كسر الجليد بين سوريا وأميركا
الأربعاء 2025/11/12
يوم 10 تشرين الثاني – نوفمبر سيذكر في التاريخ على أنه اليوم الذي كسرت فيه عقوداً من الجمود والتوتر، بين دمشق وواشنطن. في هذا اليوم زار أحمد الشرع، الرئيس السوري الجديد، واشنطن واستقبل في البيت الأبيض من قبل الرئيس دونالد ترامب. هذه الزيارة، التي جرت في 10 نوفمبر 2025، ليست مجرد حدث دبلوماسي عادي، بل تمثل نقطة تحول جذرية في تاريخ العلاقات السورية-الأميركية. منذ استقلال سوريا عام 1946، كانت هذه العلاقة محكومة بمنطق الشك والعداء، حيث رأت واشنطن في دمشق تهديداً إقليمياً، بينما اعتبرت سوريا الولايات المتحدة راعية لإسرائيل ومصالحها. اليوم، مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصعود الشرع كقائد انتقالي، يطرح هذا اللقاء سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لسوريا أن تعيد رسم موقعها في النظام الدولي، وهل تستطيع واشنطن أن تتجاوز نمط الاحتواء والعقوبات لتبني شراكة حقيقية؟ إن هذه الزيارة تكشف عن إمكانيات جديدة، لكنها أيضاً تذكرنا بالجذور العميقة للتوتر التي قد تعيق أي تقدم مستدام.
لنعد إلى الجذور التاريخية لهذا العداء. بعد استقلال سوريا، كانت العلاقات مع الولايات المتحدة محكومة بالاصطفافات الباردة. في الخمسينيات، حاولت واشنطن دعم أنظمة معتدلة في المنطقة، لكن انقلابات سوريا المتتالية، خاصة انقلاب البعث في مارس 1963، غيرت المعادلة.
الاختبار الحقيقي ليس في الصور والتصريحات بل في القدرة على تحويل الرمز إلى واقع يفيد الشعب السوري هذه اللحظة تذكرنا بأن التاريخ ليس مصيراً محتوماً بل فرصة للتغيير إذا ما أديرت بحكمة وشجاعة
هذا الانقلاب لم يكن مجرد تغيير سلطوي، بل أسس لنظام أقلوي يعتمد على الإيديولوجيا القومية العربية المعادية للغرب. صعود حافظ الأسد عام 1971 عزز هذا الاتجاه؛ فقد بنى نظاماً مغلقاً يرى في العداء لأمييكا وإسرائيل ركيزة لبقائه الداخلي. لم يزر الأسد الأب واشنطن قط، مفضلاً التحالف مع الاتحاد السوفييتي ثم إيران بعد ثورتها الإسلامية عام 1979. كان هذا الاختيار استراتيجياً: يحافظ على الشرعية الداخلية من خلال خطاب المقاومة، ويمنع أي تقارب قد يهدد سيطرته على المؤسسات. في تلك الفترة، تحولت سوريا إلى جزء من “محور المقاومة”، مما جعلها هدفاً لعقوبات أميركية متزايدة، خاصة بعد تدخلها في لبنان عام 1976 ودعمها لجماعات مسلحة.
مع ذلك، كانت العلاقة مع إسرائيل أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب الرسمي. رغم العداء المعلن، سادت تفاهمات خفية بين دمشق وتل أبيب. دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 تم بموافقة إسرائيلية ضمنية، حيث رأت تل أبيب في النظام السوري ضامناً للاستقرار على حدودها الشمالية، مقابل سيطرة سورية على لبنان. هذا التفاهم استمر لعقود، حيث حافظ الأسد على هدوء الجبهة السورية-الإسرائيلية في الجولان، رغم الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967. أميركا لم تكن بعيدة عن هذه المعادلة؛ فقد لعبت دور الوسيط الضمني، محافظة على توازن هش يخدم مصالح إسرائيل دون مواجهة مباشرة مع سوريا. في الثمانينيات والتسعينيات، شاركت واشنطن في محادثات سلام سورية-إسرائيلية، لكنها فشلت بسبب رفض الأسد التخلي عن دوره كـ”زعيم المقاومة”. هكذا، أصبحت أميركا “عدواً وظيفياً” في الرواية السورية: ضرورياً لتبرير السياسات الداخلية، لكنه غير مرغوب فيه كشريك حقيقي.
في هذا السياق، تأتي زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن ككسر جذري للنمط التقليدي. الشرع، الذي كان يُعرف سابقاً بأبو محمد الجولاني قائداً لهيئة تحرير الشام، تحول إلى رجل دولة بعد سقوط الأسد. زيارته للبيت الأبيض هي الأولى لزعيم سوري منذ الاستقلال، وتمثل تحولاً من الإرهاب المصنف إلى شريك محتمل. خلال اللقاء، ناقش الشرع وترامب تعزيز العلاقات، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، وتعليق جزئي للعقوبات الأميركية. هذا الانفتاح ليس مصادفة؛ فسوريا الجديدة تسعى إلى إعادة تموضعها كدولة مستقرة، بعيداً عن الإيديولوجيا الإسلامية المتطرفة أو القومية البعثية. الشرع يحمل إرثاً دبلوماسياً، لكنه يمثل رؤية جديدة: سوريا كشريك في مكافحة الإرهاب، لا كداعم له. ومع ذلك، هل هذه الزيارة بداية مرحلة جديدة، أم مجرد مناورة تكتيكية؟ ترامب، الذي يركز على “أميركا أولاً”، قد يرى في سوريا فرصة لتحقيق انتصارات سريعة، مثل تعزيز التحالف ضد الإرهاب أو مواجهة نفوذ إيران. لكن الرمزية العالية لهذا اللقاء قد تخفي مخاطر: إذا فشلت في تحقيق نتائج ملموسة، قد تعزز الشكوك الداخلية في سوريا تجاه “التبعية للغرب”.
الآن، نواجه التحديات البنيوية التي قد تعيق هذا التقارب. داخلياً، تعاني سوريا من انقسامات عميقة: عرقية، طائفية، واجتماعية. بعد سنوات الحرب الأهلية، التي أودت بحياة مئات الآلاف ونزوح ملايين، يحتاج الشرع إلى بناء شرعية داخلية. هل يمكن أن يقنع السوريين بأن الانفتاح على واشنطن يعني دعماً اقتصادياً وإعادة إعمار، لا استعماراً جديداً؟ النخبة الجديدة، المكونة من سابقين في المعارضة والمتمردين، تواجه تحدياً في توحيد البلاد. أي تقارب أميركي قد يُفسر كتخلي عن “المقاومة”، مما يعزز المعارضة من قبل بقايا النظام القديم أو الجماعات المتطرفة.
قد تكون هذه الزيارة بداية لعصر جديد في الشرق الأوسط، حيث يحل منطق الدولة محل منطق الصراع. وإلا، فإنها قد تبقى مجرد لحظة عابرة في تاريخ مليء بالفرص الضائعة
إقليمياً، سوريا محاصرة بمحاور متنافسة: إيران، التي خسرت نفوذها بعد سقوط الأسد، تسعى إلى العودة عبر ميليشياتها؛ تركيا، التي تسيطر على شمال سوريا، ترى في الشرع تهديداً محتملاً؛ والخليج، الذي يدعم الانتقال بشرط الابتعاد عن طهران. هل تستطيع دمشق صياغة سياسة خارجية مستقلة، أم ستُجبر على الاصطفاف في محور جديد، ربما أمريكي-إسرائيلي؟ هنا، تبرز أهمية الزيارة: إذا نجحت في جذب استثمارات ودعم، قد تساعد في تعزيز الاستقلال السوري.
دولياً، تواجه الولايات المتحدة تحدياتها الخاصة. سياسة ترامب الخارجية، المبنية على الانكفاء عن الالتزامات الطويلة الأمد، قد تجعل الملف السوري هامشياً. رغم تعليق العقوبات جزئياً، فإن واشنطن لا تزال تحافظ على قواتها في شمال شرق سوريا، مما يثير تساؤلات حول نواياها الحقيقية. هل تريد أميركا سوريا مستقرة كشريك، أم مجرد أداة لمواجهة إيران وداعش؟ التذبذب في السياسة الأميركية، بين إدارات مختلفة، يجعل أي اتفاق هشاً. على سبيل المثال، في عهد أوباما، دعمت واشنطن المعارضة السورية جزئياً، لكنها تجنبت التدخل المباشر؛ أما في عهد بايدن، فقد ركزت على العقوبات. اليوم، مع ترامب، قد يكون هناك انفتاح أكبر، لكن دون رؤية استراتيجية واضحة، قد تظل العلاقة سطحية.
في الخلاصة، زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن تحمل رمزية هائلة، تمثل انتقالاً من عصر الصراع إلى عصر الدبلوماسية. إنها فرصة لسوريا لإعادة تعريف نفسها كدولة طبيعية، لا كجبهة إيديولوجية، ولأمريكا لتجاوز دورها كخصم وظيفي إلى شريك في إعادة بناء المنطقة. لكن الرمزية وحدها لا تكفي؛ يتطلب الأمر بناء رؤية استراتيجية مشتركة، تركز على إعادة الإعمار، مكافحة الإرهاب، والحل السياسي الشامل. داخلياً، يجب على الشرع تعزيز الوحدة الوطنية وإصلاح المؤسسات؛ إقليمياً، صياغة تحالفات متوازنة؛ ودولياً، إقناع واشنطن بأن الاستثمار في سوريا يخدم مصالحها طويلة الأمد. إذا نجحت هذه الجهود، قد تكون هذه الزيارة بداية لعصر جديد في الشرق الأوسط، حيث يحل منطق الدولة محل منطق الصراع. وإلا، فإنها قد تبقى مجرد لحظة عابرة في تاريخ مليء بالفرص الضائعة. في النهاية، الاختبار الحقيقي ليس في الصور والتصريحات، بل في القدرة على تحويل الرمز إلى واقع يفيد الشعب السوري، الذي عانى طويلاً من سياسات الاستبداد والعزلة. هذه اللحظة تذكرنا بأن التاريخ ليس مصيراً محتوماً، بل فرصة للتغيير، إذا ما أديرت بحكمة وشجاعة.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب
——————————–
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض: جسور ما بعد العزلة أمام اختبار السيادة/ أغيد حجازي
11 نوفمبر 2025
زيارة الشرع
تُعتبر أوكرانيا بالنسبة للأوروبيين خطَّ الدفاع الأول في مواجهة روسيا، ولذلك يمدّونها بالسلاح والعتاد اللازمين لصدّ الروس ومنعهم من الوصول إلى أوروبا. أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، فترى في كييف أكثر من ذلك، إذ تعتبر أنها نجحت في إدخال موسكو ضمن مستنقع استنزافٍ طويل الأمد.
ومع ذلك، عندما زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي البيت الأبيض، قال له دونالد ترامب أمام الصحفيين: “عليك أن تتنازل لبوتين، فلا تملك أوراق قوة تفاوضية، وإلا ستخسر المزيد.”
وعلى سيرة التفاوض، سُئل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني: “لماذا لا تحاور الإسرائيليين؟” فأجاب: “ما جدوى الحوار بين السيف والعنق؟”.
وفي الثورة المصرية، حين بلغت المظاهرات ذروتها في ميدان التحرير، يُروى أن الرئيس الراحل حسني مبارك اتصل بالأميركيين طالبًا حلًا أو مساعدة، وبعد أن أنهى المكالمة سأله أحد الحاضرين عن النتيجة، فأجاب: “من تلحّف بالأميركان يبقَ بردان.”
المغزى أن الحليف الأميركي ليس بالضرورة شريكًا ندًّا، فالدعم لا يعني حفظ السيادة، والتحالف لا يمنح القوة ما لم تستند إلى قاعدة صلبة من الداخل.
****
اليوم، يزور الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض، كأول رئيس سوري يخطو هذه الخطوة. ولا شك أن زيارة رئيس سوري – وإن لم يكن منتخبًا بعد – تمثل حدثًا مفصليًا وتاريخيًا، كونها الأولى من نوعها منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.
غير أن الزخم الذي رافق هذه الزيارة تجاوز حدود الواقعية، إذ رُوّج لها على نطاق واسع بوصفها منعطفًا اقتصاديًا سيحوّل سوريا إلى نموذجٍ تنموي مزدهر. لكن مثل هذه الطموحات تحتاج إلى كثير من الحذر، فزيارة دبلوماسية مهما كانت أهميتها لا يمكنها وحدها أن تُحدث تحوّلًا جذريًا في واقع اقتصادي أنهكته سنوات الحرب والعقوبات والانقسام.
من هنا، فإن التقييم الموضوعي لأي انفتاح سياسي يجب أن ينطلق من فهم الظروف الداخلية والإقليمية المحيطة، ومن قدرة الحكومة السورية على تحويل هذا الانفتاح إلى إصلاحات اقتصادية ملموسة تمسّ حياة المواطنين.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل أي خطوة دبلوماسية عن المناخ الجيوسياسي الأوسع الذي تتحرّك فيه سوريا اليوم، إذ تأتي الزيارة في لحظةٍ حساسة تشهدها المنطقة مع بدء إعادة رسم موازين القوى الإقليمية. فالولايات المتحدة تسعى من خلالها إلى تثبيت نفوذها في الملف السوري بعد عقودٍ من الغياب، بينما تحاول دمشق كسر عزلتها واستعادة قنوات الدعم الاقتصادي والسياسي.
ولا شكّ أن وجود علاقات طبيعية وصحية مع الولايات المتحدة أمرٌ ضروري ومهمّ ولا غنى عنه، كما أنه لا مصلحة لأي دولة – كبيرة كانت أم صغيرة – في معاداة واشنطن أو إبقاء علاقاتها معها مضطربة، فكيف بسوريا، البلد المنهك والمدمَّر؟
فإنْ أرادت الولايات المتحدة دعم سوريا، فهي قادرة على ذلك سياسيًا واقتصاديًا وعبر رفع العقوبات الاقتصادية، ولا سيّما قانون قيصر الذي يثقل كاهل دمشق، كما أنها قادرة – إن شاءت – على الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، وعلى “قسد” للوصول إلى حلّ سياسي شامل.
ومن جهةٍ أخرى، وكما هو الحال في العلاقات الدولية كافة، لا شيء يُقدَّم دون مقابل. ففي عالم المصالح، لكل خدمة ثمن، ولكل دعم كلفة. والولايات المتحدة – لا سيّما في عهد الترامبية التي تتعامل بعقلية التاجر أكثر من رجل الدولة – لا تقدّم التزاماتها مجانًا. لذلك، من المهم مراقبة ما الذي ستطلبه واشنطن في المقابل، وما هو الثمن السياسي أو الاقتصادي الذي قد تُطالَب به دمشق مقابل إعادة الانفتاح والعلاقات الطبيعية.
ومع ذلك، فإن إدراك طبيعة هذا “المقابل” لا يعني التسليم به أو الارتهان له، بل يقتضي إدارة العلاقة بميزان دقيق بين الحاجة والمصلحة، وبين الانفتاح والسيادة. فالثقة في السياسة الدولية لا تُبنى بالتصريحات أو الزيارات وحدها، بل عبر اختباراتٍ متبادلة تتراكم مع الوقت وتُترجم إلى مسارٍ عمليٍّ قابلٍ للاستمرار.
إن ما ينتظره السوريون اليوم لا يتعلق بالمراسم الدبلوماسية بقدر ما يتعلق بوقف نزيف الدم وتحسّن أوضاعهم المعيشية، وبإنهاء الانقسام الطائفي، ووضع حدّ للاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع يومًا بعد يوم. فهم لا يريدون أن تُقدَّم أي خطوة سياسية على أنها انتصار على أي فئة من أبناء الوطن، بل بوصفها خطوة نحو وحدة البلاد وكرامتها.
وما لم تمتلك دمشق أوراق قوة حقيقية في الملفات الكبرى، فستبقى “كالعنق أمام السيف”. فالمصافحات لا تُغني عن التوازن، واللقاءات لا تصنع السيادة.
إن القوة الحقيقية اليوم تكمن في إعادة بناء سوريا واحدة موحّدة، بجيش وطني جامع، ودولة تستعيد ثقة أبنائها قبل ثقة الآخرين.
ودون ذلك، ستبقى كل الزيارات عناوين كبيرة لقصصٍ صغيرة.
—————————————–
لماذا استقبل ترامب الشرع في المكتب البيضوي؟
الثلاثاء 2025/11/11
لم تختلف جلسة الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، عن جلسات أخرى عقدها ترامب مع كبار زعماء العالم، بينهم القادة الأوروبيون في وقت سابق.. فالمكتب البيضوي الذي استقبل فيه الشرع، هو المخصص للجلسات العملية، وليس لاستقبالات بروتوكولية فحسب، وهو مؤشر على مناقشات تفصيلية وعملية، بمعزل عن كل الادعاءات في السوشيال ميديا التي تتجاهل السياق، وتتحدث عن شكليات، في الأصل خرقها ترامب بأكملها.
والتعليقات على تلك التفاصيل، تقفز فوق رمزية هذا اللقاء الذي وصفته كبريات المنصات الأميركية بأنه “حدث تاريخيّ” يطوي عقوداً من القطيعة مع دمشق ويكرس في الوقت نفسه تحولاً عميقاً في موقع سوريا في الاستراتيجية الأميركية بعد سقوط نظام الأسد.
إنجازات الزيارة
وقدمت وكالة “أسوشييتد برس” اللقاء كأول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال، وربطت بين دخول سوريا رسمياً في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وبوادر إعادة فتح السفارة السورية في واشنطن، وتعليق جزء من عقوبات “قيصر” ضمن مهلة زمنية محددة، مع التشديد على أن الخطوة مشروطة بأداء السلطة الجديدة في دمشق وموافقة الكونغرس على أي تغيير جذري في المنظومة العقابية.
وفي الاتجاه نفسه قدمت وكالة “رويترز” الزيارة كذروة تحول مذهل في مسار الشرع نفسه وفي التموضع الجيوسياسي لسوريا، من قائد فصيل جهادي مصنف كإرهابي، إلى شريك محتمل في ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، مع إبراز مسألة انضمام سوريا للتحالف والحديث عن تفاهمات أوسع تشمل أمن اسرائيل ومستقبل الوجود الإيراني والروسي.
صحافة النخبة
وقرأت الصحف المرجعية في واشنطن ونيويورك، المشهد، بعيون أكثر حذراً، حيث أعادت “واشنطن بوست” بناء سيرة الشرع من قائد مُلاحق، إلى رئيس يُستقبل في المكتب البيضوي بوصفها مفتاحاً لقراءة القرار الأميركي، مع طرح سؤال واضح حول ثمن الواقعية السياسية. وربطت تغطيتها بين الزيارة والنقاش داخل الكونغرس حول مصير عقوبات “قيصر”، ومستقبل الاستثمارات وضمانات عدم إنتاج منظومة قمعية جديدة في دمشق.
في المقابل، ركزت “وول ستريت جورنال” على البُعد الاقتصادي والاستراتيجي تمهيداً لاستقبال الشرع كجزء من مسار مقصود لفتح الباب أمام رؤوس الأموال الأميركية والخليجية في ملفات إعادة الإعمار والطاقة وتكريس سوريا الجديدة كعنصر في توازن إقليمي يحد من نفوذ طهران وموسكو، مع التعامل مع تعليق العقوبات كأداة ضغط لا كمنحة مجانية.
انتصار ترامب وسرديّة “القائد القوي”
واحتفت القنوات المحافظة وفي مقدمتها “فوكس نيوز” بالزيارة كدليل على “قدرة” دونالد ترامب على تحويل خصوم الأمس إلى حلفاء، وقدمت الشرع في صورة حليف جديد قوي في الحرب على “داعش” وضد نفوذ إيران، مع إبراز تصريحاته عن الشراكة مع واشنطن والاستثمار والغاز.
واختارت منصات يمينية شعبوية مثل “نيويورك بوست”، عناوين صادمة تذكر بالماضي مع قبول فعلي باللحظة السياسية الجديدة، ما دام الاعتراف بالشرع يقدم كإنجاز يحسب لترامب في إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية.
إعتراف بأهمية اللحظة
وحضرت في تغطيات “إيه بي سي” و”سي إن إن” وشبكات الأخبار الكبرى، صيغة مزدوجة تضمنت الاعتراف بأهمية اللحظة بوصفها اللقاء الأول بين رئيس سوري وإدارة أميركية في البيت الأبيض، مقابل تذكير تفصيلي بأن الضيف كان حتى وقت قريب موضوعاً في لوائح العقوبات والإرهاب الأميركية، وبأن رفع اسمه وتعليق بعض التدابير لا يغلقان باب المساءلة القانونية والأخلاقية.
وركّزت هذه التغطيات على غياب الصحافة عن الاجتماع المغلق بين الرئيسين، وعلى حساسية قرار تعليق جزء من عقوبات “قيصر” لفترة محددة وإحالته إلى نقاش أوسع في الكونغرس وبين جماعات حقوق الإنسان، حيث تتقدم أسئلة من نوع: أي نوع من العدالة يمكن أن يقوم في سوريا الجديدة إذا جرى تثبيت معادلة “الاستقرار مقابل النسيان”؟
منصات مثل “بوليتيكو” و”آكسيوس” تناولت الزيارة من زاوية هندسة القرار داخل واشنطن وتحدثت عن ضغوط لوبيات وشخصيات سورية وشرق أوسطية، وعن ربط اللقاء بملفات إعادة الإعمار، ودمج “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية، واحتمالات صفقة أمنية سورية اسرائيلية برعاية اميركية، مع ابراز الانقسام داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي حول مدى التعويل على شخصية مثيرة للجدل مثل الشرع.
المدن
————————–
لوموند: لم يُسمح للرئيس السوري بالدخول من البوابة الرئيسية للبيت الأبيض.. غير أن رمزية الحدث لم تتراجع
تحت عنوان “في واشنطن.. يؤكد الرئيس السوري أحمد الشرع تحوّله السياسي وتقاربه مع الولايات المتحدة”؛ قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لم يُسمح له بالدخول من البوابة الرئيسية للبيت الأبيض، أو المشاركة في اللقاءات الدبلوماسية الودية أمام الكاميرات، بل دخل عبر باب جانبي بعيدًا عن الأضواء، غير أن رمزية الحدث لم تتراجع: استقبال مقاتل جهادي سابق، كان معتقلًا لدى الجيش الأمريكي في العراق، في البيت الأبيض بكل حفاوة، حيث أظهرت الصور الملتقطة في المكتب البيضاوي أجواءً ودّية.
وأضافت صحيفة “لوموند” القول إن هذه الزيارة كانت مشحونة بالدلائل حول التحولات العميقة التي شهدها الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين. فهي تروي تسارع مصير مزدوج: مصير الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ومصير بلاده التي تحولت من دولة منبوذة إلى حليف. فقد وصفه دونالد ترامب بأنه “رجل قوي” و”قائد صلب”، وقال، بعد ظهر الإثنين، إن أحمد الشرع يمكنه أن يقود بلاده نحو النجاح.
وأضاف: “إذا نظرتم إلى سوريا عبر السنوات، كان لديهم أطباء ومحامون، وعقول لامعة كثيرة، إنها بلد رائع فيه أناس عظماء. ونحن نريد لسوريا أن تنجح مثل بقية الشرق الأوسط. ونحن واثقون من أنه سيتمكن من إنجاز هذه المهمة”.
وذكَّرت صحيفة “لوموند” أنه قبل عام واحد فقط، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عرضت مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يُسهم في القضاء على الرجل الذي كان يُعرف آنذاك باسمه الحركي “أبو محمد الجولاني”. أما الرئيس الانتقالي اليوم، فقد خرج، الإثنين، بين أنصاره قرب البيت الأبيض، ودُعي إلى مقابلة على قناة “فوكس نيوز”. وعن ماضيه الجهادي قال: “إنها قضية من الماضي”، مشيرًا إلى أن دونالد ترامب قد أهداه قبعة حمراء تحمل شعار “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا”.
مفتاح الاستقرار الإقليمي
التقى الرجلان للمرة الأولى في الرياض، في شهر مايو، خلال الجولة الإقليمية لدونالد ترامب، بمبادرة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يُنتظر أن يزور البيت الأبيض في 18 نوفمبر الجاري، وهو يروّج بقوة للزعيم السوري الجديد على الساحة الدولية، معتبرًا أن إنهاء عزلة سوريا هو مفتاح الاستقرار الإقليمي.
وقد شارك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتصال هاتفي خلال اللقاء، وهو الذي يتمتع بعلاقات ممتازة مع ترامب، ويُعدّ الراعي الأول للحكومة الجديدة في دمشق، تُشير صحيفة “لوموند”.
أظهر ترامب مرونة كبيرة في تعامله مع الشرق الأوسط، إذ لم يتقيد بالتحالفات التقليدية ولا بالعداوات القديمة. فرغم المعارضة الشديدة من بعض أنصار حركة “ماغا”، الذين يرون أنه “لا وجود لجهادي سابق”، فقد انتهز البيت الأبيض فرصة سقوط نظام عائلة الأسد في ديسمبر عام 2024. فوصول أحمد الشرع إلى السلطة، ورغبته في تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ودول الخليج، يتيح فرصة لإعادة التوازن الإقليمي، بإخراج سوريا من المحور الإيراني والنفوذ الروسي. وقد علّقت الولايات المتحدة جزءًا من العقوبات المفروضة على دمشق لإعطاء الحكومة الجديدة فرصة، توضح صحيفة “لوموند”.
أكد الرئيس الشرع أنه يسعى لإبرام اتفاق يتيح انضمام بلاده إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة” (داعش). وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى: “الاتفاق سياسي ولا يتضمن في الوقت الحالي أي بُعد عسكري.” وهكذا ستصبح سوريا الدولة التسعين التي تنضم إلى هذا التحالف الذي شكّلته الولايات المتحدة عام 2014 عندما استولى التنظيم على ثلث العراق وسوريا.
تعاون ميداني
واعتبرت صحيفة “لوموند” أن هذه الخطوة قد تُكرّس واقعًا قائمًا منذ شهور على الأرض، يتمثل في تعاون ميداني بين القوات السورية والأمريكية ضد الخلايا الجهادية التي تحاول استغلال هشاشة الوضع في دمشق بعد الأسد. وقد أبرز مقطع فيديو ذلك مؤخرًا، إذ ظهر الرئيس السوري مرتديًا قميصًا وربطة عنق، يلعب كرة السلة مع الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية للقوات الأمريكية (سنتكوم).
تمت دعوة تركيا لتكون ضامنًا للاتفاقات المبرمة بين الرئيسين ترامب والشرع. وعُقد اجتماع عمل في البيت الأبيض بين وزراء الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، والتركي هاكان فيدان، والأمريكي ماركو روبيو. اتفق الطرفان على مواصلة تنفيذ اتفاق الـ10 مارس الخاص بدمج القوات الكردية، التي تدير شمال شرق سوريا، ضمن الدولة السورية الجديدة.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي على ضرورة التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، التي ترغب في الاحتفاظ بحرية حركة عسكرية في جنوب سوريا كما في لبنان. وتدفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو إيجاد تفاهم بين إسرائيل والحكومة السورية الجديدة.
وفي مقابلته مع قناة “فوكس نيوز”، استبعد أحمد الشرع في الوقت الراهن انضمام بلاده إلى “اتفاقات أبراهام” الخاصة بتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، مشيرًا إلى أن هذه الأخيرة ما زالت تحتل هضبة الجولان، التي لم تعترف بضمها سوى الولايات المتحدة الأمريكية.
ويرغب ترامب في إحياء مسار التطبيع الذي أطلقه خلال ولايته الأولى وتوقف بعد هجوم حركة “حماس” في 7 أكتوبر 2023، ثم الحرب في غزة. إن انضمام سوريا والسعودية إلى هذه الاتفاقات سيكون إنجازًا دبلوماسيًا ضخمًا لكلٍّ من إسرائيل والإدارة الأمريكية، لكنه يبدو بعيد المنال حاليًا لغياب أفق سياسي واقعي للفلسطينيين.
رفع العقوبات والاستثمارات
تمهيدًا لزيارة الرئيس السوري إلى البيت الأبيض، حصلت إدارة ترامب، في 6 نوفمبر، على قرار من مجلس الأمن الدولي برفع العقوبات المتعلقة بالإرهاب عن أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب. وقد سمح ذلك لوزارة الخارجية الأمريكية بشطب اسم الرئيس السوري من قائمة الإرهابيين، معتبرةً أن حكومته “تبذل جهودًا حثيثة لتحديد أماكن الأمريكيين المفقودين، والوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب والمخدرات، والقضاء على بقايا الأسلحة الكيميائية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، ودفع عملية سياسية شاملة يقودها السوريون أنفسهم”.
في واشنطن، – تتابع صحيفة “لوموند” – جاء أحمد الشرع ليطالب برفع أشدّ العقوبات المفروضة على بلاده، وهي تلك المنصوص عليها في “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” الصادر عام 2019، نسبةً إلى المُبلّغ الذي كشف آلاف الصور لضحايا نظام الأسد.
ورغم أن إدارة ترامب علّقت هذه العقوبات لمدة ستة أشهر إضافية – باستثناء التعاملات المتعلقة بإيران وروسيا – إلا أنها ما تزال تعرقل تنفيذ استثمارات موعودة بمليارات الدولارات، لا سيما من دول الخليج، لإعادة إعمار سوريا بعد أربعة عشر عامًا من الحرب. كما تعيق هذه العقوبات تعافي الاقتصاد في بلدٍ يحتاج فيه ثلثا السكان، أي نحو 25 مليون شخص، إلى مساعدات إنسانية.
مساء الأحد، تُشير صحيفة “لوموند”، وبمبادرة من طارق وياسمين نعمو، وهما زوجان سوريان- أمريكيان من ولاية فلوريدا يعملان على تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا، التقى الشرع برئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، النائب الجمهوري برايان ماست (عن فلوريدا). ويُعدّ الأخير، إلى جانب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام (عن كارولاينا الجنوبية)، من أبرز المعارضين لرفع العقوبات الأمريكية نهائيًا عن سوريا.
وأكد برايان ماست، المؤيد لإسرائيل والمقاتل السابق في الجيش الأمريكي الذي فقد ساقيه في أفغانستان عام 2010، اللقاء في بيانٍ له، قائلًا إنه سأل الزائر عن سبب تغيّر العداء بين البلدين، فأجابه الشرع بأنه يريد “التحرر من الماضي”.
ولم يُفصح ماست عمّا إذا كان قد غيّر موقفه بشأن رفع العقوبات، فيما تعهّد الرئيس دونالد ترامب أمام الشرع باستخدام نفوذه في الكونغرس لدفعه إلى التصويت لصالح رفعها نهائيًا، في الوقت الذي بحث فيه الطرفان فرص الاستثمارات الأميركية في سوريا.
—————————-
لقاء أحمد الشرع بترامب بعدما كان مطلوبًا.. خبيران يوضحان لـCNN أهمية الزيارة وهدفها والتحديات بسوريا
تحدث الخبيران في الشؤون السورية، ريم تركماني وتشارلز ليستر، مع مذيعة CNN، باولا نيوتن، حول اللقاء التاريخي في البيت الأبيض بين الزعيم السوري أحمد الشرع والرئيس دونالد ترامب.
نستعرض لكم فيما يلي نص الحوار الذي دار بينهم:
باولا نيوتن: لقد حظي (الشرع) بعدد أكبر من الجماهير – كما سأصفهم- من حول العالم مقارنة بما حظي به النظام السوري لنصف قرن من الزمن.
تشارلز ليستر: نعم، تمامًا كما وصفت الأمر، لقد كانت 11 شهرًا استثنائية بالنسبة لسوريا، لأسبابٍ عديدة، بعضها ذكرتها، والعديد غيرها. بالطبع، بعد 14 عامًا من الصراع الأهلي المُنهك، وأكثر من 50 عامًا من حكم عائلة الأسد الاستبدادي، أعتقد، كما تعلمون، أن هناك أرضيةً لقدرٍ كبيرٍ من التفاؤل، وهذا سبب الاندفاع إلى دمشق، وجميع الالتزامات الحكومية التي تلقتها هذه الحكومة الانتقالية الجديدة رغم تاريخها المثير للجدل. ولكن بعد عودتي من سوريا قبل يومين، كما تعلمون، فإن التحديات التي تواجهها هذه الحكومة، أيًا كان نوعها، فإن التحديات التي تواجهها استثنائية. وهنا، فإن بداية علاقة مع الولايات المتحدة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أكبر التحديات، وخاصة تلك التي تركز على الاقتصاد، قابلة للتغلب عليها أم لا. ولهذا السبب، تعد زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، مهمة وربما تكون لها عواقب وخيمة.
باولا نيوتن: نعم، ربما تكون لها عواقب وخيمة. يجب أن تكون لها عواقب وخيمة، أليس كذلك؟ ريم، أريد أن أسألك نفس السؤال، ولكن أشير أيضًا أنك كنت في سوريا لحضور تخرج قريبتك. لا بد أنه كان من الرائع أن تكوني هناك كفرد من العائلة. لم تذهبي هناك منذ 14 عامًا. ما انطباعاتك عما وصلنا إليه اليوم؟
ريم تركماني: من المذهل أن نرى هذه الزيارة تحدث، وهي الأولى على الإطلاق لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، وكما ذكرت، لقد عدتُ للتو من سوريا. إنها زيارتي الثالثة منذ سقوط نظام الأسد. لم أتمكن من الذهاب إلى هناك لـ14 عامًا، وفي كل مرة تكون أشبه برحلة عاطفية. أعني، دائمًا ما تكون الأخبار جيدة، ثم سيئة على التوالي. ترى أشياءً، تشعر بتفاؤل وسعادة بالغين، ثم بعد دقيقة تسمع قصةً سيئةً للغاية. ترى دمارًا، وهو انعكاسٌ للواقع على الأرض. لا يزال الناس منقسمين بشدة. الصراع لم ينتهِ بعد. إذًا، يواجه الرئيس الشرع واقعًا معقدًا وشائكًا للغاية في سوريا. إنه يحتاج إلى دعم خارجي، ومساندة خارجية. أعتقد أن عليه الموازنة بين المتطلبات الخارجية وهذا الواقع المعقد للغاية، حيث تختلف توقعات الناس اختلافًا كبيرًا، بما في ذلك توقعاتهم من هذه الزيارة نفسها.
باولا نيوتن: في هذه الزيارة، ريم، أريد أن أسألك ما الذي يحتاجه من هذه الزيارة، وما هي برأيك استراتيجيته الحالية في هذا الشأن؟
ريم تركماني: أعتقد أنه يأمل في رفع العقوبات الأمريكية على سوريا، وقد سمعنا للتو أخبارًا سارة في هذا الصدد، وننتظر التفاصيل. أعتقد أنه يرغب أيضًا في أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لوقف هجماتها اليومية على سوريا، ومساعدة سوريا بالطبع على الاندماج مجددًا في النظام المالي الدولي. لكن كل هذه التحولات التي يُجريها، أعني، الذهاب لمقابلة الرئيس الأمريكي، كونه شخصًا حارب الأمريكيين بالفعل على أرض الواقع في الجانب الآخر منذ وقت ليس ببعيد، وتحدث علنًا ضد الولايات المتحدة حتى وقت ليس ببعيد، لذا. إذا فكرنا في قاعدته الشعبية، وفضائه الموالي، فهذه إعادة تنظيم صعبة للغاية للسياسة الخارجية، وأتساءل عما إذا كان يتمتع بشرعية داخلية قوية بما يكفي لدعم ذلك التحول في السياسة الخارجية.
————————–
فورين بوليسي: هل تُفسد إسرائيل العلاقة الأميركية السورية؟
قال تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي الأميركية إن الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى إلى ضم سوريا لجناحها ودمجها في النظام الإقليمي بقيادة واشنطن، لكن سياسات إسرائيل العدوانية والتوسعية في المنطقة قد تُفسد تطور العلاقات.
وأوضح الكاتب مارك لينش أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن أن الهدف الأساسي من الخطة هو منع عودة سوريا إلى محور إيران وجعلها موالية للولايات المتحدة، مما سيضعف طهران ويعزز نفوذ واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط.
الخطر الأكبر على استقرار سوريا الجديدة ليس إيران أو الإسلاميين، بل إسرائيل نفسها
ويأتي التحليل بعد رفع العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الخميس الماضي، ثم زيارته البيت الأبيض أمس الاثنين، في خطوة اعتبرها لينش ذروة حملة دولية تهدف إلى إعادة تأهيل الشرع وإضفاء شرعية دولية على حكمه.
نقطة صدام حرجة
وبينما لا تزال إدارة ترامب حليفا وثيقا لإسرائيل في ملفات غزة وإيران فإن الطموحات الإسرائيلية في سوريا باتت تتعارض بوضوح مع الأولويات الأميركية، وفق الكاتب.
وحذر لينش من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقترب من صدام مباشر مع أبرز داعميه الدوليين، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لتوسيع وجودها العسكري في سوريا عبر إنشاء قاعدة جوية قرب دمشق.
وستجبر هذه الخطوة واشنطن على مواجهة الحقيقة الصعبة، وهي أن الخطر الأكبر على استقرار سوريا الجديدة ليس إيران أو الإسلاميين، بل إسرائيل نفسها، حسب التحليل.
وأكد الكاتب أن لهذا الانقسام انعكاسات واسعة على مستقبل التوازنات والتحالفات في الشرق الأوسط، خصوصا مع تقديم واشنطن الرئيس الشرع مثالا على إمكانية دمج “الإسلاميين البراغماتيين” في النظام الدولي.
تدخّل إسرائيلي
ويرى الكاتب أن الخطة الأميركية تستند إلى ركيزتين أساسيتين: الأولى قدرة الشرع على بناء دولة مستقرة، والثانية قبول إسرائيل بهذا الترتيب السياسي.
وأشار إلى أن حوادث العنف في السويداء في يوليو/تموز الماضي تمثل تهديدا مباشرا للركيزة الأولى، إذ كشفت المواجهات الدموية بين القوات الحكومية والطائفة الدرزية ومقاتلي العشائر البدوية عن هشاشة الدولة الجديدة وفقدان الثقة في النظام الوليد.
ولفت التحليل إلى أن إسرائيل استغلت هذه الفوضى لتوسيع نفوذها داخل سوريا من خلال شن غارات متكررة على ما وصفتها بـ”الأهداف المعادية”، مستخدمة ذريعة حماية الدروز، في محاولة “واضحة” للتمهيد لاحتلال دائم.
من جهته، أبدى الشرع استعدادا للتعامل مع إسرائيل ما دامت الخطوة تخدم التنمية وجذب الاستثمارات، مدركا أن الصدام المباشر مع تل أبيب لن يجلب سوى العقوبات والاضطرابات، طبقا للمقال.
لكن التحليل أكد أن توقيع سوريا على اتفاقيات أبراهام يبدو بعيد المنال، نظرا لرفض الشعب السوري هذه الخطوة، ولأن حلفاء الشرع الإقليميين -مثل قطر وتركيا والسعودية- لا يدعمون هذا المسار أصلا.
وخلص الكاتب إلى أن الملف السوري سيظل نقطة توتر بين واشنطن وتل أبيب، إذ يعرقل موقف إسرائيل وتوسيع احتلالها الجنوب السوري أي اتفاقية أميركية سورية تهدف إلى تحقيق استقرار المنطقة.
المصدر: فورين بوليسي
————————————
ماذا ناقش الاجتماع السوري- الأمريكي- التركي بالبيت الأبيض
قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن الاجتماع الثلاثي بين سوريا وتركيا وأمريكا، الذي عقد في البيت الأبيض، الاثنين 10 من تشرين الثاني، ركز على ما يمكن فعله لرفع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”، بهدف مساعدة الاقتصاد السوري على النهوض من جديد.
وصرح فيدان خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، أن الاجتماع الثلاثي الذي عقده مع وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني، والأمريكي ماركو روبيو، ناقش رؤى الدول الثلاث وإمكانيات تعزيز التعاون المشترك.
وقال فيدان، إن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، يعمل بـ”كثافة” في الملف السوري، سواء فيما يتعلق بالعلاقات بين واشنطن ودمشق، أو القضايا المتصلة بجنوبي سوريا والحدود مع إسرائيل، أو المناطق الشمالية الحدودية مع تركيا، معتبرًا أن “وجود مثل هذا المبعوث النشط يمثل قيمة مهمة”.
وأضاف فيدان أن تركيا كانت استضافت اجتماعًا مماثلًا بولاية أنطاليا في أيار الماضي، وأن الاجتماع الأخير في واشنطن يعتبر تتمة لذلك الحوار.
وأشار فيدان إلى أن التركيز ينصب حاليًا على ما يمكن فعله لرفع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”، مضيفًا أنه رغم بعض الإعفاءات المحدودة التي قد مُنحت بقرارات رئاسية أمريكية، فإن إلغاء قانون “قيصر” تمامًا من الكونجرس يعد خطوة ضرورية.
وأكد فيدان ضرورة أن تتبنى الإدارة الأمريكية موقف إلغاء قانون “قيصر”، وتوصي به للكونجرس، مؤكدًا أهمية لقاء الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بعدد من أعضاء الكونجرس، على اعتبار أنهم سيصوتون على إلغاء القانون.
وأوضح فيدان أن اللقاء تطرق أيضًا إلى الأوضاع في محافظة السويداء جنوبًا، وشمال شرقي سوريا، حيث توجد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مشددًا على أهمية هذه المحادثات من ناحية بحث مستقبل تلك المناطق.
ونوه فيدان إلى أنه إذا لم تُدر المشكلات في هذه المناطق بدقة، فقد تواجه سوريا خطرًا حقيقيًا يمس سلامة أراضيها ووحدتها، ومن المهم أن الأمريكيين يدركون هذا الأمر، ويرى أنهم “أدركوه فعلًا”، بحسب قوله.
ولفت وزير الخارجية التركي إلى أن سوريا يجب أن تبقى موحدة، وأن تُصان سلامة الأرواح والممتلكات فيها، وألا تتعرض المكونات العرقية والدينية لأي ضغط، معتبرًا أن تحقيق هذا التوازن يتطلب جهدًا كبيرًا، كما يجب ضمان ألا تشكل أي جهة تهديدًا للآخرين.
تمديد تعليق “قيصر”
أعلنت وزارتا الخزانة والتجارة الأمريكيتان تمديد تعليق تطبيق عقوبات قانون “قيصر” جزئيًا لمدة 180 يومًا.
وجاء في البيان المشترك بين الوزارتين، في 10 من تشرين الثاني، أن القرار يستبدل الإعفاء السابق الذي صدر في 23 أيار الماضي، مشيرة إلى أن التعليق الجديد يوقف العمل بمعظم العقوبات المفروضة بموجب القانون، باستثناء تلك التي تشمل معاملات مالية أو تجارية مع روسيا وإيران.
وجاء البيان بعد زيارة الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض التي تعد الأولى لرئيس سوري.
وأوضح البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى “إتاحة المجال أمام الشركات والمؤسسات الأمريكية والدولية للانخراط في مشاريع اقتصادية وتنموية في سوريا”، مع الحفاظ في الوقت نفسه على “القيود المرتبطة بالدول والجهات التي تخضع لعقوبات أمريكية منفصلة”.
وتضمن البيان، “الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بدعم سوريا موحّدة، مستقرة، وسلمية. رفع العقوبات سيسمح بإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين، بمن فيهم الأقليات العرقية والدينية، وتعزيز مكافحة الإرهاب”.
وأكد أن العقوبات لا تزال سارية على من وصفهم بـ”الأسوأ من بين الأسوأ”، وتشمل بشار الأسد والمقربين منه، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومهربي “الكبتاجون”، والجهات الإقليمية المزعزعة للاستقرار، كما تواصل الحكومة الأمريكية مراجعة تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب”.
كما لا تزال الصادرات الأمريكية الحساسة المدرجة على قائمة مراقبة التجارة تتطلب تراخيص تصدير خاصة.
—————————————
الشرع: لن نتفاوض حالياً حول التطبيع وبحثت مع ترامب حاضر ومستقبل سورية
محمد البديوي
11 نوفمبر 2025
الشرع: ناقشت مع ترامب رفع العقوبات عن سورية
قال الشرع إن الانضمام للتحالف مع داعش سيُبحث مع واشنطن
أكد الشرع عزم بلاده البحث عن المفقود أوستن تايس
قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده لن تتفاوض حالياً للانضمام لاتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في ما يعرف بـ”اتفاقات أبراهام” التي شملت دول الإمارات والمغرب والبحرين. وأضاف الشرع في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض أمس الاثنين: “الوضع لدينا مختلف عن الدول الموقعة، فسورية لها حدود مع إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان منذ عام 1967. لن ندخل في مفاوضات حالياً، وربما تتوصل إدارة الرئيس ترامب إلى مثل هذا النوع من التفاهمات في المستقبل”.
ووصل الشرع يوم الأحد إلى واشنطن في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس سوري منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي. وقال الشرع لقناة “فوكس نيوز” إن بلاده دخلت عصراً جديداً تبدأ فيه استراتيجية جديدة وعلاقات تعاون مع الولايات المتحدة، بعد أن كانت معزولة عالمياً لنحو 60 عاماً. وأشار الشرع إلى أن لقاءه مع ترامب ناقش رفع العقوبات، وتناول الحاضر والمستقبل، مضيفاً أن سورية لم تعد تهديداً أمنياً، وإنما صارت حليفاً يمكن للولايات المتحدة الاستثمار بها.
وفي ما يخص انضمام بلاده إلى التحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش، قال “لقد شاركنا في العديد من المعارك ضد داعش على مدى عشر سنوات، وتكبدنا خسائر كبيرة، وخسرنا الكثير من قواتنا”، مشيراً إلى الحاجة لتنسيق الوجود الأميركي في سورية مع الحكومة السورية الحالية للتوصل إلى اتفاق بخصوص هذه القضايا. وأعلنت سورية، أمس الاثنين، انضمامها إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش. وكتب وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى على منصة إكس أن سورية وقعت اتفاق تعاون سياسي مع التحالف الدولي، مؤكدا “دورها شريكة في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي”. وأضاف الوزير أن “الاتفاق ذو طابع سياسي، ولا يتضمن حتى الآن أي مكونات عسكرية”.
ورداً على ارتباطه السابق بالقاعدة، قال الشرع “أعتقد أن هذا أصبح من الماضي”، وفي ما يخص الهجمات التي قامت بها القاعدة وأودت بحياة آلاف الأميركيين، وما إذا كان يشعر بالندم، قال “كنت في التاسعة عشرة. كنت صغيراً جداً، ولم تكن لدي أي سلطة، ولا أي علاقة بالأمر، ولم تكن القاعدة في منطقتي وقتها”، وعبر عن أسفه لمقتل كل مدني، مضيفاً “الناس يعانون من ويلات الحروب وخاصة المدنيين يدفعون الثمن دائماً”.
وحول جهود البحث عن الصحافي الأميركي أوستن تايس والمفقودين الآخرين في سورية، قال “هناك أكثر من 250 ألف شخص مفقود لا نعرف أين هم. لقد التقيت والدة تايس وهي امرأة رائعة (…) وسأبذل كل الجهد لتزويدها بالمعلومات عن ابنها، وأيضاً بقية الأميركيين والمفقودين”. ورداً على سؤال عن الخطوات التي تفعلها إدارته لضمان محاسبة بشار الأسد على جرائمه ضد الشعب السوري، قال “روسيا كانت بشكل أو بآخر منخرطة في ما حدث ضد الشعب السوري، وأحد بنود المفاوضات هو أن المطلوبين يجب تسليمهم إلى القضاء السوري، والروس لديهم وجهة نظر مختلفة. لكن العدالة يجب أن تسود، ونحن أنشأنا لجنة عدالة انتقالية لمحاسبة كل من ارتكب جرائم”.
من جانبه، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره السوري بعد المحادثات بينهما، وقال إن ماضي الأخير سيساعده في إعادة إعمار بلده الذي دمرّته الحرب. وقال ترامب إنه يريد لسورية “النجاح” بعد الحرب التي استمرت أكثر من عقد، معربا عن اعتقاده أن الشرع “قادر على تحقيق ذلك”.
وبعد الاجتماع الذي عقد بعيدا من الإعلام، قال ترامب “إنه قائد قوي جداً”، مضيفاً “يتحدث الناس عن قساوة ماضيه، كلنا كان ماضينا قاسياً… وأعتقد صراحة أنه لن تكون لديك فرصة إن لم يكن ماضيك قاسياً”. وتابع ترامب أن سورية هي “جزء كبير” من خطته لسلام أوسع نطاقا في الشرق الأوسط.
———————————-
ترمب عن لقائه مع الرئيس السوري: أنا على وفاق مع الشرع
واشنطن : «الشرق الأوسط» الرياض: «الشرق الأوسط»
10 نوفمبر 2025 م
التقى الرئيسُ السوري، أحمد الشرع، الرئيسَ الأميركي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض الاثنين، مع نهاية عام مفصلي للشرع بذل فيه جهوداً سعياً لإنهاء عزلة سوريا الدولية. وشهد هذا العام تحولاً محورياً للرئيس السوري في المرحلة الانتقالية؛ إذ كان الشرع حتى فترة قريبة قائداً لمجموعة من المعارضة المسلحة، لكنها قادت في نهاية العام الماضي إطاحة حكم عائلة الأسد التي حكمت البلاد مدة طويلة.
وقال الرئيس ترمب إنه على وفاق مع الرئيس السوري، معرباً عن ثقته في أنه سيتمكن من أداء مهام منصبه.
من جهتها، قالت الرئاسة السورية إن الشرع بحث مع ترمب سبل تعزيز العلاقات مع أميركا إضافةً إلى عددٍ من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأضافت الرئاسة في بيان صحافي «عقد الرئيسان جلسة مباحثات، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ووزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو، تناولت العلاقات الثنائية بين الجمهورية العربية السورية والولايات المتحدة، وسبل تعزيزها وتطويرها، إضافةً إلى عددٍ من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك».كانت وكالة الأنباء السورية قد وصفت في وقت سابق الزيارة بأنها تكتسب أهمية خاصة باعتبارها «محطة مفصلية في الجهود الرامية لإنهاء العقوبات المفروضة على سوريا».
من جهته، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن اللقاء الذي جمع بين الشرع وترمب كان بناءً وجاء بعد تحضيرات مكثفة استمرت لأشهر، مشيراً إلى أن اللقاء شهد التأكيد على «دعم وحدة سوريا، وإعادة إعمارها، وإزالة العقبات أمام نهضتها المستقبلية».
اتفاق أمني مع إسرائيل
هذا وقالت وزارة الخارجية السورية إن الولايات المتحدة أكدت مجدداً دعمها للتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا.جاء ذلك عقب اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيريه السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان، وذلك على هامش الرئيس السوري إلى واشنطن.
ووصل الشرع إلى البيت الأبيض في أول زيارة على الإطلاق يجريها رئيس سوري إلى البيت الأبيض، وذلك بعد 6 أشهر بعد ستة أشهر من لقائهما الأول في الرياض في مايو (أيار) الماضي بوساطة من الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، وخلال هذا اللقاء، أعلن ترمب أنه سيرفع العقوبات الأميركية ضد سوريا التي استمرت عقوداً.
ووصل الرئيس السوري إلى البيت الأبيض دون ضجة مثلما يحدث مع زيارات القادة الأجانب. ودخل من مدخل جانبي لم يره الصحافيون، بدلاً من الباب الرئيسي للجناح الغربي حيث كانت تنتظره الكاميرات.
ويأتي لقاء الشرع وترمب وبعد أيام فقط من إعلان واشنطن أن الرئيس السوري لم يعد على قائمة الإرهاب.
تعليق العمل بقانون قيصر
نقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مسؤول أميركي قوله اليوم الاثنين، إن الإدارة ستصدر قراراً بتعليق العمل بقانون قيصر لمدة 180 يوماً، وستحث الكونغرس على إلغاء القانون نهائياً خلال المرحلة المقبلة لتمكين النمو الاقتصادي في سوريا.وأضاف أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تؤيد الإلغاء الكامل لقانون قيصر، موضحاً أن هذه الخطوة تأتي انسجاماً مع إعلان الرئيس بشأن وقف العقوبات. وأشار المسؤول إلى أن إلغاء قانون قيصر يُعد عاملاً أساسياً لتمكين الشركات الأميركية ودول المنطقة من مزاولة أنشطتها في سوريا.
وقال المسؤول الأميركي إن وزارات الخزانة والخارجية والتجارة ستعلن بشكل مشترك عن الإجراءات المتخذة لرفع القيود الاقتصادية وتوضيح قواعد الامتثال للمستثمرين، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستسمح كذلك لسوريا باستئناف عمل سفارتها في واشنطن لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني والاقتصادي.
وقال المسؤول الأميركي إنه خلال الزيارة، ستعلن سوريا انضمامها إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، مضيفاً أن سوريا ستتعاون مع الولايات المتحدة في جهود القضاء على فلول التنظيم ووقف تدفق المقاتلين الأجانب.
تطور تحالفات سوريا
وتولى الشرع (42 عاماً) مقاليد الأمور في سوريا نهاية العام الماضي، بعد أن شنت جماعات من المعارضة المسلحة بقيادته هجوماً خاطفاً انطلاقاً من جيب كانوا يسيطرون عليه في شمال غربي سوريا، وتمكنت في غضون أيام فقط من إطاحة بشار الأسد يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.
ومنذ ذلك الحين، تتطور تحالفات سوريا بوتيرة مذهلة بعيداً عن حليفَي الأسد الرئيسيين إيران وروسيا. ومن المرجح أن يكون الأمن على رأس أولويات الاجتماع المرتقب اليوم.
وتتوسط الولايات المتحدة في محادثات بين سوريا وإسرائيل بشأن اتفاق أمني محتمل. وذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن الولايات المتحدة تخطط لإقامة وجود عسكري في قاعدة جوية بدمشق. ومن المقرر أيضاً أن تنضم سوريا إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم «داعش»، ومن الممكن أن يعلَن عن ذلك رسمياً في اجتماع البيت الأبيض الاثنين.
وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، في وقت سابق، إن «تقدماً كبيراً» تحقق في الملف السوري. وأضاف: «أعتقد أنه (الشرع) يبلي بلاء حسناً. إنها منطقة معقدة، وهو رجل قوي، لكنني توافقت معه بشكل جيد جداً».
وبعد لقاء ترمب والشرع في الرياض خلال مايو (أيار) الماضي، أعلن الرئيس الأميركي أنه سيرفع كل العقوبات المفروضة على سوريا. لكن أشد العقوبات قسوة، تلك المعروفة باسم «قانون قيصر»، لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس.
وأعلن البيت الأبيض ووزارة الخارجية دعمهما صراحة إلغاء القانون قبل نهاية 2025، إلا إن خبراء يقولون إن إغلاق الحكومة الأميركية الحالي يمكن أن يؤثر على توقيت الخطوة. ومن المتوقع أن يناشد الشرع بكل قوة لإلغاء القانون، في خطوة ستسهم في تنشيط الاستثمارات العالمية ببلد أنهكته الحرب على مدى 14 عاماً. ويقدر «البنك الدولي» أن إعادة الإعمار ستتطلب أكثر من 200 مليار دولار.
وخضع تماسك النسيج الاجتماعي السوري لاختبارات صعبة في الآونة الأخيرة؛ إذ أدى نشوب أعمال عنف إلى مقتل أكثر من 2500 شخص منذ إطاحة الأسد؛ مما عمق جراح الحرب الأهلية وأثار تساؤلات بشأن قدرة من تولوا السلطة على حكم كل السوريين.
————————–
انتهاء المحادثات بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترمب
—————————–
الشرع: لن ندخل في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين حاليا
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الإثنين، إن وضع سوريا مختلف عن الدول التي دخلت في “الاتفاقيات الإبراهيمية”، مؤكدا أن بلاده لن تدخل في “مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين حاليا”.
ونقلت “الإخبارية السورية” عن الشرع في مقابلته مع قناة “فوكس نيوز”، قوله “لا محادثات مباشرة مع إسرائيل في الوقت الحالي، والولايات المتحدة قد تتوسط لنوع من المفاوضات”.
وفي المقابلة قال الشرع إن سوريا دخلت عصرا جديدا بعد سقوط النظام السابق، وستبني استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة.
وأضاف الشرع أنه “لم يعد ينظر إلى سوريا كتهديد أمني بل كحليف جيوساسي”.
وتابع قائلا: “نحن بحاجة لمناقشة تفاصيل الحرب ضد داعش مع الولايات المتحدة”.
وأوضح أن “الارتباط بالقاعدة أصبح من الماضي ولم أناقشه مع ترامب”.
وأكد الشرع أنه التقى مع والدة أوستن تايس (الصحفي الذي تم احتجازه في أثناء رحلة عمل إلى سوريا في أغسطس 2012، ولم يتم العثور عليه حتى الآن)، مضيفا: “سأبذل قصارى جهدي للحصول على معلومات عنه وعن باقي المفقودين”.
وفي معرض حديثه، قال الشرع: “لدينا 250 ألف مفقود في سوريا”.
