سوريا على سكّة القطار من جديد/ حسان الأسود

2025.11.08
تتوالى الأحداث والوقائع المحيطة بالحالة السورية، الجميع في سباق مع الزمن وكلّ مطلع فجر يأتي بجديد، قد لا يكون هذا الجديد مفرحًا على الدوام لأنّ ثمّة الكثير من المنغّصات، لكنّ التوجه العام الإقليمي والدولي يشير إلى أن المستقبل بدأ يفتح أبوابه أما سوريا وأهلها. لقد انقضى الأسوأ، ولم يعد ثمّة شكّ في أنّ الحقبة الأسديّة بدأ طيّها بإرادة فاعلة من السوريين وبمساعدة قويّة من المجتمع الدولي. لن يعود الزمن إلى الوراء، بل سيتقدّم نحو الأمام بكلّ قوّة لما فيه مصلحة مشتركة للجميع. كان رفع العقوبات الدولية يوم الخميس في 6/11/2025 عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب مؤشرًا على هذا التوجه الدولي العام، فمجلس الأمن الذي كان مسرحًا للصراع والتنافس في الحالة السورية على مدى الأعوام الثلاثة عشر الماضية، والذي شهد استعمالات متكررة لحق النقض، صوّت أخيرًا باتفاق 14 دولة وبامتناع الصين دون استخدامها الفيتو.
ينطلق كثيرون من معارضي السلطة السياسية الجديدة في سوريا من رؤيتهم المستندة إلى مواقف أيديولوجية متناقضة مع الخلفية التي أتت منها هذه السلطة، أو من مواقف مبنيّة على أسس أكثر استنادًا لمعايير حقوقية منها لمعايير السياسة، أو انطلاقًا من مجموعة من القيم التي لا يحيد عنها أصحابها باعتبارها مبادئ إنسانية لا يمكن تخطيها. بالمقابل يؤسس كثيرون من مؤيدي هذه السلطة سرديتهم على أسس يرونها تحملها من وجهة نظرهم، فالمظلومية التي عاشتها الأكثرية على مدى عقود تبرر الحالة الراهنة بعجرها وبجرها دون كثير نقاش. لكن ثمّة اعتبارات أخرى تفرض ذاتها بشكل موضوعي دون تدخلات هؤلاء وأولئك، وهي تلك التي تنطلق من قوانين الواقع والسياسة ومن منطق العلاقات الداخلية ضمن مجتمع محدد ومن ارتباطات ذلك كله بدول الجوار وبالمنظومة الدولية الأوسع.
العالم كلّه على أعتاب تشكّل جديد، وقد لا يستطيع المرء أن يلمّ بكل جوانب هذه العملية بالغة التعقيد، لكن يمكن بكل الأحوال تلمّس بعضها، وتفكيك بعض تشابكات خيوطها. إذا صحّت الأنباء المتداولة عن اتفاق سوري أمريكي لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في الجنوب السوري، فإنّ ذلك سيكون أوّل وجود مشترك للأمريكيين والروس في بلد واحد بموافقة حكومته. ورغم نفي الخارجية السورية لما ورد في تقرير رويترز عن هذه القاعدة، إلا أنّ المؤشرات تدلّ على احتمالية مرتفعة لوجودها مستقبلًا أو لطرحها على طاولة البحث على الأقل. ما يزيد من هذه الحظوظ هو الانخراط الأمريكي المباشر في كل منّ غزّة ولبنان، فالدور الأمريكي لم يعد مع الرئيس ترامب كما كان حاله مع الرئيس بايدن. يبدو أنّ الإدارة الأمريكية قد يئست من إمكانية إنهاء الحرب في أوكرانيا، فوجّه الرئيس ترامب جهوده لإنهاء ملفات أصغر يمكن التحكّم بالقوى الفاعلة فيها بشكل مباشر.
