تطور الاقتصاد السوري تحديث 24 تشرين الثاني 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
—————————————-
تحديث 24 تشرين الثاني 2025
——————————
الشرع يحدث الهيئة العامة للمنافذ والجمارك
أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، المرسوم رقم “244” لعام 2025، القاضي بإحداث هيئة عامة تسمى “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ويكون مقرها مدينة دمشق.
ويهدف المرسوم، الصادر الأحد 23 من تشرين الثاني، بحسب ما نشرته الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، عبر صفحتها على “فيسبوك” إلى تحقيق ما يلي:
توحيد المرجعية الإدارية والفنية للمنافذ البرية والبحرية والمناطق الحرة والجمارك في كيان مؤسسي واحد.
تحقيق التكامل بين أنشطة العبور والتخليص الجمركي والنقل والتخزين والمرافئ والمناطق الحرة.
تطوير الخدمات اللوجستية والتجارية وفق المعايير الدولية.
تعزيز الانضباط والشفافية والرقابة الداخلية المستقلة.
رفع كفاءة الأداء والإيرادات العامة دون زيادة الرسوم.
دعم التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات بما يخدم مصلحة الدولة والاقتصاد الوطني.
المرسوم نص على اعتبار عدد من الجهات تابعة للهيئة العامة للمنافذ والجمارك، على أن تكون هذه الجهات السابقة قائمة بوضعها القانوني الحالي، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئيس الهيئة التي تشرف على سياساتها العامة وتنسق أعمالها وتضمن تكاملها ضمن الإطار الوطني العام، وشملت:
المنافذ الحدودية.
إدارة الجمارك العامة.
المديرية العامة للمواني.
المؤسسة العامة للمناطق الحرة.
شركة مرفأ اللاذقية.
شركة مرفأ طرطوس.
المؤسسة العامة للنقل البحري.
مؤسسة التدريب والتأهيل البحري.
شركة التوكيلات البحرية.
الثانويات البحرية.
مهام الهيئة ومواردها
وأوضح المرسوم اختصاصات ومهام الهيئة التي تضمنت:
إدارة وتنظيم العمل في جميع المنافذ البرية والبحرية في الجمهورية العربية السورية.
وضع السياسات العامة التي تنسق بين العمل الجمركي والمينائي والمناطق الحرة والنقل البحري.
الإشراف على تحصيل الرسوم والعوائد وفق القوانين والأنظمة النافذة.
إعداد مشاريع القوانين والمراسيم والأنظمة الخاصة بالمنافذ والمرافئ والمناطق الحرة والجمارك.
تطوير القدرات البشرية والإدارية للعاملين وتأهيلهم فنيًا ومهنيًا.
اعتماد الأنظمة الرقمية الحديثة وتطوير الربط الإلكتروني الموحد بين المنافذ والمرافئ والمناطق الحرة.
التنسيق مع الوزارات والهيئات والمؤسسات والجهات الأمنية والفنية ذات الصلة لضمان أمن المنافذ والمرافئ وسلامة الإجراءات.
تمثيل الجمهورية العربية السورية في المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
وبيّن أن رئيس الهيئة يتولى إدارتها، ويعد عاقدًا للنفقة وآمرًا للتصفية والصرف، ويمثل الهيئة أمام القضاء والغير، ويتولى ممارسة كافة الصلاحيات المحددة في الأنظمة النافذة، على أن يسمى بمرسوم بمرتبة وزير.
ويكون لرئيس الهيئة، وفق المرسوم، معاون أو أكثر يسمى بمرسوم بناء على اقتراح رئيس الهيئة.
موارد الهيئة تتكون، بحسب المرسوم الرئاسي من:
صافي الأرباح التي تحققها الهيئة.
الأموال التي تخصصها الدولة بصفة مساهمات نقدية للمساعدة في إنجاز نشاطات الهيئة.
الاحتياطيات التي تحجز وفقًا للأنظمة الخاصة في الهيئة.
أقساط الاهتلاكات لموجودات الهيئة.
القروض والتسهيلات الائتمانية.
المنح والإعانات والتبرعات والهبات والوصايا والهدايا التي تقبلها الهيئة وفق القوانين والأنظمة النافذة.