وعن زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، قال الشرع: “بحثنا مع الرئيس ترامب رفع العقوبات عن بلادنا، وفرص الاستثمار في سوريا وبناء استراتيجية جديدة مع واشنطن”.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قال الإثنين إنه على وفاق مع الشرع، وعبّر عن ثقته في أنه سيتمكن من أداء مهام منصبه.
وأكد ترامب في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض أنه: “نعمل مع إسرائيل على تحسين العلاقات مع سوريا”.
وأشار إلى أن الرئيس الشرع “على علاقة جيدة جدا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”.
وعقد الشرع جلسة مباحثات رسمية في البيت الأبيض مع الرئيس ترامب، يوم الإثنين.
وقالت الوكالة السورية للأنباء، إن المباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة، وتطوير التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وذكر وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى الإثنين أن سوريا وقعت إعلان تعاون سياسيا مع التحالف الدولي لهزيمة “داعش”.
وكتب المصطفى على “إكس” أن: “الاتفاق سياسي ولا يتضمن حتى الآن أي مكونات عسكرية”.
————————
إسرائيل تابعت زيارة الشرع «غير المسبوقة والصادمة» للبيت الأبيض
تركيز على التصريحات وماضيه و«ابتسامة من الأذن للأذن»
رام الله: كفاح زبون
11 نوفمبر 2025 م
تابعت إسرائيل باهتمام كبير لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس السوري أحمد الشرع، ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تفاصيل الزيارة لحظة بلحظة، بما في ذلك تصريحات ترمب والشرع، وناقشت أهمية الزيارة التي وصفتها بـ«غير المسبوقة والصادمة»، مع عنوان مرّ في الإعلام «ابتسامة من الأذن للأذن: الجولاني في البيت الأبيض».
وحاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية التذكير بأن الشرع هو «الجولاني»، لكنها لم تستطع إغفال تصريحه في واشنطن عندما أقر بذلك، وقال إنه «كان صغير السن»، وناقش مع ترمب المستقبل وليس الماضي.
واتفقت معظم وسائل الإعلام الإسرائيلي على أن «اللقاء هام واستثنائي وغير مسبوق». وقالت «معاريف» إنه «لأول مرة في التاريخ، يدعى رئيس سوري للقاء رئيس أميركي في مقر إقامته بالبيت الأبيض. والتقى الجولاني في المكتب البيضاوي دونالد ترمب، بهدف مناقشة مستقبل سوريا والتعاون بين البلدين، والعلاقات مع تركيا وإسرائيل».
ولم يعلق مسؤولون إسرائيليون فوراً على اللقاء، لكن مصادر تحدثت عن أهميته لجهة الاتفاق مع إسرائيل. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية (كان)، أن الأميركيين ناقشوا قبل الزيارة مع الإسرائيليين، وقد طلب نتنياهو من صهر ترمب جاريد كوشنر، «الضغط على سوريا من أجل المضي في اتفاق».
وقال البروفسور عوزي رابي، الباحث في «مركز دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا» بجامعة تل أبيب، في مقابلة مع إذاعة «103 إف إم»، ناقشت توازن القوى المتجدد في الشرق الأوسط، إن لقاء ترمب والشرع أكثر أهمية مما يبدو عليه. مضيفاً أن الشرع «يعيد تسويق نفسه».
ويعتقد البروفسور رابي أن سبب اهتمام ترمب هو موقع سوريا الاستراتيجي. وأوضح قائلاً: «يُصنّف ترمب سوريا باعتبارها حجر الزاوية في الشرق الأوسط. انظروا: إلى الشمال تقع تركيا، وإلى الجنوب تقع إسرائيل والأردن، وهناك القصة المتعلقة بإيران: إذا أغلقت سوريا، ومنعت إيران وجميع وكلائها عنها، سيتم خلق وضع يجعل من عملية إعادة إعمار سوريا بأكملها في نهاية المطاف استثماراً أميركياً وغربياً رئيسياً».
وأضاف: «سيكون هناك مقر أميركي في دمشق، وستكون له فروع في الأردن وعلى الحدود مع العراق».
———————————–
سوريا توقع إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي ضد “داعش“
قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى الإثنين إن سوريا وقعت إعلان تعاون سياسيا مع التحالف الدولي لهزيمة “داعش”.
وأضاف المصطفى على “إكس”: “الاتفاق سياسي ولا يتضمن حتى الآن أي مكونات عسكرية”.
وكان داعش قد سيطر في فترات على نحو 40 بالمئة من أراضي العراق وحوالي ثلث الأراضي السورية المجاورة.
وبدأ تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة عام 2014 حملة ضد التنظيم، الذي يُعتبر الآن مهزوما عسكريا.
ومع ذلك، لم يختف التنظيم بالكامل، إذ تشير القيادة المركزية الأميركية إلى وجود نحو 2500 مقاتل في البلدين ما زالوا ينفذون هجمات بين الحين والآخر.
وكانت الخارجية السورية قد قالت الإثنين إن الولايات المتحدة أكدت مجددا دعمها للتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا.
وجاء ذلك عقب اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيريه السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان، وذلك على هامش زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن.
وأشارت الخارجية السورية إلى أن “المجتمعين اتفقوا على المضي قدما في اتفاقية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري”.
من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإثنين إنه على وفاق مع الرئيس الشرع، وعبّر عن ثقته في أنه سيتمكن من أداء مهام منصبه.
وصرّح ترامب في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض قائلا: “نعمل مع إسرائيل على تحسين العلاقات مع سوريا”.
وقالت الوكالة السورية للأنباء، إن المباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة، وتطوير التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وجاء الاجتماع بين الرئيسين السوري والأميركي بعدما وافق مجلس الأمن الدولي يوم الخميس، على طلب أميركي برفع سلسلة من العقوبات المفروضة على الشرع، وأعضاء بحكومته.
وصرحت كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، بأن زيارة الإثنين “جزء من جهود الرئيس الدبلوماسية للقاء أي جهة حول العالم سعيا لتحقيق السلام”.
يشار إلى أن ترامب التقى الشرع لأول مرة في شهر مايو الماضي في المملكة العربية السعودية.
——————–
إدارة ترامب تعلن تعليق عقوبات “قانون قيصر” على سوريا.. ماذا نعرف عنه؟
(CNN)– أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الثلاثاء، تعليق عقوبات “قانون قيصر” الذي كان مفروضا على سوريا خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد من “أجل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها نظامه في سوريا”.
وقال روبيو، في بيان:”تواصل وزارة الخارجية الوفاء بوعد الرئيس دونالد ترامب بتوفير فرصة السلام الدائم والازدهار للشعب السوري، وأصدرت قرارا بتعليق عقوبات قانون قيصر الإلزامية، وذلك بناءً على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية عقب سقوط نظام الأسد”.
وأضاف: “يدعم تعليق عقوبات قانون قيصر جهود سوريا لإعادة بناء اقتصادها، واستعادة علاقاتها مع شركائها الأجانب، وتعزيز الرخاء والسلام لجميع مواطنيها”.
وأردف أن ترامب “أوضح أن الولايات المتحدة تتوقع أن تتخذ الحكومة السورية إجراءات ملموسة لطي صفحة الماضي والعمل على تحقيق السلام في المنطقة”.
يذكر أن الخارجية الأمريكية كانت تصف “قانون قيصر” بأنه: “خطوة مهمّة من أجل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها بشار الأسد ونظامه في سوريا”.
وترجع تسمية “قانون قيصر” بهذا الاسم إلى مصوّر سابق في الجيش السوري، خاطر بحياته لتهريب الآلاف من الصور التي توثق تعذيب وقتل السجناء داخل سجون نظام الأسد إلى خارج سوريا.
قد يهمك أيضاً
ترامب: أحمد الشرع “من أشد دعاة السلام”.. وتشرفت بقضاء بعض الوقت معه
ونصّ القانون على “فرض عقوبات وقيود على من يقدّمون الدعم لأفراد نظام الأسد، إضافة إلى الأطراف السورية والدولية التي تمكّن من ارتكاب تلك الجرائم، والتي كانت مسؤولة عن، أو متواطئة في، ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا”.
وسعى القانون أيضا إلى “حرمان نظام الأسد من الموارد المالية التي يستخدمها من أجل تسعير حملة العنف والتدمير التي أودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين”.
يذكر أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع التقى في البيت الأبيض بنظيره الأمريكي.
وأعرب ترامب عن ثقته بقدرة الشرع على قيادة بلاده، وقال، للصحفيين في المكتب البيضاوي عن الشرع: “هو قائد قوي للغاية، قادم من بيئة صعبة للغاية، وهو رجل حازم، أنا معجب به، وأتفق معه… وسنبذل قصارى جهدنا لإنجاح سوريا”.
ومن جانبها، أعلنت وزارة الخارجية السورية، في بيان، عبر منصة “إكس” (تويتر سابقا): “ناقش الجانبان خلال اللقاء العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها إضافةً إلى عددٍ من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”.
وتعدّ هذه هي الزيارة الأولى على الإطلاق لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، منذ 79 عاما، وفق ما ذكرت وزارة الخارجية السورية.
وسبق أن التقى ترامب بالشرع في العاصمة السعودية، الرياض، وأشاد به بعدها ووصفه أنه “رائع، وشاب جذاب وقوي البنية وله ماضٍ قوي، ولديه فرصة حقيقية للحفاظ على وحدة سوريا”.
وكذلك التقى الشرع مع الرئيس الأمريكي جاء خلال حفل الاستقبال الذي أقامه ترامب على هامش أعمال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
—————————————
لقاء “استمالة الحليف الجديد”.. ماذا يريد ترامب من الشرع؟
عنونت صحيفة “فورين بوليسي”، الثلاثاء، على اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي بنظيره السوري في البيت الأبيض، قائلة إن “دونالد ترامب يستميل أحمد الشرع لتأمين حليف جديد في الشرق الأوسط”.
واستضاف ترامب، الشرع، الإثنين، في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ نحو 8 عقود.
الصحيفة قالت إن اللقاء يشكّل تحولا كبيرا في مسار العلاقة مع دولة (سوريا) كانت تُعدّ منبوذة لسنوات.
ويسعى الشرع إلى عقد صفقة مع الولايات المتحدة تضمن رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بشكل دائم.
ففي عام 2019، فرض ترامب عقوبات بموجب “قانون قيصر” لمعاقبة دمشق على ما وُصف بأنه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في عهد نظام الأسد.
لكن ترامب علّق تلك العقوبات في يونيو الماضي عبر أمر تنفيذي، قائلاً إن الخطوة تهدف إلى “منح السوريين فرصة الازدهار”.
وحاول ترامب إظهار تجاوب مع مطالب الشرع، الإثنين، عبر إعلان وزارة الخزانة وقف معظم العقوبات المفروضة على سوريا، باستثناء تلك المرتبطة بالتعاملات مع روسيا وإيران.
غير أن الشرع يطالب بحل دائم، وهو ما يستلزم موافقة الكونغرس، فيما يبدو المشرّعون الأميركيون مترددين في منح ذلك ما لم تلتزم دمشق بشروط عدة، بينها ضمان التعددية الدينية في البلاد وتحسين العلاقات مع إسرائيل.
وفي المقابل، يسعى ترامب أيضاً بحسب الصحيفة إلى تحقيق مكاسب من الشراكة الأميركية–السورية الناشئة.
فهو يأمل بإقناع دمشق بالانضمام إلى التحالف الذي تقوده واشنطن ويضم 89 دولة لمحاربة تنظيم داعش — علماً أن الجيش السوري الجديد وقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية يقومان بذلك بالفعل.
كما يطمح إلى توسيع اتفاقات أبراهام عبر دفع سوريا إلى إضفاء الطابع الرسمي على علاقاتها مع إسرائيل، وإقامة وجود عسكري أميركي في قاعدة المزة بدمشق.
وقال الرئيس الأميركي الإثنين إنه على وفاق مع الرئيس السوري، وعبّر عن ثقته في أنه سيتمكن من أداء مهام منصبه.
وكتب ترامب على “تروث سوشيال”: “استقرار سوريا ونجاحها أمر بالغ الأهمية لجميع دول المنطقة. ناقشت مع الرئيس الشرع جميع جوانب السلام في الشرق الأوسط وهو من أبرز الداعمين له. أتطلع إلى لقاء الرئيس السوري والتحدث معه مجددا”.
وقالت الوكالة السورية للأنباء، إن المباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة، وتطوير التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وحضر المباحثات وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب عدد من المسؤولين من الجانبين.
———————————-
==================
تحديث 10 تشرين الثاني 2025
——————————-
البيت الأبيض والتحوّل الجوهري سوريّاً/ حسان الأسود
10 نوفمبر 2025
يحلّ الرئيس السوري أحمد الشرع ضيفاً على البيت الأبيض، اليوم الاثنين 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وهذا في العُرف الرئاسي الأميركي شيء مميّز، فليس كلّ رئيس أو ملك أو زعيمٍ يمكنه زيارة البيت الأبيض بسهولة. أمّا في عرف السياسة الراهنة، فالأمر اعتراف بالأهمية وتثبيت للمنظومة السورية الجديدة ضمن المجموعة الدولية. يؤشّر الحدث إلى دور جديد تلعبه سورية في المنطقة، فبعد أن كانت جزءاً من “محور الشرّ” وفق التصنيف الأميركي، أصبحت أخيراً ضمن محور الرعاية. لم يأت هذا التحوّل، بطبيعة الحال، وليد لحظة تاريخية هي 8 ديسمبر (2024) فقط، وإن كانت الأخيرة تتويجاً لمسار طويل أدّى إلى هذا الانتقال، إذ لعبت عوامل عديدة أدواراً أساسية في التحوّل الدراماتيكي، منها سلوك نظام الأسد البائد في مرحلة ما بعد “7 أكتوبر” (2023)، وعدم فهمه طبيعة التحوّل الذي نتج من هذا الزلزال. ومنها إدراك القوى الدولية الكبرى والإقليمية الفاعلة، ضرورة حلّ المشكلة السورية التي باتت عقدةَ المنشار في وجه التسويات والتفاهمات في عالم بدأ يخطو بتؤدة نحو نظام دولي متعدّد القطبية من جديد. الأكثر أهمية من ذلك كلّه وجود قوّة سورية قادرة على تمثّل هذه الضرورة، وتقديم التعهدات اللازمة للمساهمة فيها ضمن شروطها الموضوعية، وتحويلها منجزاتٍ وأرقاماً واتفاقياتٍ ومعاهداتٍ. هذه الجهة هي هيئة تحرير الشام.
بدأ السوريون عهدهم الأول في مطلع القرن العشرين، مع تأسيس المملكة العربية السورية، عاقدين الأمل على الولايات المتحدة. تفيد وقائع التاريخ بأنّهم طالبوا بلجنة لتقصّي الحقائق واستطلاع رأيهم بشأن حكم منطقتهم، أسوة بما فعل المنتصرون في الحرب العالمية الأولى مع اليونانيين والبلغار والبولونيين وغيرهم من رعايا الإمبراطوريات التي انهارت نتيجة الحرب. ولأنّ الولايات المتحدة وقتها لم تكن القوّة العظمى كما هي اليوم، بل كانت القوّة الصاعدة فقط، ولأنّها كانت تريد عقلنة السطوة الإنكليزية ـ الفرنسية على عالم ذلك الزمن، والحدّ منهما لا إلغاءها واستتباعها، كما حصل لاحقاً بعد الحرب العالمية الثانية، أصدر الرئيس الأميركي وودرو ويلسون (صاحب مبدأ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها) قراره بإرسال بعثة من شخصَيْن: هنري كينغ وتشارلز كراين، بعد أن رفضت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا المشاركة فيها. حقّ تقرير المصير الذي أدرجه الرئيس ويلسون ضمن نقاطه الـ14 المقدّمة إلى مؤتمر السلام بعد الحرب، هو الذي أصبح جزءاً من المنظومة الدولية عند تأسيس عصبة الأمم، ومن ثمّ هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. كان للسوريين حظُّ المشاركة في بعض جلسات مؤتمر السلام من خلال الأمير فيصل بن الحسين، الذي تُوِّج لاحقاً ملكاً على البلاد. وكان الأمير يحاول جاهداً إقناع الأميركيين بالتمسّك بمبادئهم التي وضعها ويلسون، وكانت في ما يخص منطقتنا طوق النجاة آنذاك. فشلت مساعي الأمير، لا لضعف حجّته، بل لأنّ المصالح الداخلية الأميركية فرضت انكفاء الرئيس للتركيز في الانتخابات، ولأنّ الإنكليز والفرنسيين كانوا أكثر قوّةً في ذلك الوقت.
قد يكون من مفارقات التاريخ أن يعيد السوريون الآن الكرّة عاقدين الأمل على الأميركيين، ورغم بحور الدماء وأنهار الحبر التي سالت في العالم والمنطقة، بين مطلع القرن الماضي ووقتنا الراهن، ورغم انحياز الولايات المتحدة المطلق إلى إسرائيل التي لم تكن موجودة، ورغم التغييرات الجوهرية كلّها في موازين القوى العالمية التي حصلت خلال هذا القرن، تبقى المقاربة ممكنة ومعقولة. التاريخ يصنعه الأقوياء والمنتصرون، وسورية اليوم ليست في أفضل حالاتها، لكنّها ليست عديمة الحيلة ولا القوّة، وما زال في جعبتها سهامٌ كثيرة. قد يكون الصراع الدولي اليوم على أشدّه لإعادة رسم ملامح النظام الدولي الجديد، وكما كان الأمر قبل قرن، هو الآن أيضاً. يبذل السوريون اليوم جهدهم لخوض غمار هذا التغيير بكل قواهم. لا يقتصر ذلك على الحكومة الانتقالية والرئيس أحمد الشرع فقط، بل يشمل أيضاً كل القوى التي تجد نفسها حالياً معنيّةً بإعادة التشكيل السوري الجديد، قيامةً بعد الدمار والخراب الذي عاشته البلاد منذ عقود طوال. الجالية السورية في أميركا خيرُ مثالٍ على هذا النشاط الكبير الذي يحاول المساعدة ما أمكن.
مهمّة الرئيس الشرع لن تكون سهلةً في البيت الأبيض، فالضغوط الهائلة التي تحيط بالبلاد ستكون حاضرةً على الطاولة. إرث 60 عاماً وأكثر من الاستبداد جعل سورية في حاجة إلى إعادة التموضع في خريطة التجاذبات الدولية. سيكون الملفّ الاقتصادي، بما فيه رفع العقوبات وإعادة الإعمار، أولويةً للجانب السوري. فبعد الدعم السياسي الكبير لسورية، الذي دفعت إليه البلدان العربية وتركيا بقوّة أمام الرئيس ترامب، يأتي همّ توفير البنى الأساسية للاستقرار، وأولها إعادة الدخول ضمن الدورة الاقتصادية العالمية. ولكن من المتوقّع أن يطلب الرئيس ترامب من الشرع عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهذه ستكون محرجةً سورياً وعربياً وإسلامياً، فالدماء الفلسطينية واللبنانية لم تجفّ بعد، والاعتداءات الإسرائيلية على سورية وعربدتها على دول الجوار تجعل من المستحيل الركون إلى أيّ اتفاق معها. علاوة على ذلك كلّه، لا يملك الرئيس الشرع حالياً رفاهيةَ إثارة حفيظة قاعدته الشعبية، التي لا ترى في إسرائيل إلا عدوّاً إبادياً.
سبقت زيارة الرئيس أنباءٌ عن نيّة الولايات المتحدة افتتاح قاعدة عسكرية في جنوبي سورية، من مهامّها مراقبة الاتفاقات التي ستُعقد مع الإسرائيليين لاحقاً. إنْ صحّ هذا الأمر (نفته دمشق رسمياً)، فإننا أمام حالة فريدة من نوعها، إذ توجد للروس وللأميركيين قواعد في البلد نفسه، وبموافقة رسميّة من الحكومة الشرعية في البلاد. يدلّ هذا التموضع الجديد على أنّ الدول الكبرى بدأت تتفاهم في المنطقة، وأنّ سورية لم تعد عقدة المنشار، بل ربّما تكون هي المسار الذي يُقرّب التناقضات بين الدول المتصارعة على النفوذ في العالم.
يمكن أن يكون للرئيس ترامب وجهة نظر في الاعتماد على الشرع للمساعدة في بعض ما يتيحه موقع سورية الاستراتيجي لإعادة ضبط المنطقة. التصريحات التي تقول إنّ سورية ستشارك في الحلف الدولي لمحاربة الإرهاب تفيد بأنّ البوابة المبدئيّة لا تزال ضيّقةً، ومع الوقت يمكن توسعتها للقيام بأدوار أخرى اقتصادية، وربّما سياسية أيضاً. سيجعل هذا الوضع من الرئيس الشرع أكثر حرصاً على مقاربة العلاقة مع إسرائيل من بوابة المصالح الوطنية العليا. والظن أن الذهاب إلى الصفّ العربي والإسلامي، والتمسّك بالمبادرة العربية للسلام، سيكون المخرج من المأزق الذي قد يكون نتنياهو يحضّره ليوقع فيه سورية ورئيسها مع ترامب.
ستكون الزيارة مفصلية بكل المقاييس، وإذا ما أراد الرئيس الشرع كسب الوقت والمحافظة على المصالح السورية، فعليه أن يتنبّه إلى أنّ أي سلامٍ منفرد سيجرّد العرب والمسلمين من أحد أهمّ عناصر القوّة في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية. صحيح أنّ البلاد في حاجة إلى التهدئة الآن، وصحيح أنّه لا قِبَلَ لسورية في مواجهة إسرائيل، لكن هذا لا يعني أن نذهب معها في اتفاقية سلامٍ غير متكافئة على الإطلاق، والظن أنّ الرئيس السوري يدرك ذلك تماماً. في النهاية، هذا المسار الجديد يؤشّر بقوّة إلى جوهر التحوّل الجذري في تموضع سورية في الخريطة الإقليمية والعالمية.
العربي الجديد
———————————
قُطبة مخفيّة في زيارة الشرع واشنطن/ غازي دحمان
10 نوفمبر 2025
تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع واشنطن في سياق مساعٍ أميركية تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة التي شهدت اهتزازات كبيرة في العامَيْن الأخيرَيْن، من حصيلتهما سقوط قوىً وبروز أخرى. ومن ثم، ظهور ديناميكيات جديدة وتفاعلات مختلفة تسعى واشنطن إلى ضبطها وتوجيهها لمصلحتها استراتيجياً واقتصادياً. تبدو الزيارة شكلاً من الاستدعاء، بل الاستدعاء المُستعجَل، ويدلّ على ذلك حقيقة أن الزيارة لم تكن مبرمجةً، وأُعلنت مفاجئة، ما يعني أن ثمّة مستجدّات طرأت في أجندة السياسة الأميركية في المنطقة، أو أن طبخةً ما نضجت، ويتحتَّم التهامها قبل أن تبرُد أو تطرأ متغيّرات جديدة قد تغيّر من نكهتها وقوامها.
تأتي الزيارة تحت عنوان توقيع سورية اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وستكون لهذا الأمر موجبات عديدة، أولها استدخال سورية ضمن الإطار العام للتحالف الدولي، وربطها بالبرنامج العسكري والاستخباري في المنطقة، وحصولها تالياً على خدمات استخبارية وتكنولوجية. بمعنى أن سورية ستدخل في إطار المنظومة الأمنية العسكرية الأميركية في المنطقة، وتشمل دولاً عديدة، الأمر الذي من شأنه ترسيخ شبكة الأمان للنظام السوري الجديد، عبر إدراجه ضمن إطار تحالف كبير، ما يُضعف أوراق الفاعلين الآخرين الذين راهنوا كثيراً على الخارج لتحقيق أهدافهم في شرقي سورية وجنوبيها.
بيد أن هذا الأمر لم يكن في حاجة إلى زيارة الرئيس السوري، ولا توقيعه اتفاقاً رسمياً في البيت الأبيض، فمثل هذه القضايا غالباً ما يجري التفاهم بشأنها ضمن مستوياتٍ أدنى في الدولة، مثل وزارة الدفاع وإدارة الاستخبارات، وهي في الغالب قضايا ذات طابع تقني لانطوائها على تفصيلاتٍ عديدةٍ من نوع الارتباط ضمن إطار عملياتي محدّد، والانخراط في نسق تشغيلي ضمن بنية وهيكلية تفصيلية تحدّد، ليس المهام والعمليات والقوانين الناظمة فقط، بل طبيعة الأدوات التي ستُستخدم ونوعيتها. أمّا العامل السياسي فهو مُتضمَّن سلفاً في ثنايا هذه العملية، بمعنى أن سورية قد انحازت نهائياً إلى السياسة الغربية في المنطقة، بقيمها ومصالحها كلّها. لم يكن هذا الأمر خافياً، وليس مستغرباً في ظلّ النهج الواقعي للسياسة السورية، التي تدرك أن لواشنطن تأثيراً كبيراً في مستقبل الوضع السوري، سواء لوجودها في شرق البلاد، أو لما تملكه من تأثير في عملية إنعاش الاقتصاد السوري والإعمار.
على ذلك، المرجّح أن الزيارة تتعلّق بهدف آخر، وهو في الغالب الاتفاق الأمني مع إسرائيل. ويبدو أن إدارة ترامب المنخرطة في ملفّات الصراعات في المنطقة، من لبنان إلى ليبيا والسودان، وترغب في تحقيق إنجازاتٍ مهمّة تعيد بعث الحيوية في الدور الأميركي عالميّاً، ترغب في أن يكون الملفّ السوري، بعد غزّة مقدّمة لتقديم أوراق اعتمادها لحلّ القضايا الأخرى، ولا سيّما أنها باشرت التحرّك في الملفّ السوداني عبر طرح خطّة لوقف النار، وتقوم بمساعٍ مماثلةٍ في الساحة الليبية، فضلاً عن نشاطها المكثّف في لبنان للتوصّل إلى اتفاق أمني بين بيروت وتل أبيب.
السؤال المهم: كيف يمكن للشرع التوافق مع الرؤية الأميركية للسلام في المنطقة، التي لها مقاييس ومعايير ومبادئ ومنطلقات لا تتناسب مع ما تريده سورية أو ترى أنه يضمن لها حقوقها وسيادتها وكرامتها؟… ما تطرحه إدارة ترامب تثبيتٌ للواقع أكثر من معالجة جذور الأزمة. وما تريده واشنطن ترحيل القضايا الإشكالية، ولا سيّما عودة الجولان لسورية، وحتى الانسحاب من الشريط الحدودي الذي احتلته إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد، وتفضّل إدارة الشرع التوصّل إلى اتفاق أمني محدّد يضمن انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة أخيراً، وضمان عدم التدخّل في الشؤون الداخلية السورية، عبر دعم مجموعات وأطراف تهدّد وحدة سورية، في حين أن إسرائيل تريد تطبيعاً شاملاً ترى أن فرصته متوفّرة بفضل ما تملكه من أوراق ضغط تمنحها الحصول على اتفاق مريح.
مشكلة مشروع السلام الذي تطرحه واشنطن أنه غير استراتيجي، بقدر ما هو عابر ووقتي، يسعى إلى تحقيق أهداف تخدم النفوذ الأميركي، ومشكلته الأخرى أنه متطابقٌ، إلى حدّ بعيد، مع التصوّر الإسرائيلي للسلام، بعد إعادة هندسة خريطة جنوبي سورية، ومحاولة تثبيت معادلة حديدية (وأبدية) باعتراف السلطة الشرعية السورية، بمعنى سلام يُقرّ بموازين القوى القائمة الآن، ولا يعترف بالتوازنات السياسية المطلوبة لإدامة السلام في المنطقة.
سيواجه الشرع معادلة معقّدة، فترامب الذي يملك أوراقاً عديدة في مواجهة الشرع، من الاقتصاد إلى التأثير في الوضع الداخلي السوري عبر وجود القوات الأميركية في شرقي سورية، يعتبر أن انخراط دمشق في مسار السلام الذي صنعه مسألةٌ شخصيةٌ، وسيعتبر الرفض السوري لها تحدّياً موجهاً إليه بشكل مباشر، في حين أن مبادرته، أو مشروعه للسلام، المفصّل والجاهز، لا يأخذ بالاعتبار حساسية وضع إدارة الشرع في سورية، ولا حدود قدراتها على الانخراط في هذا المسار وفق المواصفات والمعايير التي تحكمه.
لن تكون زيارة الشرع واشنطن سهلةً، ولن تعود بالثمار التي يعتقد كثيرون أنه سيملأ بها حقائبه عائداً إلى دمشق، بل سيخوض مغامرةً قاسية، تكيّف مع استراتيجية ترامب أو مانَعها.
العربي الجديد
———————————–
ترامب يلتقي الشرع.. ملفات عديدة على الطاولة/ سلطان الإبراهيم
الشرع يحمل عدة ملفات خلال زيارته إلى واشنطن أبرزها رفع العقوبات عن سوريا
2025-11-10
وصل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أمس الأحد، إلى العاصمة الأميركية واشنطن في زيارة رسمية، وسيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء اليوم الإثنين، وينظر إلى الزيارة على أنها استثنائية يحمل خلالها الشرع العديد من الملفات لتكون محل البحث، أبرزها “عقوبات قيصر” المفروضة على سوريا، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، والعلاقة مع إسرائيل والاتفاق الأمني معها، وانعكاس ذلك على الأوضاع الميدانية والسياسية في سوريا.
ولدى وصوله العاصمة الأميركية، التقى الشرع ممثلي المنظمات السورية في واشنطن بحضور وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، وقال خلال اللقاء، إن “العقوبات المفروضة على سوريا هي في مراحلها الأخيرة، وعلينا متابعة العمل من أجل رفعها”، فيما ذكر الشيباني أنه “لن يكون هناك عقوبات على سوريا خلال العام القادم الذي سيكون عام التنمية”، ما يدلل على أن ملف رفع العقوبات سيكون أبرز الملفات الحاضرة على طاولة الاجتماع مع ترامب.
الانضمام للتحالف الدولي
لكن ملف انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” يبقى الملف الأول على جدول أعمال الاجتماع، بحسب ما أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك قبيل زيارة الشرع، حيث سيوقع الأخير على هذا الانضمام، الذي عملت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة على تذليل العقبات القانونية والسياسية أمامه، بحسب ما كشفت مجلة “المجلة” الأسبوع الماضي، والتي قالت إن “واشنطن درست خيارات الوجود العسكري الأميركي في سوريا من الناحية الجغرافية واللوجستية، إضافة إلى ملفات التدريب والتمكين العسكري للحكومة السورية لدعمها في طريق شراكتها مع التحالف الدولي”، مشيرةً إلى أن “الولايات المتحدة تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية مشتركة، من بينها تخفيف التوترات في المنطقة وإنهاء ملف تنظيم “داعش”، وضمان عدم عودة سوريا إلى تحالفاتها السابقة مع المعسكر الشرقي، ومنع إيران من تجديد تدخلها في المنطقة بما يهدد مصالح واشنطن وحلفائها”.
اتفاق العاشر من آذار
وأكدت مصادر مقربة من الحكومة السورية الانتقالية لـ”963+“، أن ملف تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس الموقع بين الحكومة وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) بشأن دمج الأخيرة في الجيش السوري، سيكون أحد الملفات الحاضرة في اجتماع ترامب والشرع، حيث تسعى واشنطن لتحقيق هذا الدمج بما ينعكس على جهود مكافحة الإرهاب، وتجنيب سوريا مزيداً من التصعيد العسكري.
وتشير الباحثة السورية الأميركية مرح البقاعي المقيمة في واشنطن،إلى أن اللقاء الاستثنائي وغير المسبوق في التاريخ السوري المعاصر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، سيكون فيه جو من المفاوضات، حيث أن ترامب لديه رؤية معينة للشرق الأوسط وسوريا، تقوم على بلاد موحدة مستقرة آمنة، يتم فيها محاربة الإرهاب وطرق الإتجار بالمخدرات، وتسير نحو السلام مع جيرانها، وهذا ما سيتحول إلى خارطة طريق بعد أن يتم توقيع الاتفاقيات خلال اللقاء، الذي سيشكل نقلة نوعية في توجه سوريا مستقبلاً بالاتجاه الدولي، لأن هذه المرة الأولى التي يكون لها علاقة قوية ومباشرة مع الولايات المتحدة”.
وتقول البقاعي في تصريحات لـ”963+“، إنه “من المتوقع أن يتم التوقيع خلال اللقاء على دخول سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهذا شيء جيد بالنسبة لسوريا وللولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يستغل ترامب هذه الفرصة للدفع باتجاه اندماج قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في الجيش السوري، على اعتبار أنها قوات مدربة ومجهزة أميركياً بكل ما تحتاجه عمليات مكافحة الإرهاب، كما أن لها خبرة واسعة في هذا المجال، إلى جانب أن الاندماج سيكون جيداً لكل الأطراف، حيث أنه سيؤدي لرفد الجيش بقوة ضاربة مدربة ومجهزة، وهو ما يحتاجه حالياً”.
تقوية دور سوريا دولياً
ومن جانبه، يوضح عضو لجنة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا للتفاوض مع الحكومة الانتقالية ياسر سليمان، أن “زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة تعد أمراً طبيعياً بحكم أن سوريا تريد أن تستعيد مكانتها وأهميتها الجيوسياسية، والرئيس السوري يبحث عن تحالفات تقوي دور سوريا إقليمياً ودولياً وتسهم في رفع العقوبات وإزاحتها عن البلاد، تمهيداً لعملية بناء الدولة التي أعلن عنها في مستهل توليه الحكم، حيث أكد على الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة وبنائها”.
ويشدد سليمان خلال تصريحات لـ”963+“، على أن “هذا الانتقال والبناء يحتاج المسارعة في تطبيق بنود الاتفاق الوطني الموقع في 10 آذار/ مارس الماضي، والذي ينص على الدمج العسكري والأمني والمؤسساتي والإداري بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية، وجميع مؤسسات شمال وشرق سوريا”.
وترى الباحثة السورية الأميركية مرح البقاعي، أن “الاندماج بين قوات سوريا الديموقراطية والجيش السوري، سيؤدي حتماً إلى اندماج سياسي أيضاً بين الطرفين، وهو ما يحافظ على وحدة البلاد”، فيما يقول سليمان: “نحن في شمال وشرق سوريا جزء لا يتجزأ من سوريا، وكل ما يسهم في رفع العقوبات عن سوريا ويقوي بناء الدولة ينعكس إيجاباً علينا ويسرع من عملية الدمج”.
ووسط جميع الملفات الشائكة في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد من إعادة الإعمار إلى التماس طريق التعافي الاقتصادي، وإعادة هيكلة الجيش وغيرها، تبقى قضية “حماية الأقليات” من بين القضايا الحاضرة في أي محادثات بين الحكومة الانتقالية والأطراف الدولية، حيث رأت شبكة “فوكس نيوز” أمس الأحد، أن إدارة ترامب تمتلك فرصة نادرة لحماية الوجود المسيحي في سوريا، ومن الممكن أن يبحث الرئيس الأميركي مع الشرع اتخاذ خطوات لحماية هذا الوجود، والدفع باتجاه تبني خطة شاملة تهدف إلى إعادة بناء سوريا بنظام لا مركزي يمنح سلطات أوسع للمناطق المحلية التي تضم الأقليات الدينية، بهدف ضمان حمايتها واستقرارها.
وكان معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قد أكد يوم الجمعة الماضي، أن على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تتعامل بحذر مع فكرة إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأن تحصل على ضمانات مكتوبة من دمشق، مشدداً على أهمية تحقيق توازن بين منح دمشق فرصة للنجاح والحفاظ في الوقت نفسه على أدوات الضغط والمساءلة في حال عدم التزامها بتعهداتها.
وقال، إن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، قد تشكل منعطفاً في العلاقة بين البلدين، حيث يُرجَّح أن تسعى الإدارة الأميركية إلى رفع اسم سوريا من القائمة السوداء في إطار اتفاق أوسع لانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، محذراً من التسرع في إزالتها من القائمة، وداعياً إلى تقييم أداء دمشق بدقة في ملفات مكافحة الإرهاب، خصوصاً ما يتعلق بدمج المقاتلين الأجانب والتعامل مع مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش” في شمالي شرقي البلاد.
+963
————————————-
ترامب ومفاتيح الحل السوري.. ما الذي تخفيه زيارة الرئيس الشرع لواشنطن؟/ أحمد كناني
خفايا زيارة الشرع إلى واشنطن!
2025-11-10
شكل إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك عن زيارة مرتقبة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، ولقاء الرئيس دونالد ترامب، جدلاً في الأوساط السياسية حول ماهية الزيارة والتي سيلتقي فيها الرئيس الأميركي كأول رئيس سوري في البيت الأبيض، لتوقيع انضمام دمشق إلى قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وعلى الرغم من الأجندة السياسية التي أعلنها المبعوث الأميركي في إطارها العام، تشكل الزيارة بالنسبة لدمشق فرصة حقيقية لحل العديد من الملفات العالقة ذات الارتباطات الإقليمية، والتي تُصنف على أنها أبواب مغلقة، وحده ترامب من يمتلك مفاتيحها، لا سيما مسار التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، واندماج قوات سوريا الديموقراطية “قسد” ضمن الجيش السوري، وتطبيق “خارطة طريق السويداء”، ورفع العقوبات “قيصر” عن سوريا، وجميعها ملفات لواشنطن الكلمة الرئيسية، والفصل فيها.
امتداد عسكري
شكلت زيارة الشرع إلى روسيا منعطفاً جديداً في التحالفات الدولية بالنسبة لسوريا، والتي تراها دمشق نوعاً من التوازن السياسي الدولي، فيما لا تراها واشنطن كذلك، حيث تنظر لدمشق بعد سقوط نظام الأسد على أنها ذراع جديدة في تطويق المشروع الإيراني من جهة العراق ولبنان، وتقليص التواجد الروسي على الأراضي السورية، وعليه مع انضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي، سيُرفع بشكل تلقائي اسم سوريا عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وتصبح مرتبطة عسكرياً، وأمنياً بالمعسكر الغربي الذي تخشاه موسكو، وتتعامل معه بحذر، إضافة إلى تحويل دمشق لرصاصة حاضرة في حال تمدد النفوذ الإيراني على الحدود مع العراق، أو لبنان، والتي ترتفع فيها احتمالية شن ضربات عسكرية لما تبقى من “حزب الله”.
وعلى الرغم من الالتزامات السورية تجاه التحالف، إلا أن ذلك يعزز ذلك من قوتها عسكرياً، ويفتح الباب لحصولها على البرامج التدريبية، والأسلحة المتطورة، ويقدم لها غطاء سياسياً في المنطقة من الهجمات الإسرائيلية -إلى حد ما-الأمر الذي يعطيها ثقلاً في التعامل مع الملفات الداخلية كونها شريكاً موثوقاً لأميركا.
وحول قسد، لا يبدو أن واشنطن ماضية في الضغط على الإدارة الذاتية للاندماج بشكل سريع، إذ يشكل دخول سوريا في قوات التحالف شكلاً جديداً لبنية الجيش تحت إشراف قوات التحالف، التي من المحتمل أن تكون شريكاً رئيسياً في وضع خطة الاندماج العسكري لقسد في الجيش السوري من جهة، وضابطاً لإيقاع التصعيد التركي من جهة أخرى.
سوريا واسرائيل
لا شك أن الجلوس مع الرئيس دونالد ترامب للحديث حول المفاوضات مع اسرائيل يعني بالضرورة عدم الخوض في الجولان المحتل، والذي اعترف به ترامب اسرائيلياً خارج إطار الإرادة الدولية، وعليه ستركز واشنطن على الضمانات الأمنية التي ستقدمها دمشق لقبول اسرائيل توقيع التفاهم الأمني، على اعتبار أن سوريا باتت شريكاً جديداً لأهداف أميركية إسرائيلية مشتركة ذات الصلة بالنفوذ الإيراني، وعليه ستقدم دمشق خارطة جديدة في المفاوضات، قد تكون متعلقة بالاعتراف بوجود النقاط العسكرية الإسرائيلية جنوباً، وخطوات تنفيذية لحل الأزمة في محافظة السويداء، مرضية لكافة الأطراف، لاسيما وأن إسرائيل لن تتخلى عن الدروز كورقة للمساومة عليها في أي لحظة.
وفي هذا الإطار قد تذهب دمشق بشكل كبير في محاسبة مرتكبي الانتهاكات المنفذة بحق المدنيين، والذي طرحت اسرائيل العديد من تقاريرها حول الأحداث الدامية أمام ترامب كأسباب لتدخلها في السويداء.
قيصر وإسرائيل؟!
قد يبدو أن مساراً تشريعياً يمضي به التصويت على مشروع قانون رفع العقوبات عن سوريا، إلا أنه في حقيقة الأمر يرتبط بالعديد من العوامل السياسية ومنها إسرائيل، إذ يشكل اللوبي الإسرائيلي ثقلاً حقيقياً في الكونغرس، ولديه كتلة قوية في مجلس النواب، والتي تدرس في الوقت الحالي مشروع القانون بعد أن صوت عليه مجلس الشيوخ، وبالتالي سيكون مسار التفاهمات الأمنية مرتبطاً بشكل وثيق بصيغة التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب.
إضافة إلى ذلك تعمل إدارة الرئيس الأميركي على إجراء العديد من الاتصالات للضغط على النواب المعارضين لرفع العقوبات عن سوريا، واقناعهم بضرورة التصويت، إذ يشير جدول الأعمال في زيارة الشرع لواشنطن إلى اجتماعات مكثفة أعدها فريق ترامب الرئاسي بين الرئيس السوري و”جيم ريش” رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، و”بريان ماست” رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، وذلك للإجابة على تساؤلاتهم، واستفساراتهم، في سبيل حث أعضاء الكونغرس على الموافقة دون أي تعديل على مشروع القرار.
وعليه تعكس الملفات السابقة الثقل الأميركي في سوريا، والذي يمكن تفسيره برسائل أرادت واشنطن إيصالها لحلفاء دمشق الرئيسين، بأن لا تفاهم ولا اتفاق، دون توجيه، ورعاية أميركية، وهو ما تعيه الإدارة في دمشق، ما يجعلها تعول بشكل كبير على طي العديد من الملفات خلال زيارة الرئيس الشرع لمالك المفاتيح الأميركي دونالد ترامب.
———————————-
العقوبات والسيادة: ماذا تريد كل من واشنطن ودمشق؟/ معاذ الحمد
بين واشنطن ودمشق: ما يريده كل طرف من الآخر؟
2025-11-10
بعد أكثر من عقد من القطيعة، يجلس الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اليوم، وجهاً لوجه في البيت الأبيض، في زيارةٍ توصف بالتاريخية، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً ما زال يتردد في أروقة السياسة والإعلام وهو: ما الذي تريده أميركا من الحكومة الانتقالية السورية؟ وما الذي تريده الأخيرة من واشنطن؟
وبين رغبة أميركية في إعادة صياغة المشهد الإقليمي وفق توازنات جديدة، وطموح سوري للخروج من العزلة الدولية ورفع العقوبات الثقيلة، يتشكّل مشهد تفاوضي دقيق، يُنتظر أن يحدد ملامح العلاقة المقبلة بين دمشق وواشنطن، وربما مستقبل المنطقة بأكملها.
تطبيع مشروط
تدخل الإدارة الأميركية هذا اللقاء وهي محمّلة بقائمة طويلة من المطالب، تعكس مقاربة تقوم على مبدأ “التطبيع المشروط”.
وبحسب مصادر قريبة من فريق التفاوض، ترى واشنطن أن على الحكومة السورية الانتقالية أن تُظهر خطوات ملموسة في ملفات تعتبرها أساسية لأمنها ومصالح حلفائها.
وتتركّز المطالب الأميركية حول خمس نقاط رئيسية: “تفكيك مخزون الأسلحة الكيماوية والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. إبرام تفاهم أمني مع إسرائيل يضمن وقف الغارات المتبادلة وإنشاء مناطق منزوعة السلاح في الجنوب السوري، على أن تُراقب أميركيًا دون أن يُترجم ذلك إلى تطبيع سياسي كامل. ضمان حقوق الأقليات ومشاركتها في الحكم بوصفها مدخلًا إلى استقرار سياسي دائم. خفض النفوذ الإيراني والروسي داخل الأراضي السورية وضبط الحدود مع دول الجوار. التعاون في ملف المفقودين الأميركيين وتبادل المعلومات الاستخبارية حول التنظيمات المتطرفة”.
ويرى مراقبون في واشنطن أن هذه المطالب تهدف إلى تحويل دمشق من “مشكلة أمنية” إلى “شريك مراقَب”، يلتزم بالخطوط العريضة للسياسة الأميركية في المنطقة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات واستعادة جزء من الدور السوري في الإقليم.
رفع العقوبات أولاً واستعادة الشرعية الدولية
على الجانب الآخر، يدخل الرئيس الانتقالي الشرع إلى البيت الأبيض حاملاً هدفاً واحداً وهو إنهاء العزلة الاقتصادية والسياسية التي أثقلت بلاده منذ اندلاع الحرب.
ويعتقد الشرع، وفق مصادر مقربة من وفده، أن مفتاح أي استقرار حقيقي يبدأ من رفع العقوبات، ولا سيما قانون “قيصر” الذي جمد الاقتصاد السوري وأوقف مشاريع الإعمار.
ويدور في الكونغرس نقاش حول الإلغاء الكامل للعقوبات، حيث عبّر النائب الجمهوري برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، عن تحفظه على الإلغاء الكامل، بينما دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام – المقرّب من ترامب – إلى ربطه بجملة من الشروط، منها ضمان أمن وحقوق الأقليات الدينية والإثنية، والحفاظ على علاقات سلمية مع دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، وإخراج المقاتلين الأجانب من مؤسسات الدولة والأمن.
ويُعتقد أن رفع العقوبات بالكامل قد يشجّع الدول المقربة من سوريا على المساهمة في عملية إعمارها. وقد قدّر البنك الدولي أن هذه العملية ستتطلب أكثر من 200 مليار دولار. إلا أن دولًا خليجية، وعلى رأسها قطر، ما تزال مترددة بسبب العقوبات.
وتتمثل أبرز مطالب دمشق في: “رفع كامل وفوري للعقوبات الأميركية لفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي والاستثمار الدولي. الاعتراف بالقيادة الانتقالية كسلطة شرعية تمثل سوريا في النظام الدولي الجديد. الحصول على دعم مالي ومساعدات لإعادة الإعمار، تُقدّر كلفتها بأكثر من 200 مليار دولار. تعاون أمني مرن مع إسرائيل والولايات المتحدة يضمن السيادة السورية ويوقف الاعتداءات الجوية. التأكيد على استقلال القرار الوطني ورفض أي ترتيبات تنتقص من سيادة الدولة أو تضعها تحت وصاية خارجية”.
من وجهة نظر السلطات السورية الانتقالية، فإن الانفتاح الأميركي يجب ألا يكون “اختباراً سياسياً” بل فرصة لشراكة اقتصادية وسيادية تُعيد بلاده إلى الخارطة الدولية وتُنهي سنوات العزلة الطويلة.
بين الاستقرار والسيادة
تلتقي المطالب الأميركية والسورية عند شعارٍ واحد هو “الاستقرار”، لكن الطريق إليه مليء بالمقايضات.
فالولايات المتحدة تشترط الإصلاحات السياسية والأمنية مقابل رفع العقوبات، بينما تردّ دمشق بأن رفع العقوبات هو الخطوة الأولى التي تتيح تنفيذ الإصلاحات نفسها.
وترى واشنطن أن التعاون الأمني مع إسرائيل هو بوابة التطبيع التدريجي، في حين تصرّ دمشق على أن أي تفاهم أمني يجب أن يقتصر على وقف الغارات وحماية السيادة، من دون تطبيع كامل.
وتشير تقارير صحفية إلى أن “لقاء اليوم يمثل اختباراً مزدوجاً للطرفين: اختباراً لقدرة أميركا على صياغة تسوية غير عسكرية في الشرق الأوسط، واختباراً لقدرة السلطات السورية الانتقالية على إثبات أنها شريك مسؤول يمكن الوثوق به”.
ولا يقف اللقاء بين ترامب والشرع عند حدود البروتوكول؛ بل يفتح الباب أمام أسئلة أعمق: “هل ترفع واشنطن عقوباتها عن دمشق دون مقابل سياسي واضح؟ وهل تستطيع الحكومة السورية الانتقالية أن تلبّي الشروط الأميركية من دون أن تفقد سيادتها أو شرعيتها في الداخل؟” فما تريده أميركا واضح: ضمان أمنها وأمن حلفائها عبر تطبيعٍ مراقَب مع دمشق. وما تريده دمشق هو: رفع العقوبات واستعادة الاعتراف الدولي كمدخل للعودة إلى العالم.
+963
———————————-
من العقوبات إلى التحالف: تسارع دبلوماسي دولي تجاه سوريا/ أحمد الكناني
9 نوفمبر 2025
تتسارع الخُطا الدولية تجاه سوريا يومًا بعد آخر، خاصة بعد تصويت مجلس الأمن الأخير لصالح رفع العقوبات الأممية عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، والذي حظي بأغلبية كبيرة وصلت لتصويت 14 من أصل 15 دولة، مع امتناع الصين فقط، وذلك استجابة لمشروع قرار صاغته الولايات المتحدة، قبيل زيارة الشرع إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
شكل قرار مجلس الأمن الدولي بوابة جديدة لخطوات أوروبية مماثلة، حيث رفعت بريطانيا عقوباتها المفروضة سابقًا على الرئيس السوري، وشخصيات قيادية معه، إضافة إلى إعلان المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي نية الاتحاد رفع اسم الرئيس الشرع عن كافة العقوبات، فيما أعلنت الخزانة الأميركية رفعها العقوبات نظرًا للدور السوري في الكشف عن مصير الأميركيين المفقودين، وتنفيذ الالتزامات الخاصة بمكافحة الإرهاب والمخدرات، والقضاء على أي بقايا للأسلحة الكيميائية.
رغبة دولية
يوكد الكاتب السياسي عبد الله الحمد أن قرار مجلس الأمن الأخير برفع العقوبات عن الرئيس السوري، يأتي نتيجة للجهود السياسية التي أجرتها الإدارة السورية الجديدة بالانفتاح العربي، الإقليمي، والدولي، إضافة إلى وجود ارتياح دولي إزاء الإجراءات الداخلية التي تقوم بها دمشق، والتي تأتي في سياق إعادة دمج سوريا مع محيطها الخارجي، وعليه يبدو واضحًا وجود إجماع دولي على إعادة سوريا لموقعها في المجتمع الدولي.
ويشير الخبير في الشؤون الاستراتيجية، سركيس قصارجيان، إلى الجولات التي أجرتها دمشق تمهيدًا لحصول التوافقات الدولية على الإدارة الجديدة، لا سيما الزيارة إلى روسيا، والتي تمتلك حق النقض الفيتو مع حليفتها الصين، وعليه شكلت العلاقات الجديدة التي نسجتها دمشق توافقًا دوليًا رغم وجود بعض التحفظات من الصين التي التزمت عدم التصويت دون أن تستخدم حق النقض الفيتو.
ولفت قصارجيان إلى أن موسكو لعبت دورًا وسيطًا بعد زيارة الشرع إليها في اقناع الصين بالتوافق مع الإدارة السورية الجديدة، واتخاذ موقف الحياد بالحد الأدنى، وذلك انطلاقًا من المصالح المتبادلة، حيث حافظت روسيا على قواعدها واستثماراتها، وظهرت عدة رسائل طمأنة أمنية من دمشق لبكين، الأمر الذي خفف من حدة التشنجات السياسية تجاه سوريا.
مكافحة الإرهاب
تشير التقديرات السياسية إلى أن تسارع الخطوات الأوروبية والأميركية تجاه سوريا مرده اقتراب إعلان انضمام دمشق إلى قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الأمر الذي يراه الكاتب السياسي الحمد السبب الرئيس للخطوات السريعة، ويؤكد الحمد أنه من غير المنطقي المشاركة الدولية مع قوات عسكرية لمكافحة الإرهاب، وفي نفس الوقت تكون هذه القوات مصنفة على قوائم الإرهاب، لافتًا إلى أنه سيتم بعد انضمام سوريا للتحالف رفع اسمها عن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
يستبعد قصارجيان أن يكون الانضمام لقوات التحالف سببًا في تلك الخطوات المتسارعة، والتي يراها تندرج في إطار الجهود الإقليمية السابقة لرفع العقوبات عن سوريا، لاسيما قانون قيصر، وإعادة تفعيل العلاقات الأوروبية مع دمشق، بضغط الوساطات السعودية، التركية، القطرية. وحول الانضمام إلى التحالف يرى قصارجيان أن ذلك مرتبط بشكل رئيسي بأجندة سياسية لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط.
مخاوف صينية
امتنعت الصين عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن برفع العقوبات عن اسم الرئيس الشرع حفيظة سياسية، ويربط مراقبون ذلك بأن دمشق لم تجر خطوة سياسية حقيقية تجاه الصين، والتي تعرب بشكل متكرر عن مخاوفها تجاه المقاتلين الأجانب وتحديدًا الإيغور، المصنفين لديها على لوائح الإرهاب.
يرى الكاتب السياسي الحمد أن امتناع الصين، (وليس النقض بالفيتو)، خطوة إيجابية على طريق التوافق الدولي، مضيفًا أن بكين لا تزال تشعر بالتضييق على مصالحها في سوريا لصالح النفوذ الغربي والأميركي خاصة في المتوسط، إضافة إلى أن سقوط نظام الأسد أنهى المصالح الاستراتيجية الخاصة بمشروع “الحزام والطريق” والذي سعت بكين إلى توفير بيئة سياسية ملائمة له.
ولفت الحمد إلى أن الادعاءات الصينية بخصوص الإيغور ليست إلا حجة سياسية للضغط على دمشق، ومحاولة لكسب العديد من المصالح الاقتصادية في المنطقة، إذ لا شيء مثير للقلق بالنسبة لها، خاصة وأن دمشق استطاعت حل مشكلة المقاتلين الأجانب وإعادة دمجهم في المجتمع السوري، وإبعادهم عن أي خطر لبلدانهم.
أما قصارجيان فأشار إلى اجتماعات أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع السفير الصيني في دمشق، وبحث كافة التحديات الأمنية ومصادر القلق الصيني تجاه دمشق، وعليه لا تشكل قضية المقاتلين خطرًا بالمعنى الذي تحاول الصين تصديره، ومن المحتمل أن تتجه دمشق في مرحلة لاحقة للحفاظ على علاقات هادئة مع الصين.
الترا سوريا
———————————
تلك الصورة في البيت الأبيض/ غسان شربل
10 تشرين الثاني 2025
هذا يومُ الصورة. ومسرحُها مثير. يومُ المشهد المشحون بالدلالات، وبالرسائل المتطايرة في اتجاهات كثيرة. حدثَ من تلك القماشة التي تقلب صفحة وتعلن نهايةَ مرحلة. رجلٌ قوي اسمه دونالد ترمب يصافح تحت سقف البيت الأبيض رجلاً قوياً اسمه أحمد الشرع. صانع المفاجآت الأميركي يستقبل الرجل الذي فاجأ السوريين وأهل الشرق الأوسط والعالم. لم يحدث أن دخل رئيس سوري منذ استقلال بلاده في 1946 هذا المكان الذي يقلق ويطمئن ويدعم ويزعزع ويوزع شهادات حسن السلوك على من يصنفهم في خانة المستحقين. لا حافظ الأسد غامر بزيارة من هذا النوع، ولا نجله بشار تلقَّى دعوة أو شعر بترحيب. الشرع رجلٌ صعب، ورجل القرارات الصعبة؛ ينخرط حيث لا يجرؤ الآخرون.
يجلس بنيامين نتنياهو قبالة الشاشة. الموعد يستحق ويعنيه. يتمتم. ما كان لهذا الرجل أن يجلس على كرسي الأسدين لولا أطنان القنابل الإسرائيلية التي ألقيت على المواقع الإيرانية في سوريا. لولا تلك المطاردة التي أرغمت «الحرس الثوري» على سحب فصائله و«مستشاريه» وطموحاته. تلك الضربات المتلاحقة جعلت قوات فلاديمير بوتين تقف عاجزة أمام تدافع الأحداث. لم يعد إنقاذ «السيد الرئيس» ممكناً على غرار ما حصل في منتصف العقد الماضي. اكتفت روسيا بتوفير طائرة حملت بشار إلى المنفى الروسي وبموجب «لجوء إنساني». يشعر نتنياهو بشيء من الحسد. لم يحدث أن تراكضَ الغربيون إلى إسقاط العقوبات عن رجل، كما فعلوا مع الشرع. أسقطوا قصة «أبو محمد الجولاني»، وفتحوا الباب أمام شرعية «الرئيس الشرع».
لا يذرف نتنياهو دمعةً على الأسد و«سوريا الإيرانية». يعرف أنَّ الشرعَ اختار الخروج حتى الساعة من الشق العسكري في النزاع مع إسرائيل. لكن الاحتفاء بالشرع قد يعرض إسرائيل لضغوط أميركية وغربية بهدف تقديم تنازلات لدعم استقرار «سوريا الجديدة».
