برهان غليون: نكون محظوظين إذا مُنحنا هامش عشرين بالمئة من تقرير مصيرنا

15 نوفمبر 2025
ميسون محمد
مع التطورات السياسية الأخيرة ورفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، تتصاعد الأسئلة حول طبيعة التحولات الجارية في سوريا، وموقعها بين استعادة السيادة وإعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب الطويلة. وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب والمفكر برهان غليون قراءته لمشهد النفوذ الدولي ودور النخب السورية في المرحلة المقبلة.
في مستهل الحوار، طرحنا على غليون سؤالًا حول رفع العقوبات عن الشرع وخطاب، وما إذا كان ذلك اعترافًا دوليًا بمرحلة سياسية جديدة أم خطوة ضمن إعادة ترتيب النفوذ الدولي.
يرى غليون أن: “أصبح من الواضح أن واشنطن مهتمة جدًا بضم سوريا إلى قائمة أصدقائها في الشرق الأوسط. والحكومة السورية الراهنة لا تريد غير ذلك”.
ويضيف: “إنها تراهن على توثيق علاقاتها بواشنطن لإيجاد مخرج من الحصار الذي تعيشه بسبب العقوبات القاسية وسياسات إسرائيل التسلطية والتوسعية وتدخلاتها المستمرة لزعزعة استقرار دمشق وإن أمكن إضعاف الدولة السورية والسلطة المركزية لحساب القوى الانفصالية أو شبه الانفصالية”.
وانطلاقًا من هذا التحول، سألناه ما إذا كانت سوريا قد دخلت فعلًا مرحلة “استعادة السيادة”، أم أن السيادة تُعاد صياغتها وفق مصالح الفاعلين الدوليين.
يجيب غليون: “مفهوم السيادة لم يعد مناسبًا في اعتقادي لوصف العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين الدول القائمة. نكون، في سوريا الراهنة المنهكة والمثخنة بالجراح والاختلالات، محظوظين إذا ترك لنا هامش عشرين بالمئة من تقرير مصيرنا”.
ويتابع: “علينا أن نجتهد كثيرًا، حكومة ومجتمعًا مدنيًا ونخبًا ومعارضات، حتى نستطيع تجاوز ذلك الحد وتحسين مستوى مشاركتنا في تقرير مصيرنا”.
وعن تقييمه للتحركات الأميركية الأخيرة، وما إذا كانت جزءًا من مقاربة لاحتواء التحولات الإقليمية أو تأسيسًا لواقع سياسي دائم في سوريا، يرى غليون أن: “من المبكر الحديث عن تكريس واقع سياسي دائم في سوريا اليوم. ما يجري هو صراع على إعادة تشكيل المنطقة حسب المصالح الاستراتيجية لهذه الدول وليس مجرد تقاسم مناطق النفوذ”.
يوضح قائلًا: “هناك صراع بين صورة الشرق الأوسط الجديد الذي تريده إسرائيل وذاك الذي تريده تركيا وكذلك الذي يفكر فيه الخليج العربي، بالإضافة إلى ما تسعى إليه واشنطن وموسكو والصين. وسورية الراهنة في مركز هذا الصراع”.
وعند سؤاله عمّا تفتقده النخب السورية للمشاركة الفاعلة في صياغة المرحلة المقبلة، يقول غليون: “تفتقر النخب السورية لكل شيء: للتحليل الصحيح والممارسة السياسية والقدرة على بناء القوى الفاعلة. وقبل هذا وذاك، إلى الثقة بالنفس، وإحلال الحوار والتفاهم والتعاون بين فئاتها وتياراتها بدلًا من التناحر والتنمر والاغتياب والتشكيك والإفشال المتبادل”.
أما عن الانتقال من مشهد “عودة الدولة” إلى مشروع “بناء الدولة”، فيرى غليون أن: “ليس هناك دولة بعد في سوريا. الدولة القديمة تحطمت كليًا في الحرب المديدة الماضية وأصبحت خردة بالمعنى الحرفي للكلمة، بينما لا تزال السلطة الجديدة الحاكمة تحبو في طريق طويلة لإعادة بناء دولة جديدة من الصفر”.
ويضيف: “الفضل في ما يبدو يعود إلى تحقيق سلام نسبي وسير الأمور بشكل شبه طبيعي، وعدم السقوط في حالة من الفوضى الشاملة والاضطراب العميق للشعب ولروح المدنية التي تسكنه ورقيّه الأخلاقي والإنساني”.
وفي ختام الحوار، تكشف إجابات الدكتور برهان غليون حجم التعقيد الذي يحيط بالمرحلة السورية الراهنة، وتبرز محدودية هامش القرار الوطني وسط اشتداد الصراع الإقليمي والدولي. كما يشدد على أن بناء الدولة الجديدة يتطلب عملًا تراكميًا طويل الأمد، يعتمد على تطوير قدرات النخب، وتعزيز الحوار الداخلي، وتوسيع دور المجتمع المدني، بما يمنع إعادة إنتاج البنى القديمة تحت عناوين جديدة.