كما نص المرسوم على إحداث إدارة مستقلة في الهيئة، تسمى “إدارة التفتيش”، وتتمتع بالاستقلال الكامل في ممارسة مهامها، وتتبع مباشرة لرئيس الهيئة، على أن تُحدد مهام هذه الإدارة وصلاحياتها بمرسوم.
وتضمن المرسوم الرئاسي أحكامًا انتقالية وختامية شملت:
يصدر الهيكل الوظيفي للهيئة متضمنًا الملاك العددي بمرسوم.
يصدر النظام الداخلي للهيئة بقرار من رئيس الهيئة.
يُحدث في الموازنة العامة للدولة “قسم وفرع” باسم “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك”.
تُعتبر جميع الأعمال والتصرفات والإجراءات الإدارية والتنظيمية والمالية التي تم اتخاذها في المنافذ البرية والبحرية والجمارك والمواني والمناطق الحرة، منذ تاريخ التحرير حتى تاريخ نفاذ هذا المرسوم صحيحة ونافذة ومنتجة لآثارها القانونية، باعتبارها تمت في إطار المصلحة الوطنية العليا خلال الفترة الانتقالية.
تصدر التعليمات التنفيذية اللازمة لتنفيذ أحكام هذا المرسوم بقرار من رئيس الهيئة.
تكلف الهيئة بإعداد الصك التشريعي اللازم لعملها.
يُنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية، ويُعد نافذًا من تاريخ صدوره.
رئيس الهيئة ونائباه
أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، المرسوم رقم “264” لعام 2025، القاضي بتعيين قتيبة أحمد بدوي رئيسًا للهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بمرتبة وزير.
كما أصدر المرسوم رقم “265”، القاضي بتعيين خالد محمد البراد معاونًا لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لشؤون الجمارك.
والمرسوم رقم “266”، القاضي بتعيين أحمد علي مصطفى معاونًا لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك للشؤون البحرية.
هيئة عامة للمنافذ البرية والبحرية
أعلنت حكومة دمشق المؤقتة إحداث هيئة عامة للمنافذ البرية والبحرية، وإلحاق الجمارك والمراكز الحدودية ومؤسسة المناطق الحرة بها.
وقالت رئاسة الوزراء السورية في 31 من كانون الأول 2024، إنها أحدثت هيئة عامة للمنافذ البرية والبحرية مرتبطة بالمجلس الوزاري، وتتمتع بالاستقلالية الإدارية والمادية.
وتتولى الهيئة المحدثة، بحسب بيان الوزارة، عمليات الإشراف والتنظيم للدخول والخروج الإنساني والتجاري، والإشراف على شؤون الملاحة البحرية وأعمال النقل البحري وتملّك واستئجار السفن التجارية والعقارات اللازمة لأعمالها.
وألحقت الوزارة بهيئة المنافذ كلًا من إدارتي مرافئ اللاذقية وطرطوس، ومديرية المواني ومؤسسة النقل البحري وشركة التوكيلات البحرية والجمارك ومؤسسة المناطق الحرة إضافة إلى المراكز الحدودية.
كما نقلت جميع العاملين بالمؤسسات والمديريات الملحقة بهيئة المنافذ البحرية والبرية مع الاحتفاظ برواتبهم وأوضاعهم وما يتعلق بقدمهم، تمهيدًا للترفيعات القادمة.
وفي 18 من كانون الأول، أصدرت حكومة دمشق، قرارًا بحل الضابطة الجمركية، بمختلف مسمياتها وتشكيلاتها، بعموم سوريا.
كما أصدرت مديرية الجمارك العامة عدة قرارات منفصلة، في 25 من كانون الأول، أعفت بموجبها عددًا من مديري الجمارك في المنافذ البرية والبحرية وعينت بدلًا عنهم.
——————————-
=====================
تحديث 23 تشرين الثاني 2025
—————————
في أن تكون دمشق “دبي جديدة”/ إياد الجعفري
الأحد 2025/11/23
إنها أشبه برؤيا جميلة، أن نتخيّل دمشق دبي جديدة. شريطة ألا يؤثر ذلك على ما هو قائم من هوية عمرانية وأثرية للعاصمة السورية. لكن حين الانتقال من “الخيال” إلى الواقع، بحذافيره، قد نجد أنفسنا أمام “أضغاث أحلام”، لا من زاوية إمكانية تحقيق ذلك، بل من زاوية أثره السلبي المرجّح على أولويات التنمية المستدامة في سوريا، بصورة قد تهدد بالارتداد عكساً نحو الأسباب العميقة ذاتها، التي أدت إلى ثورة العام 2011.