ما أصعب أن يتابع المرشد الإيراني علي خامنئي المشهد. لا يطيق ترمب. إنه الرجل الذي أمر بقتل الجنرال قاسم سليماني، مهندس «محور الممانعة» وصواريخه وأنفاقه. الرجل الذي أرسل الطائرات لدك المنشآت النووية وسمحت أسلحته لنتنياهو بهز صورة إيران واجتياح أجوائها واغتيال جنرالاتها وعلمائها. ولا يطيق الشرع. إنه الرجل الذي ألغى حدود إيران مع إسرائيل عبر سوريا. الحدود التي كلّف تشييدها سنوات ومليارات الدولارات وتضحيات. قصم صعود الشرع ظهر المحور الذي أصيب بكارثة أخرى في اغتيال حسن نصر الله، شريك سليماني في بناء المحور.
خسرت إيران أيضاً حدودها مع إسرائيل عبر لبنان. قيام «سوريا الشرع» غيّر حدود التوازنات وجعل «نزع السلاح» شعاراً يتردد بقوة في لبنان والعراق. وهو عملياً مشروع لنزع النفوذ الإيراني من هذه الدول. تغيّرت حدود المحور وتغيرت حدود النفوذ الإيراني. وما أصعب استعادة سوريا.
يتابع بوتين المشهد ولا تغيب المرارة عن ابتسامته. أهل الشرق الأوسط يغازلون روسيا وقلوبهم مع أميركا. أنقذنا بشار ذات يوم، لكن بشار لم ينقذ نظامه. نصحناه بالرقص قليلاً مع رجب طيب إردوغان، لكن غروره منعه من الرقص. إردوغان نفسه وريث السلاطين انحنى للعاصفة وتجرّع على مدى سنوات الحماية الروسية – الإيرانية لبشار. لكنه كمن يتحيّن ساعة الثأر، وحين جاءت لم يتردد في تصفية الحسابات، ومن دون شماتة أو أسهم نارية. تناسى الشرع أن المقاتلات الروسية أدمت إدلب والمعارضة. تناسى أن هذه المقاتلات كانت تبحث عنه؛ رفع شعار «سوريا أولاً»، وأعلن تصفير المشكلات مع الجميع. جاء إلى الكرملين وبدا منفتحاً وودوداً. لكن الشرع يعرف أنه يحتاج ترمب أكثر مما يحتاج بوتين، وأن مستقبل نظامه معلق بواشنطن لا بموسكو. غيّر صعود الشرع حدود النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وصورة الوسادة الروسية.
ما أصعب موسكو حين يتراكم الثلج فوق أيام اللاجئين إليها، وما أصعب لقب الرئيس السابق أو الرئيس المخلوع، وما أقسى سيناريو خروجه من البلاد التي كان موعوداً بإدارتها إلى الأبد. تبخّر الحلفاء، لا يعثر الضعيف على أوفياء. وما أفظع المشهد. كان يعتقد أن إدلب المتمردة ستعود صاغرة إلى قبضته، وأن طموح الجولاني لن يزيد على الفرار ليهرم بعيداً بلا عنوان معروف. يجد صعوبة في فهم مسلسل الأعراس الذي يستقبل الشرع هنا وهناك وهنالك. ابتعد القصر وابتعدت دمشق وابتعدت الأختام. ضغط على زر التلفزيون. صورة البيت الأبيض أكبر من قدرته على الاحتمال. يعزّي نفسه. حكم سوريا ليس سهلاً على الإطلاق، وغداً تفتر حماسة الغرب والمبتهجين بـ«سوريا الجديدة». في سوريا ألغام يصعب تفكيكها. ما أقسى الانتظار، خصوصاً بلا أمل. وما أصعب الثلج. كان يدخل الكرملين رئيساً، واليوم باب الكرملين موصد أمامه ومصيره معلق بمزاج القيصر.
هذا يوم الصورة. مشهد واشنطن هو تتمة للمصافحة الشهيرة في الرياض؛ يوم ألقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بثقله الشخصي وثقل بلاده لإنقاذ سوريا، وفتح الباب الأميركي والغربي أمام قائد «سوريا الجديدة». لكن سلسلة الأعراس تضاعف مسؤولية الشرع. الآن عليه أن يقود إعادة الإعمار ومحاربة الفقر وترسيخ موقع «سوريا الجديدة» ومصداقيتها في الداخل والخارج، وقبل ذلك بناء دولة قانون تتسع لكل المكونات. عليه أن يحارب «داعش» وأفكار التكفير والشطب، وأن يجيب في الوقت نفسه عن أسئلة الخروج من النزاع مع إسرائيل وعروض السلام. إنه رجل قوي في مهمة صعبة.
هذه صورة اليوم. ترمب يرحّب بالشرع في استقبال دافئ. صورة تذهب إلى التاريخ، وعلى أمل أن تذهب سوريا إلى المستقبل، لتكون جسر استقرار في محيطها وتسترجع ملايين السوريين الذين كوتهم الغربة والإقامة في مخيمات اللجوء.
الشرق الأوسط
—————————–
ماذا يعني انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة؟/ عمر كوش
بات من شبه المؤكَّد انضمامُ سوريا إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة (داعش)، ويُتوقَّع أن يُعلَن ذلك رسميًا خلال الزيارة التاريخية التي يُجريها الآن الرئيسُ السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، وذلك وفق ما أكّده المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، على هامش مؤتمر «حوار المنامة» في البحرين.
يأتي الانضمام في ظل سعي الحكومة السورية إلى بناء شراكة متوازنة مع واشنطن، وعلاقات طبيعية مع جميع القوى الدولية، وفق ما صرّح به وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي اعتبر أن زيارة الشرع إلى واشنطن “ستشكّل محطة محورية في إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة”.
أهمية الانضمام
يشكّل انضمام سوريا إلى التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ تشكيله في سبتمبر/أيلول عام 2014، ويضم 89 دولة، نقلة نوعية بالنسبة إلى موقعها الجيوسياسي، كونه يمثل تحولا كبيرا في توجهها، ينقلها من المحور الروسي الإيراني، إلى موقع الشريك الرسمي لدول التحالف الغربي ضد تنظيم الدولة للمرة الأولى.
يترتّب على الانضمام استحقاقات على سوريا والتحالف، لكنه في الوقت نفسه يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، كونه يحقق لها مكاسب على مختلف المستويات؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، قياسا على المكاسب التي حققها انضمام العراق إلى التحالف، والتي تشمل مجالات وخدمات عديدة، وتخصيص صندوق تمويل لأكثر من ألف مشروع في مختلف مناطق العراق.
والأهم من ذلك كله أنه يعلن دخول الدولة السورية كشريك رسمي، بما يعني تنسيق العمليات المستقبلية بشكل مباشر مع قوات وزارة الدفاع السورية، لا عبر قوى محلية غير رسمية.
غير أن الخطوة تطرح العديد من الأسئلة حول ما تحمله من إشارات على أن مرحلة “الوكلاء” و”الفاعلين دون الدولة” قد اقتربت من نهايتها، وذلك بعد التحول السوري الذي أفضى إلى سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقدوم إدارة جديدة تتعامل ببراغماتية في جميع الملفات، وذلك في إطار سعيها إلى استعادة دور الدولة وسيادتها على جميع أراضيها.
تمتد التساؤلات إلى الأهداف والمكاسب التي تجنيها كل من الولايات المتحدة، والحكومة السورية من هذه الخطوة، وما الذي يترتب عليها على مستوى علاقات الطرفين، وما يتعلق بقواعد الاشتباك، وإدارة مناطق النفوذ، وآليات حماية المدنيين، ومنع حدوث انتهاكات.
بداية، يتوج الانضمام التنسيق والتعاون بين جهاز الأمن التابع لوزارة الداخلية السورية، وقيادة قوات التحالف الدولي، والذي تجسّد في أكثر من عملية ضد عناصر تنظيم الدولة، كان آخرها عملية نُفذت في 18 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأسفرت عن تفكيك خلية للتنظيم، واعتقال عضو بارز فيه، كان يختبئ في منطقة معضمية القلمون المحاذية لبلدة الضمير في ريف دمشق.
وفي إثرها، سارع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إلى التعليق على العملية بقوله: “سوريا عادت إلى صفّنا”.
وسبق للإدارة الأميركية أن عبّرت عن رغبتها في أن تنخرط سوريا في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، حيث أعلن البيت الأبيض في مايو/أيار الماضي، أن أحد شروط الولايات المتحدة لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، هو “مساعدة الولايات المتحدة في منع عودة ظهور تنظيم الدولة، وتحمل المسؤولية عن مراكز احتجاز مقاتلي التنظيم في شمال شرق سوريا”، التي تضم الآلاف من عناصره، وتتولى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مسؤولية إدارة هذه المراكز، إضافة إلى مخيمات احتجاز تضم الآلاف من عائلات عناصر التنظيم.
الحيثيات السورية
أما حيثيات انضمام سوريا إلى التحالف، فتكمن فيما يلي:
يلبّي الانضمام أحد أهم المطالب الدولية من سوريا، والمتمثل في تأكيدها الانخراط في مكافحة الإرهاب، وخاصة تنظيم الدولة، والعمل على منع عودة انتشاره.
تنظر الحكومة السورية إلى تنظيم الدولة على أنه يمثل تهديدا لها، حيث ازدادت العمليات العسكرية التي ينفذها عناصر التنظيم ضد عناصر الجيش وقوى الأمن السورية، خاصة في منطقة البادية، وعلى الحدود السورية العراقية. وسبق للتنظيم أن وجّه تهديدات عديدة للحكومة السورية، وحذّر الرئيس السوري أحمد الشرع في أبريل/نيسان الماضي من مغبة الانضمام إلى التحالف الدولي.
تريد الحكومة السورية تعزيز شرعيتها الدولية، وبما يفضي انضمامها إلى إزالة كافة العقوبات الأممية المفروضة على خلفية تصنيف بعض الشخصيات القيادية السورية على قوائم الإرهاب، وكذلك العقوبات الأميركية المفروضة عليها، حيث إن بعض أعضاء الكونغرس الأميركي ما زالوا يربطون إزالة قانون “قيصر” بالتعاون الذي تبديه حيال محاربة التنظيمات المتطرفة، وعدم تهديد أمن إسرائيل.
على المستوى العسكري، يُسهّل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، حصولها على معدات عسكرية وتقنية؛ لتحسين أداء قواتها وأجهزتها الأمنية.
يقرّب الانضمام سوريا من الشراكة مع الولايات المتحدة، وهي الجهة الوحيدة القادرة على وقف الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، وبالتالي كلما اقتربت دمشق من واشنطن، أصبحت في وضع أفضل حيال العدوانية الإسرائيلية.
تجادل الحكومة السورية بأنها تمتلك تجربة في محاربة تنظيم الدولة، وأنها معنية بتولي مسؤولية الأمن على كامل التراب السوري، وبالتالي فإن انضمامها إلى التحالف يصبّ في خانة سحب ورقة محاربة الإرهاب التي تتذرع بها “قسد”، إذ يفضي إلى اعتماد الدولة السورية كشريك للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة. وسينعكس ذلك على الوجود العسكري الأميركي في سوريا، وخاصة قاعدة التنف على الحدود الأردنية، وقاعدتي حقلي العمر، وكونيكو في دير الزور.
الأهداف الأميركية
في المقابل، تتمحور أهداف الولايات المتحدة الأساسية من الخطوة فيما يلي:
تعتبر الولايات المتحدة أن انخراط سوريا في الحرب ضد تنظيم الدولة يمكنها من تثبيت مكاسبها ضد التنظيم، وضمان منع عودته كتنظيم يتحكم بالأرض، وتفكيك خلاياه في سوريا، والعراق من أجل إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
يمنح الانضمام الشرعية للوجود العسكري الأميركي في سوريا، وكذلك لقوات التحالف وعملياته فيها، حيث يؤثر ذلك على الأصوات الداعية إلى سحب القوات الأميركية منها، خاصة تلك التي ترى عدم وجود أساس قانوني لتواجدها.
ترى الولايات المتحدة أن سوريا جزء أساسي من إستراتيجيتها الهادفة إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، ومنع عودته إلى الساحة السورية.
تريد الإدارة الأميركية التعاطي ببراغماتية مع الوضع الجديد في سوريا، من خلال تحقيق التوازن بين الانخراط السوري في مكافحة الإرهاب، والدفع باتجاه انتقال سياسي يضمن استقرارها.
المماطلة والمآلات
غير أن الإدارة الأميركية ليست في عجلة من أمرها بخصوص إنهاء شراكتها العسكرية مع “قسد”، وهو ما يفسر عدم ممارستها ضغطا كافيا عليها من أجل تنفيذ الاتفاق الذي رعته في 10 مارس/آذار، ووقّع بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، كونها ما تزال تنظر إلى الجيش السوري الجديد على أنه بحاجة إلى مزيد من الاحترافية والنضج، لذلك تُطرح فكرة إنشاء مجموعات مشتركة بين الجيش السوري وقوات من “قسد” للقيام بعمليات مشتركة في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة.
تستغل قيادات “قسد” النظرة الأميركية للجيش السوري من أجل المماطلة في تنفيذ الاتفاق، فضلا عن أنها لا تريد سحب الامتياز الذي منحه التحالف لها باعتبارها شريكا وحيدا له على الأرض السورية في حربه ضد تنظيم الدولة.
وتحاول توظيف ذلك من أجل تحقيق مكاسب سياسية، لكن هذا التكتيك الذي تتبعه قد يؤدي إلى خسارة إستراتيجية بالنسبة إليها، لأن القرار الأميركي يصبّ في بوتقة دمج “قسد” في الجسد السوري، وضمان وحدة واستقرار سوريا.
تعوّل الإدارة السورية على أنه في حال التوقيع على اتفاق الانضمام خلال زيارة الشرع إلى واشنطن، فإن العلاقة مع التحالف ستنتقل من مجرد التنسيق في مناطق العمليات إلى الشراكة والتعاون، الأمر الذي يصبّ في مصلحة سوريا، ويؤسس للانتقال إلى إبراز أثر الانضمام على أمن الطرق الدولية والبادية.
إضافة إلى أنه يُجسّد شراكة مخصّصة، تحتل فيها سوريا موقع الحليف الرسمي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وتجني نتائجه في خطوات اقتصادية وسياسية لاحقة.
لذلك يُنظر إلى زيارة الشرع، التي ستكون الأولى لرئيس سوري إلى واشنطن منذ عقود عديدة، بوصفها تتويجا لمسار سياسي جديد.
قد تعطي نتائج الزيارة الضوء الأخضر لبدء مرحلة استعادة سيادة الدولة السورية، والقطع مع مرحلة استخدامها ساحة لتصفية صراعات وحروب الوكلاء المحليين والإقليميين والدوليين.
والأهم من ذلك هو أن تتويجها بانضمام سوريا إلى التحالف لن يكون مجرد إجراء شكلي؛ كونه يعلن إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، ليس في سوريا وحدها، بل وفي المنطقة أيضا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
————————————-
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي مكسب أم مخاطرة؟/ باسل المحمد
تخطو دمشق نحو واحدة من أكثر خطواتها حساسية منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، مع اقتراب انضمامها رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، المتوقع إعلانه خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن الرئيس الشرع وصل، أمس الأحد، إلى العاصمة الأميركية في زيارة رسمية، حيث من المقرر أن يلتقي يوم غد الاثنين الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وتسجَّل هذه الزيارة كسابقة في التاريخ السياسي السوري باعتبارها الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، والثانية للشرع إلى الولايات المتحدة بعد مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي.
وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، قد أعلن أن الرئيس الشرع سيوقع خلال زيارته على وثيقة شراكة تضع سوريا داخل هذا التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وأكد براك أن هذا الانضمام يمثل تحولا كبيرا ليس لسوريا فحسب، بل للمنطقة بأسرها، وهو ما يعكس حجم الرهانات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بهذه الخطوة.
لكن هذا التحول، رغم ما يحمله من مكاسب محتملة، يضع سوريا أمام استحقاقات داخلية حساسة، تتعلق بتوازن القرار السيادي، فضلا عن تداعيات أمنية قد تطول البنية العسكرية والملف الداخلي لمكافحة الجماعات المتشددة.
تعزيز الشرعية الدولية
مع التحول المرتقب في موقع سوريا داخل النظام الدولي، يُنظر إلى انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة باعتباره خطوة تتجاوز بعدها العسكري، لتفتح الباب أمام إعادة إدماج الدولة السورية في المشهد الدبلوماسي العالمي، بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
ويرى مراقبون أن الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة في السياسة السورية، مع محاولة الحكومة الانتقالية بقيادة الشرع إعادة إدماج سوريا في المنظومة الدولية وموازنة علاقاتها بين الشرق والغرب.
وبحسب دراسة صادرة عن مركز “جسور للدراسات” فإن الانضمام للتحالف سيعزز شرعية الحكومة على المستوى الدولي، وبالتالي دفع وتيرة رفع العقوبات الدولية عنها وخصوصا العقوبات الأممية المفروضة على خلفية تصنيف بعض شخصيات القيادة السورية على قوائم الإرهاب.
وستتيح هذه التطورات تحسنا للأوضاع الاقتصادية في البلاد من خلال دخول الاستثمارات والمشاريع التي ما زالت معطلة بفعل تلك العقوبات.
وتؤكد الدراسة أن الانضمام يمثل قطيعة حقيقية مع نهج نظام الأسد الذي تسبب بتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وفرض عليها عزلة وعقوبات سياسية واقتصادية، ويعيد سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي دولةً لا تهدد جيرانها، وتحافظ وتلتزم بالسلم والأمن الدولييْن.
وفي هذا السياق أوضح مؤسس منظمة “سوريا طريق الحرية”، هشام نشواتي في تصريح للجزيرة نت أن هذه الخطوة تمنح الحكومة الجديدة شرعية دولية واعترافا رسميا أكبر من مكاسب التحالف، وتعكس التزاما بالاستقرار ومشاركة في مواجهة عدو مشترك هو تنظيم الدولة، مما يحفظ سوريا ويساعد التحالف، مشيرا إلى أنها رسالة من التحالف بتوفير الاستقرار، والإسهام في وحدة البلاد.
ولطالما أكدت القيادة السورية على سعيها لاستعادة مكانة سوريا الطبيعية في المجتمع الدولي بعد عقود من العزلة من خلال مشاركتها في المؤتمرات والمناسبات الإقليمية والدولية .
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قال في مؤتمر صحفي “الرئيس السوري قد يأتي للبيت الأبيض وهو يعمل بجد. رفعنا العقوبات عن سوريا من أجل منحها فرصة، وسمعت أن رئيسها يقوم بعمل جيد للغاية”.
سحب ملف الإرهاب من يد “قسد”
يمثل انضمام سوريا المرتقب إلى التحالف الدولي فرصة لدمشق لاستعادة واحدة من أكثر الأوراق حساسية في المشهد الأمني، وهي ورقة مكافحة الإرهاب في الشرق السوري، والتي احتكرتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لسنوات بدعم مباشر من واشنطن.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، من “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة”، أن أهمية هذه الخطوة تأتي من المكاسب السياسية المحتملة، وهي استعادة الحكومة السورية لدورها في ملف محاربة الإرهاب في الضفة الشرقية للفرات، بعد احتكاره من قبل قوات قسد منذ عام 2015.
ويضيف قباقيبو للجزيرة نت أن الانضمام للتحالف يضع دمشق في محل شريك مباشر لواشنطن لمحاربة تنظيم الدولة، مما يقلص من شرعية الوكيل المحلي الحالي قسد، وهذا الأمر يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة وقد يعيد التوازن إلى منطقة الجزيرة السورية.
وفي الاتجاه ذاته قال الباحث محمود علوش، في تصريح للجزيرة نت، إن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة سيجعل سوريا شريكا إقليميا رئيسيا لواشنطن والغرب في مكافحة الإرهاب.
وأوضح علوش أن هذه الخطوة نتيجة متوقعة في تحول التفضيلات الأميركية، عندما تجد الولايات المتحدة شركاء جددا يمثلون دولا وليسوا جماعات، في مكافحة الإرهاب، وهم أعلى قيمة وفعالية بطبيعة الحال.
وشهدت الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا في العمليات المشتركة التي نفذها التحالف والحكومة السورية، وأبرزها الغارة التي نُفّذت في 20 أغسطس/آب 2025، بالتنسيق والدعم من القوات الحكومية، والتي قُتل خلالها قيادي عراقي كبير في تنظيم الدولة الإسلامية صلاح نومان الجبوري.
خبرات أمنية وعسكرية
يرى مراقبون أن انضمام سوريا للتحالف الدولي يفتح بابا واسعا أمام تحسين قدراتها الأمنية والاستخباراتية، بعد سنوات من إنهاك مؤسساتها العسكرية وتراجع كفاءتها في مواجهة الخلايا المتطرفة.
ويؤكد الباحث السياسي ضياء قدور أن التنسيق مع التحالف يمثل نقطة انطلاق لإعادة بناء قطاع الأمن، بمعنى أن هذا التعاون يتيح اكتساب الجيش السوري الجديد خبرات وتدريبات نوعية، إلى جانب تدفق المعلومات الاستخباراتية الضرورية لمكافحة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة.
ويضيف قدور في حديثه للجزيرة نت أن هذا المكسب مهم لمؤسسة عسكرية عانت من التدهور والتشظي خلال 14 عاما من الحرب السورية.
ويُنظر إلى هذا التعاون الاستخباراتي من الناحية الأكاديمية على أنه عنصر حيوي لتحسين الكفاءة العملياتية ومنع تحوّل التهديد الإرهابي إلى خطر طويل الأجل على الاستقرار الداخلي، يضيف الباحث قدور.
وفي سياق متصل ذكر تقرير معهد الشرق الأوسط أن سوريا ستكون على الصعيد العسكري أمام فرصة للحصول على دعم فني وعملياتي مباشر من الولايات المتحدة ودول التحالف للمشاركة الفاعلة في العمليات المشتركة ضد التنظيم.
وأشار التقرير إلى أن دمشق من الجانب الأمني ستتمكن من الوصول إلى أنظمة تبادل المعلومات التابعة للتحالف، بما يشمل التحقق من هوية المجندين الجدد داخل وزارتي الدفاع والداخلية، لمنع تسلل عناصر تنظيم الدولة إلى أجهزة الحكومة.
ونقل المعهد عن مصدر رفيع في مديرية الأمن العام، أن التنسيق الأخير بين دمشق وقيادة التحالف شمل اتفاقيات عملياتية متعددة، أبرزها: تبادل المعلومات الاستخبارية بين وحدة الاستطلاع في وزارة الداخلية وغرف عمليات التحالف الدولي، بما يمهّد لتأسيس قنوات تعاون أمنية أكثر مؤسسية واستدامة.
توترات داخلية محتملة
يمثّل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي تحديا داخلياً يتجاوز البُعد السياسي والعسكري، ليصل إلى البُعد العقائدي والأيديولوجي، خصوصا لدى الفصائل الإسلامية المتشددة والمقاتلين المهاجرين الرافضين لأي تقارب مع الولايات المتحدة أو الغرب.
ويشير تقرير لمعهد الشرق الأوسط، صدر في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى وجود معارضة من عناصر داخلية تعارض التعاون مع القوى الغربية، قد تعرقل أي شراكة مستقبلية، وهو ما يفرض -بحسب التقرير- على كل من دمشق والتحالف اتخاذ خطوات استباقية لطمأنة هذه الأطراف، وتبديد المخاوف المرتبطة بالسيادة أو النفوذ الخارجي.
من ناحيته يتوقع الباحث ضياء قدور أن أي تقارب سريع مع واشنطن أو تفاهمات أمنية مع إسرائيل، قد يهدد بتوليد انشقاقات داخلية واسعة، ويحوّل بعض المقاتلين المهاجرين والتيارات الرافضة إلى قوة معارضة عنيفة أو يسهل تنظيمهم تحت لواء تنظيمات متطرفة.
ويتطلب هذا السيناريو ـبحسب قدورـ من الرئيس الشرع إستراتيجية “احتواء ودمج” دقيقة، وتبني خطاب وطني جامع لمنع تقويض الاستقرار من الداخل قبل أن تتمكن الدولة من الاستفادة من المكاسب الخارجية.
وظهرت على الأرض بوادر هذا التوتر مطلع أكتوبر/تشرين الأول، حين نفذت طائرة أميركية غارة استهدفت قياديا في جماعة إسلامية متشددة تعرف باسم “أنصار الإسلام” شمال غربي سوريا.
ونقل موقع “المونيتور” عن مسؤول أمني في دمشق قوله “أبلغنا الأميركيين أننا لم نعد نريد وجودهم العسكري في هذه العمليات، فنحن نحارب تنظيم الدولة منذ سنوات، ويمكنهم تزويدنا بالمعلومات فقط إذا دعت الحاجة.”
وأوضح المسؤول أن هذا الموقف جاء نتيجة انزعاج بعض شرائح الشعب السوري من التعاون العسكري المباشر مع الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة.
بين الشراكة والارتهان لواشنطن
رغم ما يحمله الانضمام إلى التحالف الدولي من مكاسب سياسية وأمنية، تُثار مخاوف داخلية من أن تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لتقييد استقلالية القرار الوطني، أو جعل دمشق في موقع التبعية لواشنطن، خاصة وأن التحالف يرتبط تاريخيا بالمصالح الأميركية وأدوارها المباشرة في الشرق الأوسط.
ويحذر الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو من أن أخطر نقطة في هذا الموضوع هي الارتهان السياسي لواشنطن، لأن خطوة الانضمام للتحالف الدولي تحمل العديد من الفرص، إلا أن ارتباط التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بالمصالح الأميركية يجعل هذا الأمر سيفا ذا حدين؛ فواشنطن قد تستثمر التعاون الأمني لفرض أجندات سياسية تمس ملفات داخلية كإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، أو مستقبل العلاقة مع روسيا مثلا.
ويحذر قباقيبو من إعادة تجربة الارتهان السياسي، كما فعل النظام المخلوع حين ارتهن لروسيا وإيران؛ ومن ثَم فالأهم اليوم هو تحويل هذا الانضمام من مجرد مشاركة إلى شراكة وازنة، تضمن المكاسب الأمنية دون فقدان استقلالية القرار الوطني.
وفي هذا السياق أكد وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني أن زيارة الشرع إلى واشنطن “ستكون محطة محورية في إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة”.
وأضاف الشيباني خلال مشاركته في منتدى حوار المنامة أن هناك الكثير من المواضيع التي يتم الحديث عنها، بداية من رفع العقوبات وفتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة وسوريا، مشيرا إلى أن الحكومة السورية تريد شراكة قوية جدا مع واشنطن.
المصدر: الجزيرة
—————————
واشنطن وعنوان “الإرهاب”: شراكةٌ مع الشرع وإطباق على حزب الله/ منير الربيع
الاثنين 2025/11/10
دخلت الولايات المتحدة الأميركية مرحلة الإطباق الكامل على المنطقة. هي لا تتوانى عن الدعوة إلى توسيع الاتفاقات الإبراهيمية وإبرام اتفاقات السلام بين إسرائيل وجيرانها. تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تحقيق ذلك عبر اعتماد استراتيجية الضغط القصوى في المجالات المختلفة، بما فيها إفساح المجال أمام إسرائيل لاستخدام القوة العسكرية في سبيل ذلك. الشرق الأوسط، تريده واشنطن منطقة مداها الحيوي، في إطار الصراع على النفوذ العالمي ومواجهة الصين، وهو ما يتصل ليس بالنفوذ السياسي أو العسكري فحسب؛ بل له ارتباطاته المالية والاقتصادية والتجارية. لذا فإن التصعيد العسكري الإسرائيلي لا ينفصل عن الضغط المالي والاقتصادي الأميركي، للوصول إلى الهدف عينه، وهو فرض وقائع جديدة في المنطقة تكون واشنطن صاحبة التفوق الأكبر فيها.
… وهكذا تصبح المفاوضات ثنائية
لا تريد الولايات المتحدة الأميركية لأيّة دولة أخرى أن تتمتع بأي دور أو نفوذ أو تأثير على مجريات السياسة اللبنانية؛ بل تريد من جميع الدول أن تكون منسجمة مع استراتيجيتها، بمعنىً أوضح، أي دولة تريد أن تلعب دوراً مؤثراً في لبنان لا بد أن تكون متقاطعة مع الشروط الأميركية، لذا تحاول واشنطن دوماً تطويق أيّة محاولة انفراد فرنسي، أو تمايز، وكذلك بالنسبة إلى أي مقترح مصري. وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية ولدت فكرة تضييق هامش عمل لجنة الميكانيزم، وضغطت واشنطن على الدولة اللبنانية للدخول إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تكون برعايتها، على أن تنسحب بعدها، فتتحول المفاوضات إلى ثنائية لبنانية إسرائيلية.
حل القضية الفلسطينية أولاً
ما يسري على لبنان يختلف عن الوضع في سوريا؛ إذ تعلم واشنطن أن هناك جهات عديدة ناشطة وتتمتع بنفوذ ومراكز قوى على الأراضي السورية، وخصوصاً روسيا التي أظهر الرئيس السوري أحمد الشرع انفتاحاً عليها وزارها وهي تواصل انتشارها في الساحل كجهة ضامنة، إضافة إلى استعدادها لتزويد قوات الجيش السوري بالأسلحة. وذلك لا يمكن أن يحصل من دون موافقة واشنطن، التي ربما يكون من مصلحتها بقاء القوات الروسية على الساحل السوري في هذه المرحلة، ما دامت لا تفسح في المجال أمام وصول مشروع “الحزام والطريق الصيني”. أما بالنسبة إلى وجود تركيا ونفوذها، فذلك ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية. وكذلك بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، ودولة قطر. في حين تسعى واشنطن بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية يمهد لاحقاً لاتفاق سلام، خصوصاً أن ترامب سيطلب من الشرع موقفاً يبدي فيه الاستعداد للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، إلا أن موقف الشرع واضح وهو يرتبط بعدم الدخول في أي مسار من هذا النوع، في ظل موقف عربي تمثله السعودية وقطر يرفض الانضمام إلى اتفاقات السلام قبل الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.
… ولبنان متمسك بالمبادرة العربية
لبنان كذلك، يعلن أن أي مسار للسلام بالنسبة إليه يجب أن يمر من المبادرة العربية للسلام، والتي تنص على حلّ الدولتين، وهو ما سيبحث خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن دمشق سلكت طريق التفاوض المباشر مع تل أبيب منذ أشهر، ويُحضّر لعقد جولة تفاوضية جديدة في الفترة القريبة المقبلة. أما لبنان فلم يلتحق بهذا المسار بعد على الرغم من إبدائه النية مقابل عدم تقديم إسرائيل أي جواب، وسط استمرار المساعي والمحاولات وانتظار لبنان للجواب الإسرائيلي، إلى جانب مواصلة تل أبيب اعتماد لغة التهديد والتصعيد العسكري.
الطائفة و”حرب الوجود”
في الموازاة، برزت زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية إلى بيروت، والتي انضم إليها مسؤولون من مكتب الأمن القومي في البيت الأبيض، مع رسالة في غاية الوضوح والتشدد تتصل بضرورة إسراع الدولة اللبنانية في العمل على سحب سلاح حزب الله ومنعه من إعادة بناء قدراته العسكرية، إضافة إلى ضرورة تفكيك كل البنى المؤسساتية التي تشكل عماداً أساسياً للحفاظ على بنيته الأمنية والعسكرية والاجتماعية حتى، لذلك فإن الإستراتيجية الأميركية في هذه المرحلة تتركز على تشديد الخناق المالي على حزب الله، وقطع الإمداد على مؤسساته الصحية، التربوية، الاجتماعية وغيرها، في حرب يعتبرها الحزب وغالبية أبناء الطائفة الشيعية بأنها حرب وجود عليهم.
آليات لرصد “الأموال الفردية”
هنا لا يمكن فصل جولة وفد وزارة الخزانة الأميركية على المنطقة. فهو قبل الوصول إلى لبنان مرَّ بإسرائيل وتركيا. مع إسرائيل الأهداف واضحة، وهي تتصل بالتنسيق الاستخباري والتقني لمكافحة طرق حزب الله في إدخال الأموال إلى لبنان. ولزيارة تركيا الهدف نفسه، بعد ورود تقارير كثيرة تعتبر أن حزب الله ينجح في تمرير أموال عبر تركيا بطريقة فردية، أو عبر تطبيقات مالية الكترونية. ووفق ما تؤكد مصادر متابعة فإن الأميركيين يواجهون صعوبة في مواجهة آليات الحزب لإدخال الأموال، التي تستند في جانب كبير منها إلى إدخال أموال فردية. وهو ما تريد الخزانة الأميركية البحث في كيفية مكافحته، عبر تشديد الرقابة أكثر على كل شركات الصيرفة وتحويل الأموال.
الورشة ضد الإرهاب: واشنطن ترسل هيرلي وتستقبل الشرع
وللمصادفة، أن الزيارة الأميركية إلى بيروت تتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لواشنطن من أجل الانضمام إلى تحالف محاربة الإرهاب، والسعي إلى رفع قانون قيصر، إضافة إلى الانضمام إلى النظام المالي العالمي، وما يقتضيه ذلك من مكافحة تبييض الأموال، خصوصاً أن واشنطن تعتبر أن حزب الله نجح طوال السنوات الماضية، ولا يزال، من الاستفادة من سوريا كمعبر لتمرير الأموال أو البضائع، وهو ما يُسعى إلى إغلاقه على نحوٍ كامل. ولا تقف الأمور عند هذا الحد؛ بل إن أي اتفاق أمني يتم التوصل إليه بين سوريا وإسرائيل لن تقتصر مفاعيله على ضبط الوضع الأمني في الجنوب السوري، أو خلق منطقة خالية من السلاح؛ بل سترتبط تداعياته بتنسيق أمني واستخباري بين الجانبين، لمواجهة أيّة محاولة من جانب حزب الله لتهريب الأموال أو الأسلحة، وهو يندرج في سياق تشديد الخناق على نحوٍ كامل.
المدن
————————————–
دمشق تطمح لإنهاء قانون قيصر.. ماذا تريد واشنطن من لقاء الشرع؟/ محمد المنشاوي
واشنطن- بعد لقائهما مرتين خلال الأشهر الماضية، الأولى في مايو/أيار بالرياض خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السعودية، والثانية في سبتمبر/أيلول الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يستضيف ترامب اليوم الاثنين الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية بالغة الأهمية.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها الأولى لرئيس سوري إلى العاصمة الأميركية، وهو ما يمنحها طابعا تاريخيا في وقت تتزاحم فيه ملفات شائكة على أجندة المحادثات الثنائية.
ومن المنتظر أن يوقع الشرع خلال الزيارة على انضمام بلاده رسميا للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى بحث مستقبل العلاقة السورية الإسرائيلية، فضلا عن مساعيه لرفع ما تبقى من العقوبات الأميركية المفروضة على دمشق بشكل كامل.
وفي حديثه للجزيرة نت، يرى البروفيسور ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة سميث في ماساتشوستس والخبير غير المقيم في مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز، أن “زيارة الشرع إلى البيت الأبيض تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات الأميركية السورية، فهذه هي المرة الأولى التي يلبي فيها رئيس سوري دعوة لزيارة البيت الأبيض، وهو ما يعكس حجم التحول الذي شهدته العلاقة منذ سقوط نظام بشار الأسد”.
وتحمل الزيارة كذلك -وفق مراقبين- مؤشرا على الثقل الدبلوماسي الذي بات يمثله الشرع، إذ يسبق عددا من قادة دول عربية حليفة لواشنطن لم تتح لهم فرصة زيارة البيت الأبيض منذ تولي ترامب ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني الماضي.
معضلة العقوبات
ورغم أن إدارة ترامب رفعت الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة على سوريا، فإن سلطة إلغاء قانون قيصر تبقى بيد الكونغرس، الذي لم يمنح بعد موافقته على رفع شامل للعقوبات.
ويقول أندرو تابلر، الخبير في معهد واشنطن والمسؤول السابق بالخارجية ومجلس الأمن القومي، في تقرير نشر حديثا، إن أداء الرئيس الشرع خلال الأشهر الستة الماضية “كان كافيا لتأمين لقاء تاريخي في المكتب البيضاوي، إلا أن إقناع الكونغرس بإلغاء العقوبات بالكامل قد يواجه صعوبات أكبر”.
وفي ندوة نظمها المعهد، اعتبر السفير جيمس جيفري -الممثل الأميركي السابق في سوريا- أن “تقدم المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في غزة جعل الملف السوري أولوية واشنطن الأبرز في الشرق الأوسط”.
وشدد على أن “الوحدة والاستقرار والتنمية الاقتصادية تمثل العناوين الأهم التي ينبغي التعامل معها في سوريا”، مضيفا أن “للمجتمع الدولي مصلحة في رؤية سوريا موحدة مع ضمان حماية الدروز والأكراد”.
وفي حديث آخر للجزيرة نت، أوضح هايدمان أن دمشق تطمح، من خلال الزيارة، إلى “دفع واشنطن لإنهاء قانون قيصر، ومناقشة توفير دعم اقتصادي إضافي لمرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى بحث كيفية مساهمة الولايات المتحدة في ترسيخ الاستقرار على الحدود السورية الإسرائيلية بما ينسجم مع الموقف الأميركي المعلن الداعم لسيادة سوريا على كامل أراضيها”.
من جانبه، يرى خبير الشؤون الإستراتيجية ومدير مؤسسة دراسات دول الخليج جورجيو كافيرو أن الشرع “من المرجح أن يسعى إلى رفع كامل للعقوبات الأميركية، وتوسيع الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة، والحصول على دعم مباشر لعملية إعادة الإعمار”.
ويضيف كافيرو في حديثه للجزيرة نت أن إدارة ترامب تسعى في المقابل إلى منع الشرع من الاقتراب المفرط من موسكو، وتعمل على تقديم واشنطن كشريك إستراتيجي طويل الأمد قادر على دعم استقرار سوريا وعودتها إلى المجتمع الدولي.
قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب تنفذ بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة عملية أمنية نوعية استهدفت خلية إرهابية تتبع لتنظيم داعش في
تطلعات الجانب الأميركي
ويشير هايدمان إلى أن “استكمال ترتيبات مشاركة سوريا رسميا في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة يشكل هدفا محوريا للولايات المتحدة خلال الزيارة، إذ من شأن هذه الخطوة إقناع المعارضين داخل الكونغرس بضرورة رفع عقوبات قيصر”.
ويضيف أن واشنطن قد تدفع أيضا باتجاه انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، رغم أن احتمالات حدوث ذلك تبقى ضئيلة. وتشمل الملفات الأميركية المطروحة -وفق الخبير- معالجة ملف المقاتلين الأجانب، وإعادة هيكلة قطاع الأمن، وضمان حماية الأقليات، خصوصا في شمال شرقي البلاد وجنوبها.
ويتفق كافيرو مع هذا التقدير، مشيرا إلى أن “التوقعات تتزايد بأن تعلن سوريا رسميا انضمامها للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعاون عسكري أعمق وربما مفاوضات حول قاعدة جوية أميركية داخل سوريا”.
ويلفت كافيرو إلى أن “السجل الطويل للشرع في التعامل مع الجماعات الجهادية في العراق وسوريا يجعل رمزية هذه الخطوة لافتة، لكنها في الوقت نفسه منطقية من منظور إستراتيجي، بالنظر إلى خبرة هيئة تحرير الشام -التي يقودها الشرع- في قتال تنظيم الدولة”.
ويضيف أن عودة التنظيم للظهور في بعض مناطق سوريا، واعتماد واشنطن طويلا على قوات سوريا الديمقراطية، يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في ترتيبات مكافحة الإرهاب بالشراكة مع الحكومة المركزية في دمشق.
رسائل للداخل السوري
ويرى مراقبون أن الزيارة ستخضع لاهتمام كبير داخل سوريا، لما قد يترتب عليها من انعكاسات سياسية داخلية. وفي حديثه للجزيرة نت، قال الدبلوماسي السابق وخبير الشؤون الخارجية ولفغانغ بوستزتاي إن الزيارة تشير إلى أن أحمد الشرع أصبح مقبولا من قبل الولايات المتحدة كشريك ورجل دولة، بعد سنوات من إدراجه على لوائح الإرهاب عام 2013 ورصد مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
ويضيف بوستزتاي أن ذلك يعكس اقتناع واشنطن بجدية تعهداته بشأن مستقبل سوريا واعتباره حليفا مهما في مواجهة التنظيمات الجهادية.
ويختتم بوستزتاي بالقول إن الزيارة “ستعزز بلا شك موقع الشرع داخليا، كما تبعث برسائل واضحة للأكراد وحلفاء واشنطن الآخرين بأن الولايات المتحدة باتت تنظر إليه بوصفه شريكا أساسيا، وهو ما يعني ضرورة التعامل معه على هذا الأساس. كما تحمل رسالة للسوريين مفادها أن ترامب يرى في رئيسهم ركيزة محورية في معادلات المنطقة”.
المصدر: الجزيرة
————————————–
من الكرملين إلى البيت الأبيض… أين يقف الشرع؟/ مصطفى رستم
ترى أوساط سياسية أن الرئيس السوري يتمتع بمرونة وبراغماتية غير معهودتين لدى رؤساء سبقوه تجاه أميركا
الاثنين 10 نوفمبر 2025
لفتت مرح البقاعي الانتباه إلى معلومات تؤكد مناقشة العلاقة مع إسرائيل، إذ إنه من المتوقع التوصل إلى اتفاقات أمنية نهائية وضعت أخيراً النقاط على الحروف في شأنها، وحل معظم هذه الخلافات عبر التوصل إلى اتفاق أمني يحسم التوغل الحاصل في الجنوب السوري.
إذا كان درج قصر القيصر الروسي بالكرملين بعيداً بما فيه الكفاية لأن يصعده الرئيس السوري أحمد الشرع كمن “يمارس الرياضة”، فإن الطريق إلى البيت الأبيض أمام الوفد السوري بات ممهداً بعد وساطات دولية وعربية فاعلة لأن يصل بيسر وسهولة، زيارة تاريخية حاسمة تفتح عبرها واشنطن ودمشق صفحة جديدة في كتاب العلاقات الثنائية المليء بتوترات وأحداث ساخنة عبر عقود طويلة.
ففي الـ10 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري يترقب السوريون مخرجات لقاء يجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضيف كان قبل عام إحدى أبرز الشخصيات التي تتعقبها الولايات المتحدة في سوريا، حين وضعت وزارة الخزانة الأميركية مكافأة مجزية لمن يُدلِ بمعلومات عنه، واليوم وبعد سقوط الأسد وهربه إلى موسكو فإن الشرع بوصوله إلى واشنطن سيترك صدمة حتى لمعارضيه خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء الدامية بما فيها شرق الفرات.
وترى أوساط سياسية متابعة لما يحدث أنه يعود إلى ما يتمتع به زعيم قصر “قاسيون” من مرونة وبراغماتية غير معهودتين لدى رؤساء سبقوه بالحكم من جهة سياستهم الخارجية حيال العلاقة مع أميركا، بل صدمة لكل التنبؤات حول تحول دمشق إلى قاعدة للسلفيين والجهاديين بعد إحكام السيطرة وتربعه على كرسي الحكم عقب سقوط العاصمة في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 حين جمع الفصائل المسلحة التي تقاتل الأسد على كلمة واحدة ووحدها في عملية “ردع العدوان”.
ويبدو جلياً ازدحام جدول الزيارة الرسمية بملفات سياسية وأمنية عالقة، والمرتقب أن تفضي نحو حلحلة ما لعدد منها، وبحسب ما علمت “اندبندنت عربية” عن تحضيرات تدور منها لقاء سيجمع الرئيس الشرع مع أبناء الجالية السورية غداً الأحد وفق ما أكدته عضو الحزب الجمهوري ورئيسة تحرير منصة البيت الأبيض بالعربية مرح البقاعي، مشيرة إلى أن برنامج الزيارة من نوع بروتوكول زيارة دولة.
وتابعت، “سيكون الرئيس ترمب باستقبال ضيفه السوري على باب البيت الأبيض، ومن ثم ينتقلان إلى المكتب البيضاوي، ويتبعه على الفور مؤتمر صحافي في المكتب ذاته، ويعقبه اجتماع مغلق للوفدين قد يحضره عدد محدود جداً من الصحافيين”، وتضيف السياسية الأميركية السورية، “من المقرر أن يبحث الاجتماع قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب ووضع خريطة طريق لمكافحته من كل الجهات المدربة”.
وتجزم أنه في حال التوصل إلى هذا الاتفاق فهي “طريقة ذكية من أميركا” بحسب وصفها، من شأنها تسريع اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالجيش السوري الجديد فضلاً عن مناقشة قضايا تتعلق بمكافحة المخدرات.
الاتفاق الأمني
ولفتت مرح البقاعي الانتباه إلى معلومات تؤكد مناقشة العلاقة مع إسرائيل، إذ إنه من المتوقع التوصل إلى اتفاقات أمنية نهائية وضعت أخيراً النقاط على الحروف في شأنها، وحل معظم هذه الخلافات عبر التوصل إلى اتفاق أمني يحسم التوغل الحاصل في الجنوب السوري.
وفي الحديث عن مخرجات الاجتماع فإن ما يتعلق بالعقوبات يعد أبرز الملفات المهمة إلى جانب الأمن والاستقرار لأنها مفتاح الانفتاح الاقتصادي لسوريا الجديدة، وفي هذا الشأن تتوقع الصحافية المقربة من البيت الأبيض تأخر صدور قرار رفع العقوبات.
وتعزو ذلك لأسباب لا تتعلق بالرئيس الأميركي بل كونها بيد الكونغرس، مؤكدة في الوقت ذاته وجود إغلاق حكومي سيؤخر اجتماعات المجلس، ومن ثم تأخر اتخاذ قرار إلغاء قانون العقوبات (قيصر) بل يؤخر مجموعة من مشاريع القرارات أيضاً، وفق رأيها.
العودة إلى روسيا
بالأثناء يستعرض مراقبون زيارات الشرع الخارجية، ومن أبرزها إلى السعودية في مايو (أيار) الماضي التي التقى خلالها بالرئيس الأميركي وانتزعت الرياض وعداً من ترمب بإلغاء العقوبات وقوفاً مع الشعب السوري بعد معاناته وطأة الحرب والحصار لأعوام طويلة.
أما الزيارة الخارجية إلى موسكو ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين تصافحت الأيدي المتحاربة في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي شكلا مشهداً صادماً لعموم السوريين وبالذات للفريق المؤيد للشرع ممن عانوا القصف الجوي الروسي منذ عام 2015 حين وصلت القوات الروسية.
وفي كل الأحوال يجد الشرع نفسه مضطراً إلى الوقوف على مسافة واحدة من كل اللاعبين الدوليين حتى مع الروسي الخصم اللدود، فالحفاظ على علاقات مع موسكو يخضع لحسابات دقيقة، ودمشق اليوم تعتمد في تأمين الغذاء والطاقة والدفاع على موسكو.
وثمة فريق من المراقبين يعتقد أن السياسة الخارجية السورية تبدو ناجحة بفضل وجود رغبة عربية وأوروبية للتقارب مع بلد يتوسط قلب العالم يكفيه ما عاشه من عزلة طويلة علاوة على الحاجة إلى الوقوف إلى جانبه، ومن جهة ثانية للتأكد من ألا تتحول سوريا الجديدة إلى أرض للمتطرفين.
في المقابل لم تنفع كل رسائل الطمأنينة التي أرسلها الرئيس الشرع منذ الأيام الأولى لاستلامه مقاليد الحكم عن تحول بلاده إلى السلام وحسن الجوار في طمأنة إسرائيل بل توغلت الأخيرة في ريفي القنيطرة ودرعا واستحوذت على مرتفعات جبل الشيخ الإستراتيجي.
ومع هذا من المرجح أن السياسة السورية أفلحت بالقفز والصعود من وإلى كل المراكب، فبعد قرابة عام على الحكم الجديد باتت واضحة الخطوات المتأنية الأميركية والغربية اتجاه دمشق، وما زيارة الشرع إلى الكرملين وقتها إلا رسالة يقرأها متابعون أنها موجهة خارجياً إلى البيت الأبيض فحواها وجود بدائل داعمة منها روسيا، لا سيما الحديث عن صفقات تسليح، ولعل حضور وفد من وزارة الدفاع في موسكو ليس إلا لتعزيز العلاقات العسكرية، وكل ذلك مقابل الإبقاء على قواعدها في اللاذقية وطرطوس مما يثير ريبة وقلقاً لدى الأوروبيين والأميركيين.
وفي القضايا الأمنية والتسليح بين واشنطن وموسكو يقرأ البروفيسور في القانون الدولي بالجامعة الأميركية في الإمارات، عامر فاخوري الاتجاه السوري نحو الكرملين من أهدافه ترميم جيشه والحصول على قطع غيار كون قوام سلاح الجيش السوري روسياً، ولكن ضمن حدود معينة تتناسب مع الواقع الدولي الراهن ومع حسابات موسكو نفسها، وهو تعاون دفاعي إستراتيجي، لكنه مدروس ومتدرج، يهدف إلى إعادة الجاهزية أكثر من تحقيق التفوق.
ويقول فاخوري في حديث خاص إلى “اندبندنت عربية”، “في تقديري، واشنطن والعواصم الغربية رفضت بصورة غير معلنة تسليح الجيش السوري والسبب في ذلك يرتبط بعدة مستويات متشابكة منها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال أعوام الحرب، لذلك جرى اتخاذ موقف يقوم على الاحتواء لا الدعم بهدف إبقاء النظام تحت الضغط السياسي والاقتصادي”.
من الجانب الأمني يعتقد البروفيسور الفاخوري أن واشنطن تخشى أن يؤدي أي دعم عسكري أو لوجستي إلى تعزيز النفوذ الإيراني داخل الجيش السوري، وبخاصة أن طهران تمتلك حضوراً عسكرياً واستخبارياً واسعاً في الميدان السوري.
وكان الشرع ألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ24 من سبتمبر (أيلول) الماضي، وهي المرة الأولى التي يعتلي بها رئيس سوري هذا المنبر منذ عام 1967، ودعا المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب بلاده في مواجهة الأخطار الإسرائيلية واحترام سيادة ووحدة أراضي بلاده.
الزيارة الرسمية الأولى للبيت الأبيض والثانية إلى الولايات المتحدة سبقها قرار رفع العقوبات عن الشرع ووزير داخلية سوريا أنس الخطاب من قائمة الإرهاب العالمي، حيث يأتي هذا بحسب نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيجوت “لما بذلته الحكومة السورية الجديدة بتحديد مكان الأميركيين المفقودين والوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب والمخدرات والقضاء على أي بقايا للأسلحة الكيماوية” ومع كل ذلك فإن الحلول السياسية والأمنية حاضرة مع صاحب البيت الأبيض الذي يدفع بكل طاقته لنجاح الاتفاقات الإبراهيمية وإحلال السلام بالمنطقة.
———————————
جهود حثيثة من الجالية السورية.. زخم سياسي نحو إلغاء قانون قيصر/ أيهم الشيخ
10 نوفمبر 2025
في ظل التطورات السياسية السريعة التي تشهدها العلاقات الأميركية السورية، يبرز قانون قيصر كأحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
صدر القانون عام 2019 بهدف حماية المدنيين من انتهاكات النظام السابق، إلا أنه أصبح اليوم عقبة رئيسية أمام الاستقرار الاقتصادي والأمني. مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يشهد الكونغرس زخمًا سياسيًا قويًا يدعم إلغاء هذا القانون، مدعومًا بتصريحات رسمية وجهود لوبيات سورية أميركية.
الزخم السياسي في الكونغرس ودور إدارة ترامب
يؤكد الدكتور هشام نشواتي، مؤسس منظمة “سوريا طريق الحرية”، في تصريح خاص لموقع “الترا سوريا” أن هناك زخمًا سياسيًا قويًا في الكونغرس الأميركي يدعم إلغاء قانون قيصر، خاصة مع عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب وتأييد أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ لهذا التوجه. وأوضح نشواتي أن البيت الأبيض ومجلس الشيوخ يمتلكان الدعم الكافي لإقناع المعارضين في مجلس النواب، مشيرًا إلى أن الجو السياسي الحالي مناسب لاستغلال هذا الزخم، خاصة مع زيارة الرئيس السوري المرتقبة إلى واشنطن. وأكد أنه لا حاجة لحملات لوبي كبيرة، بل يكفي إجراء تفاهمات ولقاءات مباشرة مع الرافضين، من خلال حوارات وجلسات تفاوض يقودها مسؤولون أميركيون داعمون من إدارة ترامب ومجلس الشيوخ. وبشأن العوائق المحتملة، مثل الوضع في جنوب سوريا (السويداء) والساحل، أشار نشواتي إلى أن آثار هذه القضايا تتلاشى تدريجيًا من خلال تفاهمات جارية مع أطراف في السويداء، إضافة إلى الاتفاقيات الأمنية بين سوريا وإسرائيل. واعتبر أن المفتاح الرئيسي لنجاح إلغاء القانون يكمن في رضا إدارة ترامب عن أداء الحكومة السورية الشرعية، خاصة في تنفيذ تفاهمات أمنية مع إسرائيل، ما يساهم في تهدئة المناطق الحساسة ويقلل من تأثير المعارضين في الكونغرس. وأضاف أن نجاح هذه التفاهمات سيمكن إدارة ترامب من ممارسة ضغوط مباشرة على أعضاء مجلس النواب المعارضين، مشيرًا إلى أن الرئيس ترامب قد يتدخل شخصيًا عبر اتصالات هاتفية مع مساعديه لإقناعهم. وتوقع نشواتي أن التفاهمات ستُعجّل بالعملية أثناء اللقاءات المباشرة. وختم نشواتي بالتأكيد على أن الكرة في ملعب الحكومة السورية أكثر من المنظمات السورية الأميركية أو اللوبيات، إذ إن استجابتها لرؤية إدارة ترامب هي العامل الأكبر في إلغاء قانون قيصر، بينما جهود المنظمات تبقى محدودة التأثير في هذه المرحلة.
من جانبه، يؤكد خالد الصعيدي، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP)، في حديث لموقع “الترا سوريا” أن دعم الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، يُحدث تحولًا نوعيًا في نقاشات الكونغرس حول مشروع قانون الدفاع الوطني (NDAA)، خاصة مع اقتراب الانتخابات. وأشار الصعيدي إلى أن موقف الرئيس ترامب المعلن برفع العقوبات واستضافة الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، يُوجه الكتلة الجمهورية نحو الاصطفاف خلف الإدارة لضمان وحدة الموقف الحزبي.
وأوضح الصعيدي أن الإدارة تقدم الملف السوري ضمن إطار أمني واستراتيجي، مرتبط باحتمال انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، مما يعزز الاستقرار في الشرق الأوسط وحماية المصالح الأميركية. وأضاف أن ترك سوريا في عزلة مطلقة قد يدفعها نحو روسيا أو الصين، ما يهدد الأمن القومي الأميركي والتوازن الاستراتيجي في المنطقة.
وبالتالي، من المرجح أن يُعامل الكونغرس رفع العقوبات كأداة لإعادة سوريا إلى المسار الأميركي، مما يزيد فرص تمرير بند الإلغاء ضمن مشروع قانون الدفاع الوطني. وفي رده على سؤال حول ما إذا كان هذا الدعم كافيًا لتجاوز معارضة النواب الداعمين لاستمرار “قانون قيصر”، أجاب الصعيدي بالإيجاب إلى حد كبير. وأوضح أن الدعم العلني من ترامب واستعداد البيت الأبيض لإعادة الانخراط مع دمشق يمنح النواب الجمهوريين غطاءً سياسيًا قويًا، خاصة في سنة انتخابية. كما لاحظ أن بعض الديمقراطيين بدأوا يرون في سياسة العقوبات الشاملة فشلًا في تحقيق أهدافها، بل إضعافًا لنفوذ واشنطن داخل سوريا وفتحًا لتوسع موسكو وبكين. وأكد أن رفع العقوبات يُنظر إليه كخيار استراتيجي يعيد الدور الأميركي في صياغة مستقبل سوريا الأمني والاقتصادي، مما يتيح تجاوز المعارضة المحدودة عبر دمج البند في نص المشروع بدعم الحزبين.
الآثار الاقتصادية والإنسانية لإلغاء القانون
تركز الدكتورة عزة عبد الحق، عضو استشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، على الجانب الاقتصادي، مؤكدة في تصريحات خاصة لموقع “الترا سوريا” أن قانون قيصر الذي صدر عام 2019 لحماية المدنيين من النظام السابق، أصبح الآن عقبة أمام إنعاش الاقتصاد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد. وشددت على أن رفعه يمثل خطوة أساسية لإعادة بناء البلاد.
وأوضحت الدكتورة عبد الحق أن العقوبات المرتبطة بقانون قيصر كانت تعيق التعاملات التجارية والاستثمارية مع سوريا، حيث يعاقب القانون أي كيان أجنبي يتعامل مع الحكومة السورية السابقة في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبناء والطيران والمصارف. وأشارت إلى أن هذا أدى إلى تقلص الاقتصاد السوري بنسبة تفوق 60%، وفق تقديرات دولية. وأضافت أن رفع القانون سيجذب استثمارات أجنبية، بما فيها أميركية وأوروبية، مما يؤدي إلى تدفق الأموال ويساعد في إعادة الإعمار وتمكين البنية التحتية، مثل الكهرباء والمستشفيات والطرق والموانئ.