يبدو أنّ التوافقات الدولية تجاه سوريا آخذة بالتزايد، فعدم استخدام الصين حق النقض ضد مشروع قرار رفع العقوبات الدولية عن الرئيس السوري ووزير داخليته، يدلّ بشكل واضح على وجود تفاهمات مسبقة حول الأمر. لا شكّ بأنّ الرئيس السوري سيزور الصين قريبًا، وتلك البلاد التي باتت المنافس الرئيس والأول للأمريكيين في العالم كله ما كانت لتفوّت فرصة إعاقة المشروع الأمريكي لو أنّ مصالحها التي أعلنها مندوبها في مجلس الأمن لم تؤخذ بعين الاعتبار. يبدو العالم وكأنّه يعزف لحنًا موسيقيًا واحدًا متناغمًا فيما يخص سوريا ونظامها السياسي الجديد، وهذا من حُسن طالع السوريين والسوريات الذين أنهكتهم الحروب وأوهنتهم عقود الديكتاتورية والفساد.
ينسى المعارضون للسلطة الجديدة مثلهم مثل مؤيديها أنّ العالم لا يسير بالرغبات، لكن بالمصالح وبالتدافع بين الدول والأفراد وبالتوافقات التي تنتج عن مساومات هنا وتنازلات هناك وقبول لهذا ورفض لذاك. وإذا كان من بلد بحاجة في أيامنا هذه لتوافق المصالح والإرادات بين الفاعلين الدوليين والإقليميين بشدّة، فهو سوريا. الواقع يفرض قوانينه على الجميع، والاستقرار في المنطقة بات من مصلحة جميع المتصارعين على ما يبدو. من هنا يمكن التفكير بطريقة جديدة للانخراط ضمن هذا السياق الذي سينتج عنه منظومة دولية آخذة بالتشكّل.
من كان يظنّ أنّ الصراع في سوريا سيأتي بالدولة الوطنية الديمقراطية على طبق من ذهب فهو واهم، لم تنتج أي صراعات مسلّحة داخلية أي نظام ديمقراطي في أي بقعة من العالم المعاصر، ما ينتج الديمقراطية هو التفاهمات والتوافقات بين القوى الفاعلة في دولة مستقرة، لا في دولة تدخّلت بها أطراف مختلفة من أربع جهات الأرض. كيف يمكن للشعارات والمبادئ والقيم أن تأخذ مجراها في الأرض ما دامت غير مؤيّدة بقوّة السلاح وبسلطة أمرٍ واقع في بلد متعدد الأقطاب منقسم على ذاته؟ وهل كانت ستبقى هذه القوى الديمقراطية كذلك فيما لو امتلكت تلك القوة العسكرية المؤيّدة بسلطة فعلية في بقعة جغرافية ما؟ لم نسمع عن تجارب مماثلة في التاريخ، وهذا من طبيعة الحياة التي تفرض قوانينها على الجميع. لا ديمقراطية بدون دولة مستقرّة، ولا ديمقراطية مع وجود سلطات تفرض ذاتها بقوّة السلاح، ولا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وهؤلاء ما كانوا يومًا من حملة السلاح، فالأخير له منطق لا يستقيم ومنطق الحوار الذي هو أساس الديمقراطية.
خلاصة القول أنّ القادم يستحق العمل من أجله، وسواء اتفق السوريون مع السلطة السياسية الجديدة أو اختلفوا معها، وسواء أكان قربهم منها حدّ التزلّف والتملّق أو بعدهم عنها حدّ القطيعة والرجم، فإنّهم مجبرون جميعًا على العمل من أجل نجاح بلادهم في إعادة الاندماج ضمن المنظومة الدولية مهما اختلفت الآراء بشأنها. هذا قدرنا جميعًا لبناء سوريا الجديدة التي طالما حلمنا بها وسعينا إليها، وعلى القوى الديمقراطية والليبرالية أن تبدأ التأسيس على قواعد ثابتة، وأن تسعى جهدها لتشكيل أحزاب قادرة على رفع برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن تتحضّر للمشاركة في الشأن العام، بل وأن تشارك به دون أن تنتظر صدور قانون للأحزاب أو موافقة من هنا أو هناك. البلاد ملك لكل أهلها، ومن يتخلّف عن ركب العمل سيجد نفسه ليس فقط خارج القطار، بل خارج محطاته أيضًا.
تلفزيون سوريا