تميّز الشهر الجاري، بتصاعد الاهتمام الاستثماري بإمكانيات التطوير العقاري في سوريا. وقد اطلع الرئيس أحمد الشرع، شخصياً، على مشاريع مطروحة في هذا السياق، تستهدف مركز العاصمة دمشق. ووفق الصور التي نشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، ظهر أمام الشرع مجسمٌ يضم أبراجاً ومساحات خضراء وأبنية منظّمة بطريقة ملفتة. وقبل نحو عشرة أيام، شهدت دمشق ملتقى دولياً للتطوير العقاري، استضاف مستثمرين وخبراء ومهتمين في التطوير العقاري، من دول الخليج، بصورة خاصة.
ودعونا نقرّ، إن السوق العقارية السورية تعاني من شحٍ هائل في المعروض، وطلبٍ متفاقم، صعد بأسعار الشقق وإيجاراتها، في المدن الرئيسية، والأرياف القريبة منها، لتقارع بل وتتفوق على أسعار وإيجارات الشقق في بلدان الجوار. وذلك مع تدني الجودة والخدمات. وهو نتيجة لحركة النزوح الجديدة للكثير من السوريين، بعد سقوط النظام، باتجاه المدن الرئيسية، وأريافها القريبة، التماساً لفرص العمل التي تنشطت في تلك المناطق، أو بغية العودة إلى معاقلهم التي نزحوا منها خلال العقد الفائت.
لكن الشح في المعروض العقاري بسوريا، لا يتعلّق بطلب الأثرياء أو المحسوبين على الطبقة الوسطى العليا. بل يتعلّق بطلب الطبقات الوسطى الدنيا، وما دون. وهي الأغلبية الساحقة من السوريين التي تحتاج لمنزل يأويها. وفي بلدٍ يعيش ربع سكانه في فقر مدقع، وثلثَي هؤلاء السكان تحت خط الفقر الأدنى، تندر حتى ساعة كتابة هذه السطور، المشاريع الإسكانية المنظّمة، الموجّهة لهذه الأغلبية.
ويمكن تفهّم عجز الدولة بإيراداتها المتواضعة، عن التحرك باتجاه إسكان ذوي الدخل المنخفض (أو المُعدم)، والذين لا يزال أغلبيتهم في خيام النزوح، أو في منازل تفتقر للحدود الدنيا للحياة الآدمية. لكن، ما لا يمكن تفهّمه، هذا الترحيب الحار بنمط الإعمار الفاخر، الخاص بالمدن الكبرى. ترحيب لا يراعي البعدين “الطبقي” و”المناطقي”. وإن استمر هكذا، على عواهنه من دون تخطيط شامل، يراعي كامل الخريطة السورية واحتياجاتها، فإن انعكاساته السلبية، على المدى الطويل، قد تكون أكثر بكثير من انعكاساته الإيجابية، قريبة الأجل.
في الملتقى الدولي للتطوير العقاري، الذي عُقد مؤخراً في دمشق، كانت “نغمة” المتحدثين تركّز على الإسكان الفاخر. وكانت المقارنة بالتجربة الإماراتية حاضرة بقوة. وكان لبّ النقاش يركّز على مصالح المستثمرين ومطالبهم، بغية جذبهم نحو السوق السورية. نقاش من قبيل فتح باب القروض، والانتقال من منظومة البناء الفردي إلى منظومة “المطوّر العقاري”، وتوفير الخدمات وإيصالها مجاناً للأراضي التي ستُمنح للمستثمرين، والبحث سريعاً في حلول لقضايا العشوائيات والحيازات المتنوعة، قرب مراكز المدن الكبرى، خصوصاً دمشق.