وأكدت أن المستفيد ليس سوريا وحدها، بل دول الجوار مثل الأردن ولبنان وتركيا والسعودية، من خلال إعادة التجارة وخلق فرص عمل جديدة. كما سيسهل إلغاء القانون وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا، ويفتح الباب أمام القروض وصندوق النقد الدولي دون خوف من العقوبات.
وتابعت: “سينشط التجارة والتصدير والاستيراد، وسيرفع الحظر عن استيراد الوقود والآلات والسلع الأساسية مثل الغذاء والدواء، مما يخفض الأسعار ويجعلها متوفرة للجميع”. وأبرزت أن ذلك سيعزز السياحة والنقل، ويشجع عودة اللاجئين، مما يخفف الضغط عن الدول المستضيفة، ويمنع الفقر والتردي المعيشي، ويحد من اللجوء إلى الجريمة والتطرف، ويساعد سوريا على الخروج من العزلة الدولية. وأكدت أن رفع العقوبات ليس كافيًا لوحده، مشددة على الحاجة الماسة إلى إصلاح داخلي يشمل محاربة الفساد، وتحقيق العدالة الانتقالية، واستتباب الأمن، وحماية حرية الرأي، وضمان حقوق الجميع بمختلف الأديان والطوائف، إلى جانب مكافحة الإرهاب ودعم حقوق الإنسان والاستقرار.
دور اللوبي السوري الأميركي والتحديات المتبقية
يستمر الصعيدي في شرح الاستراتيجيات، قائلًا إن اللوبي يعمل بالتعاون مع منظمات سورية وأميركية على جهد مكثف في واشنطن، من خلال تواجد دائم واتصالات مباشرة مع أعضاء الكونغرس للضغط نحو الإلغاء الفوري وغير المشروط. وترتكز الاستراتيجية على ثلاث نقاط رئيسية: أولًا، ربط رفع العقوبات بالأمن القومي الأميركي عبر إبراز دور سوريا في مكافحة “داعش” وتقليص النفوذ الروسي ــ الصيني؛ ثانيًا، الاستفادة من دعم ترامب لتمرير التعديل دون معارضة حزبية كبيرة، مع التأكيد على منع انزلاق سوريا نحو محاور منافسة؛ ثالثًا، توظيف البعد الإنساني والديني من خلال رسائل عائلات الأميركيين المفقودين في سوريا. كما ركز الصعيدي على الجانب الاقتصادي، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات يفتح الباب لاستثمارات أميركية ودولية في إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة ضمن بيئة شفافة، مما يخلق فرصًا مباشرة للمستثمرين الأميركيين ويعيد لواشنطن دورها القيادي بدلًا من تركه لروسيا أو الصين. وأشار إلى إطلاق حملة الأسبوع الماضي مع منظمات سورية، داعية السوريين-الأميركيين إلى إرسال رسائل إلكترونية إلى ممثليهم في الكونغرس، والتي شهدت تفاعلًا واسعًا يعكس وحدة الجالية وإصرارها على التأثير في صنع القرار الأميركي.
أما الدكتورة عبد الحق، فتحذر من أن دعم إدارة ترامب ليس كافيًا لضمان الرفع الدائم أو جذب الاستثمارات الكبرى، مشيرة إلى الحاجة لحملات إعلامية مكثفة ومنظمة. وأوضحت أن قانون قيصر لا يزال ساريًا، وأن الكونغرس وحده يملك صلاحية إلغائه نهائيًا، رغم وجود معارضة من بعض الأعضاء. وذكرت أن مجلس الشيوخ مرر قرار الرفع، لكن الخطوة التالية هي تمريره في مجلس النواب ثم توقيع الرئيس ترامب. وأشارت إلى تحديات تتعلق بضمانات تشمل حماية مصالح حلفاء أمريكا في المنطقة واتفاقات أمنية قيد المناقشة، ومحاربة العناصر المتطرفة، بالإضافة إلى حماية الأقليات. وتوقعت تقدمًا قريبًا خلال زيارة الرئيس السوري الشرعي إلى الولايات المتحدة، ولقائه مع ترامب لضمان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش. وأضافت أن بعض البنوك والشركات لا تزال مترددة في العودة إلى سوريا للاستثمار، حتى لو رفع البيت الأبيض بعض العقوبات، دون إلغاء تشريعي كامل من الكونغرس. كما أن 40% من الرأي العام الأميركي متردد بسبب حملات مضادة أو مخاوف من التطرف وعدم الدراية بالواقع. وأكدت أهمية الحملات الإعلامية للتأثير على الكونغرس عبر الضغط الشعبي، مقترحة حملات مدفوعة أو إعلانية على منصات مثل فيسبوك وإكس، ومن خلال الصحافة والتلفزيونات العربية والأميركية. وأبرزت الدكتورة عبد الحق الدور المحوري للوبي السوري الأميركي في ربط إلغاء قانون قيصر بالازدهار والاقتصاد والسلام. وأوضحت أنه يمارس ضغطًا على الكونغرس والإدارة الأميركية، من خلال إرسال رسائل واضحة، وبناء تحالفات مع منظمات سورية أميركية، وتكثيف اللقاءات مع أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. كما يقدم تقارير مفصلة توثق كيف يمنع القانون الاستثمار الأجنبي، ويفاقم الفقر، ويهدد الأمن الداخلي والدولي، ويعيق إعادة الإعمار. وأشارت إلى نجاح اللوبي في إقناع نواب مثل جو ويلسون وجين شاهين وراند بول، وإفشال محاولات تمديد العقوبات. وأكدت أن رفع القانون يعني فرصة لكل سوري للعيش بسلام، ويمنع عودة الإرهاب، ويحمي الجميع عبر القضاء على الفقر ومكافحة المخدرات، ويدعم حقوق الإنسان وعودة اللاجئين، مما يمهد لعودة سوريا إلى المجتمع الدولي كدولة منتجة ومستقرة.
يظهر الزخم الحالي في الكونغرس، مدعومًا بإدارة ترامب وزيارة الرئيس السوري، فرصة تاريخية لإلغاء قانون قيصر. إلا أن النجاح يعتمد على تنفيذ تفاهمات أمنية، إصلاحات داخلية، وجهود لوبي مستمرة. رفع العقوبات لن يعيد الاستقرار الاقتصادي فحسب، بل سيفتح آفاقًا لسلام دائم في المنطقة.
الترا سوريا
—————————-
الشرع يعقد اليوم مباحثات غير مسبوقة مع ترامب في البيت الأبيض/ عدنان علي و محمد البديوي
10 نوفمبر 2025
يعقد الرئيس السوري أحمد الشرع محادثات غير مسبوقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، اليوم الاثنين، بعد أيام من شطبه من قائمة واشنطن للإرهاب. ويُعتبر الشرع أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض منذ الاستقلال عام 1946.
وقال رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم، في حسابه على “فيسبوك”، إن اللقاء بين الشرع وترامب سيكون في الحادية عشرة صباحاً بتوقيت واشنطن (7 مساءً بتوقيت دمشق) في البيت الأبيض، وسيكون مغلقاً دون حضور الصحافة.
ورأى مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية مايكل حنا، وفق “فرانس برس”، أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض “تحمل رمزية كبيرة للزعيم الجديد للبلاد الذي يأخذ خطوة في تحوله المذهل من زعيم متشدد إلى رجل دولة عالمي”. والتقى الشرع ترامب أول مرة في السعودية أثناء جولة إقليمية كان الرئيس الأميركي يقوم بها في المنطقة في مايو/أيار الماضي.
الشرع يلتقي أحد أبرز معارضي رفع العقوبات
إلى ذلك، التقى الشرع مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب برايان ماست، في ساعة مبكرة بعد منتصف الليل بتوقيت واشنطن في محاولة لتغيير موقف ماست بعدما عبر الأيام الماضية عن مخاوفه بشان رغبة ترامب بإلغاء قانون العقوبات المفروضة على سورية المعروف بـ”قانون قيصر”. وتسعى إدارة ترامب لإلغاء القانون، حيث مرر مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون تشريعا يسمح بإلغائه مع محاولات لإقناع النواب المعارضين في مجلس النواب الأميركي. ويحتاج التشريع الذي يتضن إلغاء “قانون قيصر” حاليا لموافقة مجلس النواب، وبعدها يوقع عليه الرئيس.
وقال رئيس المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار، طارق كتيلة، في منشور على فيسبوك، إن ماست أبدى بعد الاجتماع “حماسة أكبر تجاه رفع العقوبات عن سورية، في تحول يُعدّ خطوة مهمة على طريق إنهاء عقوبات قيصر بشكل نهائي وبناء التفاهم وتعزيز الحوار بين البلدين”.
ولفت كتيلة إلى أن ماست كان من أبرز العقبات المتبقية في الكونغرس أمام رفع قانون قيصر “ما يجعل هذا التطور مؤشّراً إيجابياً، ونقطة تحول كبيرة في مسار رفع عقوبات قيصر عن سورية”.
كما قال الناشط السوري المقيم في الولايات المتحدة، عبد الحفيظ شرف، في منشور عبر فيسبوك”، إن الاجتماع المطول “أدى إلى تغير مزاج براين ماست، وتخفيف موقفه بشكل كبير، وتحوله إلى شبه مؤيد لإلغاء قانون قيصر”، مشيراً إلى أن ماست أثنى على كلام الشرع وشدد على أهميته. وقال ماست بعد الاجتماع: “حان وقت إحلال السلام وإعطاء سورية فرصة حقيقية”.
وأدى “قانون قيصر” بعد سنه في العام 2019 لعرقلة أي تمويل دولي لسورية. ورغم وجود معارضة من بعض المشرعين في الحزبين على إلغائه، إلا أن مجموعة أكبر من المشرعين في مجلسي النواب والشيوخ بمن فيهم من وضعوا القانون، يرون أنه حقق غرضه، وأنه الآن يعيق جهود الحكومة الجديدة لإعمار سورية التي تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر. وقالت السيناتورة الديمقراطية جين شاهين وهي ترعى جهود الإلغاء في تصريحات لصحيفة “ذا هيل” إنه “يجب إلغاء عقوبات قيصر لتكون هناك فرصة حقيقية للشعب السوري للتعافي بعد عقود من الديكتاتورية”.
ويمكن للرئيس الأميركي التنازل بموجب سلطته عن عقوبات قانون قيصر لمدة لا تتجاوز 6 أشهر في كل مرة، ولذا تبرز الحاجة إلى الإلغاء في ظل رغبة أميركية في السماح لشركات أميركية وحلفائها بالاستثمار في سورية.
كما اجتمع الشرع مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا لبحث إمكانية مساعدة سورية بعد سنوات من الحرب، ومع ممثلين عن منظمات سورية. وأعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك في وقت سابق من هذا الشهر أن الشرع قد يوقّع اتفاقاً اليوم الاثنين للانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الذي تقوده واشنطن. وأفاد مصدر دبلوماسي في سورية “فرانس برس” بأن الولايات المتحدة تعتزم في الوقت نفسه إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من دمشق “لتنسيق المساعدات الإنسانية ومراقبة التطورات بين سورية وإسرائيل”.
ورفعت الولايات المتحدة، يوم الجمعة، العقوبات عن الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، بعد يوم من اتخاذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الخطوة ذاتها. وذكر موقع وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، أن الولايات المتحدة رفعت اسم الشرع وخطاب من قائمة العقوبات، كما رفعتهما الوزارة من تصنيف “الإرهابيين العالميين المحددين بشكل خاص”. وكان قرار وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، شطب الشرع من القائمة السوداء متوقعاً. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت إن حكومة الشرع تعاونت مع الولايات المتحدة في العثور على أي أميركيين مفقودين، والتخلّص من أي أسلحة كيميائية ما زالت في سورية، وأكد أن “هذه التدابير يتم اتخاذها في معرض الإقرار بالتقدم الذي تظهره القيادة السورية بعد رحيل بشار الأسد وأكثر من خمسين عاماً من القمع في ظل نظام عائلة الأسد”.
وتأتي زيارة الشرع إلى واشنطن بعدما زار مقر الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول، ليكون أول رئيس سوري منذ عقود يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقادت واشنطن الأسبوع الماضي تصويتاً لمجلس الأمن رفع العقوبات الأممية المفروضة عليه. وكان ترامب قد وقّع في مطلع يوليو/تموز الماضي أمراً تنفيذياً ينهي برنامج العقوبات الأميركية على سورية التي فُرضت على مراحل بدءاً في عام 1979، وتعززت وتعمقت أكثر خلال سنوات الثورة للضغط على نظام الأسد. وأخذت هذه العقوبات أبعاداً أوسع مع صدور قوانين فرضت عقوبات أكثر شدة على نظام الأسد والمتعاونين معه، أولها “قانون قيصر” الذي دخل حيّز التنفيذ في عام 2020، ونصّ على فرض عقوبات على الأسد وأركان حكمه، وعلى أي جهة تقدم الدعم أو تتعامل معه.
—————————————
من زعيم لهيئة تحرير الشام إلى زيارة ترامب: التحول الجذري للرئيس السوري أحمد الشرع
بي. بي. سي.
يخطو الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، على المسرح الدولي ببدلة أنيقة وشعر مصفف للخلف، ويبدو أن هذا التحوّل العلني للرئيس السوري الجديد، يمر بمرحلة حاسمة.
فبعد أن خلع زيّه القتالي وحمل اسماً جديداً، أضحى الآن يصافح بعضا من أقوى قادة العالم.
وصل الرئيس السوري إلى واشنطن في زيارة رسمية، بعد يومين فقط من إلغاء الولايات المتحدة، وبشكل رسمي، تصنيفه الخاص كإرهابي عالمي.
ومن القرر أن يلتقي الشرع بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في البيت الأبيض، بعد 11 شهرا من إطاحة هيئة تحرير الشام ببشار الأسد.
فما الذي دفع هذا التحوّل الجذري لرجل كان يوماً ما هدفاً لمكافأة أمريكية قدرها 10 ملايين دولار؟
الشرع أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض منذ 80 عاماً، وبعد رفع اسمه من قوائم الإرهاب
سوريا والولايات المتحدة: ما النتائج المُنتظرة من لقاء الشرع وترامب؟
منذ توليه السلطة قبل عام، سعى الشرع إلى إعادة ترسيخ حضور سوريا على الساحة العالمية بعد عقود من العزلة في ظل نظام الأسد و13 عاما من الحرب الأهلية.
سافر إلى الولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال إن سوريا “تستعيد مكانتها اللائقة بين دول العالم” ودعا المجتمع الدولي إلى رفع العقوبات.
ومع ذلك، فقد صقل الشرع تحوله بعناية على مدى عقد من الزمان، وهو ما يتضح ليس فقط في تصريحاته العلنية ومقابلاته مع وسائل الإعلام الدولية، ولكن أيضا في مظهره المتطور.
إنه رجل يبدو أنه يتمتع بفهم عميق لقوة الرمزية.
فبعد أن كان يرتدي الزي العسكري الجهادي التقليدي، تبنى في السنوات الماضية أسلوباً غربياً. وخلال الهجوم على نظام الأسد العام الماضي، ارتدى الزي العسكري، رمزا لدوره كقائد لغرفة العمليات.
وهذا يُعد بعيد كل البعد عن الفترة التي كان فيها الشرع يُعرف باسم أبو محمد الجولاني، وهو اللقب الذي استخدمه زعيما لهيئة تحرير الشام في سوريا. الجماعة التي كانت تابعة لتنظيم القاعدة حتى عام 2016، عندما قطع الشرع علاقتها بالتنظيم.
وفي عهد الشرع، أصبحت هيئة تحرير الشام القوة المهيمنة في إدلب، أكبر معقل للمعارضة في شمال غرب سوريا، والتي يقطنها حوالي أربعة ملايين شخص، نزح الكثير منهم من محافظات سورية أخرى.
وللتعامل مع المخاوف بشأن سيطرة جماعة مسلحة على المنطقة، أنشأت هيئة تحرير الشام جبهة مدنية، تُسمى حكومة الإنقاذ السورية، عام 2017، كذراع سياسي وإداري لها.
وعملت حكومة الإنقاذ السورية كدولة، مكونة من رئيس وزراء ووزارات وإدارات محلية تُشرف على قطاعات مثل التعليم والصحة وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على مجلس ديني يُرشدها بتعاليم الشريعة الإسلامية.
ولتحسين صورته، انخرط الشرع بنشاط مع عامة الناس، وزار مخيمات النازحين، وحضر الفعاليات، وأشرف على جهود الإغاثة، لا سيما خلال أزمات مثل زلازل عام 2023.
وسلطت هيئة تحرير الشام الضوء على إنجازاتها في مجالي الحوكمة والبنية التحتية لإضفاء الشرعية على حكمها وإثبات قدرتها على توفير الاستقرار والخدمات.
وقد أشادت سابقا بطالبان، عند عودتها إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، معتبرة إياها مصدر إلهام ونموذجا يُحتذى به في الموازنة الفعالة بين الجهود الجهادية والطموحات السياسية، بما في ذلك تقديم تنازلات تكتيكية لتحقيق أهدافها.
وقد عكست جهود الشرع في إدلب استراتيجيته الأوسع نطاقا لإظهار قدرة هيئة تحرير الشام ليس فقط على الجهاد، بل أيضا على الحكم بفعالية.
ومن خلال إعطاء الأولوية للاستقرار والخدمات العامة وإعادة الإعمار، سعى إلى عرض إدلب كنموذج للنجاح في ظل حكم هيئة تحرير الشام، مما عزز شرعية جماعته وطموحاته السياسية.
واستجابة لهذه الإصلاحات، رفعت الولايات المتحدة عقوباتها على هيئة تحرير الشام في وقت سابق من هذا العام.
لكن تحت قيادته، اتُهمت هيئة تحرير الشام بسحق وتهميش الفصائل المسلحة الأخرى، سواء الجهادية أو المسلحة، في سعيها لتعزيز نفوذها والهيمنة على المشهد.
وبادرت هيئة تحرير الشام بعدة إصلاحات في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالأسد. إذ قامت بحل أو إعادة صياغة هوية قوة أمنية مثيرة للجدل متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، وأنشأت ديوانا للمظالم يسمح للمواطنين بتقديم شكاوى ضدها.
وقال منتقدوها إن هذه الإجراءات مجرد استعراض لاحتواء المعارضة.
ويُعد لقاء الشرع بترامب أحدث دعم له في إعادة صياغة هويته الدبلوماسية. إذ سبق أن التقى بالرئيس الأمريكي في مايو/ أيار خلال زيارة للعاصمة السعودية الرياض، ووصفه ترامب آنذاك بأنه “رجل قوي، ذو ماض قوي”.
وفي سبتمبر/ أيلول، سافر إلى الولايات المتحدة لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال إن سوريا “تستعيد مكانتها اللائقة بين دول العالم” ودعا المجتمع الدولي إلى رفع العقوبات.
وردا على ذلك، أيّد مجلس الأمن الدولي قراراً أمريكيا برفع العقوبات، تزامناً مع استمرار واشنطن في عملية استمرت شهوراً لتخفيف العقوبات تدريجيا على سوريا وقادتها الجدد.
وعلى الرغم من خلفيته، حظي الشرع بدعم من الحكومات المعارضة لنظام الأسد بتعهده بقيادة حكومة معتدلة قادرة على كسب تأييد مختلف الجماعات والفصائل العرقية السورية.
وفي مقابلة مع صحيفة الإيكونوميست في مايو/ أيار، قال الشرع “لا يمكننا بناء مستقبل على الانتقام. يجب أن تكون سوريا وطناً لجميع أبنائها، وليس فقط للمنتصرين”.
وعلى أرض الواقع، وقبل ساعات من وصوله إلى العاصمة الأمريكية، أُعلن أن أجهزة الأمن السورية اعتقلت عشرات المشتبه بانتمائهم لما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.
وفي وقت سابق من هذا العام، تعهد أيضا باستئصال عناصر من قواته الأمنية اتُهمت بإعدام أفراد من الأقلية العلوية في سوريا.
ومع ذلك، فقد واجه هذا التعهد اختباراً صعبا.
إذ اندلعت مؤخرا أعمال عنف دامية بين مقاتلي قبائل البدو السنية وميليشيات الدرزية، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة التي تقودها هيئة تحرير الشام قادرة على إعادة الاستقرار إلى بلدها الذي عصفت به الحرب لأكثر من عقد من الزمان، على الرغم مما يحدث على الساحة الدولية والصورة التي يروج لها الرئيس السوري.
بي بي سي
—————————
تحفظات في مجلس النواب الأميركي على إلغاء “قانون قيصر” دون ضمانات
مجلس النواب الأميركي يناقش مسودة قرار لإلغاء “قانون قيصر”
2025-11-10
كشفت مصادر اليوم الاثنين، أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي براين ماست، أبدى تحفظات على رفع العقوبات عن سوريا دون شروط.
وقالت المصادر، إن ماست طالب بوجود ضمانات واضحة قبل إلغاء مجلس النواب الأميركي لـ”قانون قيصر” المفروض على سوريا.
وذكرت، أن الضمانات التي طلبها ماست نؤكد على أهمية عدم تعرض الأقليات الدينية والعرقية في سوريا لانتهاكات، وفق ما نقلته صحيفة “ذا ناشيونال“.
وأشارت المصادر إلى أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، طالب بأن تنص الضمانات على إمكانية إعادة فرض العقوبات في حال الإخلال بها من قبل الحكومة السورية الانتقالية.
ولفتت صحيفة “ذا ناشيونال”، أن مجلس النواب الأميركي يناقش حالياً مسودة مشروع قرار لإلغاء “قانون قيصر”.
ووفقاً لما ذكرته المصادر فإن الهجمات التي شنّتها قوات الحكومة الانتقالية في شهري آذار/ مارس وتموز/ يوليو الماضيين على مناطق ذات غالبية علوية ودرزية، ساهمت في زيادة شكوك ماست بشأن تقديم دعم مطلق لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه سوريا.
من جانبهم، يجادل اللوبي السوري في واشنطن بأن اشتراطات الكونغرس على رفع العقوبات ستؤدي إلى إرباك المستثمرين الراغبين في دخول السوق السورية، إذ إن احتمال إعادة فرض العقوبات في أي وقت سيخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي ويعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية، بحسب ما ذكرته صحيفة “ذا ناشيونال”.
وفي وقت سابق اليوم الاثنين، بحث الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، إلغاء “قانون قيصر”.
واجتمع الشرع مع ماست في واشنطن برعاية من الجالية السورية في الولايات المتحدة، وبحث معه تغيير موقفه بشأن رفع “قانون قيصر”، بحسب ما نشر عضو المجلس السوري الأميركي عبد الحفيظ شرف على حسابه في “فيسبوك“.
ويعتبر ماست من أبرز المعارضين للتقارب مع الحكومة السورية الانتقالية، ورفع العقوبات المفروضة على سوريا، ومعروف بعلاقته الجيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
وقال الشرع خلال اللقاء الذي حضره نواب في الكونغرس الأميركي، إن “سوريا تريد السلام لأهلها والمنطقة ومحاربة التطرف وإعادة بناء نفسها عن طريق الاقتصاد، الذي هو سبيل الاستقرار”، بحسب شرف.
وأضاف، أن “سوريا تريد للشركات الأميركية أن تكون في سوريا وتستثمر فيها”، معتبراً أن “الاستقرار يؤدي إلى إنهاء التطرف”.
ومن جانبه، ذكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي براين ماست بعد الاجتماع، أنه “حان وقت إحلال السلام وإعطاء سوريا فرصة حقيقية”
————————————-
التقاه الشرع في واشنطن.. من هو عضو مجلس النواب الأميركي براين ماست؟
2025.11.10
عقد الرئيس السوري أحمد الشرع، في وقت متأخر من ليلة الأحد، اجتماعاً مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، النائب براين ماست، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، في لقاء وُصف بأنه من أكثر الاجتماعات حساسية وتأثيراً في مسار العلاقات السورية – الأميركية خلال المرحلة المقبلة.
نسق هذا اللقاء الاقتصادي السوري طارق نعمو وعقيلته جاسمن نعمو، حيث جرى في أجواء وُصفت بالإيجابية واستمرت حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأكد الرئيس الشرع خلال الاجتماع على رغبة سوريا في تحقيق السلام لشعبها وللمنطقة، مشدداً على التزام بلاده بمحاربة التطرف وإعادة بناء الاقتصاد الوطني بما يعزز الاستقرار الداخلي والإقليمي.
من هو براين ماست؟
براين ماست هو عضو في مجلس النواب الأميركي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية، ويُعرف بمواقفه الحازمة في السياسة الخارجية، خاصة تجاه الشرق الأوسط.
له خلفية عسكرية حيث خدم في الجيش الأميركي، وبعد تقاعده، تطوع للخدمة في الجيش الإسرائيلي دعماً لإسرائيل.
سياسته تجاه سوريا
براين ماست يتبنى سياسة شاملة تجاه سوريا تتجاوز مجرد هزيمة تنظيم داعش لتشمل تفكيك النفوذ الإيراني والروسي في البلاد. يرى أن السياسة الأميركية يجب أن تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
هزيمة دائمة لتنظيم داعش والقوات الإرهابية الأخرى في سوريا.
التوصل إلى حل سياسي بالتعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يقود إلى حكومة تختلف عن حكومة النظام المخلوع.
إزالة كافة القوات التي تقودها إيران من سوريا، باعتبار أن وجودها لا يلعب دوراً إيجابياً في البلاد.
وكان ماست قد قدّم قرارًا في الكونغرس يدين نظام الأسد وداعميه، بمن فيهم روسيا وإيران، بسبب دعمهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وطالب القرار حينها بالعمل على انتقال سياسي مستدام في سوريا، ووضع استراتيجية لمنع التواجد الإيراني الدائم، مشيراً إلى أن روسيا ليست شريكاً يمكن الاعتماد عليه في هذا المجال.
الموقف من الأكراد ووحدة الأراضي السورية
يدعم ماست إنشاء كيان كردي مستقل داخل الأراضي السورية، معتبراً ذلك تقديراً للدور الكبير الذي لعبه الأكراد في محاربة تنظيم داعش، وهو موقف يتعارض مع الرؤية التي تؤكد على وحدة الأراضي السورية.
العقوبات في مرحلة ما بعد سقوط الأسد
دعا ماست إلى استمرار استخدام أدوات الضغط، بعد سقوط الأسد، مع وضع شروط واضحة لضمان الالتزام الأيديولوجي والأمني.
وأصر على ضرورة الإبقاء على قانون قيصر، مشرفاً على مراجعة مشروع قانون “مساءلة العقوبات السورية لعام 2025”.
وقال ماست، الذي يرتدي في كثير من الأحيان زيا عسكريا إسرائيليا في الكونغرس، لصحيفة ذا هيل يوم الخميس إن معارضته لإلغاء قانون قيصر “يجب أن تكون واضحة لأي شخص يتابع الوضع في سوريا”.
وقال مسؤولان أميركيان مطلعان على الأمر إن ماست وجراهام يستجيبان لضغوط يمارسها مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رون ديرمر، من أجل إبقاء العقوبات على سوريا.
وقال مصطفى لموقع “ميدل إيست آي”: “لقد كانت إدارة ترامب، على أعلى المستويات، تضغط بشكل نشط على الكونجرس لإلغاء قانون قيصر، لكن المشرعين المتشددين المؤيدين لإسرائيل يعارضون ذلك”.
——————————
==================
تحديث 09 تشرين الثاني 2025
——————————-
الشرع في واشنطن… ماذا يعني الانضمام الى التحالف ضد “داعش”؟/ صبحي فرنجية
أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال
آخر تحديث 07 نوفمبر 2025
وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى الولايات المتحدة الأميركية في زيارة ثانية خلال أقل من شهرين، وهذه المرّة إلى العاصمة واشنطن، في أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، في تاريخ سوريا منذ استقلالها. المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك مهّد أجندة الزيارة، بأن أحد أهدافها هو انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمواجهة “داعش”، وعدّ أن هذه الخطوة تمثل “تحولا تاريخيا وعلامة فارقة في العلاقات مع واشنطن”. ولتحقيق هذه الخطوة، سعت واشنطن لتذليل العقبات القانونية والسياسية، بما فيها إزالة الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الداخلية عن قوائم الإرهاب، حلحلة العقد بين دمشق و”قسد”، ودراسة خيارات الوجود العسكري لواشنطن في سوريا من الناحية الجغرافية واللوجستية، إضافة إلى ملفات التدريب والتمكين العسكري للحكومة السورية، لدعمها في طريق شراكتها مع التحالف الدولي.
أهداف كثيرة تسعى واشنطن لتحقيقها من خلال ضمّ سوريا إلى التحالف الدولي، يقابلها مكاسب للحكومة السورية من هذا الانضمام، فهي خطوة ذات مكاسب مشتركة للطرفين، على المستوى السياسي والعسكري، لجهة تخفيف التوترات في المنطقة وإنهاء ملف تنظيم “داعش”، وضمان عدم عودة سوريا إلى سابق تحالفاتها مع المعسكر الشرقي، ومنع إيران من التجدد في طرائق تدخلها في المنطقة، وتهديد مصالح واشنطن وحلفائها.
لماذا تريد واشنطن دخول سوريا في التحالف الدولي؟
وضعت واشنطن ثقلا سياسيا كبيرا، لتحقيق أهداف تسبق زيارة الرئيس السوري إلى البيت الأبيض، أبرزها تضييق الفجوات أمام تصويت مجلس الأمن، لصالح قرار شطب الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب، فواشنطن لا تريد أن يدخل الشرع إلى البيت الأبيض، وهو ما زال على قوائم الإرهاب من جهة، ولا تريد لسوريا أن تدخل رسميا التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، ورئيسها مصنف على قائمة الإرهاب مع وزير الداخلية. هذا الهدف تحقق يوم الخميس 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بموافقة أعضاء مجلس الأمن، وامتناع الصين عن التصويت، بعد مداولات لمشروع القرار، والذي طلبت بكين تعديلات عليه لتقبل بالامتناع عن التصويت لصالحه.
الهدف الثاني هو مسح ميداني، لبعض النقاط العسكرية ضمن مناطق الحكومة، والتي من المتوقع أن تتخذها واشنطن والتحالف الدولي، نقاط ارتكاز وانطلاق لعملياتها داخل سوريا ضد تنظيم “داعش”، ولتقديم الدعم اللوجستي سواء للقوات السورية أو القوات الدولية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، كما أن هذا الوجود تراه واشنطن عاملا فاعلا في تخفيف المخاوف الإسرائيلية التي تعيق التقدم في المفاوضات مع دمشق، ولمنع تأثير أي وجود عسكري في المنطقة على مصالح واشنطن وحلفائها في الغرب، وهنا الحديث عن الوجود الروسي.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود قاعدة لواشنطن، يهدف إلى تضييق الفجوة الموجودة داخل الإدارة الأميركية نفسها، فوزارة الدفاع الأميركية أبدت مخاوف حيال إيجابية الخارجية الأميركية تجاه الحكومة السورية الجديدة، ولذلك فإن وجود قاعدة للتحالف في مناطق الحكومة السورية، لتنسيق العمليات يخفف من القلق الموجود، لدى وزارة الدفاع، وبعض أعضاء التحالف الدولي. وبحسب معلومات “المجلة” فإن وفدا من التحالف الدولي، زار أكثر من منطقة عسكرية خلال الفترة الماضية، منها مطار الضمير العسكري، ومطار السين العسكري، وبعض القواعد العسكرية القريبة منه. الجغرافيا التي توجد فيها تلك المطارات استراتيجية لعدّة نواحٍ، فهي مفتوحة على البادية السورية، التي ينشط فيها “داعش” بكثرة، وتقع على الطريق الدولي الذي يصل بقاعدة التنف، وقريبة من الجنوب السوري، والحدود مع لبنان. وتتوقع مصادر “المجلة” أن يحظى مطار السين باهتمام أكثر من مطار الضمير، خصوصا أن وفد التحالف زاره للمرة الثانية مطلع الشهر الجاري، وأجرى فحوصات دقيقة للموقع وللجغرافيا المحيطة به، وهو ما قد يُشير إلى أن التحالف، يريد وجود نقاط ارتكاز مهمتها المراقبة، قريبة من المطار الذي سيكون القاعدة الرئيسة لعمليات التحالف. على الرغم من أن قرار وجود قاعدة للتحالف، ما زال قيد النقاش، إلا أن عدّة مصادر غربية رجحت خلال حديثها مع “الـمجلة” التقدم سريعا في هذا الملف، خلال الفترة القادمة، والخطوات الفعلية مرتبطة بالتوقيع الرسمي من قبل سوريا، لدخول التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”.
واشنطن منذ البداية وضعت شروطا لدعم سوريا، أبرزها دخول سوريا إلى التحالف الدولي، إضافة إلى خطوات أخرى على سبيل ملف المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش السوري، ومنع إيران من تحقيق خرق جديد في الجغرافيا السورية، ومكافحة تجارة الكبتاغون، والتفاوض مع إسرائيل، والحدّ من التأثير الروسي في سوريا.
دخول سوريا إلى التحالف الدولي، يُعطي واشنطن والغرب الكثير من المكاسب السياسية والعسكرية، فالحكومة السورية رسميا ستكون شريكا في مكافحة الإرهاب، ولتحقيق ذلك ينبغي لها اتخاذ خطوات داخلية من ناحية إنهاء ملفات المقاتلين الأجانب المتشددين، وإعادة هيكلة الجيش والقوات المتخصصة بملف الإرهاب، ومشاركة المعلومات مع التحالف الدولي، والسماح لقوات التحالف الدولي بتنفيذ عمليات بالتنسيق مع الحكومة السورية. كما أن دخول سوريا إلى التحالف الدولي، يعني بطبيعة الحال وجود عمليات تدريب وتنسيق بين الجيش السوري- في مرحلة لاحقة كون التنسيق حاليا مع وزارة الداخلية- وقوات التحالف الدولي، وعمليات تنسيق بين الحكومة السورية والعراقية في الملف نفسه، وهو ما قد يفتح أبواب التعاون بين الحكومتين في مواجهة الميليشيات التابعة لإيران، المنتشرة على الحدود السورية العراقية. يُضاف إلى ذلك ما سيضفيه هذا الدخول من شرعية لوجود قوات التحالف الدولي في سوريا عسكريا، وهو ما سيمنح واشنطن وحلفاءها ثقلا سياسيا وعسكريا شرعيا في المنطقة يمنع على المدى الطويل، تيارات التطرف من العودة إلى المنطقة، ويُخرج سوريا من عباءة المعسكر الشرقي التقليدي.
الحكومة السورية تحسم أمرها
أجرت الحكومة السورية، وبالأخص وزارتي الدفاع والداخلية، اجتماعات عدّة خلال الشهرين الماضيين، لبحث ملف دخول سوريا في التحالف الدولي، ومكاسبه والعقبات التي يمكن أن تظهر في الطريق لتحقيق ذلك بالطريقة المثلى. مكاسب الدخول كثيرة، منها شرعية الحكومة، وشراكتها مع التحالف، وتأثير ذلك على المفاوضات مع “قوات سوريا الديمقراطية” التي تستمد قوتها من كونها الشريك الوحيد في سوريا للتحالف الدولي. ومن المكاسب التي ستجنيها وزارة الدفاع هي الحصول على معلومات التحالف الدولي حيال الشخصيات التي تعمل مع “داعش” أو عملت معه، وذلك يُضفي قوّة داخلية للوزارة في إجراء التدقيق الأمني على الأشخاص الراغبين في الدخول إلى وزارة الدفاع، وهذا ينطبق على وزارة الداخلية أيضا. ومكاسب عسكرية على سبيل عمليات التدريب والتسليح، التي سيقدمها التحالف الدولي للقوات السورية كشريك في محاربة الإرهاب.
العقبات موجودة أيضا، فعلى الرغم من أن الشخصيات الأبرز في الوزارتين، يوافقون خطوة دخول سوريا في التحالف الدولي رسميا، إلا أن هناك أطرافا أقل تأثيرا تعارض هذه الخطوة، ومنها مقاتلون أجانب يرون أن هذه الخطوة تعني فعليا نهايتهم، ولعلّ ما حصل في مخيم الفرنسيين قبل فترة، مؤشر على وجود تلك التيارات المعارضة، ولذلك فإن الحكومة السورية تأخذ في الحسبان وجود هذه التيارات، وعلى الرغم من أنها تراها أضعف من أن تواجه الدولة السورية، فإنها ترى وجود خطة لاحتوائهم أمرا لازما، في ظل مخاوف استغلال “داعش” لهؤلاء العناصر وتجنيدهم لصالحه. كما أن ملف “قسد” من العقبات التي تدرسها الحكومة السورية، فعناصر “قسد” مدربون من قبل واشنطن لمحاربة الإرهاب، وواشنطن لن تقبل بتحييدهم، وإلغاء دورهم في الفترة القادمة على حساب التنسيق مع حكومة دمشق، لذلك لا بد من وجود صيغة لدمج هذه القوات ضمن الجيش السوري وقوات مكافحة الإرهاب التابعة للداخلية.
معلومات “المجلة” تقول إن المرحلة القادمة قد تشهد عمليات كسر جليد، وتنسيق مشترك بين الحكومة السورية و”قسد” والتحالف في العمليات العسكرية، بالتزامن مع المفاوضات لإدخال القوى الرئيسة في “قسد” والمسؤولة عن محاربة “داعش” ضمن وزارتي الداخلية والدفاع، إلى حين الانتهاء من عمليات التفاوض بين الطرفين (“قسد” والحكومة) على تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار الماضي بين الرئيس الشرع، وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
إضافة إلى اللقاءات المزدوجة بين الوزارتين، عقدت كل وزارة لقاءات داخلية بين كوادرها الرئيسين لبحث الخطوات التمهيدية اللازمة داخليا، قبل وصول الرئيس السوري إلى واشنطن، والتوقيع على دخول سوريا رسميا إلى التحالف، وكان من تلك الخطوات في الفترة الماضية أن دروس التوجيه العسكري في وزارة الدفاع، تضمنت الحديث عن أهمية مكافحة الإرهاب، والتعاون مع التحالف الدولي، وأن هذه الخطوة لا تعني أن التحالف سيتدخل في الشأن السوري، وإنما يعني أن سوريا باتت شريكا رئيسا مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب. كما أن وزارة الداخلية اعتمدت تكثيف عمليات التدريب، لقوات إدارة مكافحة الإرهاب ضمن صفوفها، واختبرت جاهزيتها مع التحالف الدولي، من خلال العمليات المشتركة التي تمت في الفترة الماضية.
قسد” تدرس خياراتها
دخول الحكومة السورية في التحالف الدولي ألقى ظلاله على اللقاءات الداخلية لـ”قسد”، فهي تعلم أن هذه الخطوة تعني بطبيعة الحال، بداية فقدانها لكثير من الزخم الدولي، والدعم المقدم لها كشريك رئيس في الحرب على “داعش”، وبحسب المعلومات فإن “قسد” عقدت عدّة لقاءات حيال هذا الموضوع ومخاطره عليها وعلى الدعم، الذي يمكن أن تخسره لصالح حكومة دمشق، على مستوى الغطاء السياسي، والدعم اللوجستي والحماية العسكرية، وملف السجون.
ارتأت “قسد” أن الخطوة الأولى يمكن أن تكون في دفع عملية التفاوض مع دمشق، ووضع الكرة في ملعب الحكومة السورية، لذلك اقترحت “قسد” أسماء قادة في صفوفها، ليتم تسليمهم مناصب في الجيش السوري، وقوات مكافحة الإرهاب، كما اقترحت خطة مرحلية، لدمج فرق من “قسد” في وزارة الدفاع مع الحفاظ على خصوصيتها الجغرافية، هذه المقترحات التي قدمتها “قسد” لم تُجب الحكومة السورية عنها بعد، لأن الأخيرة ترى في الصيغة المقدمة من “قسد” تنازلا عن كثير من القواعد التي وضعتها الحكومة، في عملية التفاوض مع “قسد”، التي تطالب بوجود نوع من الاستقلالية للقوات التي تنتمي لها، وأن تكون واشنطن هي الوسيط في عمليات التنسيق، وهما أمران يتناقضان مع مفهوم مركزية الجيش والدولة، التي تسعى إليه دمشق.
الجانب الأميركي يمارس ضغوطا على “قسد” لإتمام التوافق مع دمشق، وكان قد أبلغ “قسد” أكثر من مرّة خلال الأسابيع الماضية، أن واشنطن تريد تحقيق أكبر كمّ من الاستقرار في سوريا، وذلك تمهيدا لأي تحرك أميركي إسرائيلي ضد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والحدود مع العراق. استمرار التوتر، وحالة عدم الاستقرار في سوريا، يسببان قلقا متزايدا في واشنطن، من انفجار الوضع في سوريا مجددا، ما يسمح لإيران بتجديد اختراقها في المنطقة، ولذلك فإن الإدارة الأميركية مستعجلة في توقيع سوريا على دخول التحالف الدولي، وتسريع عمليات التفاوض بين “قسد” ودمشق، ودعم الحكومة السورية سياسيا واقتصاديا.
التحالف الدولي… 11 عاما من الحرب على “داعش”
في العاشر من سبتمبر/أيلول عام 2014، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل التحالف الدولي، ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وحينها كان برنامج التدريب في سوريا لم يستقر بعد، حيث كانت واشنطن تدير عمليات تفاوض مع الجيش السوري الحر (المعارض) حينها، إلا أن الأخير رفض أن يكون دخوله في البرنامج، هو حصر مهامه في مواجهة “داعش” فقط، دون وجود عمليات ضد النظام السوري، بقيادة بشار الأسد. وفي النهاية اعتمدت واشنطن دعم قوّة أطلق عليها اسم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تقود دفّة قرارها مكونات كردية مثل وحدات حماية المرأة، ووحدات حماية الشعب. في حين استمر الجيش السوري الحر بحربه ضد “داعش” والنظام السوري بتنسيق محدود مع واشنطن، التي كانت تدعم بعض قواه وفصائله.
ويضمّ التحالف الدولي 89 شريكا، أبرزهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وأستراليا، وتركيا، وإيطاليا، وبولندا، ودول خليجية مثل السعودية والإمارات وقطر والأردن والعراق، إضافة إلى الجامعة العربية، والإنتربول، و”الناتو” وكيانات أخرى. وفي عام 2017 أعلن التحالف الدولي، تحرير الرقة معقل “داعش” في سوريا، تلته خسارات دراماتيكية للتنظيم على يد التحالف وعمليات عسكرية قادتها تركيا شمال سوريا مثل عملية درع الفرات. وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2019 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب- خلال رئاسته في ولايته الأولى- مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، بعملية شمال غربي سوريا، في مناطق “هيئة تحرير الشام”، بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع).
ومنذ ذلك الحين، تركزت عمليات التحالف على القضاء على بقايا “داعش” في سوريا، وضمان عدم تمكنه من استعادة قوّته ونفوذه في المنطقة، واعتمد التحالف الدولي و”قسد” على عدّة سجون لاحتجاز قادة وعناصر تنظيم “داعش” الأجانب والعرب والسوريين، أبرز هذه السجون هو سجن الصناعة في الحسكة، وسجن الرقة المركزي، وتمّ وضع عائلات عناصر “داعش” الأجانب، والمدنيين الفارين من المعارك في مخيم الهول، ولاحقا مخيم روج في سوريا. ويبقى ملف السجون من الملفات الشائكة قانونيا وأمنيا، في ظل وجود آلاف المقاتلين، الذين كانوا في صف “داعش”، وتم اعتقالهم خلال عمليات المواجهة أو العمليات الأمنية اللاحقة، واشنطن تحاول الضغط على الدول لاستعادة مواطنيها من السجون، في حين أن هناك خيارا آخر تراه بعض الدول ناجعا، وهو في حال دخول سوريا إلى التحالف الدولي، فإن ذلك سيعني إمكانية محاكمة المساجين على اختلاف جنسياتهم في سوريا، ووفق القانون السوري، على اعتبار أن الجرائم التي ارتكبوها كانت على الأرض السورية. الحكومة السورية درست في أحد اجتماعاتها، إمكانية إنشاء سجن مخصص لمقاتلي التنظيم، يكون بإدارة سورية وتنسيق مع التحالف الدولي. بذلك يبقى ملف المخيمات أمام هذه الدول لحلّه، وهو ملف تراه تلك الدول أقل تعقيدا من ملف المساجين والمقاتلين السابقين في صفوف التنظيم.
المجلة
———————————
الشرع والبيت الأبيض… و”المفتاح السعودي”/ إبراهيم حميدي
سوريا، للمرة الأولى منذ سنوات، تدخل المشهد الدولي من بوابة الفعل
آخر تحديث 08 نوفمبر 2025
مسارٌ لا يشبه البيانات الدبلوماسية، بل يشبه إعادة كتابة الجغرافيا. صورة واحدة تغيّر معادلة. رئيس سوري يطرق باب البيت الأبيض، لا كزائرٍ عابر، بل كدولة تعود إلى المشهد. المعادلات تتغير، والتحالفات تنقلب، والمنطقة تستعدّ لنسخة جديدة من “سوريا الأميركية” بعد تأرجح طويل بين “سوريا الروسية” و”سوريا الإيرانية”.
في تاريخ الدول، هناك صور تغيّر موقعا سياسيا أكثر مما تغيّره معارك كبيرة. صورة رئيس سوري يدخل البيت الأبيض رسميا، ليست زيارة بروتوكولية إلى “قاعة الزوار”، بل إعلان بأن دمشق التي وُضِعت على هامش النظام الدولي طوال عقدٍ كامل، تعود إلى صدارة الطاولة.
يوم الاثنين، يلتقي الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض. توقع سوريا اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي ضد “داعش”. الحدث، في ذاته، يكفي لاهتزاز خرائط وإرباك تحالفات. لكنه في جوهره خطوة تتجاوز مكافحة الإرهاب، إلى إعادة صياغة التوازن الإقليمي برمّته، إنه إعلان الانتقال من ضفة إلى أخرى.
من لقاء الشرع الأول مع ترمب في الرياض في 14 مايو/أيار الماضي، إلى لقائهما الثاني على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول، كان واضحا أن الجسور تُبنى بصمت. دمشق التي اعتادت قاموس “محور الممانعة” و”الفيتو الروسي”، تنتقل إلى ضفة أخرى، والتحالف المباشر مع واشنطن. غير أن اللقاء في البيت الأبيض ليس امتدادا طبيعيا لتلك المحطات، بل الانتقال من “الهامش الدبلوماسي” إلى “المظلة الأميركية”. وواشنطن، التي لا تمنح اعترافا مجانيا، تعرف تماما معنى أن تصافح سوريا على العلن.
لماذا الآن؟ لأن الولايات المتحدة تعرف عمق الزلزال الذي هز سوريا وانتقلت تردداته في الإقليم. نظام الأسد انتهى. إيران انسحبت. “حزب الله” حوصر. ميليشيات “هلال إيران” تلاشت. وشبكات الكبتاغون تبخرت. أيضا، اكتشفت واشنطن أن “داعش” لم يُهزم، بل تكيّف. التنظيم الذي خسر المدن، جعل الصحراء مقره، وتسلّل عبر الحدود كـ”شبح أمني” لا يحتاج إلى رايات. خلايا صغيرة، ضربات متناثرة، عودة للاغتيالات، واستثمار في الفراغات التي خلّفتها قوى متصارعة.
الأميركيون الذين ركزوا على الساحة العراقية، عادوا ليكتشفوا أن الانسحاب من الجغرافيا لا يعني الانسحاب من الخطر. المنطقة إذا لم تذهب إليها تأتي إليك. لذلك، لم تعد واشنطن تبحث عن شريك يثقل تركتها، بل عن دولة قادرة على ضبط الأرض. والمفارقة أن دمشق التي صُنّفت طوال سنوات جزءا من الأزمة، تُستدعى اليوم جزءا من الحل.
دمشق أيضا وصلت إلى لحظة الحقيقة. طرق الشرع باب موسكو. زار الكرملين. بوتين لا يستطيع فكّ الحصار الاقتصادي أو إعادة الحياة إلى الدولة. لا يستطيع لجم نتنياهو وغاراته وتوغلاته. لا يستطيع ضبط شهية أردوغان وطموحاته. الداخل السوري مثقل بأزمة معيشية، خدمات منهارة، وجغرافيا ممزقة. التمسك بتحالف واحد لم يعد خيارا استراتيجيا، بل عبء مكلف. الانفتاح على واشنطن ليس انقلابا على “المحور” فحسب، بل قراءة باردة لمعادلات القوة. لا اقتصاد بلا منافذ دولية، ولا شرعية دائمة بلا اعتراف دولي، ولا أمن مستداما بلا منظومة إقليمية تتجاوز حدود الحلفاء والميليشيات.
لكن اللحظة الحاسمة ليست سورية–أميركية فقط، بل عربية. بعد سقوط النظام ووصول الشرع إلى “قصر الشعب”، كان السؤال: من يعيد سوريا إلى الإقليم؟ أدرك الشرع أن السعودية “مفتاح سوريا إلى العالم”. القفزة الكبرى جاءت من الرياض. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قاد أكثر التحولات جرأة في المنطقة. أعادت الرياض هندسة منطق الأمن العربي. لا يمكن ترك المشرق تحت تهديد ميليشيات عابرة للحدود أو لقوى دولية تتصارع بالوكالة. إعمار سوريا هو وصفة استقرار. دخول دمشق في تحالف دولي بقيادة واشنطن هو تثبيت لمعادلة جديدة. الدولة فوق الفوضى، والمؤسسات فوق السلاح المنفلت، والحدود فوق النفوذ العابر، والعلاجات بدل المخدرات، والشراكات بدل الشبكات.
لهذا، يمكن القول إن إطلالة الشرع من باب البيت الأبيض، ما كانت لتتم دون “المفتاح السعودي”. الدبلوماسية الصامتة، القنوات الخلفية، التفاهمات التي بُنيت بعيدا عن ضجيج الإعلام، والخطاب الجديد الذي يوازن بين الواقعية والشرعية، كلها هيأت اللحظة. السعودية تريد سوريا مستقرة لا ممزقة، عربية لا تابعا، دولة لا ساحة. وواشنطن تنصت. وربما للمرة الأولى، تنصت بجدية.
لكن الطريق أمام دمشق ليس مفروشا بالحرير. الأميركيون سيطالبون بالتزامات سياسية وإنسانية. التحالف ضد “داعش”، حل عقدة المقاتلين الأجانب، ممرات مساعدات، ملفات معتقلين، و”الكيماوي” وآليات الرقابة، وتسريع مسار تفاوضي لترتيبات أمنية مع إسرائيل ثم سياسية وركوب قطار السلام.
القيادة السورية التي تخوض هذا التحول، تدرك أن أي خطوة تُحسب عليها داخليا وخارجيا. لا يمكن لدمشق أن تربح واشنطن وتخسر موسكو أو أنقرة، ولا أن تفتح أبواب الغرب وتترك الحلفاء التقليديين يشعرون بالخيانة. لذلك، ستكون الهندسة الدقيقة لعلاقات متوازنة هي التحدي الأكبر في “اليوم التالي”.
أما موسكو فستقرأ الزيارة كإشارة مقلقة. واشنطن تعود إلى الملعب السوري لا بالصواريخ ولا بالعقوبات، بل عبر الباب السياسي والإغراءات والتحالفات. وإيران، التي أدمنت أن سوريا امتداد لجغرافيا نفوذها، تدرك أن سوريا الجديدة والمنطقة تفلتان من قبضتها وتمضيان إلى الخيار الآخر. تعرف طهران أيضا، أن التحالفات التي تُبنى فوق ركام الحروب يمكن أن تتبدل عندما تستعيد الدول عافيتها.
المفارقة أن الحرب التي مزقت سوريا، هي نفسها التي جعلتها اليوم رقما صعبا. لا استقرار للإقليم من دونها، ولا مواجهة للإرهاب من دون جيشها، ولا خرائط طاقة ولا حدود ولا لاجئين من دون ممراتها. وهذه الحقيقة هي التي تدخل مع الشرع إلى البيت الأبيض. ليست زيارة “استعادة صورة”، بل زيارة “استعادة كلمة”. كسر العزلة والنهل من الاندماج.
هل يطلق الشرع رحلة الذهاب إلى”سوريا الأميركية”؟ ربما. هل هي خطوة تكتيكية مؤقتة تبحث عن توازن بين اللاعبين الكبار؟ ربما. لكن المؤكد أن سوريا، للمرة الأولى منذ سنوات، تدخل المشهد الدولي من بوابة الفعل لا من بوابة الملف. توقّع، تفاوض، وتجلس كشريك لا كقضية. وهذا وحده، حتى قبل نتائج الزيارة، كافٍ لإعادة حساب المنطقة من جديد.
في السياسة، لا تعني الصور كل شيء. لكنها أحيانا تكون بداية كل شيء. صورة الشرع في البيت الأبيض، واحدة منها.
المجلة
————————————–
الشرع في البيت الأبيض: تصفير المشاكل/ عالية منصور
آخر تحديث 08 نوفمبر 2025
يزور الرئيس السوري أحمد الشرع واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحدث ليس تفصيلا ولا هو زيارة عادية، هو اللقاء الثالث بين الرجلين في أقل من عام، وهي الزيارة الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض.
كل ما يحصل منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ليس عاديا ولكنه ضروري من أجل سوريا، سوريا التي اختطفت لصالح مشاريع إقليمية ودولية لعقود دون أي مراعاة لمصلحتها ومصلحة شعبها تحررت من التبعية لمحاور لم تأتِ سوى بالحروب والأزمات.
هل يعني هذا أن سوريا اليوم باتت بالمحور المعادي للمحور الشرقي؟ لا يبدو أن الشرع يحب أن يُصنف كمعاد لأحد، زار موسكو قبل أيام، واليوم يزور واشنطن، وغدا قد يزور بكين، الرجل لا يريد القطيعة مع أحد ويسعى لتصفير المشاكل للتركيز على شعار المرحلة الذي أطلقه “سوريا أولا” ولمشروعه الاقتصادي والتنموي الذي يستفيض بالحديث عنه في كل مرة، دون أن ينفي ذلك- كما أظهرت الشهور الـ11 الماضية- أن الرجل حريص على أن تكون سوريا حليفا للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وأوروبا.
في واشنطن، من المتوقع أن يُعلن عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الشرع نفسه كان حتى أيام قليلة هو ووزير داخليته أنس الخطاب على قوائم الإرهاب إلى أن صوّت مجلس الأمن على رفع اسميهما بطلب أميركي من القائمة.
التحالف الذي يضم 89 دولة وكيانا تشكّل في سبتمبر/أيلول من عام 2024، يومها كان مطروحا أن يكون “الجيش الحر” شريكا للتحالف بمحاربة “داعش”، إلا أن المعارضة السورية رفضت آنذاك لأن عمل التحالف كان محصورا بمحاربة “داعش” دون أن يشمل محاربة النظام السوري وبشار الأسد، الأسد نفسه الذي كان يرى في عمليات التحالف انتهاكا لسيادة سوريا أيضا.
في 11 شهرا ومنذ سقوط نظام الأسد حصل الشرع على اعتراف ودعم عربي ودولي لم تحصل عليه المعارضة السورية طيلة 14 عاما من عمر الثورة، ومع ذلك ترفض المعارضة التي لا تزال في صفوف المعارضة اليوم أن تسأل نفسها: لماذا تنشغل بنظريات المؤامرة دون التفكير حتى في مراجعة مسارها، وأين أخطأت؟
أن يقرر دونالد ترمب دعوة الشرع إلى البيت الأبيض، الآتي من خلفية فصائلية إسلامية تراوح تشددها بين “القاعدة” و”هيئة تحرير الشام” أمر يجب التوقف عنده، وما كان ترمب ليفعل ذلك لولا أنه يعرف أن الشرع قطع مع تلك المرحلة وأن حديثه عن بناء الدولة التي لا تسعى لأي مشاكل مع أحد هو مشروع قابل للتحقق، ومع ذلك وبدل أن تدعم المعارضة هذا التوجه وتلتفت إلى الأمور الداخلية التي لا تزال ضبابية بعض الشيء، يصر الكثيرون على التشكيك بهذا المسار الجديد، المسار الذي غيّر وجه المنطقة إلى أجل غير مسمى، وأنهى حقبة سوريا الممر للميليشيات والسلاح والمخدرات، إلى سوريا التي تحترم سيادة الدول وتحارب الميليشيات والمخدرات.
وعلى سبيل المثال من يستمع لخطابات الميليشيات في العراق وتحديدا “حزب الله” العراقي قبل يومين ويقرأ بيان “حزب الله” اللبناني، سيدرك كم تغيرت سوريا التي كانت حجر الأساس في هذا المشروع الميليشياوي.
الشرع إلى واشنطن شريكا في محاربة الإرهاب، وهذا سيعني حتما أن اتفاق 10 مارس/آذار مع “قوات سوريا الديمقراطية” سيجد طريقه للتطبيق قريبا. كذلك ملف رفع عقوبات قيصر عن سوريا، ليبقى ملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل عالقا إلى حين.