هو منطق يركّز على الإسكان الفاخر ونمط “دبي”، الذي لا يناسب الحالة السورية الراهنة. ففي بلد خارج من نزاع أهلي، ومدمّر، وغالبية سكانه في فقر مدقع، لا يبدو أن الأبراج الشاهقة و”الكامبوندات” والإبداعات المعمارية المعاصرة، رهان موفق. على المدى القريب، قد يوفّر ذلك إشباعاً لطلب الأثرياء والطبقة الوسطى العليا للسكن في مجمعات سكنية فاخرة، غير متوافرة الآن، على نطاق واسع. كما أنه سيوفّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، قد تكون ضخمة. وسيزوّد الخزينة الحكومية بإيرادات ضريبية وفيرة، ربما. لكن على المدى البعيد، سيدفع نحو التركزّ السكاني قريباً من مراكز المدن الرئيسية ومحيطها، طلباً للعمل، وللحياة الخدمية المتكاملة، مقابل النزوح من المدن الصغيرة والطرفية والأرياف البعيدة. وهو ما سيستنسخ معضلة الافتراق بين “النمو” و”التنمية”، التي عرفتها سوريا في العقد الأول من القرن الحالي، في عهد بشار الأسد. والتي كانت السبب العميق –اقتصادياً واجتماعياً- لانفجار العام 2011.
ففي تلك الحقبة، شهدت سوريا طفرة في المجال العقاري والخدمي والسياحي، رافقها ارتفاعٌ ملحوظ في نسب النمو. لكن، ووفق توصيف الباحث السوري الشهير، محمد جمال باروت، فإن آثار ذاك النمو “تساقطت” على المدن “المليونية” –دمشق وحلب- فيما “أشواكه” كانت من نصيب الأرياف والمناطق الشرقية والشمالية والمدن “المئة ألفية” والصغيرة، القريبة من “المدن المليونية”. وهذا ما يفسّر جانباً كبيراً من طبيعة الانتشار المناطقي للاحتجاجات الأولى لعام 2011.
وفيما ينشغل مسؤولو الدولة رفيعو المستوى، بإقناع المستثمرين بجدوى بناء “دبي جديدة” في دمشق، تنشط حركة إعمار وإعادة تأهيل منفلتة من كل ضبط، في أرياف المدن الرئيسية، خاصة قرب دمشق. فسكان تلك المناطق التقطوا فرصة الطلب الكبير على العقارات قرب المدن الكبرى، وبدأوا بإعادة إعمار بلداتهم التي دمّرها الأسد، بأنفسهم. لكن حركة الإعمار تلك، لا تخضع لضوابط متعلّقة بسلامة المباني التي اهتزت أساساتها مئات المرات جراء ضربات صواريخ ومدافع الأسد وبراميله المتفجرة. كما أنها لا تراعي مستلزمات التنمية البيئية والمستدامة. وتخلق ضغطاً غير محسوب مسبقاً، على خدمات الكهرباء ومنظومات المياه والصرف الصحي، التي لم يتم بعد، إعادة تأهيلها، بالشكل المطلوب. فيما تقبع شريحة الأسر التي تعيلها نساء أو أطفال –عمالة ما دون السن القانوني-، في قاع القدرة على توفير سكن بالشروط الآدمية. في الوقت ذاته الذي تذهب فيه الدولة أكثر فأكثر باتجاه إنهاء الدعم، وترك أسعار السلع والخدمات الأساسية، تحت رحمة السوق، بغية تحويلها إلى سلع جذّابة للمستثمر الذي قد يرغب في إنتاجها بسوريا.
هذه “الخلطة” سابقة التفصيل، لا تبشّر بالخير. فهي أساس “نمو” غير مستدام، يخلو من وعي بضرورة بناء تنمية متوازنة، تمنع ارتداد سوريا، مجدداً، نحو حالة احتقان طبقي ومناطقي، تشكّل أساساً لاحتمال الانفجار، حالما تتوفّر “الشرارة” المناسبة.
ففي البلدان التي خرجت من نزاعات أهلية مدمّرة، يجب التركيز أولاً على إعادة بناء البنية التحتية وإسكان المتضررين، وإحياء قطاعي الزراعة والصناعة، لتوفير الأساس للنمو المستدام. ويجب أن تراعي إعادة إعمار القطاع العقاري، حاجة مختلف المناطق والمدن السورية، وألا تتركز في المدن الكبرى، مقابل إهمال الأرياف والأطراف. وقد يفتح ذلك الباب أمام حاجة ملحة للاقتراض لأهداف تنموية، لا الاعتماد فقط على الاستثمار كوسيلة لإعادة الإعمار، ما دام الاستثمار يتجه نحو القطاعات سريعة الربحية. ويبقى أن إسقاطات “دبي” أو “سنغافورة” أو سواها، غير متناسبة مع طبيعة الوضع الذي تنطلق منه إعادة الإعمار في سوريا.