في أحد لقاءاته الإعلامية اعتبر الشرع أن كلمة برغماتية لها مدلول سلبي في اللغة العربية، ولكن ما أثبتته برغماتيته حتى اليوم أن أثرها إيجابي على سوريا وموقعها الإقليمي والدولي. يبقى أمامه الكثير من الملفات الداخلية وعلى رأسها المقاتلون الأجانب والوصول إلى التشاركية في الحكم داخليا كي تنتقل سوريا إلى الدولة الديمقراطية التي سعى ويسعى لها السوريون.
المجلة
—————————–
هل يذهب الشرع بسوريا إلى المعسكر الغربي/ عمر علاء الدين
أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن
في ثالث لقاء مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وثاني زيارة إلى الولايات المتحدة، يحمل الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن في 10 من تشرين الثاني الحالي، ملفات يناقشها على طاولة ترامب.
وستبحث الزيارة مسار رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، إضافة إلى ترسيخ العلاقات مع واشنطن، بحسب مستشار الرئيس السوري، أحمد موفق زيدان.
تحاول عنب بلدي في هذا الملف، البحث في آثار الزيارة على العلاقات مع روسيا والصين، ومسارات الاتفاق الأمني مع إسرائيل، وعلى دور “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في المرحلة المقبلة، على اعتبار أن الشرع سيوقع على الانضمام للتحالف الدولي، الذي تبنى محاربة تنظيم “الدولة” في سوريا، ودعم “قسد” في هذه المهمة.
علاقات دمشق- واشنطن.. تاريخ مليء بالتقلبات
بين عامي 1949 و1970، تعلم السوريون اللعب بالسياسة مع الولايات المتحدة بالطريقة الصعبة، من خلال التجربة والخطأ، وفق المؤرخ السوري سامي المبيض.
ويشير المؤرخ، في كتابه “سوريا والولايات المتحدة.. من ويلسون إلى أيزنهاور”، إلى أن النيات الحسنة والسياسة النبيلة لم تكن كافية لبناء علاقة سورية- أمريكية سليمة.
ووفق المبيض، كانت الولايات المتحدة حاضرة في المشهد السوري بكل تعقيداته وتجاذباته في فترات بداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وسياسة الأحلاف (مثل حلف بغداد).
وطيلة تلك الفترة، كانت تحاول واشنطن، وفق الكتاب، إبعاد سوريا عن المعسكر السوفييتي- الشيوعي بدعم الانقلابات وتحسين صورتها في سوريا، عبر استمالة الشباب والمثقفين، رغم أن هذا لم يكن يحصل بسبب دعم واشنطن المستمر لإسرائيل.
الباحث في “المركز العربي للدراسات بواشنطن” رضوان زيادة، وصف زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن بـ”التغير الكبير” في طبيعة العلاقات السورية- الأمريكية، بعد أن كانت سوريا على لائحة الدول الداعمة للإرهاب.
وفي حديث إلى عنب بلدي، اعتبر زيادة أن من المهم ” تطبيع العلاقات السوريةـ الأمريكية”، إذ إن سوريا تحتاج إلى الولايات المتحدة كقوة عظمى في إعادة الإعمار، وبالتالي فإن سوريا تحتاج إلى ترميم علاقاتها مع المجتمع الدولي وخاصة مع الولايات المتحدة بشكل رئيس.
الصحفي السوري، المقيم في الولايات المتحدة، محمد عبد الرحيم، يرى أن زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، تبدو “خطوة مهمة”، لما يحيط بها من أشياء كانت تبدو “سريالية” قبل وقت قصير.
وبحسب ما قاله عبد الرحيم في حديث إلى عنب بلدي، فإن الزيارة تحمل معاني متعددة، ليس باعتبار الرئيس الشرع أول رئيس سوري يزور واشنطن، بل بالنظر إلى ماضٍ حمله الشرع الذي كان معاديًا للولايات المتحدة في سوريا والمنطقة.
وقال، “إلى وقت قصير، كانت الولايات المتحدة قد رصدت عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمكان الشرع، ويوم الاثنين المقبل ستتعرف واشنطن إلى مكان وجوده، إنه في 1600 شارع بنسلفانياـ واشنطن- البيت الأبيض”.
عقوبات “قيصر” هدف رئيس
تتناول الزيارة، بحسب مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، عدة ملفات، في مقدمتها “رفع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون (قيصر)، والدور المنتظر من إدارة الرئيس ترامب في دعم هذا المسار”.
وأشار زيدان، في حوار مع قناة “العربية”، إلى أن “الدعم العربي والخليجي، ولا سيما من المملكة العربية السعودية والأمير محمد بن سلمان، أسهم بشكل كبير في إقناع الولايات المتحدة بضرورة رفع العقوبات المفروضة على سوريا”، مثمنًا دور الأردن وقطر والإمارات وتركيا في دعم هذا التوجه العربي الموحد”.
قانون “قيصر” هو مشروع قانون أقره مجلس النواب الأمريكي في 15 من تشرين الثاني 2016، ووقّع عليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 21 من كانون الأول 2019 (خلال ولايته الأولى).
الباحث السوري رضوان زيادة، اعتبر أن الزيارة تضع “خطوة متقدمة في مسألة رفع العقوبات”، خصوصًا أن الإدارة الأمريكية تدعم إزالة قانون “قيصر” بشكل رئيس، معتبرًا أن هذا الدعم يضغط على الكونجرس الأمريكي لإزالة العقوبات نهاية العام.
وعلى الجانب الآخر، تبدو الفرصة أمام سوريا من خلال هذه الزيارة “لا تعوض”، وفق الصحفي السوري محمد عبد الرحيم.
فسوريا التي تحتاج إلى الأموال لإعادة الإعمار، بحسب عبد الرحيم، لن تأتي ما لم تتم إزالة “قيصر”، لذلك فإن الفرصة لن تكون طويلة لتحقيق “إنجازات في هذا الملف”.
ويعود ذلك، بحسب الصحفي المقيم في الولايات المتحدة، إلى أن “الطريقة التي تسير بها الأمور في الولايات المتحدة قبل عدة أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تقول، “إن أوضاع الإدارة الجمهورية سيئة”.
وأضاف عبد الرحيم، “إذا عاد الديمقراطيون للسيطرة على الكونجرس سيعطلون كل مشاريع الرئيس حتى نهاية ولايته. يعني أمامنا أقل من عام لتحقيق الاستقرار في سوريا، عبر رفع العقوبات”.
في 31 من تشرين الأول الماضي، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، إن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تدعم إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر” من خلال مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يناقشه المشرعون الأمريكيون.
وأضاف أن الولايات المتحدة على تواصل منتظم مع شركائها في المنطقة، وترحب بأي استثمار أو مشاركة في سوريا بما يدعم إتاحة الفرصة لجميع السوريين في بناء دولة يسودها السلام والازدهار، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز“.
الرئيس السوري أحمد الشرع يبحث مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى جانب وفد حكومي أمريكي في نيويورك موضوع رفع العقوبات – 22 أيلول 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يبحث مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى جانب وفد حكومي أمريكي في نيويورك موضوع رفع العقوبات – 22 أيلول 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)
الانضمام للتحالف الدولي فرصة لدمشق.. معادلة جديدة لـ”قسد”
ستكون سوريا العضو رقم 90 في “التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب”، حال توقيع الرئيس الشرع على اتفاقية الانضمام خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن.
تشكّل التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أيلول 2014، ويضم في عضويته اليوم 89 عضوًا من بينها 36 دولة أوروبية، و11 دولة عربية، وشركاء آخرون مثل “الإنتربول”، ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجامعة الدول العربية.
ويسهم الانضمام، بحسب ورقة لمركز “جسور للدراسات”، في حل مشكلة مناطق شمال شرقي سوريا، وإعادة “بسط سلطة الدولة، ونشر مؤسساتها فيها، وسيطرتها على حدودها الدولية”، حيث ستفقد “قسد” ميزة كونها الشريك السوري الوحيد للتحالف، ونقل الشراكة للحكومة، وفق المركز.
الباحث السوري سمير العبد الله، اعتبر أن انضمام سوريا للتحالف الدولي، يُعد بمثابة “اعتراف دولي بشرعية الحكومة السورية الجديدة، وتأكيد على انتقالها إلى موقع الشراكة الأمنية والسياسية”.
ويعكس هذا الانضمام، وفق ما قاله العبد الله لعنب بلدي، “إعادة تموضع سوريا ضمن المنظومة الغربية بعد أن كانت لسنوات مرتبطة بالمحور الروسي- الإيراني”، وهذا ما يعني عمليًا “بداية مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية الإقليمية”، ويُؤهل سوريا لاستعادة دورها في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.
ويضع انضمام دمشق إلى التحالف الدولي “قسد” أمام معادلة جديدة تمامًا، وفق الباحث السوري.
فبعد أن كانت “قسد” الحليف الميداني الأبرز للتحالف، ستجد نفسها الآن “مهددة بفقدان احتكارها للعلاقة السياسية والعسكرية معه”، وهذا يعني تراجع “الدور المستقل” لـ”قسد” كقوة محلية تدير مناطق شرق الفرات.
الباحث السوري سمير العبد الله، يرى أن إنهاء دور “قسد” لن يكون فوريًا أو كاملًا، لأن التحالف وعلى رأسه الولايات المتحدة لا يزال يُقدّر كفاءتها القتالية ويخشى أن “يؤدي تهميشها السريع إلى اضطرابات أمنية شرق الفرات”.
لذلك، من المتوقع بحسب العبد الله أن تسعى واشنطن إلى لعب دور الوسيط بين “قسد” ودمشق لضمان عملية دمج تدريجي ومنضبط لها ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
ورسم الباحث السوري سمير العبد الله مسارين للمستقبل السياسي لـ”قسد” في ضوء انضمام سوريا للتحالف الدولي، الذي وصفه بـ”نقطة تحول استراتيجية في المشهدين السياسي والأمني للبلاد”.
مسار الاندماج وفق اتفاق 10 من آذار (السيناريو الأرجح):
يتم بموجبه دمج وحدات “قسد” ضمن الجيش الوطني الجديد مع ضمان تمثيل سياسي وإداري لـ”قسد” في مؤسسات الحكم المحلي، برعاية وضمانات أمريكية، هذا السيناريو يحافظ على استقرار شرق الفرات ويمنح “قسد” دورًا مؤسسيًا داخل الدولة الجديدة.
مسار الصدام (السيناريو الأقل احتمالًا):
قد يحدث إذا شعرت “قسد” أن انضمام دمشق إلى التحالف يُستخدم كذريعة لتصفية وجودها السياسي والعسكري دون ضمانات، خاصة إذا مارست دمشق ضغوطًا لحلها قسرًا، إلا أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا، لأن التحالف سيحرص على منع الصدام المباشر، وسيدفع الأطراف نحو تسوية تدريجية تقوم على شراكة ثلاثية (دمشق- قسد- التحالف) تضمن الاستقرار وتعيد هيكلة المشهد الأمني السوري.
قوة عسكرية ونفوذ
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة”، سيمنح الجيش السوري فرصة لتطوير قدراته عبر الاستفادة من الخبرات التقنية والاستخبارية المتقدمة التي يمتلكها التحالف، خصوصًا في مجالات الاستطلاع الجوي والمراقبة الإلكترونية، وفق ما يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد.
هذا التعاون، بحسب ما قاله السيد لعنب بلدي، سيعزز من قدرة سوريا على “ضبط الحدود، وملاحقة الخلايا الإرهابية، ويعيد الثقة بمؤسساتها العسكرية التي يتم بناؤها حديثًا”.
وعلى الرغم من تعاون الحكومة السورية مع التحالف الدولي في ثلاث عمليات ضد تنظيم “الدولة”، فإن تقريرًا لمعهد “الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية في واشنطن”، نشر في 27 من تشرين الأول الماضي، يرى أنه إضافة للفوائد المنتظرة فإن هناك عقبات تواجه هذا الانضمام، وتدركها دمشق.
ومن هذه العقبات:
وزارة الدفاع السورية لا تزال في مرحلة تكوينية من تطورها المؤسسي.
عملية التجنيد في الجيش تعاني من محدودية القدرة على إجراء تحريات سليمة عن خلفيات المنضمين الجدد.
ضعف عام في القدرات العسكرية.
غياب الاتفاق مع “قسد”، إذ لا يزال من الصعب تنفيذ عمليات منفصلة والتنسيق متعدد المستويات مع قوات مختلفة تشهد توترات وتعمل ضمن مناطق جغرافية متداخلة.
مخاوف من تسرب المعلومات الاستخباراتية المشتركة بين دمشق والتحالف إلى “الفصائل المتطرفة” داخل الجيش السوري، خصوصًا أن هناك مقاتلين أجانب في الجيش السوري.
وهنا يرى الباحث معتز السيد، أن الطرح الذي يشير إلى ضعف القدرات العسكرية أو هشاشة وزارة الدفاع يتجاهل حقيقة أن “الجيش السوري الحالي قد خاض معارك شرسة ضد الإرهاب سابقًا في مناطقه، وحافظ على مؤسسات الدولة رغم الظروف القاسية”، مشيرًا إلى أنه تقييم سياسي أكثر منه عسكريًا.
وأما المخاوف المتعلقة بتسرب المعلومات، فاعتبر الباحث في مركز “مسداد” أنها “أمر مبالغ فيه”، معتقدًا أن الأجهزة الأمنية في سوريا “قادرة على حماية أي تعاون استخباراتي”.
وأشار إلى أن الثقة “بدأت تتشكل تدريجيًا” بعد تنفيذ عمليات مشتركة على الأرض حتى قبل الإعلان الرسمي عن الانضمام، وهو ما يعكس جدّية الطرفين في بناء شراكة قائمة على المصالح المشتركة لا على الشكوك، وفق قوله.
وبالنسبة لـ”قسد”، يرى الباحث معتز السيد، أن الحكومة ستعمد إلى دمجها ضمن مؤسسات الدولة، سواء بترتيبات أمنية محلية، أو إدخال عناصرها إلى الجيش السوري، بعد عمليات “تدقيق وتصفية”.
ومع ذلك، تدرك الحكومة الدور المحوري لـ”قسد” في محاربة تنظيم “الدولة”، وتثمين التحالف لهذا الدور، بحسب السيد.
وقال الباحث، إنه خلال المفاوضات، طرحت “قسد” فكرة إنشاء لواء مستقل يعمل تحت راية التحالف في مهام مكافحة الإرهاب، مع الاحتفاظ بخصوصية بعيدة عن هياكل الدولة، مضيفًا، “أعتقد أن دمشق تنظر لهذا الطرح بحذر، إذ تراه محاولة لإبقاء (قسد) خارج السيطرة الكاملة للدولة، لكنها تدرك أيضًا أن هذا الترتيب قد يكون مقبولًا مرحليًا إذا ضمن استمرار الضغط على تنظيم (الدولة) وخدمة مصلحة مشتركة مع التحالف”.
اتفاق أمني مع إسرائيل.. فرصة لأمريكا قبل سوريا
توقع المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، عقد جولة خامسة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسوريا، بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد زيارة الشرع إلى واشنطن، خلال حديثه عن أهمية الزيارة إلى موقع “أكسيوس” في 1 من تشرين الثاني الحالي.
هدف الولايات المتحدة هو التوصل إلى اتفاق أمني على الحدود بين البلدين بحلول نهاية العام الحالي، وفق المبعوث الأمريكي.
ويرى الصحفي المقيم في الولايات المتحدة محمد عبد الرحيم، أن واشنطن تحتاج إلى تعزيز العلاقات مع سوريا، من أجل الحفاظ على “الزخم” الذي أنتجته مبادراتها في الشرق الأوسط (التوصل إلى اتفاق في غزة، قصف البرنامج النووي الإيراني، هزيمة “حزب الله ” في لبنان)، إذ إن هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة سيخلق فراغًا تملؤه قوى أخرى ما لم تتدخل واشنطن.
وقال عبد الرحيم، إن المبادرة تجاه سوريا وتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل وكذلك انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، ستصب بتقريب دمشق من “الاتفاقات الإبراهيمية” وبالتالي المنطقة، مما يعني “تحقيق نجاح في السياسة الخارجية الأمريكية يحجب الأنظار عن مشكلات السياسة الداخلية الأمريكية”.
يتوقع الباحث في مركوز “جسور للدراسات” محمد سليمان، أن تتخلل الزيارة جلسات وجولات حوارية تهدف إلى التوصل إلى صيغة أو رؤية لمسودة اتفاقيات أمنية تضمن الحفاظ على السيادة السورية، وتحد من التدخلات الإسرائيلية في الشأن السوري الداخلي.
وتبقى أبرز العقبات التي تحول دون تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق، بحسب ما قاله سليمان لعنب بلدي:
استمرار الانتهاكات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
إنشاء نقاط عسكرية جديدة.
رفض العودة إلى اتفاق عام 1974.
دعم فصائل مسلحة في الجنوب السوري بالسلاح والذخيرة والمال واللوجستيات.
وتنظر إسرائيل إلى الوضع السوري، وفق ما يرى الباحث في مركز “جسور”، على أنه “ضعيف ولا يسمح بإبرام اتفاق سلام أو خفض للتصعيد”، كما تفسر تل أبيب عدم الرد العسكري السوري على انتهاكاتها بأنه دليل على “ضعف وليس حرصًا على تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة”.
وربما توجد رغبة أمريكية “حقيقية” في الضغط على إسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام أو اتفاق خفض تصعيد، يوقف عمليات التوغل الإسرائيلية مؤقتًا حتى تهيئة الظروف لعقد “اتفاقيات أشمل”، غير أن ذلك يتطلب، وفق الباحث محمد سليمان، “وقتًا طويلًا”.
ويرى سليمان أن سوريا لا تستطيع في ظل “الظروف الراهنة” إبرام أي اتفاق من هذا النوع إلا بوجود أطراف دولية ضامنة قادرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال في مقابلة مع شبكة “CBS” الأمريكية، نشرت في 15 من تشرين الأول الماضي، إن على إسرائيل العودة عن أي نقطة تقدمت إليها بعد 8 من كانون الأول 2024، معتبرًا أن ذلك هو “الوضع الطبيعي”، وأن سوريا “لم تقم بأي استفزازات تجاه إسرائيل منذ وصول الحكومة الحالية إلى دمشق”، بل أعلنت بوضوح أنها “لن تكون منصة لتهديد أي دولة مجاورة، بما في ذلك إسرائيل”.
سوريا.. شرقية أم غربية
يرى الباحث في “المركز العربي للدراسات بواشنطن” رضوان زيادة، أنه لا يمكن لسوريا الجديدة أن تتبنى سياسة “صفر مشاكل”، على اعتبار أنها كانت في المعسكر الشرقي وعلى رأسه روسيا والصين إلى جانب إيران، خصوصًا أن روسيا وإيران كانتا جزءًا من المشكلات.
واعتبر زيادة أن الشيء الطبيعي أن تعمل سوريا على تغيير تحالفاتها الاستراتيجية.
وزار الرئيس السوري، أحمد الشرع، روسيا والتقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 15 من تشرين الأول الماضي، حيث اعتبر الشرع أن سوريا وروسيا تجمعهما “علاقات جادة”.
وعقب الزيارة إلى روسيا بأيام، أعلن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إجراء زيارة رسمية إلى بكين مطلع تشرين الثاني الحالي.
على الجانب الآخر، لا يعتقد الصحفي السوري محمد عبد الرحيم، أن سوريا ستنتقل من المعسكر الشرقي إلى المعسكر الغربي، قائلًا، “نحن لسنا في زمن الحرب الباردة”.
وأضاف أن ما يُعرف بالمعسكر الغربي يعاني منافسة شديدة من روسيا والصين والهند ولا يعنيه إلا موضوع اللاجئين لوقف تقدم اليمين المتطرف.
وأشار عبد الرحيم إلى العلاقات الجيدة مع موسكو على المستوى التجاري والعسكري، ورفض سوريا سياسة الأحلاف التي فرضتها الولايات المتحدة في الخمسينيات، مثل “مشروع أيزنهاور” و”حلف بغداد”.
وقال، “قدر سوريا أن تناور بين الكبار وألا تلتحق بأحدهم، وليس من الحكمة الالتحاق بمعسكر لم يعد موجودًا وليس لديه شيء ليقدمه”.
الباحث الروسي ديمتري بريجع، يعتقد أن روسيا تدرك جيدًا الأهمية الجيوسياسية لسوريا في الحفاظ على توازن علاقاتها في الشرق الأوسط، ولذلك فهي تنظر إلى زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن بـ”برودة محسوبة لا تخلو من المتابعة الدقيقة”.
بريجع وفي حديث إلى عنب بلدي، قال إن روسيا ترى أن انفتاح سوريا على الغرب، “لا يمكن أن يكون على حساب التحالف الاستراتيجي الذي تأسس بين البلدين منذ عقود”.
غير أن روسيا “حاولت في حقبة التسعينيات بناء العلاقات مع الغرب لكن فشل الأمر، ونجاح سوريا في بناء علاقات متوازنة سوف يعطي الكثير من الفرص”، وفق الباحث الروسي ديمتري بريجع.
وأشار إلى أن روسيا تحترم سيادة الدولة السورية، وتستند في ذلك إلى الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، والتي تضمن بقاء العلاقة في إطار من الالتزام والتنسيق لا التبعية.
وفيما يخص العلاقات السورية مع الصين، يرى الباحث الروسي أن تطور علاقات دمشق مع واشنطن “لا يعني بالضرورة تراجعها مع الصين”، ذلك أن السياسة الخارجية السورية بعد الحرب باتت أكثر “براغماتية وتعددية الاتجاهات”، بحسب تعبيره.
وباعتقاد بريجع، فإن دمشق تحاول اليوم “الموازنة بين القوى الكبرى للاستفادة من كل طرف دون الدخول في محاور مغلقة”، مشيرًا إلى انتهاجها سياسة “الانفتاح المتعدد” على أن تبقى شراكتها مع موسكو وبكين ركيزة ثابتة، لما تمثله من ضمانة سياسية وأمنية أمام أي ضغوط غربية مستقبلية.
عنب بلدي
———————————-
التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” وانضمام سورية إليه: قراءة في التحوّل السياسي والاستراتيجي/ سمير العبد الله و نوار شعبان
نشر في 9 تشرين الثاني/نوفمبر ,2025
ملخص تنفيذي
تُقيّم هذه الورقة مسار التحالف ضدّ تنظيم “داعش”، بمراحله المختلفة، منذ 2014، من حيث إنه ترتيب متعدد الأطراف جمَع بين التفوّق العسكري والتمكين المحلي، حيث تمكّنت قوات التحالف من تفكيك السيطرة الإقليمية للتنظيم بحلول عام 2019، وقضت على نفوذه وانتشاره ونقاط إمداده، وتركت قيادات التنظيم وعناصره بين قتيل ومعتقل وفارّ، لكنّ عمليات التحالف بالمقابل خلّفت كلفة إنسانية باهظة، حيث دُمّرت كثير من البنى التحتية والمنشآت الحيوية التي كان يستخدمها التنظيم، فضلًا عن الضحايا من المدنيين، ومئات الآلاف من المهجّرين من بيوتهم والمتضررين بسبب تلك العمليات، وما يزال الآلاف منهم خارج بيوتهم في مناطق عدة شرقي الفرات، حتى بعد طيّ صفحة التنظيم. وكل هذه النتائج توجب طرح الأسئلة حول مسألة السيادة وترتيبات الحكم في سورية.
وتسدّ الدراسة فجوةً بحثية، إذ تدمج بين ديناميات التحالفات والحرب بالوكالة وتحوّلات السيادة، وتقيّم سيناريو انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضد داعش، بعد التغيير السياسي، كفرصة للاعتراف والدعم الأمني والاستقرار وإعادة الإعمار، وتناقش تحديات إعادة هيكلة المؤسسات، والعلاقة بقسد، ومستقبل التنف، والتباينات داخل التحالف، وحدود القرار السيادي، مع استمرار تهديد الخلايا وملفّ المقاتلين الأجانب. وتخلص الدراسة إلى أن الجدوى مشروطة بتقديم مقاربة متدرجة، توازن بين متطلبات الأمن الجماعي، وترسيخ السيادة الوطنية.
أولًا: مقدمة
يُعدّ صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بين عامَي 2013 و2014 نقطةَ انعطافٍ أمنية–سياسية ذات أثرٍ عابر للحدود في المشرق العربي، بلغ ذروته بإعلان “الخلافة”، والسيطرة على مساحات واسعة في سورية والعراق. وقد استدعى ذلك تشكيلَ “التحالف الدولي لهزيمة داعش”، بقيادة الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2014، كترتيبٍ متعدد الأطراف يزاوج بين التفوّق الجوي والتمكين المحلي، ويتجاوز المقاربة العسكرية الضيقة إلى حزمة أدواتٍ أمنية–قانونية–إعلامية. وقد اعتمد التحالف منذ تشكيله على نموذج التحالفات المحلية، فدعم الجيش العراقي والبيشمركة في العراق، واعتمد في سورية على قوات (قسد)، وعلى فصيل “مغاوير الثورة” في التنف، وقد أدى ذلك إلى هزيمة التنظيم، واستعادة مدن كبرى كالرقة ودير الزور، من قبضته. واتسمت العلاقة بين التحالف والنظام السوري السابق بالتناقض، ما خلق حالة من “التعايش العدائي” بين الطرفين، وقد أظهر هذا الواقع الملتبس إشكالية السيادة في سورية، حيث تداخل الأمني بالسياسي، والداخلي بالدولي، لتصبح مكافحة الإرهاب ساحةً لإعادة تعريف دور الدولة وحدود نفوذها، ما طرح تساؤلات حول مستقبل التعاون الدولي في مرحلة ما بعد داعش، ومدى قدرة الحكومة السورية الجديدة على استعادة سيادتها، والانخراط في المنظومة الأمنية العالمية من دون التفريط بسيادتها.
تنطلقُ هذه الورقة من نقطة بحثية مفادُها أنّ الأدبيات التي قاربت هذا الموضوع كانت تركّز على قراءةٍ عملياتية لحملة التحالف، أو على سرديةٍ جيوسياسية عامة، مع محدودية الدراسات التي تدمج بين ديناميات التحالفات متعددة الأطراف والحرب بالوكالة وتحولات السيادة في الحالة السورية. ومن ثم، تسعى الدراسة إلى عدة أمور: (1) توصيفٍ تحليلي لتشكّل التحالف وتطوّره (2014–2025)؛ (2) تفكيك أثره العسكري–السياسي على ترتيبات الحوكمة والأمن شرق الفرات وخارجه؛ (3) تقويم سيناريو انضمام سورية إلى التحالف بعد التغيّر السياسي، من زاويتَي الكلفة–المنفعة ومآلات السيادة.
ومن ثم، تجيب الورقة عن سؤالَيْن رئيسين: كيف أعاد التحالف تشكيلَ معادلة القوة والسيادة في سورية؟ وما شروطُ وجدوى إدماج الدولة السورية الجديدة طرفًا شريكًا ضمن معماريته المؤسسية؟ وتعتمد الورقةُ، منهجيًا، تحليلًا وثائقيًا مقارنًا لبيانات التحالف وقرارات مجلس الأمن وبيانات الدول الأعضاء، مكمَّلًا بــتتبّعٍ سببيٍّ لسلاسل القرارات والنتائج العملياتية في معارك مفصلية (عين العرب/ كوباني، الرقة، الباغوز)، مع توظيف إطارٍ مفاهيمي يستند إلى نظريات التحالفات، والاعتماد على الوكلاء، والسيادة المتدرجة.
ثانيًا: تشكيل التحالف الدولي وأعضائه
بعد أن تحوَّلت الثورة السورية إلى نزاع مسلّح تعدّدَ الفاعلون فيه، انفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة لاستغلال حالة الفوضى، وترسيخ وجودها داخل البلاد، فولد تنظيم “داعش” من رحم تنظيم القاعدة في العراق، وبدأ بالتمدد، وبحلول عام 2014، كان قد بسط سيطرته على مناطق واسعة في سورية والعراق، ومارس أبشع أنواع الانتهاكات، مستهدفًا مختلف المكوّنات الدينية والمذهبية. وفي حزيران/ يونيو 2014، شكّل اجتياح الموصل وإعلان قيام ما سُمّي بـ “الخلافة الإسلامية” نقطةَ تحوّل خطيرة أثارت قلق المجتمع الدولي، الأمر الذي مثّل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الأمن الجماعي في الشرق الأوسط.
دفعَت هذه التطورات الولايات المتحدّة إلى تبنّي مقاربة “التحالفات المرنة”، ففي 10 أيلول/ سبتمبر 2014، أعلن الرئيس أوباما تأسيس “التحالف الدولي لمحاربة داعش”، وضم التحالف في بدايته 12 دولة، قبل أن يتوسع مع نهاية العام، ليشمل نحو 60 دولة في كانون الأول/ ديسمبر 2014. ومع الوقت، بلغ عدد أعضائه 89 دولة، بالإضافة إلى منظمات دولية كالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وأنشأ التحالف “قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب”، التي تعمل مع سبعة وعشرين دولة، ووفّر مجلس الأمن غطًاء قانونيًا عبر القرار رقم 2249 الصادر في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 [1]، الذي دعا الدولَ القادرة إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمواجهة التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق، مستندًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (الدفاع الجماعي) التي تتيح حق الدفاع الجماعي، وإلى الالتزام الدولي بمكافحة الإرهاب العابر للحدود.
بدأت العمليات التحالف العسكرية فعليًا في 8 آب/ أغسطس 2014، عبر ضربات جوية أميركية ضد مواقع التنظيم في العراق، ثم امتدت إلى سورية في 23 أيلول/ سبتمبر 2014، حيث نُفذت أولى الغارات على معاقل التنظيم في سورية، وكانت بمشاركة دول عربية عدة، منها السعودية والإمارات والأردن والبحرين[2]. وقد ساهمت تلك الضربات في وقف تقدّم التنظيم، وأظهرت جدية المجتمع الدولي في التصدي له. وقد خسر التنظيم، بين عامي 2014 و2017، نحو 95% من الأراضي التي كان يسيطر عليها، وبحلول كانون الأول/ ديسمبر 2017، كان التنظيم قد فقد السيطرة على كامل الأراضي في العراق[3].
رحّبت الحكومة العراقية بتدخل التحالف، باعتباره مبنيًا على طلب رسمي منها، في حين كان الوضع في سورية أكثر تعقيدًا، حيث أعلن النظام السوري دعمه لأي جهد دولي لمحاربة الإرهاب، زاعمًا أنه يُبلّغ مسبقًا بالعمليات الجوية، في حين كانت أميركا تنفي أيّ تنسيق مباشر مع النظام السوري، أما روسيا وإيران حليفا لنظام السوري، فاعتبرتا أن الضربات الجوية تمثل انتهاكًا للسيادة السورية، لعدم صدورها بقرار من مجلس الأمن أو بموافقة الحكومة السورية[4].
واصل التحالف توسعه ونشاطه العسكري، ففي عام 2015، انضمت قوى غربية جديدة إلى العمليات في سورية، بعد أن كانت مشاركتها مقتصرة على العراق، ومن أبرزها فرنسا وبريطانيا، وأعلنت تركيا انضمامها رسميًا إلى التحالف، لكنها ظلت متحفظة في مشاركتها، خلال المرحلة الأولى، إذ أولت أولوية لمواجهة قوات PYD/PKK على حدودها.
تميّز التحالف الدولي بتنوّع عضويته، إذ ضمّ عشرات الدول، لكلٍّ منها مساهمة خاصة عسكرية أو لوجستية أو غيرها، وشكّلت بمجموعها منظومة متكاملة لمواجهة التنظيم. وتُعدّ الولايات المتحدة القوة المحرّكة والمحور الرئيس في قيادة التحالف، أما بريطانيا التي تُعدّ ثاني أكبر مساهم عسكري، فقد اقتصرت ضرباتها بداية على العراق، قبل أن يوافق البرلمان على توسيعها لتشمل سورية في أواخر عام 2015، أما فرنسا فقد بدأت غاراتها في العراق، في أيلول/ سبتمبر 2014، وانضمت إلى العمليات في سورية نهاية عام 2015. وعلى الصعيد السياسي، تبنّت هذه الدول وسائر دول التحالف الدعوة إلى حل سياسي في سورية، ليتم التفرغ لمحاربة التنظيم[5].
تبنّت تركيا في البداية موقفًا حذرًا تجاه التحالف، بسبب تعقيدات الملف السوري، وبسبب مخاوفها من تصاعد نفوذ PYD/ PKK على حدودها، وفي آب/ أغسطس 2016، أطلقت عملية “درع الفرات”، مستهدفةً تنظيم “داعش”، وتمكّنت مع الفصائل السورية المعارضة من طرده من جرابلس والباب. ورغم الخلافات مع واشنطن بشأن دعم وحدات PYD، ظلت تركيا شريكًا أساسيًا في التحالف، وشاركت عدة دول عربية في التحالف، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والأردن والبحرين وغيرها، ونفّذت طلعات جوية إلى جانب التحالف عام 2014 مستهدفة مواقع “داعش” في الرقة ودير الزور[6]. بهذا المعنى، لم يكن التحالف الدولي مجرد تحرك عسكري طارئ، بل آلية مؤسسية لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، وترتيب موازين القوى في مرحلة ما بعد “الخلافة”.
ثالثًا: الدور العسكري والسياسي للتحالف
كانت العمليات العسكرية الركيزة الأساسية لاستراتيجية التحالف، حيث اعتمد على حملة جوية مكثفة استهدفت مراكز التنظيم، وقامت على استخدام التفوق الجوي والتقنيات المتطورة لتقليل الحاجة إلى نشر قوات برية بأعداد كبيرة، فكانت الطائرات الحربية تنفّذ الغارات ضد مقارّ القيادة ومعسكرات التدريب ومستودعات الأسلحة والبنى التحتية الاقتصادية التي اعتمد عليها التنظيم في تمويل عملياته، مثل منشآت النفط والغاز، ومثّلت هذه الضربات عنصر الحسم في إيقاف تمدّد “داعش”، وتهيئة الأرضية لتحرك القوات المحلية على الأرض، حيث اعتمد التحالف على تمكين القوى المحلية لتكون رأس الحربة في المواجهة البرية، مع إسناد دولي جوي ولوجستي واستخباراتي، ففي العراق، تولّى تدريب الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية ووحدات العشائر، ما ساعد في إعادة تأهيلها ورفع جاهزيتها القتالية، وفي سورية شكّلت قوات “قسد” الشريكَ المحلي الرئيس للتحالف، وبدأ دعم التحالف لها منتصف عام 2015، عبر تزويدها بالسلاح والتدريب والمستشارين، وتوفير غطاء جوي مباشر لعملياتها، وقد انتصر التحالف مع قسد في عدة معارك، أبرزها معركة عين العرب (كوباني) مطلع عام 2015، التي مثّلت أول هزيمة كبرى لـ “داعش” على الأرض، وذلك بفضل الضربات الجوية المكثفة التي غيّرت موازين المعركة، وفي آب/ أغسطس 2016، سيطرت قسد على مدينة منبج، بعد معارك عنيفة.
وشكّلت معركة الرقة عام 2017 ذروة التنسيق العسكري، بين التحالف وقسد، حيث وفّر التحالف غطاءً جويًا ومدفعيًا كثيفًا طوال المعركة، وبالرغم من مقاومة عناصر “داعش” الذين استخدموا المدنيين دروعًا بشرية، تمكنت قسد من السيطرة على المدينة، في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وكانت المعركة حاسمة لكنها خلفت دمارًا واسعًا وخسائر كبيرة بين المدنيين، ثم استمرت العمليات ضد بقايا التنظيم حتى سقوط آخر معاقله في بلدة الباغوز، في 23 آذار/ مارس 2019[7]، وهو التاريخ الذي أعلن فيه التحالف رسميًا نهاية السيطرة الإقليمية للتنظيم في سورية.
وحرص التحالف على تقليل خسائره البشرية، فلم ينشر قوات برية كبيرة، مكتفيًا بانتشار محدود لقوات العمليات الخاصة الأميركية والبريطانية والفرنسية، وتولّت هذه الوحدات مهام تنسيق الضربات الجوية وتوجيه القوات المحلية، لذلك كانت الخسائر البشرية في صفوف التحالف محدودة جدًا، مقارنة بالحروب التقليدية، وقد أسفر اعتماد التحالف المكثّف على القصف الجوي والمدفعي عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين وعن دمار أحياء بكاملها، وتُبرز معركة الرقة عام 2017 حجم الثمن المدفوع، إذ قُتل فيها ما لا يقل عن 1600 مدني، مع تحوّل المدينة إلى أحد أكثر مسارح الدمار حدّة في الحقبة الحديثة، وتشير تقديرات إلى أن إجمالي الضحايا المدنيين من جراء عمليات التحالف في سورية والعراق قد يراوح بين 8 آلاف و13 ألفًا[8]، وقد أقرّ التحالف بمسؤوليته عن نحو 1450 حالة فقط، فضلًا عن نزوح الآلاف خلال العمليات[9].
وعلى المستوى الإنساني، خلّفت العمليات تحديات متعدّدة، أبرزها ملف مقاتلي التنظيم وعائلاتهم المحتجزين في شمال شرق سورية، حيث يضمّ مخيم الهول عشرات الآلاف من النساء والأطفال والمقاتلين الأجانب. ويشكّل هذا الملف اختبارًا لاستدامة النصر العسكري، إذ تبيّن التجربة أن إهمال البعد الإنساني والقانوني يُعيد إنتاج الظروف المولِّدة للتطرّف.
ولم تقتصر جهود التحالف على القتال المباشر، بل شملت جملة من الإجراءات المساندة لضمان هزيمة “داعش” على المدى الطويل، من أبرزها منع تدفق المقاتلين الأجانب، وتجفيف مصادر تمويل التنظيم، وتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار الأولي، ومكافحة الدعاية المتطرفة.وبفضل هذه المقاربة، نجح التحالف في القضاء على الوجود الإقليمي للتنظيم، والحد من قدرته على التخطيط للهجمات أو تجنيد المقاتلين، وأسهم ذلك في إعادة تشكيل المشهد الأمني في سورية والعراق والمنطقة بأسرها.
أما في البعد السياسي، فقد تجاوز التحالف كونه إطارًا عسكريًا إلى أداةٍ لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية والمحلية في سورية، إذ مارس ضغطًا غير مباشر على النظام السوري وحلفائه، وأسّس لتقاسم نفوذ فعلي بين شرق الفرات وغربه، وأُدير هذا الواقع عبر آلية منع الاشتباك التي أنشئت بين القيادتين الأميركية والروسية، لتجنّب التصادم الجوي، ما عكس مستوًى من البراغماتية التفاعلية بين القوى الكبرى رغم تناقض أجنداتها. ومنذ بداية الحملة على التنظيم، شددت الدول الرئيسية في التحالف على أن الحرب على الإرهاب لا يمكن فصلها عن الحاجة إلى حل سياسي شامل في سورية، وقد أكدت هذه الدول، في بياناتها المشتركة المتكررة، أن القضاء على الإرهاب يجب أن يترافق مع عملية انتقال سياسي تستند إلى قرارات الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 2254[10]. وأكدت في بيانات عدة -كان أبرزها بيان عام 2023- أن القرار 2254 هو الطريق الوحيد لإنهاء الصراع السوري، مجددةً التزامها بتطبيق جميع بنوده المتعلقة بالانتقال السياسي، ووقف إطلاق النار، وصياغة دستور جديد يمثل جميع السوريين[11].
وتبنّى التحالف مقاربة واقعية فصلت بين مهمته العسكرية ضد “داعش”، وبين الصراع بين النظام والمعارضة، حيث ركّز عملياته حصريًا على مواجهة التنظيم، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع قوات النظام السوري، تفاديًا لأي تصعيد مع روسيا وإيران، وقد أثار هذا الموقف خلافات داخل التحالف نفسه، إذ طالبت بعض الدول منذ وقت مبكر بضرورة تطبيق القرار 2254، بالتوازي مع محاربة التنظيم، وتمسكت أميركا وحلفاؤها الأوروبيون بتجنّب المواجهة المباشرة مع النظام، لكن واصلت عزله سياسيًا واقتصاديًا، فقد رفضت أميركا والدول الأوروبية أي تطبيع مع نظام الأسد أو المشاركة في إعادة الإعمار، ما لم يتحقق تقدم ملموس في العملية السياسية. وتشكلت “المجموعة المصغّرة حول سورية”، التي ضمّت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والأردن ومصر، كمنصة موازية لتنسيق المواقف الدبلوماسية ودعم المعارضة السياسية، بالتوازي مع الدور العسكري ضد “داعش”[12].
وواجه التحالف منذ بدايته توترًا مع روسيا وإيران، اللتين اعتبرتا وجوده في سورية غير شرعي، لغياب تفويض من مجلس الأمن، ولعدم تنسيقه مع حكومة النظام السوري، ومع التدخل العسكري الروسي في أواخر أيلول/ سبتمبر 2015، تغيّر ميزان القوى على الأرض، وازدادت احتمالات الاحتكاك المباشر بين الطائرات الروسية وتلك التابعة للتحالف، خاصة في الأجواء الشمالية والشرقية من سورية، وأصبح وجود التحالف عقبة أمام طموحات روسيا وإيران في توسيع نفوذ النظام السوري، هذا الواقع أفرز نوعًا من تقاسم النفوذ غير المعلن: مناطق شرق الفرات تحت مظلة التحالف، وغربها وجنوبها تحت سيطرة النظام السوري وحلفائه. ولمنع أي تصادم، أنشأ الجانبان الأميركي والروسي آلية “منع الاشتباك” (De-confliction) عبر خط اتصال مباشر بين قيادتيهما العسكريتين، لتبادل الإحداثيات وتفادي الحوادث الجوية، وقد أثبتت هذه الآلية فعاليتها في عدة مواقف أبرزها حادثة إسقاط مقاتلة أميركية لطائرة سورية من طراز Su-22 قرب الطبقة عام 2017[13].
وغذّى الوجود العسكري لا سيما الأميركي في مناطق عقدية على طريق طهران–بيروت البري استقطابات جديدة، فإيران وجدت نفسها أمام انتشار أميركي يقيّد مشروعها الإقليمي، ليتشكل نمط من “الاستنزاف المنضبط”: هجمات صاروخية ومسيّرة لميليشيات حليفة ضد قواعد التحالف شرق سورية، تقابلها ضربات أميركية موضعية لردعها، ضمن حدود مدروسة لا تنزلق إلى مواجهة شاملة، حيث تعرّضت القواعد الأميركية في شرق سورية لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ أطلقتها ميليشيات مدعومة من إيران، خصوصًا في الأعوام 2020–2023، وردت أميركا بضربات جوية محدودة، استهدفت مواقع تلك الميليشيات[14].
وعلى الرغم من التباين في المواقف، اتسمت العلاقة بين التحالف وروسيا وإيران بقدر من البراغماتية، فقد أدرك الطرفان أن تجنب الصدام المباشر يخدم مصالحهما المشتركة في استقرار خطوط التماس، ومع ذلك، ظل الخلاف حول مستقبل سورية قائمًا؛ فالتحالف لم يمنح أي اعتراف بشرعية التدخل الروسي أو بسيادة النظام السوري الكاملة، في حين واصلت ورسيا وإيران دعم الأسد سياسيًا وعسكريًا في مسعًى لتكريس انتصاره الداخلي.
أما تركيا، فدفعها خلافها مع أميركا بشأن دعم “قسد” إلى إعادة تموضع سياسي وتقارب أكبر مع موسكو بعد 2016، والعمل ضمن مسار آستانة لترتيب ملفات عديدة، وانعكس ذلك على تماسك التحالف في بعض المحطات، مع بقاء تركيا لاعبًا لا يمكن تجاوزه، لاعتبارات الجغرافيا واللوجستيات والحدود واللاجئين.
في المحصلة، يعكس أداء التحالف الدولي نموذجًا لتطور العمل الجماعي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، إذ جمع بين الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية، ضمن هيكلٍ مرنٍ غير مؤسسي. وبالرغم من نجاحه في إنهاء التهديد الإقليمي المباشر لتنظيم “داعش”، فقد أنتج واقعا جيوسياسيًا مركّبًا، أعاد رسم حدود النفوذ والسيادة في سورية، ورسّخ مقاربة “الأمن عبر الوكلاء”، بوصفها إحدى سمات النظام الأمني الشرق أوسطي الجديد. وهكذا أعاد التحالف الدولي تشكيل المشهد السوري داخليًا، عبر إنهاء سيطرة “داعش” وخلق ترتيبات محلية جديدة شرق الفرات، لكنه ترك تحديات إنسانية وأمنية صعبة، وفتح الباب أمام تنافسات إقليمية مستمرة، وعلى المستوى الأوسع، رسّخ التحالف نمطًا براغماتيًا للتعامل مع تهديدات عابرة للحدود، جامعًا بين التفوق العسكري وأدوات الاستقرار والسياسة، ومكرّسًا موازين قوى جديدة في الشرق الأوسط لا تزال مآلاتها مفتوحة على احتمالات متعددة. ومن ثم، مثّل التحالف إطارًا يجمع بين الأهداف الأمنية قصيرة المدى والأهداف السياسية بعيدة المدى، جامعًا بين محاربة الإرهاب والحفاظ على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
رابعًا: انضمام سورية للتحالف الدولي
بعد سقوط نظام الأسد، بدأ الحديث عن انضمام سورية للتحالف، وقد أكّد المبعوث الأميركي إلى سورية أن الحكومة الانتقالية ستوقّع، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، اتفاقية الانضمام لتصبح الدولة العضو رقم 90 في التحالف، ما يُمثّل تحولًا دبلوماسيًا بنيويًا في علاقات سورية مع الغرب، بعد عقودٍ من الارتباط بالمحور الشرقي”[15]، لتكون الدولة رقم 90 في هذا التحالف، وللمرة الأولى تكون سورية طرفًا في التحالف، ويعكس هذا في حال تحققه نجاح الإدارة السورية في أن تكون شريكًا موثوقًا ضمن التحالفات الأمنية والإقليمية، بعد أن تقدّمت بالطلب بدفع من فرنسا وألمانية والسعودية في كانون الثاني/ يناير 2025، وترك الطلب الأول معلقًا من دون ردّ رسمي، ويبدو أن ذلك كان بغرض اختبار مدة قدرة سورية على تلبية الشروط المطلوبة، وجاء الطلب الثاني بعد تشكيل الحكومة الانتقالية.
يُعدّ انضمام سورية إلى التحالف الدولي خطوةً قد تحقق للإدارة السورية مايلي:
الشرعية والاعتراف الدولي، حيثيشكّل الانضمام اعترافًا رسميًا بشرعية الحكومة الانتقالية، ويعيد تموضعها من محور المقاومة إلى شبكة التحالفات الغربية، ما يفتح الباب لرفع تدريجي للعقوبات والانخراط في برامج الاستقرار وإعادة الإعمار.
إعادة هندسة العلاقة مع الفاعلين المحليين، حيث يمثّل التعاون المباشر بين التحالف والجيش السوري الجديد بداية مرحلة ما بعد الوكلاء، إذ يُتوقع أن يؤدي إلى تقليص اعتماد التحالف على “قسد” ودمجها تدريجيًا ضمن بنية الدولة، مع الحفاظ على دورها الأمني في المناطق الشمالية الشرقية، عبر ترتيبات ثلاثية (دمشق–قسد–التحالف)، يمكن للتحالف أن يقدم دعمًا تقنيًا ولوجستيًا أكبر للجيش السوري الجديد عبر برامج التدريب والتسليح النوعي والمساندة الاستخباراتية، بما يعزز قدرته على ضبط الأمن وملاحقة بقايا التنظيم.
يوفّر التعاون الرسمي قاعدة قانونية لانخراط أوسع في جهود الاستقرار وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
وبالرغم من المكاسب المتوقعة، يواجه مسار انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي جملةً من التحديات:
تحديات داخلية: حيث ما زالت مؤسسات الجيش والأمن في سورية الجديدة في طور إعادة التشكّل، وقد ظهرت بعض الثغرات في التدقيق الأمني للمنتسبين الجدد، وهناك وجود لبعض الأجانب في هيكلية القيادة العليا في الجيش، مع ضعف القدرات التقنية واللوجستية، ما قد يثير تساؤلًا لدى بعض شركاء التحالف بشأن جاهزية القوات لعمليات مشتركة واسعة، ويبرز أيضًا هاجسُ الانضباط والولاء داخل الأجهزة، والحاجة إلى تسريع إعادة هيكلة الجيش والمؤسسات الأمنية على أسس مهنية.
ملف “قسد”: حيث كانت (قسد)، منذ عام 2015، الشريك المحلي الأساسي للتحالف الدولي، واعتبر التحالف الدولي هذه الشراكة نموذجًا ناجحًا للقتال عبر “قوة محلية مدعومة دوليًا”، بعيدًا عن نشر قوات برية أجنبية موسعة، ورسّخت قسد بدعم التحالف هياكل حكم وأمن محلية شرق الفرات، لِتدير شؤون السكان بحكم الأمر الواقع. وقد أثار ذلك حساسية تركيا، فتدخّلت عسكريًا بعمليتي غصن الزيتون (2018)، ونبع السلام (2019)، ما أحدث شرخًا داخل صفوف شركاء التحالف، وفرض ترتيبات ميدانية جديدة، شملت إعادة انتشار لقوات النظام والشرطة العسكرية الروسية في بعض المناطق.
وفي حال انضمام سورية إلى التحالف، قد يبرز تحوّلٌ في المشهد، إذ من المنتظر أن تنخرط الحكومة الجديدة رسميًا في العمليات ضد بقايا “داعش”، وهو ما يُعيد الاعتبار للجيش والمؤسسات الأمنية السورية كشريك شرعي مباشر للتحالف، هذا الواقع المستجد يضع العلاقة مع “قسد” أمام مرحلة انتقالية دقيقة، فمن جهة، ترى “قسد” في هذا التحول تهديدًا لوجودها المستقل، سياسيًا وعسكريًا، وتخشى أن يؤدي التنسيق المباشر بين التحالف ودمشق إلى تهميش دورها أو الضغط لحلّها ودمجها في أجهزة الدولة، من دون ضمانات كافية، وأميركا لا تزال تثمّن دور “قسد” كشريك فعّال وموثوق، لكن انخراطها مع حكومة سورية يفرض عليها إعادة ضبط أولوياتها وشبكة تحالفاتها، ولذلك تسعى إلى لعب دور الوسيط بين “قسد” ودمشق، بهدف التوصل إلى ترتيبات توافقية، تضمن الحفاظ على الجاهزية القتالية ضد الإرهاب مع تهيئة الأرضية لدمج منضبط ومنظم لقسد ضمن بنية الدولة، فالتحدي أمام التحالف الآن هو الموازنة بين التزامه تجاه “قسد”، وبين تعاونه مع حكومة تسعى لاستعادة سيادتها الكاملة، وأي انزلاق نحو الإقصاء أو المواجهة بين الطرفين قد يُضعف الجبهة المشتركة ضد “داعش”، ولذلك، فإن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب عملية دمج قائمة على شراكة ثلاثية، بين الحكومة وقسد والتحالف، تُعالج التحديات الأمنية والسياسية بمراعاةٍ دقيقة لحساسيات الأطراف كافة.
مصير التنف: مثّلت قاعدة التنف، منذ عام 2016، مركزًا استراتيجيًا للتحالف الدولي، حيث تمركزت فيها قوات أميركية وقوات خاصة من دول غربية، وأنشأ التحالف ضمن هذه القاعدة فصيلًا محليًا تحت مسمى “جيش سوريا الحرة”، درّبته ووفّرت له غطاءً جويًا ودعمًا لوجستيًا للقيام بعمليات أمنية محدودة ضد خلايا “داعش” في البادية السورية، وحافظ “جيش سوريا الحرة” على علاقة وثيقة مع التحالف الدولي، وظلّ يعمل ضمن منطقة بمساحة 55 كم حول قاعدة التنف، وفي حال انضمام سورية إلى التحالف، ستجد أميركا نفسها أمام خيار مراجعة وجودها في التنف، بعدما باتت تتعاون مع حكومة شرعية جديدة في دمشق يُفترض أن تستعيد السيطرة على كامل الأراضي السورية، ومن المرجّح أن يُوظّف “جيش سوريا الحرة” كـقوة وسيطة ضمن عملية إعادة الهيكلة الأمنية، وخاصة بعد دمجه بالجيش الجديد، لا سيما أنه يضم مقاتلين يملكون خبرة ميدانية في مكافحة “داعش”. ويُرجّح أن تعتمد واشنطن سياسة “الانتقال التدريجي” في إدارة ملف التنف، بحيث لا تُنهي دعمها للفصيل فجأة، بل تسعى إلى تسوية ترتكز على تفاهمات أمنية مع دمشق، تتيح دمجه ونقله لمهام جديدة، وربما إعادة تعريف دور القاعدة نفسها في ظل المعادلة الجديدة، هكذا، سيكون مستقبل التنف اختبارًا لإرادة التعاون بين التحالف ودمشق، وقدرتهما على تحويل أدوات الحرب إلى أدوات للدولة، في سياق محاربة مشتركة لـ “داعش” وترسيخ سيادة وطنية شاملة.
التباينات داخل التحالف الدولي: تختلف الأولويات بين العواصم، رغم وحدة الهدف العام، فتركيا تركز على تهديد قسد، في حين يحصرُ شركاء آخرون الجهد في “داعش”، ويعدّون بقية الملفات سياسية الطابع، وقد ينعكس ذلك على تصميم العمليات وتقاسم الأعباء، ومن ثم قد تظهر فجوات، إذا توسّع نطاق العمليات إلى مناطق خلافية أو تزايدت مخاطرة الاحتكاك مع قوى غير منضوية في التحالف، فالحفاظ على التماسك يتطلّب آلياتِ تنسيقٍ دقيقة، وخطوط اتصال مفتوحة لتفادي الحوادث، ومواءمة مستمرّة بين أجندة الحكومة السورية وأولويات الشركاء.
مطالب التحالف: يقترن انضمام سورية للتحالف بمطالب تتعلق بالتنسيق العسكري والاستخباراتي ضمن منظومة التحالف، بما يفرض على دمشق الالتزام بقواعد ميدانية، لا تتوافق بالضرورة مع أولوياتها الداخلية، ويمكن أن يحدّ هذا التعاون من حرية القرار الأمني السوري، خصوصًا في حال طُلب منها الامتناع عن استهداف أطراف محسوبة على التحالف أو القبول بترتيبات مراقبة مشتركة.
موقف الدول الغربية: قد ترى بعض الدول الغربية في هذا التعاون وسيلةً للضغط من أجل تغييرات في بنية السلطة، أو إعادة توجيه السياسات الأمنية السورية، وهكذا يصبح الانضمام إلى التحالف معادلة معقدة، بين رغبة سورية في استعادة الاعتراف الدولي، وحاجتها إلى الحفاظ على استقلالها السيادي في إدارة شؤونها الأمنية والسياسية، أي أن الفائدة المرجوة مشروطة بمدى قدرة الدولة على التوفيق بين التعاون الخارجي ومتطلبات السيادة الداخلية [16].
تهديدات “داعش” وردّات فعل المتطرفين: حيث تحوّل التنظيم إلى شبكة خلايا مرنة غير مركزية، تنتشر في البادية وفي مناطق حدودية، وتنفّذ تكتيكات خاطفة[17]، وفي ظل الترتيبات الجديدة، قد يسعى التنظيم لتصعيد عمليات التخريب، لإظهار هشاشة الشراكة الوليدة، كما قد تنشط خلايا “الذئاب المنفردة” أو جماعات متطرفة أخرى، لاستهداف مؤسسات الدولة وتقويض الثقة بين الشركاء، فقد تطوّر التنظيم من هيكل هرمي إلى نمط لا مركزي، ما يصعّب رصده والرد عليه.
مصير القوات الأميركية والقوات الأجنبية في سورية: حيث إن من المنتظر بعد توقيع الاتفاق أن يكون في الفترة القادمة اتفاقات حول مصير القواعد الأميركية في سورية، وغيرها من القواعد الأجنبية.
ملف المقاتلين الأجانب (ولا سيّما المصنفين كإرهابيين في سورية)، وهو يمثل أحد أعقد الملفات المشتركة بين التحالف ودمشق، إذ يتطلب مقاربة متوازنة بين مقتضيات العدالة والمساءلة ومتطلبات الأمن الوطني، في ظل غياب توافق دولي حول آليات المحاكمة أو الإعادة.
خامسًا: مواقف الأطراف الرئيسة من انضمام سورية للتحالف
من منظور الأطراف الرئيسة في التحالف الدولي، يُعَدّ انضمام سورية اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا لتوازن المصالح داخل منظومة الأمن الجماعي، إذ ترى الولايات المتحدة في هذا الانضمام فرصةً لإعادة هيكلة ترتيباتها الميدانية والسياسية في سورية، وتحويل وجودها العسكري من إدارة حرب بالوكالة، إلى شراكة رسمية مع دولة ذات سيادة. فعلى الصعيد العملياتي، يُتيح هذا التطور إنشاء قناة تنسيق مؤسسية مباشرة بين قوات التحالف والجيش السوري الجديد، ما يعزز من كفاءة تبادل المعلومات الاستخباراتية، ودقة العمليات ضد خلايا التنظيم المتبقية. وعلى المستوى السياسي، يوفّر هذا التعاون إطارًا جديدًا للشرعية الميدانية داخل سورية، إذ يتحوّل الوجود الغربي من حالة تدخل موصوفة بانتهاك السيادة، إلى علاقة شراكة قائمة على التنسيق الرسمي، الأمر الذي يفتح المجال أمام توسيع نطاق الشرعية القانونية للتحالف، ويخفف حدة الانتقادات السابقة. في هذا السياق، تسعى واشنطن إلى استثمار الانضمام لتعزيز الدعم العسكري والاستخباراتي للحكومة الجديدة، بالتوازي مع سياسة تدريجية لرفع العقوبات، مقابل مؤشرات إصلاح مؤسسي، بما يحقق مواءمة بين الأمن والاستقرار السياسي.
وتنظر دول الاتحاد الأوروبي، إلى الشراكة مع سورية، بوصفها وسيلة لترجمة التزاماتها تجاه مكافحة الإرهاب، مما يسهل عليها الانخراط في مشاريع الإعمار والتنمية داخل سورية، وستستفيد من وجود حكومة شريكة يمكن التنسيق معها في ملفات حساسة، مثل إعادة المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، ما يعزز التعاون الأمني، ويحدّ من المخاطر العابرة للحدود، وبالمجمل، سيمثل انضمام سورية إلى التحالف بالنسبة للغرب انتقالًا من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء السلام في هذا البلد.
وبالنسبة إلى تركيا، يُنظر إلى انضمام سورية للتحالف بوصفه فرصة استراتيجية مزدوجة؛إذ يمكّن دمشق من تحمّل المسؤولية الأمنية عن ملف “قسد”، ويحدّ من التهديدات على حدودها الجنوبية، ويُتيح لأنقرة إعادة تعريف علاقتها بالتحالف الدولي عبر بوابة التعاون الأمني الإقليمي. ولذلك رحّبت تركيا مبدئيًا بهذه الخطوة، لكنها اشترطت أن تكون مصحوبة بإنهاء الدعم العسكري واللوجستي الأميركي لـ “قسد”، وإعادة المناطق الحدودية إلى سلطة الدولة السورية. وترى تركيا أن استمرار التحالف في التعاون مع “قسد” لم يعد مبررًا، بل قد يُقوّض جهود إعادة توحيد سورية، وقد تعرض تركيا دعمًا مباشرًا في إدارة مراكز احتجاز مقاتلي “داعش” والمناطق الحدودية، بشرط ضمان أمنها القومي. وكانت تركيا والأردن والعراق وسورية قد اتفقت على تشكيل تحالف رباعي للتعاون المشترك ضد تنظيم “داعش”، وتشكيل آلية للتحرك والتعاون والتنسيق ودعم الحكومة السورية، ونزع الذريعة الأميركية لدعم “قسد”[18]. وكذلك الأمر بالنسبة للدول العربية التي قد تعدّ هذه الخطوة بوابة لفتح المجال أمام شراكات أمنية أوسع، شرط أن تُدار ضمن رؤية سورية وطنية متوازنة تحافظ على توازن العلاقات مع حلفائها الإقليميين.
في المقابل، يُتوقّع أن تتعامل روسيا وإيران مع الخطوة بحذر، فكلتاهما كانت الحليف العسكري الأبرز للنظام السابق، وترى في الوجود الغربي المتجدد تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية، وقد تخشى روسيا أن يؤدي انخراط دمشق في التحالف الدولي إلى تقليص نفوذها العسكري والسياسي في سورية، ومع ذلك، من المرجح أن تتعامل روسيا ببراغماتية، فتبدي دعمًا لمحاربة الإرهاب، ولا سيما أنها دخلت في مرحلة ترتيب العلاقات من جديد مع سورية. أما إيران فإنها ترى في هذا الانضمام محاولة أميركية لإقصائها نهائيًا عن المشهد السوري، وستسعى إلى ضمان مصالحها عبر قنوات خلفية ودبلوماسية هادئة.
إذًا في حال انضمام سورية للتحالف، من المرجّح تكثيف العمليات المشتركة ضد بقايا “داعش”، مع اتفاقيات تفصيلية للتعاون العسكري والأمني وتبادل للمعلومات، ويُتوقّع حدوث تحسّن تدريجي في المناطق المعرّضة لهجمات متفرقة مع اتساع نطاق التنسيق بين سورية والشركاء الدوليين، وسيمنح الانضمام دفعةً لمسار إعادة إدماج سورية دوليًا، عبر فتح قنواتٍ دبلوماسية أوسع. في المقابل، تبقى هناك اختبارات صعبة محتملة، منها محاولات انتقامية من “داعش”، وتوقعات شعبية سريعة النتائج قد تولّد تململًا، إذا تأخر التحسّن المعيشي والأمني، وستحتاج الإدارة السورية إلى موازنة المكاسب العاجلة مع إدارة التوقعات وإظهار خطوات رمزية تؤكد السيادة مع استمرار الشراكة، ويُتوقع انكفاء “داعش” إلى جيوب معزولة غير قادرة على تهديد الاستقرار، والتوجّه نحو إغلاق ملف المخيّمات، عبر برامج تأهيل وإدماجٍ بإسناد أممي، ومع تحسّن الوضع الأمني، يُتوقّع تنشيط مسار إعادة الإعمار واستقطاب الدعم الدولي والإقليمي، ما يدعم مسار بناء المؤسسات وترسيخ الشرعية عبر استحقاقات سياسية منظَّمة، وإقليميًا قد تتجه القوى الفاعلة إلى ترتيباتٍ جديدة، تقلّل الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي مباشر، مع تقوية مؤسسات الدولة وزيادة قدرتها على الضبط، شرط نجاح تفاهمات متوازنة مع الأطراف المؤثرة، وحدوث تقدم ملموس في دمج القوى المحلية ضمن بنية الدولة.
سادسًا: الخاتمة
شكّل التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، منذ تأسيسه عام 2014، عاملًا محوريًا في إعادة تشكيل مسار الأحداث في سورية والمنطقة بأسرها، إذ استطاع أن يحقق هدفه الأبرز المتمثل في إسقاط ما كان يُعرف بـ “دولة داعش”، وتفكيك بنيتها التنظيمية، ونتج عن ذلك إنجازات ملموسة، وانحسار مستوى التهديدات الإرهابية العابرة للحدود على الصعيدين الإقليمي والدولي. إلا أن هذا الانتصار جاء بكلفة بشرية ومادية باهظة؛ فالحرب خلّفت وراءها مدنًا مدمّرة تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، ومجتمعات ممزّقة تستدعي مصالحة وطنية عميقة لإعادة لحمتها، إضافة إلى آلاف الضحايا، وعشرات الآلاف من المهجّرين الذين ما زالوا خارج بيوتهم منذ عشر سنين. وقد أفرزت هذه المرحلة تحديات جديدة لا تقلّ خطورة، أبرزها مصير المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، واستمرار التوتر بين القوى المحلية، فضلًا عن خطر الخلايا النائمة التي ما زالت تحاول استعادة نشاطها في البادية والمناطق النائية.
وعلى الرغم من ذلك، تظل تجربة التحالف الدولي في سورية علامة مهمّة، في تاريخ العمل الجماعي الدولي ضد الإرهاب، إذ مثّلت نموذجًا لتكاتف عالمي نجح في مهمته العسكرية، لكنه ترك وراءه واقعًا جيوسياسيًا معقدًا، يتطلب رؤية دبلوماسية طويلة الأمد لإرساء سلام حقيقي، وإذا ما أُتبعت هذه النجاحات العسكرية بسياسات حكيمة لإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، فقد تكون تجربة التحالف نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، لا في سورية فحسب، بل في كامل الإقليم. ومع هذه الأحداث، تجد الحكومة السورية نفسها أمام معادلة دقيقة، فهي تسعى إلى استثمار عضويتها المحتملة في التحالف، كوسيلة لاستعادة شرعيتها الدولية وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، لكنها تخشى أن يتحوّل التعاون الأمني إلى مدخل لتقليص استقلال قرارها السيادي، أو لفرض أجندات سياسية خارجية عليها.
ويتطلب نجاح انخراط سورية في التحالف الدولي مقاربةً متدرجةً، تحفظ السيادة وتضمن الاعتراف الدولي في آن واحد، حيث تكمن الأولوية في تفعيل تعاون أمني واستخباراتي منضبط، ضمن إطار وطني مؤسسي يخضع لرقابة مدنية ويمنع التبعية الخارجية، بالتوازي مع صياغة سياسة دبلوماسية متوازنة توضّح أولويات التعاون مع الشركاء الغربيين والعرب. وتنبغي الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، لبناء شراكات أمنية تعزز القدرات المحلية بدل استبدالها، وربط المسار الأمني بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لضمان استقرار مستدام، إذ أثبتت التجربة أن النصر العسكري لا يكفي من دون مؤسسات قوية واقتصاد متعافٍ. وسيكون انضمام سورية إلى التحالف، إن تحقق، خطوةً تأسيسيةً لإعادة تموضعها في النظام الدولي، وفرصة لبناء نموذج جديد من الشراكة المتوازنة، بين السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي والتنمية.
[1] UN Security Council Resolution 2249 (2015), United Nations Security Council, issued 20 November 2015, https://shorturl.at/MypBi
[2] موقع التحالف الدولي GLOBAL COALITION، الرابط: https://theglobalcoalition.org/ar/
[3] إيان مكاري، تنظيم الدولة الإسلامية بعد خمس سنوات: التهديدات المستمرة والخيارات الأمريكية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 21 آذار/ مارس 2024، الرابط: https://bit.ly/493jcqO
[4] “الخارجية الروسية”: الوجود الأمريكي في سوريا “غير قانوني” وعامل في زعزعة الاستقرار، شبكة شام، 27 كانون الثاني/ يناير 2024، شوهد في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://bit.ly/49DG5RO
[5] موقع وزارة الخارجية الفرنسية، الرابط: https://bit.ly/4owcXAU
[6] Claire Mills, ISIS/Daesh: the military response in Iraq and Syria, House of Commons Library, 08 March, 2017, Link https://bit.ly/4onK75x
[7] إيان مكاري، تنظيم الدولة الإسلامية بعد خمس سنوات: التهديدات المستمرة والخيارات الأمريكية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 21 آذار/ مارس 2024، الرابط: https://bit.ly/493jcqO
[8] Amnesty International. (2019, April 25). Syria: Unprecedented investigation reveals US-led Coalition killed more than 1,600 civilians in Raqqa ‘death trap’, link https://bit.ly/4oTMgWy
[9] Airwars. (n.d.). U.S.-led Coalition in Iraq & Syria: estimate of civilian deaths, link https://bit.ly/43gDCci
[10] أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا تنشر بيانًا مشتركا حول التطورات في سوريا، ريباز نيوز، 2 كانون الأول/ ديسمبر 2024، الرابط: https://bit.ly/4qIVLcK
[11] مشروع الذاكرة السورية – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 25 كانون الثاني/ يناير 2025، بيان أمريكي-بريطاني-فرنسي-ألماني مشترك بشأن الحلّ السياسي في سورية، وثيقة، الرابط https://bit.ly/47ppEHx
[12] المجموعة المصغرة من أجل سورية ترحب بتشكيل اللجنة الدستورية، العربي الجديد، 27 أيلول/ سبتمبر 2019، شوهد في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://bit.ly/43PzdNz
[13] Borger, J. (2017, June 18). US plane shoots down Syrian aircraft that attacked US-backed forces, The Guardian, link https://bit.ly/3XbGmnD
[14] 65هجومًا.. تصاعد الهجمات الإيرانية على قواعد التحالف الدولي في سوريا، موقع +963، 27 تموز/ يوليو 2024، شوهد في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://bit.ly/486uWqD
[15] براك: الشرع سيزور واشنطن الشهر الجاري، الجزيرة، 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، شوهد في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://bit.ly/49AH84Y
[16] Will Syria join the Global Coalition to Defeat ISIS?”, Middle East Institute, published on 27 October 2025, https://tinyurl.com/4djzuyvp
[17] Samer al-Ahmed, Subhi Franjieh, Will Syria join the Global Coalition to Defeat ISIS?, Middle East Institute, 27 October 2025. Link https://bit.ly/43Al0nR
[18] تركيا اتفقت مع الأردن والعراق وسوريا على «تحالف رباعي» ضد «داعش»، الشرق الأوسط، 16 شباط/ فبراير 2025، الرابط: https://bit.ly/48YvBfL
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————-
في زيارة الشرع البيت الأبيض/ فاطمة ياسين
09 نوفمبر 2025
تغيّر شكل العلاقة السورية الأميركية منذ اليوم الذي أعقب سقوط نظام الأسد (الهارب)، وكان واضحاً منذ لحظة وصول الفصائل المعارضة إلى ساحة الأمويين في دمشق، أن العلاقة مع إيران قد انكسرت، وهو طريق لتغيير العلاقة مع واشنطن، الأمر الذي تحقّق بالفعل، وبخطوات متسارعة. وزاد من تسارعها وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ثمّ تعيين توم برّاك مسؤولاً أوّلَ عن الملفّ السوري، إضافة إلى وظيفته سفيراً للولايات المتحدة في تركيا، وهي المهمّة التي جعلت نافذته على سورية واسعةً، وسعى، بحكم موقعه من الملفّ السوري، وموقفه من الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى نحت شكل آخر للتعامل الأميركي السوري. وأدركت القيادة الجديدة في دمشق أهمية هذه العلاقة في إعادة بناء سورية على المستويات كلّها، وكان الطبيعي أن يبدأ بالإصلاح السياسي. فسورية حتى اليوم الأخير للأسد كانت ترزح تحت كومةٍ ضخمةٍ من العقوبات المتنوّعة (يعود أولها إلى أواخر السبعينيات).
معظم تلك العقوبات أميركي المصدر، وما تبقى منها يحظى بدعم أميركي كامل، وإزالتها هدفٌ أوَّل للشرع، الذي سعى فور توليه المنصب إلى المطالبة برفعها الفوري، وكرّر تلك المطالبة وزير خارجيته أسعد الشيباني. ويستلزم الرفع بطبيعة الحال موافقة الإدارة الأميركية، التي كانت حاضرة بالفعل، وبدأت بإزالتها بالتدريج. وفي الطريق، وجد الشرع نفسه وجهاً لوجه مع الرئيس ترامب في الرياض، حيث كانت مناسبة ذهبية ليطرح رئيس سورية نفسه بصورة مختلفة، وسيكون لدى الشرع غداً الاثنين فرصةٌ ثانيةٌ للقاء ترامب، وقد يشكّل هذا مناسبةً أخرى لرفع ما تبقّى من عقوبات.
لم يكن العامل الإسرائيلي غائباً عن العملية كلّها، فكانت حكومة إسرائيل على مقربة من المشهد، ترى كيف تحرّرت سورية وأصبحت على خطوة واحدة من العلاقات الكاملة مع الولايات المتحدة. لم تحاول إسرائيل تخريب تلك الجهود علناً، فقد كان التقارب واضحاً ويصعب وقفه، تدخّلت في تفصيلاته دول إقليمية رأت مصلحةً لها في عملية إعادة دمج سورية بمحيطها، وتقديمها إلى أميركا بصورتها الجديدة، وفي مقدّمها أحمد الشرع. لكن بما لديها من حظوة، أرادت إسرائيل أن تجعل التقارب يجري ضمن صفقة كبيرة، منها اتفاقية سلام سوريّة مع إسرائيل، وأبدى الشرع موافقةً مبدئيةً، وجرت لقاءات مباشرة وغير مباشرة بين المسؤولين من الطرفَين، وما زالت المفاوضات جاريةً، وتنجح قليلاً وتتعثّر غالباً. لم يؤثّر ذلك في مسيرة التقارب السوري الأميركي، ويبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تتقارب مع سورية بغض النظر عن نتيجة مباحثاتها للسلام، ولو أنها تفضّل أن يتوصّل الطرفان إلى قاعدة مشتركة تنهي حالة الحرب من دون أن تضغط على أيّ منهما.
الرغبة الأميركية في فتح صفحة جديدة مع سورية واضحةٌ، وتبدو الولايات المتحدة مستعدّةً في سبيلها لأن تتجاهل قليلاً مصالح إسرائيل، لصالح إقامة علاقات كاملة وحقيقية تضمن فيها عدم عودة أطراف معادية لها إلى سورية. وهي تدرك أن الضامن لذلك كلّه إدارة الشرع التي تنتظرها عقباتٌ وتحدّياتٌ كبيرة في الداخل، وفي أكثر من جبهة، فيما يستعدّ الشرع لزيارة ترامب في أول زيارة رسمية يجريها رئيس سوري للبيت الأبيض. والسعي الأميركي لهذا اللقاء بدأ بمقدّمة واعدة، طلب إزالة اسمَي الشرع ووزير داخليته من قوائم المطلوبين وقوائم الإرهاب العالمي، وهو ما جرى فعلاً قبل لقاء البيت الأبيض.
قد تعطي الزيارة منافع لسورية خسرتها منذ أكثر من 60 عاماً، لهث خلالها نظام الأسد لتثبيت حكمه، وانتهى بشكل درامي. وتحين اليوم الفرصة لكتابة تاريخ جديد من دون حساسية التعامل مع أميركا أو القرب الشديد منها. هذه الحساسية التي ضُخّمت في ما مضى، كانت من الآثار الجانبية عقوداً طويلة من تحالف سورية مع الاتحاد السوفيتي، وروسيا من بعده.
————————————————
تحالف الضرورة أم إعادة للتموضع؟ قراءة في انضمام سوريا إلى التحالف الدولي/ أغيد حجازي
9 نوفمبر 2025
تفتح زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، وتصريحات المبعوث الأميركي “توم براك” بشأن توقيع اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بابًا واسعًا على تحولات مرتقبة.
هذه التحولات لا تقتصر على كونها عسكرية أو أمنية فحسب، بل تطرح أسئلة سياسية وسيادية عميقة: هل يعني ذلك إعادة تموضع لسوريا من محور إقليمي قديم إلى شراكة معلنة مع واشنطن؟ هل يمنح الوجود الأميركي العسكري في البلاد غطاءً شرعيًا جديدًا؟ وكيف ستتفاعل معه “داعش” والقاعدة والتنظيمات الجهادية المتطرفة؟ وما موقع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي كانت تاريخيًا الطرف المحلي الأكثر التصاقًا بالتنسيق مع التحالف الدولي ضد “داعش”؟
تداعيات الانضمام إلى التحالف الدولي
وفي سياق الجدل المتصاعد حول دلالات انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، برزت قراءات سياسية متباينة حول تأثير هذه الخطوة على موقع سوريا الإقليمي وتوازناتها الداخلية. ويرى عدد من المراقبين أن هذه المشاركة لا تقتصر على بعدها الأمني، بل تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية عميقة قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة. وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي غسان يوسف إن “انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة سيشكل تحولًا جذريًا في موقع سوريا السياسي”، موضحًا أن “هذه الخطوة ستضع الدولة السورية في مواجهة مفتوحة مع الإرهاب، سواء في الداخل أو الخارج، بل ومع الدول أو الحركات التي تدعم الإرهاب”، مشيرًا إلى أن “ذلك قد يترتب عليه عواقب داخلية خطيرة، أبرزها ظهور حركات راديكالية جديدة تكفّر من ينضم إلى التحالف الدولي وتعتبره متعاونًا مع الغرب أو مع إسرائيل”.
وأضاف لـ” الترا سوريا” أن “الانضمام إلى التحالف قد يؤدي أيضًا إلى خروج جماعات متشددة من الداخل، بعضها قد يرفض الصدام مع الدولة السورية، في حين قد تأتي جماعات أخرى من الخارج لمحاربتها”، لافتًا إلى أن “هذا التطور قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين فصائل متباينة، إذ إن بعض الحركات قد تعلن تأييدها للدولة وخيارها السياسي، بينما سيعلن بعضها الآخر عداءه العلني لها”.
وأشار يوسف إلى أن “سوريا تجد نفسها اليوم أمام مشهد جديد تقوده قوى كانت تصنف سابقًا كخصوم لها”، موضحًا أن “الولايات المتحدة تدرك أن الرئيس أحمد الشرع هو الأقدر على محاربة الجماعات الراديكالية في سوريا، بحكم خبرته الطويلة ومعرفته ببنية هذه التنظيمات التي كان قريبًا من بيئتها خلال فترات سابقة”.
وأكد أن “انضمام سوريا إلى التحالف الدولي قد يسهم فعلًا في القضاء على التنظيمات الإرهابية المتبقية داخل البلاد، ويفتح الباب أمام تفاهمات جديدة مع واشنطن تتعلق بملفات حساسة، أبرزها شرعية الوجود الأمريكي في سوريا”، مشددًا على أن “ذلك قد يشمل إعادة النظر في وضع قاعدة التنف، سواء بتفكيكها أو بشرعنتها أو حتى بإقامة قواعد أميركية جديدة بموجب اتفاق رسمي مع دمشق”.
وختم يوسف بالقول إن “الاتفاق مع الولايات المتحدة لن يقتصر على مكافحة الإرهاب، بل قد يمتد إلى تفاهمات اقتصادية وعسكرية تشمل البر والبحر والجو”، مضيفًا أن “رفع العقوبات الأميركية عن سوريا قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون مع واشنطن وحلفائها، وربما يؤدي إلى توقيع اتفاق سلام شامل مع إسرائيل، ما يجعل سوريا أقرب إلى موقع دول مثل مصر والأردن في علاقتها مع الولايات المتحدة”.
موقع قسد بعد انضمام دمشق إلى التحالف
لطالما اعتُبرت قسد الشريك الفعلي للتحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش والقاعدة في سوريا، وقد خصص لها البنتاغون ميزانية سنوية لدعم تعاونها في مكافحة الإرهاب. غير أن التساؤل المطروح اليوم هو: هل سيضعف موقع قسد بعد انضمام العاصمة دمشق إلى التحالف وتولّيها هذا الدور، أم أن التحالف الدولي سيبقى بحاجة إلى قسد نظرًا إلى خبرتها الطويلة التي لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة؟
يُجيب الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط، سامر الأحمد، في حديث لموقع “الترا سوريا” بأن “انضمام سوريا إلى التحالف الدولي يضعف موقف قسد”، لكنه في الوقت نفسه “قد يسرّع عملية اندماجها ضمن المنظومة العسكرية الرسمية”، موضحًا أن “هذا الانضمام سيولّد على قسد ضغوطًا إضافية من القوات التابعة للتحالف، ولا سيما الأميركية منها، لتسريع خطوات الاندماج”.
وأضاف الأحمد أن “الجهة الأساسية في سوريا لمحاربة الإرهاب ستكون هي من ينضم رسميًا إلى التحالف، وليس الأداة التي كانت تعمل معه”، معتبرًا أن “التعامل مع الحكومة يختلف تمامًا عن التعامل مع قوة محلية مرتبطة بالتحالف”.
وفي ما يتعلق بمسألة محاربة تنظيم داعش، أشار الأحمد إلى أن “بنود اتفاق العاشر من آذار واضحة، فقسد ستكون جزءًا من الجيش السوري، واستراتيجية هذا الجيش وعقيدته القتالية تقوم على حماية أمن البلاد من كل المخاطر، بما في ذلك الإرهاب وحماية الحدود”.
وأوضح أن “داعش يشكّل أحد هذه المخاطر بطبيعة الحال”، لافتًا إلى أن “المرحلة الماضية شهدت تنفيذ خمس أو ست عمليات مشتركة بين الجيش السوري وقوات التحالف، شاركت فيها وزارتا الدفاع والداخلية”، معتبرًا أن ذلك “يعكس ملامح العقيدة القتالية الجديدة للجيش، والتي تقوم على الدفاع عن البلاد ضد أي تهديد، سواء أتى من تنظيم متطرف أو من جهة تسعى إلى زعزعة الأمن الداخلي أو تهديد الحدود”.
ردّ فعل الجماعات الجهادية واحتمالات التصعيد الأمني
محاربة تنظيم داعش بالنسبة للإدارة السورية الحالية باتت فعّالة منذ رفضها البيعة لأبو بكر البغدادي عام 2013. وبعد أن كانت جبهة النصرة فرعًا لتنظيم القاعدة في سوريا، ثم فكت الارتباط بها عام 2016 وتحوّلت لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام، أصبح الصراع أيضًا مع تنظيم القاعدة نفسه، ودارت بين الطرفين معارك عديدة.
غير أن الانضمام الرسمي إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش والقاعدة يجعل المشهد أكثر تعقيدًا بحسب ما قاله الصحفي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية صهيب عنجريني لموقع “الترا سوريا”، إن “انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، إن حدث فعلًا، سيشكّل نقطة ضغط كبيرة على الرئيس أحمد الشرع ونظامه”، موضحًا أن “التحالف كان يعمل سابقًا داخل سوريا في عهد نظام الأسد من دون الحاجة إلى توقيع رسمي، ما يجعل خطوة التوقيع الحالية ذات دلالة على وجود ضغط مباشر على الشرع”.
وأضاف عنجريني أن “هذه الخطوة قد تعني التزامات كان الشرع قد تعهّد بها شفهيًا، وأصبح اليوم مطالبًا بتوقيعها رسميًا، وهو ما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا”، مشيرًا إلى أن “المشهد العام في سوريا بدءًا من العام القادم قد يشهد تحولات كبيرة مرتبطة بهذه الخطوة”.
ورأى أن “رد فعل الجماعات الجهادية، وخاصة تنظيم داعش، سيكون حادًا”، لافتًا إلى أن “التنظيم صعّد من لهجته تجاه هيئة تحرير الشام والنظام السوري خلال الشهر الماضي في صحيفة النبأ، حيث انتقل من الخطاب العام إلى التهديد المباشر، ثم إلى التكفير واتهام النظام والهيئة بالعمالة والتبعية، وصولًا إلى التلويح بالانتقام”.
وأوضح أن “هذا التصعيد، الذي سبق توقيع التحالف، يوحي بأن المرحلة المقبلة لن تقتصر على تصعيد كلامي، بل قد تشمل اختراقات أمنية وعمليات إرهابية متفرقة”، مضيفًا أن “الخطر يكمن في أن هذه العمليات لن تكون متركزة في منطقة واحدة، بل ستتوزع على كامل الجغرافيا السورية، وهو ما يعمّق من عجز النظام الجديد عن بسط الأمن الكامل”.
وأشار عنجريني إلى أن “واحدة من أبرز المعضلات التي تواجه النظام اليوم هي ضعف السيطرة الأمنية على كامل الأراضي السورية، وبالتالي فإن أي تصعيد محتمل سيزيد المشهد تعقيدًا”، مؤكدًا أن “أي عمليات تفجير أو هجمات إرهابية متزامنة في مناطق مختلفة ستفتح الباب أمام مرحلة أمنية شديدة الخطورة”.
وتناول عنجريني في حديثه احتمال عودة تنظيم القاعدة إلى الواجهة، موضحًا أن “التحالف المُعلن يقوم على محاربة داعش والقاعدة بالاسم، بينما تحافظ القاعدة حاليًا على هدنة ومبادرات تهدئة منذ سقوط النظام السابق، أبرزها إعلان تنظيم حراس الدين حلّ نفسه مبكرًا”، متسائلًا عن “رد فعل القاعدة إذا انضمّ الشرع رسميًا إلى تحالف عالمي يقول إنه يحاربها”.
وختم بالقول إن “منطق الأحداث يشير إلى أن هذه الهدنة ستنتهي، وستعتبر القاعدة أن الشرع هو من أنهى التفاهم الضمني، ما سيدفع الجماعات المرتبطة بها إلى الرد بعمليات ضد النظام”، متوقعًا أن “يكون العام 2026 عامًا صعبًا أمنيًا على سوريا، وربما مختلفًا عن كل ما شهدته البلاد حتى الآن، مع احتمال توسع رقعة التصعيد لتشمل معظم المحافظات السورية”.
الترا سوريا
—————————————-
تحالف دمشق- واشنطن: نهاية عهد الوكلاء في سوريا/ مصطفى كطاف
الأحد 2025/11/09
من العاصمة الأميركية واشنطن، يبدأ الفصل الجديد في العلاقات السورية الأميركية، مع وصول الرئيس السوري أحمد الشرع في زيارة تاريخية تعد رافعة حقيقية لتحول استراتيجي يهدف إلى ترميم الجرح السوري وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.
وكان مستشار الرئيس، أحمد زيدان، أكد في حديث لوسائل إعلام عربية، أن هذه الزيارة ستشكل رافعة حقيقية للعلاقات السورية – الأميركية، مشيراً إلى أن وقوف السعودية إلى جانب سوريا كان له دور جوهري في دفع العلاقات بين دمشق وواشنطن.
قاعدة عسكرية في دمشق
ولعل أبرز ملامح هذا التغيير الجذري هو الترتيبات الجارية لإنشاء قاعدة عسكرية جوية أميركية في جنوب دمشق تهدف إلى توفير الحماية لسوريا ومراقبة اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل، وهو ما يمثل عودة للتنسيق الأمني واللوجستي مع دمشق التي تحتفظ بالسيادة الكاملة على هذه المنشأة، والخطط الأميركية للوجود في العاصمة السورية علامة على إعادة تنظيم سوريا استراتيجياً مع الولايات المتحدة. واللافت هنا هو أن هذه القاعدة وتلك التفاهمات تأتي في سياق دخول سوريا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، تزامناً مع حملة غير مسبوقة تشنها الحكومة السورية نفسها على خلايا تنظيم “داعش” في البلاد، ما يؤكد التزام دمشق باستعادة أمنها واستقرارها بالتنسيق المباشر مع المركز.
أزمة “قسد”
وفي هذا السياق الملتهب، تظهر الأزمة الأخيرة التي عصفت بقوات سوريا الديمقراطية “قسد” حيث عبر مظلوم عبدي عن استنكاره الشديد بسبب الرفض الأميركي المفاجئ لمنح قيادات “قسد” تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، رغم التنسيق القائم في محاربة الإرهاب، وقد أكد عبدي أن هذا القرار يبعث على القلق ويفتح باب التساؤلات حول موقف الإدارة الأميركية من شركائها، وهو ما يبعث برسالة سياسية واضحة تؤكد حقيقة ساطعة وهي أن مهمة “قسد” الوظيفية قد انتهت، وأن دورها كوكيل انتهى بانتهاء مرحلة معينة، وأن هذه الميليشيات لم تكن يوماً جزءاً من النسيج الوطني السوري أو معبّراً عن إرادة الشعب بل كانت أداة عابرة ضمن أجندة مؤقتة، واليوم يسدل الستار على حقبة عهد الوكلاء الذين قاموا بمهمة مرحلية لم تخدم إلا مصالح القوى الخارجية والآن يتم الحديث عن ضرورة تفكيك “قسد” والتنسيق الكامل مع المركز في دمشق، كجزء من عملية إعادة التموضع الاستراتيجي الذي تقوده واشنطن لتثبيت الاستقرار الإقليمي.
دعم الاقتصاد
أما الهدف الأهم الذي تسعى إليه هذه الخطوات الدبلوماسية المتسارعة، والتي أكد زيدان في سياقها أن “عهد المحاور كلف سوريا الكثير” وأن الدولة السورية تسعى لعلاقات متوازنة، فهو دعم الاقتصاد السوري ورفع العقوبات في أقل من سنة، في محاولة لإنعاش الحياة والخدمات وإعادة أربعة عشر مليون لاجئ ومهجر سوري ضمن مسار شامل للمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار.
هذا التحول العاصف في المشهد السوري هو تجسيد حي لقانون السياسة الدولية الصارم: “لا وجود للصداقات الدائمة بل للمصالح الدائمة”. فدمشق، التي صمدت في وجه العزلة، تعود اليوم إلى قلب المعادلة كطرف سيادي لا يمكن تجاوزه، مدعومة بإرادة إقليمية لإغلاق ملف الأزمة.
في المقابل، تُظهر أزمة تأشيرات “قسد” اللحظة الأكثر مرارة لأي وكيل: لحظة انتهاء الصلاحية. الرفض الأميركي هو إعلان رسمي بأن زمن الاعتماد على الميليشيات قد ولى، وأن البوصلة قد عادت لتشير نحو العواصم والكيانات الشرعية. إن الطريق لترميم الجرح السوري، اقتصادياً وأمنياً، يمر حتماً عبر بوابة دمشق السيادية، والخطوات المتسارعة تؤكد أن المنطقة على موعد مع ترتيبات كبرى تنهي حالة الفوضى وتبدأ عهد الاستقرار تحت المظلة الوطنية.
————————
ماذا وراء رفع العقوبات عن الشرع وخطاب؟/ أحمد العكلة
دمشق- في تطور لافت، اعتمد مجلس الأمن الدولي أمس الأول قرارا أميركيا برفع أسماء الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، استنادا إلى قراراته 1267 و1989 و2253، مما ينهي حظر السفر والتجميد المالي وحظر الأسلحة المفروض عليهما منذ عامي 2013 و2014.
وحظي القرار بتأييد 9 أصوات دون أي فيتو، وذلك قبل أيام قليلة من زيارة الشرع المتوقعة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترامب. ويأتي في سياق جهود أميركية مكثفة لتطبيع العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما يتوافق مع سلسلة خطوات سابقة، مثل رفع معظم العقوبات الأميركية في مايو/أيار الماضي، وإيقاف تنفيذ قانون قيصر لمدة 180 يوما في يونيو/حزيران 2025، مع دعم إدارة ترامب لإلغائه نهائيا من خلال قانون الدفاع الوطني.
صفحة جديدة
في تصريح للجزيرة نت، قال أحمد الكناني، الباحث السياسي والمحاضر في كلية الإعلام بجامعة دمشق، إن قرار تصنيف مناطق شمال سوريا كحاضنة للإرهاب، الذي فرضه المجتمع الدولي تحت ضغط روسي وصيني خلال السنوات الماضية، كان المسار الأول في العملية الانتقالية الدولية.
وأوضح أن هذا التصنيف علق سوريا إقليميا ودوليا، وأدى إلى توجيه واضح يحدد الأفعال الإرهابية، لكنه كان يُطبق على كل معارض للنظام السابق، مما أسفر عن محاسبات وتهجير وسجن على خلفيات سياسية بحتة.
وضعت التحديثات الجديدة، وفق الكناني، تعريفات دقيقة لمصطلح الإرهاب مما أعاد الحقوق للسوريين في الشمال بعد وصمهم بهذه الصفة لسنوات طويلة. ولا يقتصر رفع اسم دمشق من قائمة الدول الراعية للإرهاب على إزالة اسم الرئيس فحسب، بل يشمل الدولة بأكملها مما يفتح أبواب إعادة الإعمار والاستثمار.
ويصف التقارب السوري الأميركي بعملية إعادة تموضع لسوريا ضمن المعسكر الغربي، مدعومة باتفاقيات ومعاهدات تعزز قوتها. ويضيف أن دمشق حققت توازنا مع دول عدة، مستفيدة من زيارات الشرع إلى روسيا والدور الأميركي، إلى جانب موقعها الجيوسياسي الإستراتيجي.
ويعتبر أنه خلال 11 شهرا فقط من سقوط نظام الأسد، بنت دمشق شبكة علاقات قوية عربيا وإقليميا. لكنه يقر بوجود “ثمن تدفعه سوريا مقابل هذا التموضع، يتمثل في ضغوط أميركية للتطبيع مع إسرائيل، الذي كان شرطا رئيسيا لرفع العقوبات”. وأن الشرع نجح في إبعاد سوريا عن هذا المسار خلال الأشهر الماضية، نظرا لعدم توفر الظروف الأمنية والسياسية المناسبة.
ويخلص الكناني إلى أن البلاد حققت توازنا بين مصالحها الوطنية وسيادتها من جهة، والضغوط الدولية من جهة أخرى، لكن ملف العلاقات مع تل أبيب يتطلب مسارات معقدة تفرضها القوى الكبرى.
خطوة تاريخية
من جانبها، أكدت عزة عبد الحق، عضو استشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، للجزيرة نت، أن رفع دمشق وحكومتها من قائمة الإرهاب يمثل خطوة تاريخية تشبه “فتح باب حديد مقفل منذ 20 عاما”. وأشادت بجهود الحكومة داخليا ودوليا، معتبرة القرار دليلا على نجاحها.
داخليا، سيسهم الرفع -برأيها- في عودة اللاجئين والشباب للعمل والإنتاج، وإقامة المشاريع، مما يعيد الأمل والطموح. كما يعزز الشعور بالفخر بعد سنوات من الاتهامات التي خلطت بين النظام السابق والشعب “المناضل”. ولن تكون هناك تهمة دولية لأي سوري مما يعزز المواطنة والتآخي. كما يسقط حجج “الانفصاليين” الذين كانوا يتذرعون بتهم الإرهاب، “فالعالم يمد يد العون ويعترف بشرعية دمشق، مما يجعل الجنوب والشمال يدركان أن الحكومة ليست وحيدة”.
أما خارجيا، فتتوقع عبد الحق تدفق أسواق جديدة ومكاتب أميركية واستثمارات ضخمة من الخليج وواشنطن وأوروبا، دون خوف من التعامل الاقتصادي أو السياسي. وتشدد على ضرورة العمل يدا بيد بين الحكومة والشعب، عبر توفير الحريات، وتكافؤ الفرص، والسلم الأهلي، وتطبيق القانون، والحوار المستمر لدعم الشرعية داخليا.
وتربط رفع عقوبات قيصر ببدء الإعمار، مشيرة إلى تردد المستثمرين الأميركيين والأوروبيين بسبب عدم الرفع الكلي من الكونغرس، الذي يحتاج دعما شعبيا أميركيا وتوقيع ترامب. وتضيف أن تحسن العلاقات ورفع التصنيف سيغير الرأي العام، مما يجعل الرفع وشيكا، يليه تدفق استثمارات تشجع التصدير والاستيراد، وتعيد البنية التحتية والاقتصاد إلى السوق العالمية.
وبشأن وجود عسكري أميركي محتمل في قاعدة جوية بدمشق، تراه عبد الحق إيجابيا لمكافحة الإرهاب، وتقليل التوترات، ودفع اتفاقات أمنية تحمي الشعب. وتقول إنه “قد يثير غضب روسيا وإيران”، لكنه يحتاج رضا شعبيا وتنسيقا حكيما لأن الشعب يرغب في حلفاء أقوياء بعيدا عن الدمار السابق، مع خطة إعمار وتبادل خبرات.
في سياق متصل، تحدث تقرير لوكالة رويترز عن تخطيط أميركي لحضور عسكري محدود جنوب دمشق، مع الحفاظ على السيادة السورية، لدعم وساطة أمنية مع إسرائيل، وللدعم اللوجستي والمراقبة والعمليات الإنسانية، بينما نفت الخارجية السورية ذلك في بيان صحفي.
ثمن الرفع
من جانبه، أكد المهندس عصام زهير غريواتي، رجل الأعمال السوري الأميركي ورئيس غرفة تجارة دمشق، للجزيرة نت، أن لا استقرار سياسيا أو اقتصاديا يتحقق مع استمرار العقوبات. وأن سوريا الجديدة لا تستحق أي قيود تحد من دخول الشركات والمستثمرين، وفضاء الاستثمار مثالي لإعادة الإعمار، وتحسين الناتج المحلي، وتطوير البنية التحتية، وإدخال التقنيات الحديثة.
وشدد على أن الاقتصاد عانى كثيرا، ويجب معالجة الفقر والبطالة والتضخم عبر استثمارات تمثل “طوق النجاة” حتى تعود الموارد المحلية القادرة على استيعاب اللاجئين وتوفير فرص عمل وسكن. وأضاف أن الأمور مترابطة وتحتاج عملا سياسيا ودبلوماسيا يؤكد العدالة الانتقالية وتوزيعا عادلا للموارد. وأن الانفتاح السوري يؤكد نهجا مختلفا للاستقرار والتنمية.
في المقابل، حذر الباحث السياسي عبد الله الخير من أن رفع اسم الرئيس السوري من قوائم الإرهاب لن يكون مجانيا، بل مقابل تطبيع كامل مع إسرائيل. وأن الغرب يتبع “الثمن مقابل الخطوة”، مما يفتح باب تنازلات إستراتيجية.
وبرأيه، فإن “الثمن الأبرز قد يكون مرتفعات الجولان السوري، مع اتفاقات تكرس السيطرة الإسرائيلية، وربما تبادل أراض يضعف المطالب السورية. والجنوب هدف آخر عبر تهدئة حدودية تمنع دعم المقاومة الفلسطينية، وتحوله إلى منطقة عازلة”.
ودعا الخير إلى رفض صفقات “تفرغ السيادة”، مؤكدا أن الرفع حق لا ورقة مساومة، و”سوريا لن تُباع ولا يُمنح الجولان بأي ثمن”.
المصدر: الجزيرة
————————–
البيت الأبيض يستقبل الرئيس السوري بقائمة من المطالب
الشرع سيستغل الزيارة لرفع العقوبات بهدف النهوض بالاقتصاد وإعادة الإعمار
واشنطن: هبة القدسي
9 نوفمبر 2025 م
يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، صباح الاثنين، الرئيس السوري احمد الشرع، في زيارة وُصفت بالتاريخية بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية بين واشنطن ودمشق، وهي أول زيارة من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946. وتستهدف الزيارة استعادة العلاقات، وتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
ويمثل هذا الاجتماع أعلى مستوى من التواصل بين البلدين، منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية قبل أكثر من 14 سنة، وبعد رفع واشنطن اسم الشرع ووزير داخليته من قائمة الإرهاب، ورفع العقوبات الأميركية ضد سوريا، وتقديم التماس لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لرفع العقوبات الأممية المفروضة على الشرع وصفتها إدارة ترمب بأنها خطوة ستعزز الأمن والاستقرار الإقليميين.
اللقاء بين ترمب والشرع، رسمياً، هو الثاني بعد لقائهما في الرياض في مايو (أيار) الماضي بوساطة من الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، وخلال هذا اللقاء، أعلن ترمب أنه سيرفع العقوبات الأميركية ضد سوريا التي استمرت عقوداً.
واستعد البيت الأبيض لهذا اللقاء التاريخي بقائمة من المطالب والنقاط الرئيسية المطروحة على طاولة الاجتماع، حيث صرح مسؤولون أن إدارة ترمب تسعى إلى إقناع الحكومة السورية الجديدة بتفكيك مخزون الأسلحة الكيماوية، وتوقيع اتفاقية للانضمام إلى (التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب) الذي يضم 80 دولة، تتولى فيه الحكومة السورية مسؤولية مكافحة تنظيم «داعش»، والتوافق على خطط عمليات سورية أميركية مشتركة لمكافحة الإرهاب، وترسيخ علاقة تضع سوريا شريكاً أمنياً محتملاً بدلاً من كونها دولة منبوذة والتعاون في تحديد أماكن المواطنين الأميركيين المفقودين.
اتفاق مع إسرائيل «دون تطبيع كامل»
ويعد إبرام اتفاقية أمنية ببين سوريا وإسرائيل، الأبرز في هذا الاجتماع، بشكل يضمن انضماماً محتملاً إلى «اتفاقيات إبراهيم»، مع ترتيبات أمنية تشبه اتفاق 1974 بين سوريا وإسرائيل لكن دون تنازل عن الجولان المحتل.
ومنذ سقوط نظام الأسد، أواخر العام الماضي، سيطرت إسرائيل على منطقة عازلة كانت تشرف عليها الأمم المتحدة في جنوب سوريا، وسعت إلى إنشاء منطقة منزعة السلاح تمتد إلى جنوب دمشق. وتجري المفاوضات حول إمكانية التوصل إلى اتفاقية أمنية يحصل بمقتضاها الشرع على ضمانات أميركية للضغط على إسرائيل لوقف الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا وانسحاب القوات من جنوب سوريا، مقابل اتفاق أمن يحافظ على سيادة سوريا «دون تطبيع كامل».
وبحسب تسريبات لم تؤكدها واشنطن أو دمشق، تستعد إدارة ترمب لنشر جنود أميركيين في مواقع عسكرية داخل سوريا للمساعدة في تعزيز اتفاقية أمنية محتملة بين سوريا وإسرائيل، ومراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني دون خروقات. ويسود غموض حول هذه المواقع وعدد القوات الأميركية التي تشارك في هذه المهمة وتوقيت وصولها. كما تجري النقاشات حول سيطرة السلطات السورية الكاملة على هذه القواعد، وحول تقليصها إلى قاعدة واحدة قرب العاصمة دمشق.
وكان المبعوث الأميركي إلى دمشق، توم براك، قد صرح في وقت سابق، أن الولايات المتحدة خفضت عدد قواتها المتركزة في السابق في سوريا والبالغة 2000 جندي، وأغلقت عدة قواعد عسكرية.
عقوبات قيصر
وأشار المسؤولون إلى أن إدارة ترمب تستهدف تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط من خلال تعزيز هذه المبادرات لمكافحة الإرهاب، ووضع الحكومة السورية الجديدة في اختبار يمهد لعودتها إلى النظام الدولي، وإنهاء عزلتها الطويلة. وتعد القضية الأبرز إلغاء قانون قيصر الذي فرض عقوبات شاملة على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد وقواته الأمنية.
وقد تم بالفعل رفع العقوبات بأمر رئاسي، لكن الإلغاء النهائي يتطلب تصويتاً من الكونغرس. وقد أشار الرئيس ترمب في تصريحات للصحافيين قبل عدة أيام، إلى رغبته في دفع الكونغرس لإلغاء العقوبات مشيداً بالرئيس السوري، قائلاً: «إنها منطقة صعبة وهو رجل قوي، وأنا على وفاق معه بشكل جيد للغاية، وقد تم إحراز تقدم كبير مع سوريا».
ويواجه الرئيس ترمب تحفظات من بعض الجمهوريين في الكونغرس، حيث أعرب النائب برايان ماست الرئيس الجمهوري للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، عن تحفظاته بشأن الإلغاء الكامل لعقوبات قيصر. كما يضغط السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على وضع اشتراطات مقابل الإلغاء، وجعله تدريجياً ومرتبطاً بتوفير الأمن، وتمثيل الأقليات العرقية والدينية، والحفاظ على علاقات سلمية مع دول أخرى في المنطقة بما في ذلك إسرائيل، وإبعاد المقاتلين الأجانب من المؤسسات الرسمية.
أهداف الشرع
من جانبه، يعمل الشرع على استغلال الزيارة في دفع الإدارة الأميركية لتنفيذ الرفع الكامل للعقوبات المتبقية على بلاده، ومساعدته في النهوض بالاقتصاد السوري، والحصول على مساعدات أميركية ودولية. ويركز الشرع على خطط إعادة إعمار سوريا المنهكة بعد حرب أهلية دامت 14 عاماً، وتقدَّر التكلفة، وفق البنك الدولي، بأكثر من 216 مليار دولار. ويعد الرفع الكامل للعقوبات المتبقية عل سوريا بما في ذلك قانون قيصر، الخطوة المطلوبة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
ويسعى الشرع للحصول على دعم أميركي واستثمارات أميركية في مجال النفط والغاز، ويبدي مرونة براغماتية فيما يتعلق بالتعاون الأمني مع إسرائيل، لكنه يسعى إلى اتفاق يحفظ سيادة سوريا دون تطبيع كامل معها.
ويشير خبراء في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى أن اللقاء بين ترمب والشرع يعد فرصة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، لكنه يحمل أيضاً كثيراً من المخاطر. وقال أحمد شوقي الباحث بالمعهد إن الصفقة الأمنية مع إسرائيل قريبة بنسبة 99 في المائة، مطالباً إدارة ترمب بالاستمرار في الضغط على القيادة السورية لضمان استبعاد المتطرفين من الجيش السوري.
من جهته، حذر إدموند فيتون براون، الباحث في المعهد، من التفريط في أدوات الضغط الأميركية محذراً من الرفع الكامل للعقوبات الأميركية، ومشيراً إلى أن سوريا قد تعود إلى الفوضى ما لم تلتزم الإدارة الجديدة بمكافحة الإرهاب وحماية الأقليات، وسط القلق لدى المشرعين الأميركيين من أن العنف الطائفي يقوض الثقة بحكومة الشرع.
وفيما يتعلق بالاتفاق الأمني مع إسرائيل، تَوَقَّعَ جوناثان شانزر بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن مسار التوصل إلى هذا الاتفاق سيكون تدريجياً لبناء الثقة، مشيراً إلى أن مرتفعات الجولان ستظل عقبة كبيرة بين الجانبين، خاصة أن الشرع يرفض التطبيع الكامل مع إسرائيل، ويوافق فقط على اتفاق أمني دون تنازل عن الأراضي المحتلة.
——————————–
الشرع من واشنطن في زيارة تاريخية: العقوبات في مراحلها الأخيرة
09 نوفمبر 2025
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الأحد، خلال زيارة تاريخية إلى واشنطن هي الأولى لرئيس سوري منذ 79 عاماً، إن العقوبات الدولية على سورية “في مراحلها الأخيرة، وعلينا متابعة العمل لرفعها”. ودعا الشرع منظمات سورية في واشنطن إلى استثمار “الفرصة النادرة” وإعادة إعمار البلاد. ومن المقرر أن يلتقي الشرع في زيارته الأولى إلى البيت الأبيض نظيره الأميركي دونالد ترامب.
وقالت قناة الإخبارية السورية إن الشرع التقى منظمات سورية في واشنطن، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني. الشرع تحدث عن “روح التعاون بين السوريين في المهجر وخطة البناء لسورية بسواعد أبنائها”. وشدد على أن “الفرصة التي أتت للسوريين هي فرصة نادرة وعلينا استثمارها”. وأكد أن “سورية بحاجة لجهود أبنائها في الداخل والخارج لإعادة إعمارها”.
وكان الشرع قد وصل إلى الولايات المتحدة مساء أمس السبت، في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، من المقرر أن يلتقي خلالها الرئيس الأميركي. ويتوقّع أن توقّع دمشق خلال هذه الزيارة اتفاقاً للانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الذي تقوده واشنطن، كما كان قد أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس برّاك.
وأجرى الشرع أول زيارة له إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حيث ألقى كلمة. وتُعدّ مسألة وضع حد لقوانين عقوبات مفروضة على سورية، أبرزها القانون الشهير المعروف بقانون قيصر أولوية لدى الرئيس السوري الذي يلتقي الرئيس الأميركي في خطوة بالغة الأهمية ولها الكثير من الدلالات السياسية متعددة الجوانب.
والقانون الذي دخل حيّز التنفيذ رداً على المجازر التي ارتكبها نظام الأسد، وتصفية الآلاف من المعتقلين في السجون، لا يزال محل نقاش وجدل في أروقة السياسة والمشرعين الأميركيين، رغم تأييد الإدارة الأميركية المعلن لإلغاء هذا القانون الذي يتضمن عقوبات صارمة بحق سورية تكبّل الاقتصاد السوري وتحول دون إعادته إلى النظام المالي العالمي، وتقع حائلاً دون تدفق الاستثمارات وانخراط الشركات الكبرى في عمليات إعادة الإعمار. واستغرق إنجاز هذا القانون نحو ست سنوات، ونص على فرض عقوبات على الأسد وأركان حكمه البائد، وعلى أي جهة تقدم الدعم أو تتعامل معه.
وكان الرئيس ترامب قد وقّع في يونيو/حزيران الفائت أمراً تنفيذياً ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سورية لمنحها “فرصة للازدهار”. ويحق للرئيس الأميركي إلغاء أو تجميد العقوبات الرئاسية التي فرضت على سورية بأوامر تنفيذية وعددها ثمانية أوامر إدارية، صدرت بين عامي 2004 و2019 دون الحاجة للرجوع إلى الكونغرس بغرفتيه (الشيوخ والنواب)، للحصول على موافقته.
وقبيل الزيارة، شطبت الولايات المتحدة الجمعة رسمياً الشرع من قائمة الإرهاب، غداة رفع مجلس الأمن الدولي العقوبات عنه أيضاً. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت: “هذه التدابير يجري اتخاذها في معرض الإقرار بالتقدم الذي تظهره القيادة السورية بعد رحيل بشار الأسد وأكثر من خمسين عاماً من القمع في ظل نظام عائلة الأسد”.
(فرانس برس، الأناضول، العربي الجديد)
————————–
العلاقات السورية – الأميركية… من شكري القوتلي إلى أحمد الشرع/ سامي مبيض
ستكون زيارة الشرع هي الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض في التاريخ
آخر تحديث 09 نوفمبر 2025
سوريا أمام مفترق طرق، بعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض يوم 14 مايو/أيار 2025، واللقاء الثاني بين ترمب والشرع على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول الماضي، واللقاء الثالث الذي سيعقد في البيت الأبيض في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ستكون زيارة الشرع هي الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض في التاريخ، علما أن محمد علي العابد زاره قبل أن يكون رئيساً عام 1932، يوم قدم أوراق اعتماده كسفير للسلطنة العثمانية عام 1908، وكذلك ناظم القدسي، عندما كان سفيراً عام 1944، قبل سنوات من انتخابه رئيساً عام 1961. وقد زار الرئيس شكري القوتلي أميركا في مطلع الستينات، بعد خروجه من الحكم عام 1958، لكنه بقي في هيوستن للعلاج ولم يزر واشنطن. أما عن القمم الرئاسية فكانت عدة في عهد حافظ الأسد، مع ريتشارد نيكسون في دمشق عام 1974، ومع جيمي كارتر في جنيف عام 1977، ومع جورج بوش الأب في جنيف أيضاً عام 1990، ومع بيل كلينتون، في دمشق (1994) وجنيف (1996، 2000). في كل مرة كانت أمور مفصلية عدة توضع على طاولة المفاوضات، ويأتي تغير جذري في سياسة سوريا الخارجية كما هو الحال اليوم مع تزايد الكلام عن قرب دخول دمشق في التحالف الدولي ضد الإرهاب.
وفيما يلي تاريخ القمم السورية-الأميركية منذ فتح المفوضية السورية في واشنطن عام 1944:
القمة التي لم تعقد: القوتلي–روزفلت (1945)
كما هو الحال اليوم في الدور المحوري الذي لعبه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جمع ترمب والشرع في الرياض، عمل جدُّه الملك عبد العزيز على جمع الرئيس شكري القوتلي بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في مصر سنة 1945. كان ذلك بعد سنة على تبادل السفارات بين البلدين، وفي أعقاب عودة روزفلت من مؤتمر يالطا، واللقاء الشهير الذي جمعه بالعاهل السعودي في 14 فبراير/شباط 1945. لم يكن أي رئيس سوري قد التقى برئيس أميركي من قبل، باستثناء محمد علي العابد الذي قابل الرئيس تيودور روزفلت في عام 1908، يوم كان سفيراً للدولة العثمانية في واشنطن، وذلك قبل 24 سنة من انتخابه رئيساً للجمهورية في سوريا. وقد جاء تيودور روزفلت إلى دمشق بعد خروجه من البيت الأبيض في أبريل/نيسان 1910 ولكنه لم يلتق بأي زعيم محلّي.
لم يحدث لقاء القوتلي–روزفلت بسبب تدهور الوضع الصحي للرئيس الأميركي، ولكن كان من المقرر له أن يجلب سوريا إلى صف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وهو ما حدث بالفعل عندما اجتمع الرئيس السوري برئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في 17 فبراير، بترتيب أيضا من الملك عبد العزيز. يومها، أعلنت سوريا الحرب على ألمانيا النازية، وحصلت في المقابل على دعوة للمشاركة في مؤتمر تأسيس الأمم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو في نهاية شهر أبريل من عام 1945. وقد أدى هذا الاحتضان الدولي، مع الوقت، إلى تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي عام 1946.
تدهورت العلاقات السورية–الأميركية بعد وفاة روزفلت وأثناء حرب فلسطين عام 1948، وعندما قررت دمشق التحالف مع الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة. قطعت العلاقات الثنائية بين البلدين في رئاسة القوتلي الأخيرة سنة 1957، ولم يتم استئنافها إلا بعد انهيار الوحدة مع مصر عام 1961. ثم عادت للانقطاع مرة ثانية خلال حرب يونيو/حزيران 1967، ولم تعد إلا في يونيو 1974، بعد أربع سنوات من وصول حافظ الأسد إلى الحكم.
القمة الأولى: الأسد–نيكسون (1974)
في 15 يونيو 1974، زار ريتشارد نيكسون دمشق في أول زيارة رسمية لرئيس أميركي إلى سوريا، بهدف دفع عملية السلام قدماً من جهة، والتغطية على فضيحة “ووترغيت” التي كانت مشتعلة في واشنطن، من جهة أخرى. كانت الولايات المتحدة يومها قد بدأت بالعمل مع الرئيس المصري أنور السادات على إنهاء الحرب مع إسرائيل، وأراد نيكسون أن تكون سوريا شريكة في عملية السلام، ولكن وزير خارجيته هنري كيسنجر رفض إعطاء تعهد خطّي للأسد بضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان المحتلة منذ عام 1967. نجحت الزيارة في طيّ صفحة الخلافات بين البلدين، وفي عودة العلاقات الدبلوماسية على أكمل وجه، ولكنها لم تحقق شيئا يذكر فيما يتعلق بعملية السلام، وقد استقال نيكسون من منصبه في 8 أغسطس/آب 1974، بعد أقل من شهرين على زيارته دمشق.