المدن
—————————-
شحنات مرفوضة واقتصاد منهك.. كيف تقوض المُبيدات المحظورة اقتصاد سوريا؟/ سامر سيف الدين
22 نوفمبر 2025
تُشكل الممارسات غير المنضبطة لاستخدام المُبيدات في القطاع الزراعي تهديدًا جسيمًا لصادرات البلاد من الخضار والفواكه، والتي تمثل بدورها مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة (إذ تُساهم بما يتراوح بين 20% و30% من الناتج المحلي الإجمالي، وتُوظف أكثر من 20% من إجمالي القوى العاملة).
ولا يكمن الخطر في استخدام المُبيدات بحد ذاته، بل في التجاوز المستمر للحدود المسموح بها للمتبقيات، والاعتماد على أنواع محظورة دوليًا. فما الدوافع التي تدفع المزارع إلى الاعتماد على هذه المُبيدات؟ وما هي الأسواق التي تأثرت بذلك؟ وهل تقتصر الآثار السلبية على الصادرات فحسب، أم أن هناك عواقب أوسع؟ وكيف يمكن الحد من هذه الممارسات واستعادة الثقة بالمنتج السوري؟
دوافع الاعتماد على المُبيدات
لا يعد استخدام المُبيدات في سوريا أمرًا جديدًا، لكن هناك عوامل متعددة أدت إلى الإفراط في استخدامها، أبرزها:
تغير الظروف المناخية والبنية التحتية: كالتعرض للجفاف المتكرر، وتضرر أنظمة الري.
ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية: خلال سنوات الحرب، ارتفعت أسعار البذور والأسمدة والمُبيدات، ما دفع المزارعين إلى اللجوء لمُبيدات مهربة غير مرخصة، دون الالتفات إلى مدى سلامة استخدامها على الصحة العامة.
ويوضح المهندس الزراعي نضال .ف، في حديثه لـ”الترا سوريا” أن أول سؤال يطرحه المزارع هو: “كم ثمن المُبيد؟”، ونادرًا ما يسأل عن آثاره الضارة. ويشير نضال إلى أن: “بالإضافة إلى السعر، يستفسر المزارع عن المساحة التي يغطيها كل ليتر من المادة، وكيفية استخدامها، ومدة تأثيرها، وعدد مرات الرش، والآفات والمحاصيل التي يمكن استخدام المُبيد معها”.
كما أن من بين العوامل التي يذكرها المهندس نضال، هناك:
نقص العمالة: أدى انخفاض عدد سكان الريف بنسبة تقارب 50% بين عامي 2011 و2016 إلى نقص حاد في الأيدي العاملة، مما زاد من الاعتماد على المُبيدات كبديل للتخلص من الأعشاب الضارة وحماية المحاصيل من الأمراض والآفات، مثل حفار الساق.
ضعف الرقابة الحكومية: يشهد السوق السوري منذ السنوات الأولى للحرب حالة من الفوضى وشبه انعدام للمحاسبة. كما تفتقر الجهات المعنية إلى خطط واضحة لتوفير بدائل آمنة تُمكِّن المزارع من الحفاظ على محاصيله دون الحاجة إلى استخدام هذه المُبيدات.
غياب التوعية: لا توجد حملات توعوية كافية عبر الإعلام الحكومي أو وسائل التواصل الاجتماعي لشرح مخاطر هذه المواد على الاقتصاد الوطني أو على الصحة العامة.
تداعيات رفض الشحنات المصدرة
تفرض الدول المستوردة للمنتجات الزراعية السورية (مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الخليجية) معايير صارمة للحدود القصوى لمتبقيات المُبيدات (MRLs).
وفي هذا الصدد، لفت المهندس، ريان .ف، إلى أن محاصيل مثل البندورة والخيار والسبانخ غالبًا ما تكون ملوثة بمُبيدات محظورة، مما يحول دون تصديرها إلى الأسواق الأوروبية. ويؤكد ريان أن استخدام مثل هذه المواد لا يلوث التربة والمحاصيل فحسب، بل يساهم في انتشار أمراض خطيرة مثل السرطان عبر السلسلة الغذائية، كما يهدد الصادرات مباشرةً برفض شحناتها.