القمة الثانية: الأسد–كارتر (1977)
في 9 مايو/أيار 1977، التقى الأسد بالرئيس جيمي كارتر في فندق “إنتركونتيننتال” في جنيف، بعد خمسة أشهر من وصول الأخير إلى البيت الأبيض، خلفاً للرئيس جيرالد فورد. أراد كارتر مجددا إشراك سوريا في عملية السلام، ولكن هدف الأسد من هذا الاجتماع كان تعزيز وضعه الداخلي والدولي، في ظلّ تنامي حربه مع “الإخوان المسلمين” وتداعيات التدخل السوري في الحرب اللبنانية منذ عام 1976. لم تكن الولايات المتحدة معارضة لدخول القوات السورية لبنان لطرد المنظمات الفلسطينية منه، ولكن الأسد لم يكمل في طريق السلام وكان أول المعارضين وأشدهم ضد زيارة الرئيس السادات إلى القدس في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1977، واتفاقية كامب ديفيد عام 1978. هذا وقد عاد كارتر إلى سوريا مرارا بعد خروجه من الحكم سنة 1981، والتقى بالأسد في دمشق في مارس/آذار 1983، ومجددا في عام 1987 و1990.
القمّة الثالثة: الأسد–بوش (1990)
في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، تراوحت العلاقات السورية-الأميركية بين مدّ وجزر، وعلى الرغم من الزيارات المتكررة لمسؤولين أميركيين إلى دمشق، مثل دونالد رامسفيلد وجورج شولتز، فإن الأسد لم يلتق بالرئيس رونالد ريغان ولكنه تحدث معه عبر الهاتف. وقد شهد نهاية عام 1983 ضرب القوات السورية في لبنان من قبل الجيش الأميركي بعد الهجوم على مقر المارينز في شهر أكتوبر/تشرين الأول، وفي بداية عام 1984، تعاونت سوريا في إطلاق سراح الضابط الأميركي روبرت غودمان، المحتجز في لبنان.
ثم جاء غزو صدام حسين للكويت في شهر أغسطس/آب 1990، وتشكيل تحالف دولي لطرده بقيادة الولايات المتحدة. وبطلب من الرياض، وافقت سوريا على المشاركة في هذا التحالف، حماية للكويت والسعودية، وفي 23 نوفمبر 1990، اجتمع الأسد بالرئيس جورج بوش الأب في جنيف. كانت هذه القمة أهم من سابقاتها من حيث المضمون والمخرجات، وقد أدت إلى مشاركة سوريا رسميا في عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت وبعدها في مؤتمر مدريد للسلام. في المقابل أخذت سوريا ضوءا أخضر لحسم حربها في لبنان بعد هزيمة العماد ميشيل عون في قصر بعبدا في شهر أكتوبر. وافقت دمشق على خروج آمن لعون إلى فرنسا، وأعطت أميركا مباركة غير مكتوبة لبقاء القوات السورية في لبنان، ما عده كثيرون مكافأة على دورها في تحرير الكويت.
القمّة الرابعة: الأسد-كلينتون (1994)
جاءت هذه القمّة في 16 يناير/كانون الثاني 1994، بعد عام واحد على تولّي بيل كلينتون الحكم خلفاً للجمهوريين، وبفارق أشهر من معاهدة أوسلو التي قام برعايتها في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 1993، بين ياسر عرفات وإسحاق رابين. كانت قمّة في جنيف لدفع عملية السلام، بعد حصول الرئيس الأميركي على “وديعة” من إسحاق رابين، “أودعت” في جيب كلينتون، وفيها تعهد واضح وصريح بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان. في هذه القمة، دخل كلينتون في تفاصيل بناء الثقة مع إسرائيل، ولكن الأسد أراد أن يكون الانسحاب قبل أي مبادرة من طرفه، وقد وافق على مطلب أميركي برفع الحظر عن يهود سوريا والسماح لهم بالمهاجرة إلى أي مكان يرغبونه في العالم، ما عدا إسرائيل.
القمّة الخامسة: الأسد-كلينتون (1994)
في 27 أكتوبر 1994، وصل الرئيس كلينتون إلى دمشق في أول زيارة له للعاصمة السورية، والثانية لرئيس أميركي منذ زيارة ريتشارد نيكسون قبل عشرين سنة. قدوم كلينتون كان بعد يومين من التوقيع على اتفاقية وادي عربة التي أنهت حالة الحرب بين إسرائيل والأردن، وكان شرطه لانتقال المفاوضات السورية إلى مرحلة متقدمة طرد الفصائل الفلسطينية من دمشق، ووقف الدعم السوري لـ”حزب الله”. مع أنها لم تحدث أي خرق يذكر، إلا أن هذه القمّة خدمت حافظ الأسد كثيرا في السياسة الإقليمية، وقد تلاها اجتماع خاطف بينه وبين كلينتون على هامش جنازة الملك حسين في فبراير 1999.
القمّة السادسة والأخيرة: الأسد-كلينتون (2000)
تتالت الاجتماعات السورية الإسرائيلية بوساطة أميركية وإشراف مباشر من الرئيس كلينتون في مرحلة التسعينات، ووافق الأسد على إرسال رئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي إلى واشنطن للقاء نظيره الإسرائيلي أمون شحاك. وفي شهر يناير/كانون الثاني من عام 2000 كانت لقاءات مدينة شيبردزتاون المباشرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع، بحضور الرئيس كلينتون. جاءت هذه المفاوضات بعد تعطل وتعثر أثناء وزارة بنيامين نتنياهو الأولى (1996-1999)، ومجيء إيهود باراك إلى الحكم الذي وعد باحترام “وديعة رابين”، الذي كان قد اغتيل على يد متطرف إسرائيلي في نوفمبر 1995. وقد حدث لغط حول المرحلة الأخيرة من المفاوضات السورية–الإسرائيلية، عندما قال كلينتون إنه فهم من فاروق الشرع أن الأسد على أتم استعداد لقبول مبدأ السيادة المشتركة على بحيرة طبريا، وبناء عليه، طلب الاجتماع بالرئيس السوري في جنيف يوم 26 مارس/آذار 2000.
كان الأسد مريضا، وهمّه الوحيد تمهيد الأجواء لتوريث الحكم إلى ابنه بشار، ولكنّه لم يقبل بالعرض الأميركي ونفى أن يكون قد وافق عليه في الأساس. لم يستمر هذا الاجتماع إلا دقائق معدودة فقط، ولم يسجّل له محضر، وقد عاد الأسد إلى دمشق خالي الوفاض وتوفي بتاريخ 10 يونيو 2000.
المجلة
—————————–
عام 2026 بين الطموح والواقع: فرص وتحديات إعادة إعمار سوريا/ مازن الشاهين
الشيباني: عام 2026 سيكون عام التنمية… وبداية عودة سوريا إلى الحياة
2025-11-09
أطلق وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، رؤيته للمستقبل القريب، مؤكداً أن “عام 2026 سيكون عام التنمية لسوريا”، ومتنبئاً في الوقت نفسه بزوال العقوبات الدولية عن البلاد، كما ربط الوزير بشكل مباشر عمل المنظمات السورية في واشنطن بعملية إعادة الإعمار والبناء في الداخل السوري، في إشارة واضحة إلى محاولة إعادة توجيه جهود الشتات نحو خدمة الأهداف الوطنية.
الكلفة الباهظة
خبير التنمية الاقتصادية الدكتور علي السلمان في تصريحات لـ”963+” يرى أنه لا يمكن فهم حجم التفاؤل بتصريحات الشيباني حول رفع العقوبات دون استيعاب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد السوري جراء هذه القيود الدولية، والتي يُعد قانون قيصر من أشدها صرامة، بالإضافة إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي”.
ويضيف: “أدت العقوبات إلى شلل شبه كامل في الاقتصاد السوري، خاصة في قطاعي الطاقة والمال، مما تسبب في نقص حاد بالوقود والكهرباء وارتفاع أسعارهما، وانهيار إنتاج النفط وفقدان الحكومة لمصدرها الرئيسي للعملة الصعبة، إضافة إلى العزل المالي وتدهور الليرة وخروج المصارف الأجنبية وتجميد أصول البنك المركزي، ما أدى لتراجع الاحتياطي النقدي من نحو 18.5 مليار دولار إلى مبالغ ضئيلة. وفي ظل هذا الواقع، تبرز تصريحات الوزير الشيباني حول عام 2026 كـ”عام التنمية” كإشارة لمرحلة تحضيرية تهدف لاستكمال الاستقرار الأمني والسياسي تمهيداً لإعادة البناء الاقتصادي وتحسين المعيشة”.
ويرى أيضاً أن حديث الشيباني هو “رسالة للمستثمرين، وهي دعوة صريحة للقطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، لبدء التخطيط والمبادرة، مع وعد بيئة أكثر استقراراً وأماناً للاستثمار في غضون عام تقريباً، هذا التفاؤل، رغم أهميته في رفع المعنويات، يواجه تحديات هائلة على الأرض، أبرزها تأمين مصادر التمويل الضخمة اللازمة لإعادة الإعمار، وخصوصاً في قطاعات البنية التحتية المتضررة بشكل كبير كالطاقة والمياه والتعليم”.
ولعل الجزء الأكثر أهمية في تصريحات الوزير هو التأكيد على أن “لن تكون هناك عقوبات على سوريا” بحلول ذلك الوقت، هذا التصريح، بحسب السلمان، “يرتكز على قراءة دمشق للتطورات الإقليمية والدولية، وإن رفع العقوبات، كما يأمل الشيباني، يمثل بالنسبة للاقتصاد السوري حقنة أكسجين ضرورية لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية، وتحرير القطاعات الحيوية مثل الطاقة والنقل والمصارف، وهو ما يراهن عليه الوزير لجعل 2026 عام التنمية”.
ربط منظمات واشنطن بإعادة البناء
من جهته يرى المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+” أن إشارة الوزير الشيباني إلى ربط عمل المنظمات السورية في واشنطن بعملية إعادة إعمار سوريا تعكس رغبة الحكومة الانتقالية في تسييس نشاط المنظمات غير الحكومية والشتات السوري. فدمشق، من خلال هذا التوجه، تسعى إلى توجيه التمويل نحو مشاريع تنموية داخلية بدلاً من الأنشطة التي تراها “معارضة” أو “غير منتجة”، مع وضع إعادة الإعمار كشرط أساسي للتعامل مع أي جهة خارجية مهتمة بالشأن السوري، ما يضع تلك المنظمات أمام خيارين صعبين: إما الانخراط في عملية البناء وفق شروط الحكومة أو البقاء خارج دائرة التأثير.
ويعتبر العبدالله أن تصريحات الشيباني تمثل بيان نوايا لبداية مرحلة جديدة عنوانها التنمية الاقتصادية وكسر العزلة الدولية. ومع ذلك، تبقى مسألة رفع العقوبات رهينة لعوامل جيوسياسية معقدة، أبرزها الموقف الأمريكي والأوروبي المشروط بإصلاحات سياسية لم تتضح بعد. ورغم استمرار التحديات الاقتصادية والسياسية، فإن وعد الحكومة بـ”عام التنمية 2026″ يُعد خارطة طريق للمرحلة المقبلة واختباراً لقدرتها على تحويل هذا التفاؤل إلى واقع ملموس.
———————————-
فيديو كرة السلة بين الشرع وقائد القيادة المركزية الأميركية يجذب التعليقات مع وصوله إلى واشنطن
التقى عدداً من ممثلي المنظمات السورية الأميركية
نُشر: 14:55-9 نوفمبر 2025 م
تزامناً مع وصوله إلى واشنطن، مساء السبت، استعداداً للقاء الرئيس دونالد ترمب، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي للرئيس السوري أحمد الشرع وهو يلعب كرة السلة مع قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر، والعميد كيفن لامبرت قائد قوة المهام المشتركة، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي شارك المقطع على حسابه في منصة «إنستغرام» مصحوباً بتعليق: «اعمل بجد… العب بجد أكبر».
الفيديو استجلب تعليقات الناشطين الذين استخدموا فعل اللعب بمعناه الرياضي والسياسي معاً؛ فمنهم من رأى أن العبرة ليست بدقة تصويبات اللاعبين الأربعة للكرة، بل بصوابية النهج ودقة التصويبات السياسية التي تضع سوريا في موقع مختلف تماماً قبل حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة.
وقال آخر إن هذا المقطع موجَّه لطرف ما، وفحوى الرسالة أن هذا الشخص تحت قيادة وحماية القيادة المركزية الأميركية و«يلعب في ملعبنا». وتعليق ثالث اعتبرها رسالة صامتة موجهة لخصوم الشرع: «اطمئنوا… نحن نتقن اللعب». وتعليق رابع اعتبرها تركيزاً على العلاقة الجديدة بين دمشق وواشنطن بعد علاقة طويلة مع روسيا والمعسكر الشرقي عموماً في العقود الماضية.
لقاء الرئيس أحمد الشرع مع برّاك وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في العاصمة دمشق (أ.ف.ب)
لقاء الرئيس أحمد الشرع مع برّاك وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في العاصمة دمشق (أ.ف.ب)
يُذكر أن المقطع صُوّر في دمشق خلال زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، ولقائه الرئيس السوري في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد زيارة للحسكة رفقة مبعوث ترمب إلى سوريا، توم برّاك، ولقاء قيادات من الإدارة الذاتية الكردية وقائد قوات «قسد»، مظلوم عبدي، في سياق العمل على دمج المؤسسات في شمال شرقي سوريا بالدولة السورية.
ولطالما ظهر الشرع منذ تسلمه السلطة بعد سقوط نظام الأسد 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإطلالات غير تقليدية، مثل ركوب الخيل وظهوره على ظهر فرس أسود من سلالة فريزيان، في أحد أندية الفروسية قرب دمشق. كذلك تجوله في شوارع سوريا وشراء ساندويتشات من محلات شعبية، مرتدياً ملابس غير رسمية وبنطلونات جينز، ليبدو مثل أي رجل من عمره مفعم بالحيوية لا يحتمي بالمواكب الرسمية. الرئيس الشاب يعرض بذلك أسلوباً جديداً في إطلالة المسؤول يتماشى مع زمن هيمنة الصورة والفيديو في منصات التواصل التي باتت تشكل المصدر الأول للأخبار في العالم.
وفدٍ من منظمات سورية أمريكية التقي مساء السبت الرئيس أحمد الشرع في واشنطن بحضور وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني(سانا)
وفدٍ من منظمات سورية أمريكية التقي مساء السبت الرئيس أحمد الشرع في واشنطن بحضور وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني(سانا)
في سياق آخر له علاقة بزيارة رسمية إلى واشنطن، اجتمع الرئيس أحمد الشرع في الولايات المتحدة الأميركية (مساء السبت – صبيحة الأحد)، بوفدٍ من منظمات سورية أميركية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.
وجرى خلال الاجتماع بحث سبل تعزيز دور الجاليات السورية في دعم قضايا الوطن والدفاع عنها في المحافل الأميركية. وخلال لقائه عدداً من ممثلي المنظمات السورية الأميركية، شدد الشرع على أن سوريا بحاجة إلى جهود أبنائها لإعادة إعمارها، وتحدث عن أهمية روح
—————–
الخزانة الأميركية ترفع العقوبات عن الشرع وخطاب
أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية عن رفع كل من الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من سجل العقوبات الأميركية، في خطوة تمهّد لمرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق.
وجاء القرار بالتزامن مع بدء الشرع زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة هي الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946، إذ من المقرر أن يلتقي الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض غدا الاثنين.
وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، فقد وصل الشرع إلى العاصمة واشنطن مساء السبت، وكان في استقباله وفد من الجالية السورية الأميركية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.
وخلال اللقاء، أشاد الشرع بمساهمات المنظمات السورية في تعزيز الوعي بالقضايا الوطنية وترسيخ الحضور السوري الفاعل داخل المجتمع الأميركي، مؤكدا أهمية دورها في دعم القضايا الوطنية وتعميق الروابط مع الوطن.
رفع العقوبات عن سوريا
وكان الشيباني قد صرح قبل الزيارة بأن الشرع سيبحث مع الإدارة الأميركية رفع ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب.
وتأتي الزيارة بعد شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، إذ أعلن مجلس الأمن الدولي ووزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي رفع القيود المفروضة عليه، في ضوء ما وصفته واشنطن بـ”التقدّم” الذي أحرزته القيادة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت إن هذه الخطوات “تُتخذ تقديرا للتعاون الذي تبديه دمشق في مكافحة الإرهاب وحرصها على الاستقرار الإقليمي”.
اتفاقات بين واشنطن ودمشق
ومن المتوقع أن تتضمن المباحثات بين ترامب والشرع توقيع اتفاق لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي تقوده الولايات المتحدة، إضافة إلى مناقشة اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل يهدف إلى وقف الغارات الإسرائيلية وانسحاب القوات من الجنوب السوري.
وأشارت مصادر دبلوماسية إلى أن واشنطن تدرس إنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق في إطار إعادة تنظيم انتشار قواتها في المنطقة، بالتنسيق مع الحكومة السورية الجديدة.
وتسعى دمشق، الخارجة من حرب مدمرة استمرت 14 عاما، إلى تأمين تمويلات لإعادة الإعمار، التي قدر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار.
المصدر: وكالات
——————–
الشرع في واشنطن.. “قانون قيصر” يتصدر أجندة المباحثات
الرئيس السوري، التقى في واشنطن، الأحد، بممثلي المنظمات السورية
الرياض – العربية.نت
09 نوفمبر ,2025
وصل الرئيس السوري أحمد الشرع مساء السبت، إلى العاصمة الأميركية واشنطن في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، الاثنين، بينما تتصدر ملفات “قانون قيصر”، و”الاتفاق الأمني” المرتقب مع إسرائيل، أجندة المباحثات المرتقبة.
وتعتبر زيارة الشرع إلى البيت الأبيض، التي سبقها رفع اسمه ووزير الداخلية السوري أنس خطاب من قائمة العقوبات الأميركية، الأولى لرئيس سوري، وتأتي بعد زيارته إلى نيويورك في سبتمبر الماضي للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتستمر زيارة الرئيس السوري إلى الولايات المتحدة حتى 11 نوفمبر الجاري، إذ يشمل برنامج زيارته إلى جانب لقاء ترمب، محادثات مع عدد من المسؤولين الأميركيين وأعضاء في الكونغرس.
الرئيس السوري، التقى في واشنطن، الأحد، بممثلي المنظمات السورية، إذ أشار إلى أن العقوبات المفروضة على بلاده “في مراحلها الأخيرة”، مضيفاً، حسبما نقلت قناة “الإخبارية” السورية الرسمية، أنه “علينا متابعة العمل لرفعها”.
وتحدث الشرع، خلال اللقاء الذي حضره وزير الخارجية أسعد الشيباني، وفق “الإخبارية”، عن “روح التعاون بين السوريين في المهجر” وعن “خطة بناء سوريا بسواعد أبنائها”، وفق تعبيره، معتبراً أن” سوريا بحاجة لجهود أبنائها في الداخل والخارج لإعادة إعمارها”، وأن “الفرصة التي أتت للسوريين هي فرصة نادرة وعلينا استثمارها”، على حد وصفه.
لقاء مع ترامب
كما من المقرر أن يلتقي الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تأتي هذه الزيارة بعدما أعلنت أميركا رفع اسم الشرع ووزير الداخلية أنس خطّاب من قائمة العقوبات والإرهاب.
ومما لا شك فيه أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ستكون حدثاً فارقاً بالنسبة إلى العاصمة الأميركية والدولة السورية على السواء.
فالشرع أول رئيس سوري يزور واشنطن، والأهم أنه عمل خلال الأشهر الماضية على التقدم نحو مسار الشراكة مع الولايات المتحدة والعالم.
وفيما لم تطرح الإدارة الأميركية بعد رؤية مفصّلة للعلاقات الثنائية مع دمشق، لكن لديها مطالب أعلنت عنها منذ أشهر، ألا وهي التعاون في مكافحة داعش والسيطرة على مخيمات المعتقلين في شمال شرق سوريا، بالإضافة إلى الاستغناء وطرد العناصر الأجنبية وتسليم إرهابيين والحفاظ على حقوق الأقليات والوصول إلى سلام مع إسرائيل.
واشنطن راضية
يذكر أن المبعوث الخاص إلى سوريا توم براك كان علّق أكثر من مرة مثنياً على أداء الرئيس أحمد الشرع وحكومته، لافتاً إلى أنهما يقومان بالخطوات الصحيحة.
ولربما كان هذا أفضل تعبير عن أداء الحكومة السورية من وجهة نظر واشنطن.
ماهي أبرز ملفات زيارة الشرع في أميركا
رغم ذلك، لا تزال الأمور في بداياتها، وكل الملفات مفتوحة وتحتاج إلى الكثير من العمل والجهد من قبل الطرفين، وفق محللين.
—————-
==================
تحديث 08 تشرين الثاني 2025
——————————-
الشرع في «البيت الأبيض»: شهر الانقلابات الاستراتيجية!
مع كتابة هذه السطور سيكون الرئيس السوري «الانتقالي» أحمد الشرع في طريقه لتسجيل حدث تاريخي باعتباره أول رئيس سوري يزور الولايات المتحدة الأمريكية ويلتقي رئيسها في «البيت الأبيض».
تكتسب الزيارة طابعا تاريخيا أيضا من واقع أن الشرع، كان حتى قبل سنة تقريبا، قائدا لفصيل جهادي انشق عن تنظيم «القاعدة» الذي نفّذ هجوم نيويورك الشهير، وكان قبلها مقاتلا ضد القوات الأمريكية في العراق حيث سجن خمس سنوات بصفته عضوا في تنظيم «الدولة»، وأنه، رغم كل ذلك، يتوجّه إلى واشنطن العاصمة لإعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد التنظيم آنف الذكر، وربما الموافقة أيضا على إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من دمشق، حسب ما أشارت مصادر دبلوماسية.
ينطلق الشرع إلى واشنطن التي نجحت في صدور قرار عن «مجلس الأمن» التابع للأمم المتحدة يخرج الرئيس السوري من قائمة الإرهاب، وجاء بعدها قرار بريطانيا، أمس الجمعة، رفع عقوبات مالية عن الشرع (ووزير داخليته أنس خطاب) كانت تستهدف التنظيمين المذكورين، كما أعلن الاتحاد الأوروبي، في اليوم نفسه، أنه سيلتزم بقرار الأمم المتحدة ويرفع عقوبات مماثلة.
شهد شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الذي تجري فيه الزيارة أيضا انقلابين هائلين آخرين في تاريخ سوريا، ففي 13 من هذا الشهر عام 1970 نجح انقلاب حافظ الأسد العسكريّ الذي أسس لحكم الأسرة الأسدية الطويل والوحشيّ، لينتهي في الشهر نفسه بعد 54 عاما مع انقلاب تاريخي آخر نفّذه الشرع بقيادته لهجوم مذهل لفصائل المعارضة السورية الإسلامية الطابع التي انطلقت من إدلب فجر 27 تشرين ثاني/ نوفمبر الماضي وأنهت خلال 11 يوماً هيمنة النظام السوريّ السابق على البلاد وآثاره الفظيعة على سكان محيطه الإقليمي من اللبنانيين والأردنيين والعراقيين والفلسطينيين.
تمثّل الزيارة غير المسبوقة نقطة علام في هذه الديناميّة الغربية مع سوريا والمنطقة، وتشكّل على صعيد سوريا نفسها، قطعا مع عالم بأكمله كان النظام الأسديّ يمثّله سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأيديولوجيا، بدءا من تموضعه، في مجال المحاور الدولية، مع الاتحاد السوفييتي السابق، الذي استعار نظام الأسد عدّته الأيديولوجية الشمولية والاستبدادية ونظامه السياسي وحتى أساليب وأدوات استخباراته (مثل «الكرسي الألماني» الذي قدّمته مخابرات ألمانيا الشرقية حينها) مرورا بعلاقته العدائية (والانتهازية الابتزازية) مع العالم العربيّ، والذي تمثّل، على وجه الخصوص، لعقود طويلة، بعلاقات استراتيجية مع إيران.
وضعت هذه التطوّرات «سوريا الجديدة» على مساق مختلف كلّيا أدى إلى إعادة توازن جديد في المنطقة، بدءا من العلاقة الاستراتيجية الخاصة مع الجغرافيا التركيّة وما وراءها، نحو أوروبا، التي تعزّز انفتاحها يوما بعد يوم مع دمشق، وكذلك آسيا الوسطى، التي كانت، بسبب العداء مع تركيا، عالما مقفلا وغامضا على السوريين.
دشّن الحكم الجديد علاقات جيدة مع الأردن، طريقه الى دول الخليج العربيّ التي انفتحت بشكل هائل على هذا التطوّر وشكّلت، وخصوصا عبر السعودية وقطر، الحاضنة العربية، والحليف الاستراتيجي الوازن، الذي تعبّر زيارة واشنطن عن نجاحاته في اختراق ما كان يبدو مستحيلا. أما في اتجاه العراق ولبنان، يبدو الحكم الجديد مثقلا بأعباء الماضي، فبغداد، التي توازن بين النفوذ الإيراني والأحزاب الشيعية وذكريات الحرب الأهلية الطائفية بين السنة والشيعة والدور الأمريكي، تعلن عن قلقها من حكم الشرع، فيما أعاد النزوح الجزئي إلى لبنان الذي تبع أحداث الساحل السوري، وأحداث السويداء، إحياء قلق مستجدّ داخل توازنات الطوائف اللبنانية الحساسة.
لا يمكن لسيناريوهات تغيّر التوازنات في المنطقة أن تتجاهل «الفيل في الغرفة»، إسرائيل، التي تتوغّل بشكل يوميّ في الأراضي السورية، والتي تعتبر لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقدّما تركيّا وعربيا في وضع سوريا على الطاولة، فيما لا تخفي واشنطن، في المقابل، رغبتها في تحويل المفاوضات بين دمشق وتل أبيب إلى انخراط في «الاتفاقيات الإبراهيمية».
لا ينفي تضارب المصالح والاستراتيجيات هذا أن الزيارة هي إعلان عن تغيّر استراتيجي كبير تتوضّح معالمه شيئا فشيئا.
القدس العربي
——————————-
زيارة الشرع وأبعادها السورية الأميركية والإقليمية/ فكتور شلهوب
08 نوفمبر 2025
تتعامل واشنطن خاصة مجلس النواب وغالبيته من الجمهوريين، مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع المقرّرة الاثنين، من خلال الخلفية المضطربة التي حكمت العلاقات الأميركية السورية قرابة سبعين سنة، إذ لم تغادر الريبة والشكوك والتوجس المقاربة الأميركية إلى سورية، وغالباً ما كانت ولا تزال تتكوّن نتيجة النظر إلى هذه الأخيرة عبر العدسة الإسرائيلية، خاصة في الكونغرس.
في ضوء كل ذلك، بقيت العلاقات تتأرجح بين التوتر وبين فترات استقرار غير مديد ومشوب بالحذر والارتياب المتبادل، لكن ذلك لم ينقص من اهتمام واشنطن بسورية، وهو اهتمام قديم تجلّت تعبيراته المبكرة منذ 1835 حين جرى آنذاك تعيين قنصل أميركي في مدينة حلب التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية. وفي 1941 انتقلت القنصلية إلى دمشق، لتتحول في 1943 إلى سفارة في أعقاب استقلال سورية، غير أن العلاقات بدأت تتردى منذ 1957 حين جرى طرد السفير الأميركي من دمشق إثر محاولة الانقلاب التي دبرتها آنذاك وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ضد الرئيس شكري القوتلي. ثم تكرّر قطع العلاقات وسحب السفراء ومنع السفر إلى سورية أكثر من مرة، بما واكب ذلك أو تبعه ضمّ سورية إلى لائحة الإرهاب وفرض عقوبات عليها عقوبات وقيود مالية قاسية، كان أهمها تلك التي تضمنها “قانون قيصر” في 2019.
مع دخول الرئيس دونالد ترامب على الخط في مايو/ أيار الفائت، تغيّر هذا المشهد وبسرعة. لقاؤه آنذاك مع الرئيس الشرع في الرياض، كان بمثابة انقلاب، تبعه رفع العقوبات الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ. لكن مجلس النواب تعمّد المماطلة بحجة ضعف الثقة بالحكم الجديد في دمشق؛ نتيجة الأحداث التي جرت “ضد بعض الأقليات” السورية في الآونة الأخيرة، في تعامل قريب من الخطاب الإسرائيلي أثناء حوادث السويداء.
ودعت الإدارة الأميركية مجلس النواب إلى الأسراع في البتّ برفع العقوبات قبل لقاء الرئيسَين يوم الاثنين، لكن ضيق الوقت قد لا يسمح، فضلاً عن أنّ المجلس شبه متوقف عن العمل بأمر من رئيسه منذ 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، لحسابات تشريعية تتعلق بموضوع الإقفال الحكومي.
ولا بدّ للرئيس الشرع أنّ تكون قضية العقوبات من أولويات بنود زيارته، وربما أيضاً موضوع المساعدات التي تحتاجها سورية لتمكينها من النهوض بأعباء الانطلاقة الجديدة. ومن المتوقع أنّ تشمل محادثاته مع الرئيس ترامب، الإشكالات والترتيبات الأمنية مع إسرائيل، مع ما يتصل بتدخل هذه الأخيرة في الشؤون السورية الداخلية التي يُقال إنّ ترامب يتفهمها. وتقول مصادر الإدارة، إن الرئيس مهتم أيضاً بتسريع صدور قانون رفع العقوبات (بعد تصويت مجلس النواب)، لتشجيع الاستثمارات وتسهيل دخول الشركات الأميركية في عملية إعادة إعمار سورية.
وتسرّب الخميس، حسب وكالة رويترز، أن الإدارة تعتزم بناء قاعدة عسكرية أميركية قرب دمشق (نفته الخارجية السورية)، وطرح الخبر علامة استفهام كبيرة، في ضوء ما سبق وألمحت إليه الإدارة بخصوص عزمها على سحب القوات الأميركية الموجودة منذ سنوات في شرق سورية، وكذلك في ضوء قيامها مؤخراً بسحب قواتها من ليتوانيا ورومانيا وربما قريباً من بلدان أوروبية أخرى فيها قواعد أميركية، فهل هي فعلاً في وارد بناء قاعدة عسكرية جديدة في سورية، في وقت بدأت انسحابها من قواعد أوروبية؟
بكل حال تبقى زيارة الرئيس الشرع، بمثابة حدث فارق وتحول تاريخي جيوسياسي في المنطقة، فهو أول رئيس سوري يزور واشنطن ويجري مباحثات مع سيّد البيت الأبيض، وثاني رئيس سوري جاء إلى الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/ أيلول الماضي التي كان قد سبقه إليها الرئيس نور الدين الأتاسي عام 1967 للمشاركة في مداولات المنظمة الدولية بشأن عدوان 5 يونيو/حزيران من ذلك العام. وثمّة مراقبون وضعوا زيارة الشرع في خانة تدشين انتقال سورية إلى الفلك الأميركي بعد أكثر من ستّة عقود من الدوران في الفلك الروسي – السوفياتي، وهو انتقال مهّد له الرئيس الشرع بزيارته الأخيرة لموسكو، وبذلك بدأ فصل جديد من تاريخ سورية.
العربي الجديد
——————————–
الشرع متوِّجاً مسيرته في البيت الأبيض/ عمر قدور
السبت 2025/11/08
وفق المعلن سيكون الشرع في ضيافة ترامب، في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل. وسيُكتب ويُقال الكثير عن استثنائية الحدث، لكونه أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض، وأيضاً سيُكتب عن مسيرة الشرع نفسه من مطلوب على قوائم مكافحة الإرهاب الأميركية والدولية إلى رئيس يُستقبل في قصر يرمز إلى القوة العالمية الأكبر. وقد يوقّع فيه اتفاقية انضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، في حين تراجعت التوقعات الخاصة بتوقيعه اتفاقية أمنية كبرى مع إسرائيل في واشنطن.
جرياً على العادة، سيحتفل أنصار الشرع بزيارته البيت الأبيض، فوجوده هناك بعد رفع اسمه من لوائح الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن هو بمنزلة تطويب خارجي نهائي. ومن المرجَّح حضور المقارنة مع عهد الأسد، حيث لم يزر الأب ووريثه واشنطن، لكن لن يحضر معها التركيز على مغزى ذلك لجهة الاحتضان الإقليمي الذي كان له الدور الأبرز في وصول الشرع إلى واشنطن، وأيضاً الاحتضان الدولي الذي يفصح عن رغبة في طي حقبة الأسد، بإعطاء الفرص للسلطة الجديدة وإزالة الإجراءات العقابية التي كان لها أثر بالغ على سلطة الأسد، وإن لم تُسقطه بالمعنى المباشر.
الشرع غير مُستَهدف دولياً، حتى إذا نحّينا فرضية وصوله إلى دمشق برضا دولي. وجوده في البيت الأبيض رسالة مفادها العكس تماماً، وهي يجب ألا تكون موجَّهة إلى خصومه بقدر ما يجب على أنصاره أن يدركوا أبعادها، خصوصاً عندما يقارنون بين حال العزلة السورية أيام الأسد والانفتاح الحالي المرحَّب به دولياً. إذ يقتضي المنطق أن تتحسن أوضاع السوريين عمّا كانت في حقبة الأسد، بما أنهم سيجنون فوائد الانفتاح. أليس تحسُّن الأوضاع هو الهدف؟
ومن المؤكد أن نسبة كبرى من الذين صاروا خصوماً للأسد في وقت متأخر لا يعلم أفرادها الكثير عن فحوى العزلة الاختيارية التي ارتضاها لنفسه، فالأبواب لم تكن مغلقة لا أمام حافظ الأسد ولا أمام وريثه. إلا أن الأول، على نحوٍ خاص، كان في زمن استقطاب المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وسعى إلى حضور إقليمي فخدمه الحظ بالحرب الأهلية اللبنانية التي كانت بوابته إلى النفوذ. والأهم أنه تبنّى نهج المعسكر الاشتراكي لا حباً بالاشتراكية، إنما اقتداء بأسوأ ما في تلك التجربة لجهة حكم الفرد الواحد.
لقد فهم الأسد أن الانعزال عن العالم هو بمنزلة ضمانة للاستبداد، وبخلاف الإنشاء البعثي والمدرسي عن مكانة سوريا الاستراتيجية لم يُبْدِ العالم منذ استقلال سوريا اهتماماً خاصاً بها؛ بل جارى الأسد في اختياره العزلة. وقد ظهرت آثار العزلة في مستهل “الربيع العربي”، فواشنطن كان لديها في مصر أوراق ضغط تستطيع عبرها التأثير، وربما التحكم، في مجريات الأحداث. في حين لم تكن تمتلك مثل هذه الأوراق في سوريا، ووحدها طهران كان لها نفوذ في أروقة السلطة.
يشير نموذج العزلة الأسدي إلى ضده من حيث أن الانفتاح الحقيقي على العالم يتطلب انفتاحاً على الداخل أيضاً، والسماح للخارج بأن يكون حاضراً ومؤثّراً في الداخل. الكلام هنا عن تبادل المؤثرات بين مختلف البلدان، وبالطبع للأقوى حصة أكبر من التأثير المباشر خصوصاً. هذا التبادل هو على الضد من السياسات الانعزالية تحت يافطات الخصوصية وسواها، لأن خصوصية المجتمعات شأن طوعي في المقام الأول، وفَرْضها من السلطة لا يُترجم إلا بنوعية محددة من الخصوصية التي تناسب بقاءها.
في العقدين الأخيرين على نحوٍ خاص شاعت دعاوى الانعزال عالمياً، وفي المركز الغربي بدءاً من واشنطن؛ أي إن الانفتاح قد لا يحمل المضامين الليبرالية التقدمية من جهة الغرب، الذي بدأ يتراجع عن الترويج لها بعد انتهاء الحرب الباردة. وهذه بالطبع فرصة لمن يريد انفتاحاً شكلياً فقط، لكن الانفتاح على المستوى الرسمي الخارجي، مع الانغلاق في الداخل، ليس وصفة قابلة للبقاء، وقد أثبتت هذه الوصفة فشلها في سوريا نفسها بعد اعتمادها لأربعة عقود قبل الثورة، ودوامها طيلة تلك المدة لا يعني أنها قابلة للبقاء مجدداً لفترة طويلة.
فعلياً ورمزياً، مع الوصول إلى البيت الأبيض، يكون الشرع قد حصل على أقصى دعم خارجي. هذه وضعية نموذجية من الاطمئنان إلى السند الخارجي، ليبقى امتحان الداخل الذي يحدد كيفية صرف هذا الدعم الدولي داخلياً. الأعلى صوتاً بين أنصار الشرع لا تخفى لهجتهم الانتصارية، عطفاً على أي دعم خارجي جديد، واللهجة الانتصارية تُترجم بما عرفه السوريون جيداً أيضاً لجهة الاستقواء بالخارج على الداخل، وترجمة الانفتاح على الخارج بالانغلاق على الداخل. على الصعيد نفسه، يجوز القول إن الشرع سيكمل بعد شهر سنته الأولى في السلطة، وأهم إنجاز فيها هو هذا الدعم الخارجي الذي لا يبدو مشروطاً أو متشدداً على أي مستوىً بقدر ما هو متساهل في العديد من الملفات.
يعرف متابعو الشأن السوري، خلال الأحد عشر شهراً الماضية، أن لقاءات الشرع والشيباني بمسؤولين دوليين، في دمشق أو في عواصم عالمية، تصدرت الإعلام والسوشيال ميديا، وكل لقاء جديد صُوّر على أنه إنجاز، وبعض اللقاءات وُصِفت بالتاريخية. في المقابل، ما ظهر في الداخل لم يكن مطمئناً على الإطلاق، لا على صعيد إرساء السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، ولا على صعيد احترام فكرة الدولة ومؤسساتها. وهذا يشير إلى التعويل على الخارج وعدم الاكتراث بالداخل، أو في أحسن الأحوال إلى تغليب الاهتمام بالخارج على الاهتمام بالداخل.
جدير بالذكر أن الخارج لطالما استُخدِم في سوريا كشمّاعة لتبرير الفشل في الداخل، ولعل العلاقة الجيدة مع الخارج تسحب الذريعة التقليدية من التداول، لتكون السلطة مسؤولة عن أفعالها أمام العموم، فلا تصوِّر نفسها ولا يصوِّرها أنصارها في موقع الضحية المستهدَفة من مؤامرة خارجية. من هذه الزاوية، قد يكون الدعم والاحتضان الدوليين أفضل من علاقة غير واضحة المعالم، إذا كان للارتياح من جهة الخارج أن يضع السلطة أمام مسؤولياتها إزاء ما يُقال إنها قاعدتها الشعبية قبل خصومها.
مع نهاية العام الحالي يُفترض أن تنتهي السنة الأولى الاحتفالية، بما فيها الاحتفال بالذكرى الأولى لإسقاط الأسد. مع هذا التوقيت ستكون السلطة الجديدة قد مُنِحت، خارجياً وداخلياً، أفضل دعم وتسامح، وعندما تكون الظروف مواتية إلى هذا الحد فالتعثّر يأتي من السلطة نفسها لا من غيرها؛ إذ يُفترض أيضاً أنها نالت وقتاً كافياً للتعرّف على البلد الذي تحكمه وتتحكم به. صحيح أن مساءلة السلطة ليست من تقاليد البلد، وصحيح أن الإعلان الدستوري لا يتضمن أيّ بند يتعلق بمساءلتها، لكن هذا قد لا يكون خيراً، أو بالأحرى لن يكون لمصلحتها، ليس على المدى المتوسط أو البعيد قليلاً.
المدن
—————————–
الشرع إلى البيت الأبيض… ماذا يعني الانضمام الى التحالف ضد “داعش”؟/صبحي فرنجية
أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال
آخر تحديث 07 نوفمبر 2025
يصل الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى الولايات المتحدة الأميركية في زيارة ثانية خلال أقل من شهرين، وهذه المرّة إلى العاصمة واشنطن، في أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، في تاريخ سوريا منذ استقلالها. المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك مهّد أجندة الزيارة، بأن أحد أهدافها هو انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمواجهة “داعش”، وعدّ أن هذه الخطوة تمثل “تحولا تاريخيا وعلامة فارقة في العلاقات مع واشنطن”. ولتحقيق هذه الخطوة، سعت واشنطن لتذليل العقبات القانونية والسياسية، بما فيها إزالة الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الداخلية عن قوائم الإرهاب، حلحلة العقد بين دمشق و”قسد”، ودراسة خيارات الوجود العسكري لواشنطن في سوريا من الناحية الجغرافية واللوجستية، إضافة إلى ملفات التدريب والتمكين العسكري للحكومة السورية، لدعمها في طريق شراكتها مع التحالف الدولي.
أهداف كثيرة تسعى واشنطن لتحقيقها من خلال ضمّ سوريا إلى التحالف الدولي، يقابلها مكاسب للحكومة السورية من هذا الانضمام، فهي خطوة ذات مكاسب مشتركة للطرفين، على المستوى السياسي والعسكري، لجهة تخفيف التوترات في المنطقة وإنهاء ملف تنظيم “داعش”، وضمان عدم عودة سوريا إلى سابق تحالفاتها مع المعسكر الشرقي، ومنع إيران من التجدد في طرائق تدخلها في المنطقة، وتهديد مصالح واشنطن وحلفائها.
لماذا تريد واشنطن دخول سوريا في التحالف الدولي؟
وضعت واشنطن ثقلا سياسيا كبيرا، لتحقيق أهداف تسبق زيارة الرئيس السوري إلى البيت الأبيض، أبرزها تضييق الفجوات أمام تصويت مجلس الأمن، لصالح قرار شطب الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب، فواشنطن لا تريد أن يدخل الشرع إلى البيت الأبيض، وهو ما زال على قوائم الإرهاب من جهة، ولا تريد لسوريا أن تدخل رسميا التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، ورئيسها مصنف على قائمة الإرهاب مع وزير الداخلية. هذا الهدف تحقق يوم الخميس 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بموافقة أعضاء مجلس الأمن، وامتناع الصين عن التصويت، بعد مداولات لمشروع القرار، والذي طلبت بكين تعديلات عليه لتقبل بالامتناع عن التصويت لصالحه.
سنتكوم/ الرئاسة السورية سنتكوم/ الرئاسة السورية
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر في دمشق في 12 سبتمبر/أيلول 2025
الهدف الثاني هو مسح ميداني، لبعض النقاط العسكرية ضمن مناطق الحكومة، والتي من المتوقع أن تتخذها واشنطن والتحالف الدولي، نقاط ارتكاز وانطلاق لعملياتها داخل سوريا ضد تنظيم “داعش”، ولتقديم الدعم اللوجستي سواء للقوات السورية أو القوات الدولية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، كما أن هذا الوجود تراه واشنطن عاملا فاعلا في تخفيف المخاوف الإسرائيلية التي تعيق التقدم في المفاوضات مع دمشق، ولمنع تأثير أي وجود عسكري في المنطقة على مصالح واشنطن وحلفائها في الغرب، وهنا الحديث عن الوجود الروسي.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود قاعدة لواشنطن، يهدف إلى تضييق الفجوة الموجودة داخل الإدارة الأميركية نفسها، فوزارة الدفاع الأميركية أبدت مخاوف حيال إيجابية الخارجية الأميركية تجاه الحكومة السورية الجديدة، ولذلك فإن وجود قاعدة للتحالف في مناطق الحكومة السورية، لتنسيق العمليات يخفف من القلق الموجود، لدى وزارة الدفاع، وبعض أعضاء التحالف الدولي. وبحسب معلومات “المجلة” فإن وفدا من التحالف الدولي، زار أكثر من منطقة عسكرية خلال الفترة الماضية، منها مطار الضمير العسكري، ومطار السين العسكري، وبعض القواعد العسكرية القريبة منه. الجغرافيا التي توجد فيها تلك المطارات استراتيجية لعدّة نواحٍ، فهي مفتوحة على البادية السورية، التي ينشط فيها “داعش” بكثرة، وتقع على الطريق الدولي الذي يصل بقاعدة التنف، وقريبة من الجنوب السوري، والحدود مع لبنان. وتتوقع مصادر “المجلة” أن يحظى مطار السين باهتمام أكثر من مطار الضمير، خصوصا أن وفد التحالف زاره للمرة الثانية مطلع الشهر الجاري، وأجرى فحوصات دقيقة للموقع وللجغرافيا المحيطة به، وهو ما قد يُشير إلى أن التحالف، يريد وجود نقاط ارتكاز مهمتها المراقبة، قريبة من المطار الذي سيكون القاعدة الرئيسة لعمليات التحالف. على الرغم من أن قرار وجود قاعدة للتحالف، ما زال قيد النقاش، إلا أن عدّة مصادر غربية رجحت خلال حديثها مع “الـمجلة” التقدم سريعا في هذا الملف، خلال الفترة القادمة، والخطوات الفعلية مرتبطة بالتوقيع الرسمي من قبل سوريا، لدخول التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”.
واشنطن منذ البداية وضعت شروطا لدعم سوريا، أبرزها دخول سوريا إلى التحالف الدولي، إضافة إلى خطوات أخرى على سبيل ملف المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش السوري، ومنع إيران من تحقيق خرق جديد في الجغرافيا السورية، ومكافحة تجارة الكبتاغون، والتفاوض مع إسرائيل، والحدّ من التأثير الروسي في سوريا.
دخول سوريا إلى التحالف الدولي، يُعطي واشنطن والغرب الكثير من المكاسب السياسية والعسكرية، فالحكومة السورية رسميا ستكون شريكا في مكافحة الإرهاب، ولتحقيق ذلك ينبغي لها اتخاذ خطوات داخلية من ناحية إنهاء ملفات المقاتلين الأجانب المتشددين، وإعادة هيكلة الجيش والقوات المتخصصة بملف الإرهاب، ومشاركة المعلومات مع التحالف الدولي، والسماح لقوات التحالف الدولي بتنفيذ عمليات بالتنسيق مع الحكومة السورية. كما أن دخول سوريا إلى التحالف الدولي، يعني بطبيعة الحال وجود عمليات تدريب وتنسيق بين الجيش السوري- في مرحلة لاحقة كون التنسيق حاليا مع وزارة الداخلية- وقوات التحالف الدولي، وعمليات تنسيق بين الحكومة السورية والعراقية في الملف نفسه، وهو ما قد يفتح أبواب التعاون بين الحكومتين في مواجهة الميليشيات التابعة لإيران، المنتشرة على الحدود السورية العراقية. يُضاف إلى ذلك ما سيضفيه هذا الدخول من شرعية لوجود قوات التحالف الدولي في سوريا عسكريا، وهو ما سيمنح واشنطن وحلفاءها ثقلا سياسيا وعسكريا شرعيا في المنطقة يمنع على المدى الطويل، تيارات التطرف من العودة إلى المنطقة، ويُخرج سوريا من عباءة المعسكر الشرقي التقليدي.
الحكومة السورية تحسم أمرها
أجرت الحكومة السورية، وبالأخص وزارتي الدفاع والداخلية، اجتماعات عدّة خلال الشهرين الماضيين، لبحث ملف دخول سوريا في التحالف الدولي، ومكاسبه والعقبات التي يمكن أن تظهر في الطريق لتحقيق ذلك بالطريقة المثلى. مكاسب الدخول كثيرة، منها شرعية الحكومة، وشراكتها مع التحالف، وتأثير ذلك على المفاوضات مع “قوات سوريا الديمقراطية” التي تستمد قوتها من كونها الشريك الوحيد في سوريا للتحالف الدولي. ومن المكاسب التي ستجنيها وزارة الدفاع هي الحصول على معلومات التحالف الدولي حيال الشخصيات التي تعمل مع “داعش” أو عملت معه، وذلك يُضفي قوّة داخلية للوزارة في إجراء التدقيق الأمني على الأشخاص الراغبين في الدخول إلى وزارة الدفاع، وهذا ينطبق على وزارة الداخلية أيضا. ومكاسب عسكرية على سبيل عمليات التدريب والتسليح، التي سيقدمها التحالف الدولي للقوات السورية كشريك في محاربة الإرهاب.
العقبات موجودة أيضا، فعلى الرغم من أن الشخصيات الأبرز في الوزارتين، يوافقون خطوة دخول سوريا في التحالف الدولي رسميا، إلا أن هناك أطرافا أقل تأثيرا تعارض هذه الخطوة، ومنها مقاتلون أجانب يرون أن هذه الخطوة تعني فعليا نهايتهم، ولعلّ ما حصل في مخيم الفرنسيين قبل فترة، مؤشر على وجود تلك التيارات المعارضة، ولذلك فإن الحكومة السورية تأخذ في الحسبان وجود هذه التيارات، وعلى الرغم من أنها تراها أضعف من أن تواجه الدولة السورية، فإنها ترى وجود خطة لاحتوائهم أمرا لازما، في ظل مخاوف استغلال “داعش” لهؤلاء العناصر وتجنيدهم لصالحه. كما أن ملف “قسد” من العقبات التي تدرسها الحكومة السورية، فعناصر “قسد” مدربون من قبل واشنطن لمحاربة الإرهاب، وواشنطن لن تقبل بتحييدهم، وإلغاء دورهم في الفترة القادمة على حساب التنسيق مع حكومة دمشق، لذلك لا بد من وجود صيغة لدمج هذه القوات ضمن الجيش السوري وقوات مكافحة الإرهاب التابعة للداخلية.
معلومات “المجلة” تقول إن المرحلة القادمة قد تشهد عمليات كسر جليد، وتنسيق مشترك بين الحكومة السورية و”قسد” والتحالف في العمليات العسكرية، بالتزامن مع المفاوضات لإدخال القوى الرئيسة في “قسد” والمسؤولة عن محاربة “داعش” ضمن وزارتي الداخلية والدفاع، إلى حين الانتهاء من عمليات التفاوض بين الطرفين (“قسد” والحكومة) على تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار الماضي بين الرئيس الشرع، وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
إضافة إلى اللقاءات المزدوجة بين الوزارتين، عقدت كل وزارة لقاءات داخلية بين كوادرها الرئيسين لبحث الخطوات التمهيدية اللازمة داخليا، قبل وصول الرئيس السوري إلى واشنطن، والتوقيع على دخول سوريا رسميا إلى التحالف، وكان من تلك الخطوات في الفترة الماضية أن دروس التوجيه العسكري في وزارة الدفاع، تضمنت الحديث عن أهمية مكافحة الإرهاب، والتعاون مع التحالف الدولي، وأن هذه الخطوة لا تعني أن التحالف سيتدخل في الشأن السوري، وإنما يعني أن سوريا باتت شريكا رئيسا مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب. كما أن وزارة الداخلية اعتمدت تكثيف عمليات التدريب، لقوات إدارة مكافحة الإرهاب ضمن صفوفها، واختبرت جاهزيتها مع التحالف الدولي، من خلال العمليات المشتركة التي تمت في الفترة الماضية.
قسد” تدرس خياراتها
دخول الحكومة السورية في التحالف الدولي ألقى ظلاله على اللقاءات الداخلية لـ”قسد”، فهي تعلم أن هذه الخطوة تعني بطبيعة الحال، بداية فقدانها لكثير من الزخم الدولي، والدعم المقدم لها كشريك رئيس في الحرب على “داعش”، وبحسب المعلومات فإن “قسد” عقدت عدّة لقاءات حيال هذا الموضوع ومخاطره عليها وعلى الدعم، الذي يمكن أن تخسره لصالح حكومة دمشق، على مستوى الغطاء السياسي، والدعم اللوجستي والحماية العسكرية، وملف السجون.
ارتأت “قسد” أن الخطوة الأولى يمكن أن تكون في دفع عملية التفاوض مع دمشق، ووضع الكرة في ملعب الحكومة السورية، لذلك اقترحت “قسد” أسماء قادة في صفوفها، ليتم تسليمهم مناصب في الجيش السوري، وقوات مكافحة الإرهاب، كما اقترحت خطة مرحلية، لدمج فرق من “قسد” في وزارة الدفاع مع الحفاظ على خصوصيتها الجغرافية، هذه المقترحات التي قدمتها “قسد” لم تُجب الحكومة السورية عنها بعد، لأن الأخيرة ترى في الصيغة المقدمة من “قسد” تنازلا عن كثير من القواعد التي وضعتها الحكومة، في عملية التفاوض مع “قسد”، التي تطالب بوجود نوع من الاستقلالية للقوات التي تنتمي لها، وأن تكون واشنطن هي الوسيط في عمليات التنسيق، وهما أمران يتناقضان مع مفهوم مركزية الجيش والدولة، التي تسعى إليه دمشق.
الجانب الأميركي يمارس ضغوطا على “قسد” لإتمام التوافق مع دمشق، وكان قد أبلغ “قسد” أكثر من مرّة خلال الأسابيع الماضية، أن واشنطن تريد تحقيق أكبر كمّ من الاستقرار في سوريا، وذلك تمهيدا لأي تحرك أميركي إسرائيلي ضد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والحدود مع العراق. استمرار التوتر، وحالة عدم الاستقرار في سوريا، يسببان قلقا متزايدا في واشنطن، من انفجار الوضع في سوريا مجددا، ما يسمح لإيران بتجديد اختراقها في المنطقة، ولذلك فإن الإدارة الأميركية مستعجلة في توقيع سوريا على دخول التحالف الدولي، وتسريع عمليات التفاوض بين “قسد” ودمشق، ودعم الحكومة السورية سياسيا واقتصاديا.
التحالف الدولي… 11 عاما من الحرب على “داعش”
في العاشر من سبتمبر/أيلول عام 2014، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل التحالف الدولي، ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وحينها كان برنامج التدريب في سوريا لم يستقر بعد، حيث كانت واشنطن تدير عمليات تفاوض مع الجيش السوري الحر (المعارض) حينها، إلا أن الأخير رفض أن يكون دخوله في البرنامج، هو حصر مهامه في مواجهة “داعش” فقط، دون وجود عمليات ضد النظام السوري، بقيادة بشار الأسد. وفي النهاية اعتمدت واشنطن دعم قوّة أطلق عليها اسم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تقود دفّة قرارها مكونات كردية مثل وحدات حماية المرأة، ووحدات حماية الشعب. في حين استمر الجيش السوري الحر بحربه ضد “داعش” والنظام السوري بتنسيق محدود مع واشنطن، التي كانت تدعم بعض قواه وفصائله.
ويضمّ التحالف الدولي 89 شريكا، أبرزهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وأستراليا، وتركيا، وإيطاليا، وبولندا، ودول خليجية مثل السعودية والإمارات وقطر والأردن والعراق، إضافة إلى الجامعة العربية، والإنتربول، و”الناتو” وكيانات أخرى. وفي عام 2017 أعلن التحالف الدولي، تحرير الرقة معقل “داعش” في سوريا، تلته خسارات دراماتيكية للتنظيم على يد التحالف وعمليات عسكرية قادتها تركيا شمال سوريا مثل عملية درع الفرات. وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2019 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب- خلال رئاسته في ولايته الأولى- مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، بعملية شمال غربي سوريا، في مناطق “هيئة تحرير الشام”، بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع).
ومنذ ذلك الحين، تركزت عمليات التحالف على القضاء على بقايا “داعش” في سوريا، وضمان عدم تمكنه من استعادة قوّته ونفوذه في المنطقة، واعتمد التحالف الدولي و”قسد” على عدّة سجون لاحتجاز قادة وعناصر تنظيم “داعش” الأجانب والعرب والسوريين، أبرز هذه السجون هو سجن الصناعة في الحسكة، وسجن الرقة المركزي، وتمّ وضع عائلات عناصر “داعش” الأجانب، والمدنيين الفارين من المعارك في مخيم الهول، ولاحقا مخيم روج في سوريا. ويبقى ملف السجون من الملفات الشائكة قانونيا وأمنيا، في ظل وجود آلاف المقاتلين، الذين كانوا في صف “داعش”، وتم اعتقالهم خلال عمليات المواجهة أو العمليات الأمنية اللاحقة، واشنطن تحاول الضغط على الدول لاستعادة مواطنيها من السجون، في حين أن هناك خيارا آخر تراه بعض الدول ناجعا، وهو في حال دخول سوريا إلى التحالف الدولي، فإن ذلك سيعني إمكانية محاكمة المساجين على اختلاف جنسياتهم في سوريا، ووفق القانون السوري، على اعتبار أن الجرائم التي ارتكبوها كانت على الأرض السورية. الحكومة السورية درست في أحد اجتماعاتها، إمكانية إنشاء سجن مخصص لمقاتلي التنظيم، يكون بإدارة سورية وتنسيق مع التحالف الدولي. بذلك يبقى ملف المخيمات أمام هذه الدول لحلّه، وهو ملف تراه تلك الدول أقل تعقيدا من ملف المساجين والمقاتلين السابقين في صفوف التنظيم.
المجلة
———————————–
رفع الشرع من قائمة العقوبات: اندماج أسرع لسورية دولياً/ عدنان علي
08 نوفمبر 2025
إظهارالملخصicon
يضيف القرار الذي اعتمده مجلس الأمن، مساء الخميس، برفع اسمي الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، المزيد من الرصيد في حساب الإدارة السورية على الصعيد الدولي، أو بالأحرى يخفف من أثقالها على الساحة الدولية، ويسرّع اندماجها في المجتمع الدولي. كما رفعت بريطانيا أمس الجمعة العقوبات عن الشرع وخطاب، فيما قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي لوكالة رويترز أمس إن الاتحاد سيتخذ القرار نفسه.
وعانت سورية خلال السنوات الماضية قبل سقوط نظام بشار الأسد، من عقوبات عدة فرضتها جهات مختلفة سواء على مسؤولي النظام السابق بسبب تورطهم في انتهاكات وجرائم مختلفة، أو بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضة بسبب انخراط بعضهم ضمن تنظيمات جهادية مصنفة على قوائم الإرهاب الدولي، فضلا عن العقوبات المفروضة على البلاد ومؤسساتها المختلفة. ورحّبت وزارة الخارجية الأردنية بقرار مجلس الأمن، أمس الجمعة، مؤكدة في بيان على “أهمية القرار الذي يجسد إرادة المجتمع الدولي الساعية لدعم وحدة” سورية. كذلك، رحبت وزارة الخارجية التركية، أمس الجمعة، بقرار مجلس الأمن. واعتبر المتحدث باسم الخارجية التركية أونجو كتشالي، في بيان، أن تركيا “ستواصل دعم هذه الخطوات وغيرها من الخطوات المماثلة الهادفة إلى إزالة الإرث السلبي للفترة الماضية على الإدارة الحالية والشعب السوري، ورفع العقوبات بشكل كامل في هذا الإطار، وتمهيد الطريق أمام اندماج سورية في المجتمع الدولي وضمان الاستقرار والتنمية المستدامة في البلاد”.
أسباب امتناع الصين عن دعم القرار
وحصل مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة على تأييد 14 عضواً من أعضاء المجلس الـ15، في حين امتنعت الصين عن التصويت، ولم تستخدم حق النقض. وجاء في نص القرار، الذي أُقرّ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن مجلس الأمن يؤكد التزامه القوي باحترام سيادة سورية واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها الوطنية، ودعمه المستمر لشعبها، مع عزمه على تعزيز إعادة الإعمار والاستقرار والتنمية الاقتصادية في سورية على المدى الطويل. ورحب القرار بالتزامات الحكومة السورية بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية ومكافحة الإرهاب. وحث هذه الحكومة على اتخاذ “تدابير حازمة” للتصدي للمقاتلين الأجانب، وحماية حقوق الإنسان، ومكافحة المخدرات، والنهوض بالعدالة الانتقالية، وإزالة أي بقايا لأسلحة كيميائية، والمضي في عملية سياسية شاملة يقودها السوريون ويمتلكون زمامها.
وجاءت الإشارة إلى المقاتلين الأجانب في نص القرار بناء على طلب الصين التي حثت دمشق على اتخاذ موقف صارم منهم، خصوصا أن بعضهم اندمج في صفوف القوات المسلحة السورية. وتشير التقارير إلى أن بعض هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى حركة تركستان الشرقية الإسلامية التي تعتبرها الصين “منظمة إرهابية”، وهي مدرجة أيضاً ضمن نظام العقوبات الدولي الخاص بالإرهاب. ولم يستجب القرار لطلب صيني آخر بأن يكون رفع اسمي الشرع وخطّاب مؤقتاً، وأن يخضع لمراجعة المجلس بعد فترة محددة. وأشاد الشرع في مقابلة صحافية أمس الجمعة بقرار مجلس الأمن، ووصف هذا القرار بأنه يعكس تحولاً إيجابياً في الموقف الدولي. وفي ما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، أوضح الشرع أن مقاربته تقوم على “الفعل قبل القول”، لافتاً إلى أن النظام السابق “أهمل هذا الملف سنوات طويلة”. وقال إن موقع سورية الجيوسياسي يجعل من التعاون الاستراتيجي بين دمشق وواشنطن مصلحة مشتركة، لكنه أكد أن إعادة صياغة هذه العلاقات تحتاج إلى “دراسة دقيقة ونقاشات معمقة”. وأضاف أنه يأمل في أن تكون زيارته إلى البيت الأبيض بداية لمسار جديد في العلاقات الثنائية.
وتقدمت الولايات المتحدة بمشروع القرار قبل أيام قليلة من الزيارة المرتقبة للشرع إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب
، الاثنين المقبل، في أول زيارة من نوعها. واعتبر مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، في كلمة له أمام مجلس الأمن بعد التصويت، أن اعتماد القرار “يرسل إشارة سياسية قوية بأن سورية دخلت حقبة جديدة منذ سقوط الأسد”. ورأى أن الحكومة السورية بقيادة الشرع، “تعمل بجد للوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب والمخدرات، والتخلّص من أي بقايا لأسلحة كيميائية، وتعزيز الأمن الإقليمي”. كما رحب مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، بالقرار، معتبراً أنه “دليل على الثقة المتزايدة في سورية الجديدة”، فيما وصف بيان للخارجية السورية القرار بأنه “انتصار للدبلوماسية السورية، ويعكس الثقة المتزايدة بقيادة الرئيس الشرع”.
وبرر المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة، فو جونغ، امتناع بلاده عن التصويت على القرار بقوله إن مشروع القرار لم يلب “المبادئ والاعتبارات التي تراها بكين ضرورية لتحقيق الاستقرار في سورية ومكافحة الإرهاب”. وحث دمشق على “الوفاء بالتزاماتها في إطار مكافحة الإرهاب، واتخاذ إجراءات حاسمة للتصدي للأعمال الإرهابية وتهديد المقاتلين الأجانب، وبينهم عناصر حركة تركستان الشرقية الإسلامية، الموجودون داخل الأراضي السورية، وهم من الغالبية الأويغورية الصينية. وكانت جبهة النصرة (الاسم السابق لهيئة تحرير الشام) قد أُدرجت منذ مايو/أيار 2014، على قائمة مجلس الأمن للعقوبات المفروضة على تنظيمي القاعدة وداعش، بما يشمل حظر السفر وتجميد الأصول وحظر الأسلحة. ودأبت لجنة عقوبات تابعة لمجلس الأمن على منح الشرع استثناءات من أجل السفر هذا العام، وذلك بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو الماضي رفع العقوبات التي تفرضها بلاده على سورية.
ورأى الصحافي أحمد المسالمة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن القرار يمنح القيادة المزيد من الثقة والاستقلالية على الساحة الدولية، كما يعزز قيادتها على الصعيد الداخلي. وأضاف أن أي نجاحات سياسية على الصعيد الدولي تفتح آفاق جديدة للسياسة الخارجية السورية وتجعلها أقل عرضة لتلقي الضغوط أو الابتزاز على الصعيد الدولي باتجاه أن تكون دولة طبيعية مثل بقية دول العالم. وأضاف أن هذا سيقوي موقف حكومة الشرع في الداخل السوري، ويحد من تمرد بعض القوى الداخلية على حكمه التي تستغل ماضيه الجهادي، وماضي فصيله “هيئة تحرير الشام” للتشكيك بشرعيته والتقليل من احترامه وجدارته بالحكم. ورأى المسالمة أنه على هامش المساومات التي قد تكون جرت خلال دفع واشنطن بنص القرار إلى مجلس الأمن للتصويت عليه، لا بد أن تكون أثيرت مع الجانب السوري بعض القضايا التي تهم الجانب الأميركي مثل الاتفاق الأمني بين سورية وإسرائيل، والذي تعثر في الفترة الأخيرة بسبب الشروط والطلبات المبالغ فيها من الجانب الإسرائيلي، حيث تحدثت مصادر عن مساع أميركية لإعادة تنشيط هذه المفاوضات، ما قد يمكن من حصول اختراق خلال زيارة الشرع للعاصمة الأميركية.
المقاتلون الأجانب وزيارة الشرع
ووفق المسالمة، يرتبط بذلك الخبر الذي نقلته وكالة رويترز بأن الولايات المتحدة تستعد لتأسيس وجود عسكري في قاعدة جوية بدمشق، وذلك للمساعدة في تنفيذ الاتفاق الأمني الذي تتوسط فيه بين سورية وإسرائيل، على الرغم من النفي السوري الرسمي لمضمون الخبر، نظرا لحساسيته في هذه المرحلة، أو ربما لم تتم بلورة الاتفاق بشكل نهائي حتى الآن، بانتظار حصول تقدم في المفاوضات الأمنية مع الجانب الإسرائيلي. كما أن وضع المقاتلين الأجانب الذي سبق أن ناقشته واشنطن مفصلاً مع الجانب السوري، قد يكون أُثير أيضاً بعد اعتراضات الصين، باتجاه التأكيد على محاصرتهم في سورية والحد من نفوذهم وعدم توليتهم أي مناصب حساسة، وفق المسالمة. ومن المقرر أن يستضيف ترامب الرئيس الشرع الاثنين المقبل لبحث قضايا عدة، بينها مسألة رفع العقوبات الأميركية عن سورية. وكانت الخارجية الأميركية أعلنت الأسبوع الماضي دعمها إلغاء الكونغرس “قانون قيصر” الذي يتضمن عقوبات ضد سورية.
ورأى الدبلوماسي السوري السابق بسام براباندي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن زيارة الشرع لواشنطن تشكل فرصة مهمة له ولحكومته وعليهم استغلالها من جميع النواحي. ولفت إلى أن تكليف الشرع لوزير داخليته بالتنسيق الأمني مع الجانب الأميركي لفتة ذكية منه لرفع اسمه من قائمة الإرهاب، وكان المنطقي أن يقوم وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات بهذه المهمة وليس وزير الداخلية. وحث براباندي الرئيس الشرع على الاجتماع مع الأقليات السورية في الولايات المتحدة، مثل الدروز والعلويين والمسيحيين الذين لهم نفوذ لدى الكونغرس فيما يخص سورية، لطمأنتهم إزاء “الخطر الوجودي” الذي باتوا يشعرون به في سورية ويجب أن يقدم لهم ضمانات معينة. كما حثه على إعلان سورية استعدادها لاستقبال المواطنين السوريين المحتجزين لدى إدارة الهجرة الأميركية، الذي يبلغ عددهم تقريباً 1200 شخص بعد التأكد من جنسيتهم، معرباً عن اعتقاده بأن السوريين بينهم لا يتجاوز عددهم 200 شخص. كما نصح الشرع والوفد المرافق له على الاجتماع مع الدوائر المؤثرة ومراكز الأبحاث القريبة من الحزب الجمهوري ضمن دائرة ترامب، وليس إعادة اللقاءات مع الديمقراطيين والمقربين منهم والمتعاطفين أصلاً مع الوضع الجديد في سورية، ولكن ليس لهم تأثير حقيقي على صناع القرار في واشنطن. وأعرب الدبلوماسي السوري عن اعتقاده بأن اللقاء بين الشرع وترامب الاثنين لن يكون سهلاً، وسيقدم ترامب لضيفه خريطة طريق لسورية مع جدول زمني محدد بغية نقل سورية من مكان إلى آخر، مع ما يتضمن ذلك من تحديات واختيارات صعبة.
الوطن العربي
——————————-
إعادة تموضع يعيد لسوريا بعضًا من شرعيتها الدولية/ علي قاسم
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي يُعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي لكنه لا يضمن الاستقرار دون إصلاحات داخلية حقيقية.
السبت 2025/11/08
في خطوة مفاجئة حملت دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت الحكومة السورية انضمامها رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك قبل أيام من زيارة مرتقبة للرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في شهر نوفمبر الجاري. هذا الإعلان، الذي جاء بعد أكثر من عقد من القطيعة بين دمشق والعواصم الغربية، يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقع سوريا في النظام الإقليمي والدولي، ويطرح أسئلة جوهرية حول دوافع هذا التحول وتداعياته المحتملة على الداخل السوري وعلى توازنات المنطقة.
منذ تأسيس التحالف الدولي في عام 2014، بقيت سوريا خارج مظلته السياسية، رغم أن أراضيها كانت من أكثر الساحات دموية في الحرب ضد داعش. أكثر من 100,000 قتيل سقطوا في المعارك ضد التنظيم داخل سوريا، بحسب تقديرات مراكز الأبحاث الدولية، فيما أسهم التحالف في استعادة نحو 80% من الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم، خاصة في الرقة ودير الزور. ومع ذلك، بقيت دمشق معزولة، تخوض حربها الخاصة، وتواجه عقوبات دولية خانقة، وتُستثنى من أي تعاون استخباراتي أو عسكري مع القوى الغربية.
التحالف الدولي قد يكون بوابة للخروج من العزلة لكنه ليس ضمانة فالمستقبل السوري يُكتب بين العواصم الكبرى وفي شوارع المدن
اليوم، يبدو أن سوريا تسعى إلى قلب هذه المعادلة. فبعد سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية جديدة، تبرز الحاجة إلى إعادة تموضع سياسي وأمني يعيد لسوريا بعضًا من شرعيتها الدولية، ويفتح الباب أمام شراكات جديدة في ملفات الأمن، الاقتصاد، وإعادة الإعمار. لكن هل يمثل هذا الانضمام تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا؟ أم أنه مجرد خطوة تكتيكية تهدف إلى رفع العزلة دون تغيير جوهري في بنية القرار السوري؟ وفقًا لتقارير إعلامية عربية ودولية، فإن الزيارة المرتقبة للرئيس الشرع إلى واشنطن في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ستكون الأولى لرئيس سوري منذ عقود، وتهدف إلى توقيع اتفاق رسمي للانضمام، مع بحث رفع العقوبات ومكافحة الإرهاب.
وتتوزع دوافع الانضمام بين الحاجة واقتناص الفرصة. فمن منظور داخلي، يبدو أن الحكومة السورية الجديدة تدرك أن ملف إعادة الإعمار لا يمكن أن يتحرك دون انفتاح على المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد. الانضمام إلى التحالف الدولي يمنح دمشق فرصة لإعادة بناء الثقة مع الغرب، وفتح قنوات تمويل ومساعدات مشروطة بالتعاون الأمني. كما أن التهديدات الأمنية لا تزال قائمة، إذ تشير تقارير استخباراتية إلى نشاط خلايا نائمة لداعش في البادية السورية، وفي مناطق التماس مع العراق. التعاون مع التحالف يمنح سوريا أدوات استخباراتية وتقنية يصعب الوصول إليها منفردة، كما أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في منتدى حوار المنامة، حيث أشار إلى أن ملف إعادة الإعمار سيكون محور الزيارة.
لكن الدافع الأهم قد يكون سياسيًا. فزيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن ستكون الأولى لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ زيارة بشار الأسد الأخيرة في عام 2000، وتحمل رمزية كبيرة، وتُعد مؤشرًا على رغبة دمشق في إعادة تعريف علاقتها مع الولايات المتحدة، وربما التمهيد لمفاوضات أوسع تشمل ملفات الحدود، اللاجئين، والعقوبات. في هذا السياق، يبدو الانضمام إلى التحالف خطوة محسوبة تهدف إلى كسر الجليد دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الحساسة، كما أفادت تقارير أكدت أن الزيارة ستشمل مناقشات حول رفع العقوبات مقابل تعزيز التعاون الأمني.
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لا يُقرأ فقط في سياق العلاقات الثنائية مع واشنطن، بل ينعكس مباشرة على توازنات المنطقة. فإسرائيل، التي خاضت مواجهات غير مباشرة مع دمشق عبر الجبهة الجنوبية، قد ترى في هذه الخطوة فرصة لتأسيس تفاهمات أمنية جديدة، خاصة في ملف الجولان والحدود الشمالية. وتشير تسريبات دبلوماسية إلى استعداد واشنطن لرعاية جولة خامسة من المفاوضات المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وهو ما قد يُحدث تحولًا جذريًا في طبيعة الصراع التاريخي بين الطرفين.
أما تركيا، فتنظر إلى التحالف الدولي من زاوية مختلفة، خاصة في ظل التعاون الأميركي–الكردي في شمال سوريا. انضمام دمشق إلى التحالف قد يُعزز من موقع القوات الكردية، ويُضعف النفوذ التركي في المناطق الحدودية. هذا قد يدفع أنقرة إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في سوريا، وربما إلى تصعيد دبلوماسي أو ميداني إذا شعرت أن مصالحها مهددة، كما يحذر محللون في مركز كارنيغي، الذي أشار إلى أن هذا التحول قد يعيد إشعال التوترات الحدودية مع تركيا.
المستقبل السوري يُصاغ الآن، في العواصم الكبرى، بانتظار أن تعاد صياغته في شوارع المدن السورية التي تنتظر إعادة البناء، وإعادة بناء الثقة
في المقابل، يُثير هذا التحول قلقًا في طهران وموسكو، الحليفين التقليديين لدمشق. فدخول سوريا في تحالف تقوده واشنطن قد يُضعف من نفوذ إيران العسكري والسياسي، ويُربك حسابات روسيا في ملف الطاقة والموانئ. هل نشهد إعادة تموضع إقليمي؟ أم تصعيدًا خفيًا بين القوى المتنافسة على الأرض السورية؟ تقارير عديدة صدرت مؤخرًا تشير إلى أن الانضمام مرتبط بجهود أميركية لمعالجة ملف “قسد”، مما قد يؤدي إلى دمجها في الجيش السوري أو تهميشها، في خطوة تضعف الإدارة الكردية وتعزز الوحدة السورية.
بين إعادة الإعمار والتدخلات الجديدة، يُمكن لانضمام سوريا إلى التحالف أن يُسرّع من وتيرة إعادة الإعمار، خاصة إذا اقترن برفع تدريجي للعقوبات وفتح قنوات التمويل الدولية. لكن هذا الانفتاح يحمل في طياته مخاطر التدخلات الأجنبية، سواء عبر شروط سياسية تُفرض على الحكومة السورية، أو عبر إعادة تشكيل البنية الأمنية بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى. في هذا السياق، يُحذّر بعض الخبراء من أن التحالف قد يتحول إلى أداة لإعادة هندسة الدولة السورية بدلًا من دعمها. مركز كارنيغي، في تحليله الأخير، أشار إلى أن انضمام سوريا إلى التحالف لا يضمن الاستقرار، بل قد يُعيد إنتاج التبعية إذا لم يُقترن بإصلاحات داخلية حقيقية تشمل العدالة الانتقالية، إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتأسيس عقد اجتماعي جديد.
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش يُعد خطوة جريئة، تحمل في طياتها فرصًا حقيقية للخروج من العزلة، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. لكنها في الوقت ذاته تُثير أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا الانفتاح، وحدوده، ومآلاته. هل تُعيد سوريا تعريف موقعها في النظام الدولي؟ أم تُستدرج إلى مرحلة جديدة من التبعية والتدخلات؟ النجاح في هذه المرحلة لا يعتمد فقط على التحالفات الخارجية، بل على القدرة السورية على الإصلاح الداخلي، وبناء دولة مدنية تعددية تُعيد الاعتبار للمواطنة، وتُحصّن البلاد من الانقسامات التي مزقتها لعقد كامل.
المستقبل السوري يُصاغ الآن، في العواصم الكبرى، بانتظار أن تعاد صياغته في شوارع المدن السورية التي تنتظر إعادة البناء، وإعادة بناء الثقة. التحالف الدولي قد يكون بوابة، لكنه ليس ضمانة.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب،
———————————-
الشرع بين الكرملين والبيت الأبيض/ رفيق خوري
فما الذي يجعله مطلوباً إلى هذه الدرجة من الكبار؟ وما سر الانفتاح السعودي والقطري والإماراتي عليه؟
السبت 8 نوفمبر 2025 1:02
الرئيس السوري أحمد الشرع يصل إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك لحضور الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، 23 سبتمبر 2025 (أ ف ب)
ملخص
إلى أي حد يستطيع الشرع حل مشكلة المقاتلين الأجانب أو إخراجهم من البلاد؟ وقبل ذلك، ماذا بقي من الجولاني في الشرع، وإلى أي درجة يستطيع الخروج من جلباب الجولاني ومقولاته، ثم تغيير سلوك السلفيين المتشددين الذين صاروا في السلطة، وخصوصاً في الأجهزة الأمنية؟
رؤساء سوريا أدمنوا زيارة الكرملين من أيام السوفيات إلى زمن فلاديمير بوتين، ولا رئيس توجه إلى البيت الأبيض، الرئيس حافظ الأسد الذي برع في اللعب بين الجبارين الأميركي والسوفياتي وأتقن التوازن بين العلاقات مع إيران ودول الخليج استقبل الرئيس ريتشارد نيلسون في دمشق، وحرص على الاجتماع مع رؤساء أميركا في جنيف.
وحده الرئيس أحمد الشرع ذهب إلى الكرملين على الطريق إلى البيت الأبيض، بعدما التقى الرئيس دونالد ترمب في الرياض بمسعى من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ثم في الأمم المتحدة، والمفارقة أن واشنطن وموسكو لم تعترف أي منهما رسمياً بالإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد، ولا عينت سفيراً لدى دمشق.
فما الذي يجعل الشرع مطلوباً إلى هذه الدرجة من الكبار؟ ما سر الانفتاح السعودي والقطري والإماراتي عليه؟ وإلى أين يصل الرهان التركي على دوره في دمشق بعد احتضانه في إدلب خلال الصراع مع الرئيس بشار الأسد؟
في البدء يأتي موقع سوريا الجيوسياسي والإستراتيجي المهم بالنسبة إلى الجميع، حتى في إدلب فإن “هيئة تحرير الشام” التي قادها أبو محمد الجولاني كانت مع علاقات انفتاحية مع أوكرانيا التي غزاها الروس، بحيث التقت مصلحة كييف والهيئة ضد بوتين الذي تدخل عسكرياً في سوريا لحماية الأسد ونظامه من السقوط، لكن بوتين الذي ورث علاقات السوفيات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع سوريا قادته الواقعية إلى دعوة الشرع للقائه في الكرملين، وتجاوز ما فعله خلال حكم بشار الأسد الذي صار لاجئاً في موسكو، أولاً للحفاظ على قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وثانياً لعرض تسليح الجيش السوري، وثالثاً لإكمال المشاريع الاقتصادية والحصول على مشاريع جديدة في مرحلة إعادة الإعمار.
الواقعية أيضاً دعت الشرع إلى طي صفحة روسية سوداء خلال الحرب، وبدء صفحة جديدة وتدشين سياسة الانفتاح على الروس والأميركيين والصينيين والعرب وإسرائيل التي احتلت مزيداً من الأرض السورية بعد الجولان، وفي الطليعة قمة جبل الشيخ الحاكمة سوريا ولبنان والأردن.
أما ترمب فإن الشرع قدم له ما لم يحصل عليه رئيس أميركي من رئيس سوري، وأبرز ما قدمه أربع أوراق مهمة، الأولى هي إخراج النفوذ الإيراني عسكرياً وأمنياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً من سوريا، والثانية هي الاستعداد لتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل بشروطها في الجنوب السوري ومن دون التوقف أمام احتلال الجولان، مجرد عودة إلى نسخة قريبة من اتفاق فك الارتباط لعام 1974، والثالثة هي إخراج الاقتصاد السوري من بقايا الاشتراكية ورأسمالية الدولة إلى الليبرالية الاقتصادية والانفتاح على الغرب من دون إهمال تاريخ العلاقات السورية مع الشرق، والرابعة هي التزام المشاركة في الحرب على الإرهاب.
لكن الأهم من كل هذا الانفتاح على الخارج بعد أعوام من الانغلاق هو الانفتاح على الداخل والخروج من دائرة هيئة تحرير الشام الضيقة إلى رحاب التعدد في المجتمع السوري وإشراك النخب والكفاءات وكل ألوان الطيف السياسي في إدارة السلطة لبناء الدولة، فلا سوريا اليوم هي سوريا التاريخية، ولا السلطة المركزية الشديدة في نظام شمولي على مدى نصف قرن أبقت شيئاً من الدولة في البلاد.
ولا مهرب من تقديم أجوبة شفافة عن أسئلة كثيرة حول التحديات أمام سوريا والشرع، أين سوريا بين “سورية” أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام و”كونية” السلفيين الجهاديين الأجانب؟ إلى أي حد يستطيع الشرع حل مشكلة المقاتلين الأجانب أو إخراجهم من البلاد؟ وقبل ذلك، ماذا بقي من الجولاني في الشرع، وإلى أي درجة يستطيع الخروج من جلباب الجولاني ومقولاته، ثم تغيير سلوك السلفيين المتشددين الذين صاروا في السلطة، وخصوصاً في الأجهزة الأمنية؟
الواقع أن المرحلة الانتقالية في سوريا غير شفافة، فلا سوريا اليوم ثورة، ولا هي دولة، بل سلطة ضيقة يديرها رجل واحد يساعده على الوزارات والأجهزة الحساسة والإدارات رجال لا خبرة لهم خارج القتال. الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع وتعرضوا للرصاص والقمع، ومئات الألوف الذين دخلوا السجون وعشرات الألوف الذين ماتوا تحت التعذيب أو بقرارات سياسية، وبقية الذين أسهموا في الثورة منذ 2011 إلى 2024 لا مكان لهم في الإدارة الجديدة، والدولة التي دقت ساعة بنائها تحتاج إلى أدوار المحترفين والمتخصصين في كل مناحي الحياة، كما إلى أهل التفكير لا إلى جماعة التكفير.
بعد موت الحياة السياسية في صحراء النظام المنهار فإن إحياءها مستحيل من دون عودة الأحزاب والنقابات والجمعيات التي تعمل بحرية، ولا أحد يستطيع تجاوز المجتمع الأهلي في سوريا، لكن الحاجة كبيرة إلى المجتمع المدني وحراكه ونقاشاته وحركاته، وليس من المعقول إسناد مناصب في السلطة لأشخاص من مرتبة ما قبل الدولة، والتحديات عظيمة.
و”كلما عظم التحدي اشتد الحافز”، كما قال المؤرخ الكبير أرنولد تويني.
المزيد عن: سورياأحمد الشرعالجولانيأميركاروسياترمب
——————————-
دمشق وواشنطن.. اختبار التوازن الجديد في العلاقات/ سمير صالحة
2025.11.08
يتابع أكثر من لاعب محلي وإقليمي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، ونتائج القمة التي سيعقدها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. الشرع في العاصمة الأميركية ليس بهدف التقاط الصور التذكارية، فالمقايضات ستكون صعبة، والتفاهمات ستكون أصعب، على طريق الانتقال بسوريا من حالة إلى أخرى. مرحلة ما بعد الزيارة ستكون أكثر أهمية مما قبلها بالنسبة إلى البلدين، وباتجاهين: سلبي في حال عدم حصول التفاهمات – وهو ما لن يحدث – وإيجابي عند الاتفاق على تفاصيل سياسية وأمنية كثيرة تنتظر هذا اللقاء.
قرار التوجه إلى موسكو قبل واشنطن خطوة استراتيجية محسوبة بدقة واحتراف من قبل فريق الرئاسة السوري، فنتائج التفاهمات السورية – الروسية سيكون لها صداها وارتداداتها في واشنطن. وعلى ضوء ذلك سيقدّم ترمب العروض والاقتراحات، وسيسمع الرد ويقيس مدى وجود فرص للوصول إلى تفاهمات تُترجم إلى التزامات ملموسة على طريق الاصطفافات الجديدة.
لن يعود الشرع محمّلًا بمشاريع الدعم والتمويل المالي الأميركي لإعادة إعمار سوريا، فترمب لم يُعَوِّد أحدًا على ذلك باستثناء إسرائيل. لكنه سيرجع حتمًا بكثير من التفاهمات والاتفاقيات السياسية والأمنية الثنائية التي تطلق يد دمشق وتحررها من قيود والتزامات مزمنة كبّل بها نظام الأسد يد الشعب السوري لعقود.
من بين حصيلة النتائج التي ينتظرها كثيرون: هل ستجد سوريا اليوم نفسها في حلفٍ إقليمي جديد مغاير لمسار خياراتها الاستراتيجية القديمة، وتحديدًا مع روسيا؟ وهل سيكون على دمشق أن توازن بدقة بين فتح صفحة جديدة مع واشنطن وبين الحفاظ على ما تبقى من شراكتها مع موسكو، في اختبار دقيق لمدى استقلالية القرار السوري بعد إزاحة نظام الأسد؟
تردد القيادة السورية الجديدة أنها لن تكون مصدر تهديد لجيرانها، لكن ما سيطلبه ترمب قد يصل إلى مستوى تحوّل مهم في نظرة جيران سوريا إليها. انخراط سوريا في التحالف الدولي لن يتوقف عند حدود داعش، ولوائح الإرهاب الأميركية لا تشمل “حزب العمال الكردستاني” وحده، فهناك حزب الله في لبنان، والمجموعات الجهادية في شمالي سوريا، والفصائل الفلسطينية التي تحاربها إسرائيل وأميركا، إضافة إلى قوات عراقية رديفة محسوبة على طهران.
ما هو أبعد من ذلك أن تجد دمشق نفسها أمام تقاطعٍ استراتيجيٍّ إقليمي في علاقاتها مع العديد من دول الجوار. وقد سبق التحضير للزيارة لقاءات مكثفة بين الطرفين بوساطة سعودية – تركية. ملفات رفع العقوبات عن سوريا، وتواجد دمشق تحت سقف التحالف الدولي، والعلاقة السورية – الإسرائيلية، وخطوات المرحلة الانتقالية بشقّها السياسي والدستوري، والوضع القائم في شرق الفرات وجنوب سوريا، والعودة إلى النظام المالي العالمي، جميعها بين أولويات الشرع.
لكن ترمب يريد أن يعرف كيف سيتصرف الرئيس السوري في موضوع العلاقة السورية الجديدة مع لبنان؟ وهل دمشق جاهزة لاتفاقية تطبيع مع تل أبيب؟ وهل يخطط الشرع لزيارة طهران في القريب أم لا؟
في آخر لقاءين رفيعي المستوى بين سوريا والولايات المتحدة، سواء لقاء كانون الثاني 1994 أو لقاء آذار 2000، كان بيل كلينتون وحافظ الأسد يناقشان الملفات الأساسية نفسها تقريبًا: لبنان، الاصطفافات، ومعاهدة السلام مع إسرائيل. لكن التحولات الإقليمية والسورية التي تلت الثورة حملت معها تحديات إضافية تستدعي مناقشة هذه الملفات بأسلوب مغاير تمامًا.
المقارنة بين الماضي والحاضر تبرز كيف انتقلت سوريا من منظومة علاقات مركزية جامدة إلى قيادة جديدة تواجه عالمًا مختلفًا تمامًا، حيث كل قرار يحمل أبعادًا إقليمية ودولية بامتياز. من هنا، لا أحد ينتظر حسم كل ملفات الخلاف والتباعد، لكن النقاط ستُوضَع على الحروف حتمًا في التعامل مع مسائل سياسية وأمنية أساسية تدفع واشنطن لمواصلة دعمها لمسار بناء سوريا الجديدة.
الفرصة الأهم أمام دمشق اليوم لا تكمن في الوعود الأميركية المباشرة، بل في كسر طوق العزلة الذي أحكم خناقه عليها منذ عقود. أي انفتاح أميركي محتمل سيكون مشروطًا بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة، لكنه في الوقت نفسه سيسهم في فتح الباب أمام عودةٍ تدريجيةٍ لسوريا إلى محيطها العربي والدولي.
يدرك الشرع أن واشنطن لن تقدّم دعمًا مجانيًا، لكنها قد تسهّل عبور دمشق نحو مرحلة استقرار جديدة إذا ما أظهرت جدية في فك الارتباط التدريجي مع محاور الصراع القديمة، وضبط الحدود اللبنانية، والمشاركة في إعادة رسم منظومة الأمن الإقليمي بمواصفات ومعايير مغايرة.
ما بعد واشنطن لن يقتصر أثره على العلاقات الخارجية فقط، بل سيصل سريعًا إلى الداخل السوري. فالقيادة الجديدة تواجه اختبارًا مزدوجًا: ترجمة التفاهمات الدولية إلى إصلاحات ملموسة تعزّز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تنفيذ مطالب المجتمع المدني والمكوّنات المحلية المختلفة. أي تأخر أو قصور في هذا التحرك قد يضعف مصداقية السلطة السياسية الجديدة ويزيد من الضغوط الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء.
السيناريوهات المطروحة لما بعد القمة تتراوح بين ثلاثة مسارات محتملة:
الأول، انفتاح تدريجي مشروط يتيح عودة سوريا إلى المشهد الدولي مقابل التزامات سياسية واضحة.
الثاني، بروز تفاهمات محدودة من دون اختراقات كبرى.
أما الثالث، فهو تحوّل استراتيجي أعمق يضع دمشق في قلب معادلة إقليمية جديدة، لكنه يحمل في طياته مخاطر الارتهان لضغوط خارجية قد تعيد إنتاج تبعيات من نوعٍ آخر.
الخيارات ستكون بين أحد هذه السيناريوهات أو دمجها كلها في إطار سيناريو واحد. الأمر يتوقف على قدرة القيادة السورية في إدارة التوازنات الجديدة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
القمة لن تترك انعكاساتها في واشنطن ودمشق فقط، بل سيتردد صداها في عواصم الإقليم كافة. موسكو ستراقب بحذر أي تقارب سوري – أميركي قد يحدّ من نفوذها الميداني، فيما ستخشى طهران من أن يكون الانفتاح الجديد خطوة أولى نحو فك الارتباط معها. في المقابل، قد تنظر الرياض وأنقرة بإيجابية حذرة إلى تحركات الشرع إذا ما أسهمت في تقليص حضور إيران وتعزيز مسار الاستقرار الإقليمي.
أما إسرائيل فستترقب النتائج بعينٍ أمنية بحتة، تقيّم المكاسب والمخاطر في ضوء ما يُطرح من تفاهمات حدودية وأمنية محتملة.
ما بعد واشنطن سيكون امتدادًا لما قبلها. امتحانُ القيادةِ الجديدة سيكون في قدرتها على تحويل التفاهمات إلى واقعٍ مغاير، من دون خسارة استقلالية القرار الوطني أو إثارة غضب الحلفاء والشركاء. من إرثٍ تداعى إلى توازناتٍ يُعاد صياغتها، تختبر دمشق اليوم قدرتها على التحرر من الماضي من دون الوقوع في مطبّات الجديد.
فهل تبدأ سوريا فعلًا رحلةَ التحرر من إرثها القديم، أم تدخل مرحلةَ إعادة تدوير النفوذ بأدواتٍ جديدة؟
——————————-
سوريا على أعتاب تحول دبلوماسي كبير مع زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن
البيت الأبيض يختبر نوايا دمشق في مكافحة الإرهاب قبل التطبيع الكامل.
السبت 2025/11/08
تقف سوريا اليوم على أعتاب تحول دبلوماسي غير مسبوق منذ عقود، مع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين. فالبيت الأبيض يختبر نوايا دمشق في مكافحة الإرهاب قبل المضي في مسار التطبيع الكامل، بينما تراهن سوريا على أن الانفتاح الأميركي قد يكون بوابتها للعودة إلى المجتمع الدولي بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.
واشنطن – تدخل سوريا مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والدبلوماسي مع اقتراب زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، في حدث يوصف بأنه نقطة تحول محتملة في علاقة دمشق بالولايات المتحدة بعد أكثر من أربعة عقود من العداء والعقوبات.
ويرى الباحث مايكل جاكوبسون في تقرير نشره معهد واشنطن أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل اختبار معقد تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع الأبعاد السياسية، ويُراد منه استكشاف ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة على أن تتحول من دولة منبوذة إلى شريك محتمل في مكافحة الإرهاب، وما إذا كان البيت الأبيض مستعدًا فعلاً لفتح صفحة جديدة مع نظام تشكّل صورته في الوعي الأميركي من خلال إرث طويل من الاتهامات بدعم التطرف والإرهاب الإقليمي.
ومنذ إدراج سوريا عام 1979 على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ظلت واشنطن تتعامل مع دمشق بوصفها جزءًا من محور التحدي الذي يضم إيران وحزب الله وعددًا من الفصائل الفلسطينية المسلحة. لكن الظروف اليوم تبدلت جذريًا بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود قيادة جديدة تحاول أن تعيد تموضع البلاد على الخريطة الدولية.
ويدرك الرئيس أحمد الشرع الذي يسعى لتثبيت حكمه بعد سنوات الحرب والانهيار، أن كسر العزلة الدولية لا يمكن أن يتحقق من دون تفاهم مع الولايات المتحدة.
الرئيس أحمد الشرع الذي يسعى لتثبيت حكمه يدرك أن كسر العزلة الدولية لا يمكن أن يتحقق من دون تفاهم مع الولايات المتحدة
وفي المقابل، ترى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في القيادة الجديدة فرصة لإعادة تشكيل التوازنات في المشرق العربي عبر إدماج سوريا في المنظومة الإقليمية التي تتبناها واشنطن لمحاصرة النفوذ الإيراني واحتواء الفوضى التي خلفتها الحرب على الإرهاب.
وتسعى إدارة ترامب إلى مقاربة براغماتية في التعامل مع الملف السوري. فبدلاً من سياسة العقوبات والاحتواء التي اتبعتها الإدارات السابقة، يفضّل ترامب مقاربة “الفرصة المشروطة”، أي منح دمشق إمكانية الخروج من عزلتها إذا ما التزمت بسلسلة من الخطوات العملية في مكافحة الإرهاب وقطع روابطها مع القوى والميليشيات الموالية لإيران.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، المراجعة الجارية داخل الإدارة الأميركية لإمكانية رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار لو تحقق فسيعني انتقال دمشق من خانة الدولة المعاقَبة إلى الدولة القابلة للشراكة.
ومع ذلك، تدرك واشنطن أن أي خطوة من هذا النوع تحمل مخاطر سياسية، إذ قد تُفهم على أنها مكافأة مبكرة لنظام لم يثبت بعد أنه تخلّى نهائيًا عن سياساته القديمة.
وتأتي زيارة الشرع إلى واشنطن بعد ستة أشهر من لقائه الأول مع الرئيس ترامب، الذي عبّر آنذاك عن قناعته بأن على سوريا أن تُمنح فرصة جديدة، معتبراً أن استمرار العقوبات سيجعل من الصعب عليها تحقيق الاستقرار الداخلي والمساهمة في جهود مكافحة الإرهاب. غير أن ترامب، الذي يتحرك بحذر في الملفات الحساسة، اشترط أن يكون أي انفتاح أميركي مشروطًا بتقدّم ملموس من دمشق في معالجة القضايا التي تُعدّ أساس الخلاف التاريخي بين البلدين.
وتشمل هذه القضايا مكافحة الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وترحيل المقاتلين الفلسطينيين المطلوبين، وحظر التنظيمات المسلحة داخل الأراضي السورية، والمساعدة في منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية، وتولي مسؤولية مراكز احتجاز مقاتليه في شمال شرق البلاد.
وينظر البيت الأبيض إلى هذه المطالب باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لنية القيادة السورية الجديدة، بينما ترى دمشق أن الامتثال لها قد يفتح الباب أمام مرحلة من التعاون الأمني والسياسي غير المسبوق.
وتؤكد مصادر أميركية أن المبعوث الخاص توم باراك هو الذي يقود الاتصالات مع دمشق، وقد أعلن صراحة أن الشرع سيوقع خلال زيارته اتفاقًا مبدئيًا للانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وهو ما يُعد خطوة رمزية تؤشر إلى تغير جوهري في موقع سوريا من “الداعم إلى الشريك”. لكن الطريق إلى هذا التحول لا يزال طويلاً، إذ يطالب الأميركيون بضمانات مكتوبة من الحكومة السورية بعدم العودة إلى أي نشاط أو دعم ذي طابع إرهابي، وبالالتزام الصارم بمنع إيران وحزب الله من استغلال الأراضي السورية لأي نشاط عسكري أو مالي.
سوريا تدخل مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والدبلوماسي سوريا تدخل مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والدبلوماسي
وعلى الرغم من الصورة الجديدة التي يحاول الشرع رسمها لسوريا، إلا أن واشنطن ما زالت تتعامل بحذر مع أداء دمشق في مكافحة الإرهاب.
وتشير التقارير الأميركية إلى أن الحكومة الجديدة اتخذت بالفعل خطوات ملموسة لإغلاق طرق تهريب الأسلحة والأموال التي كانت تصل إلى حزب الله، وأنها حدّت من حركة المستشارين العسكريين الإيرانيين، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى السيطرة الكاملة على هذه الشبكات.
كما أن التعاون السوري الأميركي ضد تنظيم الدولة ظل محدودًا ومحكومًا باعتبارات الثقة.
ورغم أن الشرع كان على خلاف مع التنظيم منذ عام 2013 حين كان يقوده أبو بكر البغدادي تحت مسمى “دولة العراق الإسلامية”، فإن إدارة ترامب ترى أن اختبار الجدية يكمن في قدرة دمشق على منع عودة التنظيم في مناطق البادية وعلى إدارة مراكز احتجاز آلاف المقاتلين الأجانب.
وفي المقابل، تراهن القيادة السورية على أن الانفتاح الأميركي سيمنحها الموارد والخبرة اللازمة لبناء مؤسسات أمنية أكثر فاعلية، خصوصًا من خلال برامج مثل صندوق وزارة الدفاع لتدريب وتجهيز القوات ضد داعش، وبرامج وزارة الخارجية الخاصة بمكافحة الإرهاب ونزع الألغام.
وتدرك دمشق التي خرجت من حرب مدمرة أن بناء قدرات أمنية جديدة لا يمكن أن يتحقق من دون دعم دولي، وأن استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها تستلزم تعاونًا استخباراتيًا واسعًا مع القوى الكبرى.
ومن هنا، يُنظر إلى زيارة الشرع بوصفها محاولة مزدوجة: من جهة تسعى إلى كسب الثقة الأميركية، ومن جهة أخرى إلى تأمين دعم مالي وتقني يمكن أن يساعد في إعادة بناء أجهزة الدولة. غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في البنية السياسية الداخلية لسوريا الجديدة.
ويثير دمج المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في إسقاط النظام السابق في مؤسسات الدولة قلقًا في واشنطن، التي تخشى أن تتحول هذه الخطوة إلى عملية “تبييض سياسي” لمقاتلين سابقين ذوي خلفية جهادية.
وقد وافقت الإدارة الأميركية مبدئيًا على خطة الشرع لدمج بعض هؤلاء ضمن وحدات عسكرية جديدة، لكنها اشترطت الشفافية الكاملة والتدقيق الأمني الصارم في خلفياتهم.
ويؤكد المسؤولون الأميركيون أن دمج هؤلاء لا يمكن أن ينجح إلا إذا ترافق مع عملية إصلاح أوسع تعيد بناء العقيدة الأمنية للدولة السورية على أسس مهنية لا أيديولوجية.
ماذا يخفي الشرع في جعبته ماذا يخفي الشرع في جعبته
وفي الأثناء، يواصل البيت الأبيض وضع مسارات متعددة للتعامل مع الملف السوري. أحد هذه المسارات يقوم على فكرة “الرفع المشروط” لاسم سوريا من قائمة الإرهاب، بحيث يتم ذلك وفق آلية المراجعة النصف سنوية التي تتيح إعادة فرض العقوبات في حال إخلال دمشق بالتزاماتها.
ولا تريد إدارة ترامب أن تكرر أخطاء سابقة، كما حدث مع كوبا أو كوريا الشمالية، حين أدى رفع العقوبات على أساس “تغيير جذري” إلى تقليص قدرة واشنطن على إعادة فرض الضغط لاحقًا.
ولذلك، يفضّل البيت الأبيض أن يحتفظ بمرونة قانونية وسياسية تسمح له باستخدام ملف رفع التصنيف كأداة نفوذ دائمة على دمشق.
وفي العمق، تعكس هذه المقاربة الأميركية إدراكًا بأن التحول في سوريا لا يزال هشًا، وأن الدولة الخارجة من حرب طويلة لم تستقر مؤسساتها بعد.
وتواجه القيادة الجديدة وإن كانت تُظهر استعدادًا للتعاون، تحديات داخلية كبيرة تتعلق بتوازن القوى بين الجيش والفصائل المحلية، وبقدرتها على ضبط المناطق التي كانت خارجة عن السيطرة. كما أن النفوذ الإيراني الذي تغلغل في مفاصل الدولة السورية خلال العقد الماضي لا يمكن تفكيكه بقرار واحد، بل يحتاج إلى عملية طويلة تتطلب دعمًا سياسيًا واقتصاديًا من الغرب ودول الخليج على حد سواء.
ومن ناحية أخرى، تدرك واشنطن أن التحول السوري قد يشكل عامل تغيير في معادلات الإقليم. فإعادة إدماج سوريا في المنظومة الدولية ستؤثر في موازين القوى بين إيران وخصومها العرب، وقد تفتح الباب أمام تعاون أوسع في ملفات إقليمية مثل أمن الحدود العراقية، واستقرار لبنان، ومستقبل التوازن في شرق المتوسط.
ولذلك، لا يُنظر إلى التقارب الأميركي السوري بمعزل عن الإستراتيجية الأشمل لواشنطن في الشرق الأوسط، والتي تقوم على بناء نظام إقليمي جديد يقلّص من حضور القوى غير العربية، ويفتح المجال أمام شراكات أمنية واقتصادية متعددة الأطراف تقودها الولايات المتحدة. إلا أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بمدى التزام دمشق العملي بمحاربة الإرهاب.
ولن تغامر واشنطن، التي خاضت حروبًا طويلة ضد التنظيمات المتطرفة، بإعادة تأهيل نظام لم يثبت بعد أنه تخلى نهائيًا عن تلك السياسات التي جعلته يومًا على رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ومن هنا، فإن البيت الأبيض سيتعامل مع سوريا وفق مبدأ “الثقة المقنّنة”: خطوات محدودة، مقابل نتائج ملموسة، وكل تقدم على الأرض يقابله تخفيف تدريجي للعقوبات.
وفي المقابل، تسعى دمشق إلى توظيف الانفتاح الأميركي كمدخل لتطبيع أوسع مع الغرب. فرفع اسمها من قائمة الإرهاب سيمنحها إمكانية الوصول إلى التمويل الدولي، ويفتح الباب أمام الشركات الغربية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، كما سيشكل إشارة سياسية لبقية العواصم الأوروبية والعربية بأن واشنطن لم تعد تعارض عودة سوريا إلى الساحة الإقليمية.
ميزان المصالح مستقر مبدئيا ميزان المصالح مستقر مبدئيا
ولهذا، تبدو زيارة الشرع جزءًا من إستراتيجية متكاملة لإعادة بناء العلاقات الخارجية لسوريا على أسس براغماتية، تقوم على مبدأ “التعاون مقابل الاعتراف.”
ورغم كل ذلك، لا تزال العقبات كثيرة. فداخل الولايات المتحدة نفسها ثمة أصوات في الكونغرس وفي مراكز الأبحاث تعارض أي تقارب سريع مع دمشق، وتعتبر أن الحكومة السورية لم تُبدِ بعد ما يكفي من الإصلاح السياسي أو احترام حقوق الإنسان. كما أن بعض الحلفاء الإقليميين لواشنطن، ولا سيما إسرائيل، ينظرون بقلق إلى عودة سوريا إلى المسرح الإقليمي خشية أن يؤدي ذلك إلى تقوية المحور الإيراني أو إلى إعادة تموضع عسكري قرب الجولان.
وتجعل هذه العوامل البيت الأبيض يتحرك بحذر شديد، محاولاً موازنة الفرصة الاستراتيجية مع المخاطر السياسية.
وتبدو سوريا اليوم في لحظة مفصلية بين ماضٍ من العزلة ومستقبل من الانفتاح الحذر. فزيارة الرئيس السوري إلى واشنطن ليست مجرد رحلة دبلوماسية، بل فصل جديد في معركة الهوية السياسية للدولة السورية، ومحاولة لإعادة تعريف موقعها بين القوى الإقليمية.
وإذا نجحت دمشق في اجتياز اختبار النوايا الذي يفرضه البيت الأبيض، فقد تكون هذه الزيارة بداية لمسار طويل يعيد سوريا تدريجيًا إلى المجتمع الدولي، ويفتح أمامها أفق تطبيع مشروط يقوم على مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني والإقليمي.
وأما إذا فشلت في إقناع واشنطن بجدية تحولها، فإنها ستجد نفسها أمام عودة محتملة إلى العزلة والعقوبات، ما سيبدد فرصة نادرة لإعادة بناء دورها في النظام الدولي.
وهكذا، تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن تنجح في تحويل زيارة الشرع إلى واشنطن إلى بداية عهد دبلوماسي جديد يعيد إليها الاعتراف والمكانة، أو أن تبقى رهينة ماضيها، تراوح في هامش السياسة الدولية بين الوعود المؤجلة والفرص الضائعة.
وفي كلتا الحالتين، سيبقى قرار البيت الأبيض اختبارًا فاصلاً لنوايا دمشق، ومؤشرًا على ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلًا لغلق صفحة الحرب الباردة مع سوريا، أم أنها تفضل إبقاء الباب مواربًا في انتظار دليل قاطع على أن التحول هذه المرة حقيقي ومستدام.
العرب،
———————————–
الشرع إلى البيت الأبيض بـ«صفحة بيضاء»
مجلس الأمن رفع العقوبات عن الرئيس السوري… وأوروبا تستعد لخطوة مماثلة
واشنطن: علي بردى
8 نوفمبر 2025 م
تتجه الأنظار إلى لقاء يوصف بأنه تاريخي في البيت الأبيض بعد غدٍ، الاثنين، حيث يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نظيره السوري أحمد الشرع، في أول زيارة من نوعها لرئيس سوري إلى العاصمة الأميركية.
وحظي الشرع، عشية اللقاء، بدعم أممي واضح، إذ صوّت مجلس الأمن، الخميس، على رفع اسمه من قائمة عقوبات الإرهاب الأممية، في خطوة تمنحه «صفحة بيضاء» قبل ولوج البيت الأبيض، وتُكرس جهوده لإعادة سوريا إلى المجتمع الدولي بعد عزلة طويلة خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ويُنتظر أن يوقع الشرع خلال زيارته البيت الأبيض على اتفاق لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، الذي تقوده الولايات المتحدة.
وقبل انتقاله إلى واشنطن، شارك الشرع في مؤتمر المناخ الأممي (كوب 30) في البرازيل.
وصوّت مجلس الأمن على قرار بموجب الفصل السابع أعدته البعثة الأميركية، بغالبية 14 من الأصوات الـ15 في المجلس، فيما امتنعت الصين عن التصويت.
ويشطب القرار اسمي الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، من قائمة الجزاءات المفروضة على «داعش» و«القاعدة». وسارعت بريطانيا إلى رفع عقوباتها عنهما، فيما أكد الاتحاد الأوروبي استعداده للقيام بخطوة مماثلة.
—————————
منظمات سورية أميركية تطالب ترامب بإلغاء “قانون قيصر” بشكل كامل
8 نوفمبر 2025
أعلن رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم، أن ائتلافًا يضم عددًا من المنظمات السورية الأميركية وجّه رسالة رسمية إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دعا فيها إلى تدخله الفوري لضمان الإلغاء الكامل لـ”قانون قيصر”.
جاء ذلك في منشور لغانم عبر منصة “إكس”، أوضح فيه أن هذه الخطوة تأتي في إطار تحرك جماعي موحد يهدف إلى “تذليل آخر عقبة تشريعية” أمام رفع العقوبات عن سوريا، والمساهمة في تمكينها من “استعادة كامل إمكاناتها الاقتصادية”.
وذكرت الرسالة، وفقًا لغانم، أن السوريين خرجوا إلى الشوارع احتفالًا بإعلان ترامب السابق برفع العقوبات، معتبرة أن الرئيس “وفى بوعده للسوريين ونال محبتهم وتقديرهم”. إلا أنها أشارت إلى أن خطوة واحدة لا تزال ضرورية لترسيخ هذا “الإنجاز التاريخي”، وهي قيام الكونغرس بإلغاء “قانون قيصر” بشكل كامل.
وأوضحت الرسالة أن النائب برايان ماست، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، يشكل “العقبة الرئيسية” أمام تحقيق هذا الهدف، مُبديًا – بحسب الرسالة – عدم تجاوب مع الحجج المقدمة التي تثبت أن إلغاء القانون سيعود بالنفع على الشعب السوري ويسهم في تحقيق أهداف ترامب.
وطالبت الرسالة الرئيس ترامب بالتواصل المباشر مع النائب ماست لحسم هذا الأمر، خاصة قبل لقائه المرتقب في البيت الأبيض مع الرئيس أحمد الشرع. واعتبرت أن ترامب يمتلك “المهارة والقدرة الكافيتين” لإتمام “فن عقد الصفقة” وكسب دعم ماست للإلغاء الكامل.
وشملت الرسالة قائمة بتواقيع 15 منظمة وجمعية سورية أميركية، من بينها “المجلس السوري الأميركي” و”الجمعية السورية الأميركية للأطباء” و”تحالف السوريين الأميركيين من أجل السلام والازدهار”، مع إرسال نسخة منها إلى وزير الخارجية مايك بومبيو.
وكانت كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن تحركات داخل إدارة ترامب لإلغاء “قانون قيصر”، تزامنًا مع استعدادات لاستقبال الرئيس الشرع في البيت الأبيض يوم الإثنين المقبل.
وأوضحت الصحيفة أن مجلس الشيوخ الأميركي أقر تشريعًا ضمن قانون تفويض الدفاع يقضي بإلغاء القانون، فيما تجري مناقشات في مجلس النواب للوصول إلى الصيغة النهائية، وسط تحفظات محدودة أبرزها من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس براين ماست.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في إدارة ترامب تأكيد دعم البيت الأبيض “الإلغاء الكامل للقانون”، معتبرًا أن “رفع القيود ضروري لتمكين الشركات الأميركية والدول الإقليمية من العمل في سوريا”.
الترا سوريا
———————————–
مسؤول أميركي: نسعى لمكافحة “داعش” على يد قوات الحكومة السورية وقسد
المسؤول الأميركي أكد أنه “لا خطط بشأن إعادة النظر بوجود القوات الأميركية في سوريا”
2025-11-08
أكد مسؤول أميركي اليوم السبت، أن الولايات المتحدة تسعى لمكافحة تنظيم “داعش” على يد قوات الحكومة السورية الانتقالية، وقوات سوريا الديموقراطية (قسد).
وذكر المسؤول لقناة “العربية” السعودية، أن “الولايات المتحدة تريد العمل على مكافحة داعش، بهدف منع عودة التنظيم، ومنع تشكيله أي تهديد لها مستقبلاً”.
وقال، إن “تجربة العمل في العراق كانت ناجحة جداً، لذا تريد الولايات المتحدة تكرار هذه التجربة في سوريا، من خلال التعاون مع قوات وزارة الدفاع السورية كما تعاونت مع القوات العراقية”.
وأضاف، أنه “لا خطط حالياً لدى واشنطن، لإعادة النظر في وجود القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا وقاعدة التنف على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني”.
وأشار المسؤول الأميركي، إلى أن “القوات الأميركية قتلت خلال الأسابيع الأخيرة عدداً من عناصر تنظيم داعش، واعتقلت آخرين”، مؤكداً أنها “ستواصل على هذه المسار في المستقبل”.
وبشأن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، لفت المسؤول الأميركي، إلى أن “الولايات المتحدة تريد أن تتعايش إسرائيل مع جيرانها لكن هذا يبقى طموح”.
وحول عزم واشنطن تأسيس وجود عسكري في قاعدة جوية سورية قرب دمشق، قال المسؤول إن “هذا الخبر مزيف ولا صحة له على الإطلاق”.
ونوّه، إلى أن “واشنطن لا تعمل على بناء أي مركز على غرار مركز التنسيق والآليات بين لبنان وإسرائيل أو غزّة، حيث أن المهمات المطروحة في سوريا مثل مكافحة داعش أو قضايا تتعلّق بسوريا وإسرائيل لا تحتاج إلى مركز تنسيق”.
وتحتفظ الولايات المتحدة بعدد من القواعد العسكرية في شمال شرقي سوريا، أبرزها قاعدة “حقل العمر” بريف دير الزور، وقاعدتي “الشدادي” و “خراب الجير” بريف الحسكة، في إطار محاربة تنظيم “داعش” بالتعاون مع قوات سوريا الديموقراطية.
كما تنتشر القوات الأميركية في قاعدة “التنف” على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، في إطار محاربة التنظيم بالتعاون مع “جيش سوريا الحرة”.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد دعا الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أمس الجمعة، للانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، وذلك خلال لقاء جمعهما على هامش قمة المناخ المنعقدة في مدينة بيليم البرازيلية.
وقال ماكرون، إن “الحرب على الإرهاب تبقى ضمن أولويات الحكومة الفرنسية”، مضيفاً، أن بلاده لم تنسى أن هجمات باريس عام 2015 جرى التخطيط لها في سوريا، لذلك فالحرب على الإرهاب أمر يتعلق أيضاً بأمن المواطنين داخل فرنسا.
——————————-
=====================