ويشير إلى أن الخضار والفواكه مثل الزيتون والبرتقال والتفاح تتعرض للرفض أيضًا بسبب متبقيات المُبيدات، خاصة تلك القادمة من المناطق الجنوبية والساحلية.
ووفقًا لوكالة “عمون” الأردنية، رفضت وزارة الزراعة الأردنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 دخول 86 طنًا من البطاطا السورية، إضافة إلى 10 أطنان من فاكهة الكاكا و10 أطنان من السفرجل، بسبب احتوائها على متبقيات لمُبيدات محظورة أو تتجاوز الحدود المسموح بها، مما يشكل خطرًا على الصحة العامة ويخالف الشروط الزراعية.
وكشف تقرير لمعهد كارنيغيي حول الأمن الغذائي في سوريا عن انخفاض صادرات الخضار إلى الخليج خلال الفترة (2016-2011)، بسبب رفض شحنات متعددة لوجود متبقيات لمُبيدات مثل “داكثال” (المصنفة كمادة مسرطنة محتملة)، ما أدى إلى تعليق التجارة مؤقتًا، وخسائر اقتصادية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، وتحول المزارعين إلى الأسواق المحلية أو التهريب، ما زاد من حدة التلوث.
وتشير بعض الدراسات الأميركية وتقارير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى رفض شحنات من الخضار (كالسبانخ والطماطم) والفواكه (مثل الزيتون والبرتقال) القادمة من سوريا إلى أوروبا والولايات المتحدة بسبب متبقيات لمُبيدات غير مسجلة، خاصة من المناطق الشرقية كالجزيرة السورية. فعلى سبيل المثال، رُفضت شحنات بندورة سورية في 2018 من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب تجاوز حدود متبقيات المُبيدات المرتبطة بمُبيدات مهربة عبر الحدود.
ويُقدَّر أن 13.8% من الصادرات المحتملة إلى أوروبا تُرفض لهذا السبب، ما يعيق الوصول إلى أسواق عالية القيمة. ووفقًا لهذه الدراسات، وصلت نسبة رفض شحنات الخضار السورية بسبب تجاوز الحدود المسموح بها إلى 26.6% من إجمالي المواد المعدة للتصدير.
رؤية للحلول: استعادة الثقة وتعزيز الصادرات
نظرًا لتشابك الأسباب التي أدت إلى استخدام المُبيدات غير المرخصة، فإن الحل يتطلب نهجًا شاملًا يجمع بين الإصلاحات السياسية والتقنيات الزراعية والتدريب، مع التركيز على الزراعة المستدامة. وبناءً على دراسات وتوصيات منظمة “فاو” وخبراء إقليميين، يمكن اقتراح الإجراءات التالية:
تعزيز الرقابة وإنشاء لجنة وطنية لتسجيل المُبيدات (على غرار النموذج اللبناني).
وضع قائمة بالحد الأدنى من المُبيدات منخفضة الخطورة، وفرض نظام “وصفات طبية” لاستخدامها (كما في الولايات المتحدة).
تطوير نظام لتتبع الشحنات والحاويات للحد من التهريب.
معالجة المخزونات القديمة وإنشاء نظام لإدارتها، وتنفيذ برامج لإعادة تدوير العبوات المستهلكة.
الدعم الحكومي والتحول نحو الممارسات المستدامة:
توفير دعم حكومي للزراعة المتكاملة، وتمويل برامج إدارة الآفات المتكاملة (IPM/ICM) عبر قروض مدعومة.
إنشاء مراكز تدريب للمزارعين حول الاستخدام الآمن، وربط الدعم برفع العقوبات الدولية لتسهيل استيراد المدخلات الآمنة.
تشجيع الزراعة العضوية، وتناوب المحاصيل، وزراعة الأصناف المقاومة للآفات، والزراعة الدقيقة (مثل أنظمة الري الذكية).
زيادة الاعتماد على التحوطات الطبيعية (كالأسيجة النباتية) لتقليل الحاجة للمُبيدات بنسبة 20-30%.
التعاون الدولي وبناء الشراكات:
الاستفادة من رفع العقوبات مؤخرًا للمضي قدمًا في برامج التعاون الدولي والتدريب.
إنشاء شراكات مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة “فاو”، والتفاوض على اتفاقيات تجارية تسمح بتحسين فرص التصدير مع التدريب على معايير متبقيات المُبيدات.
استكشاف نماذج أعمال بديلة، مثل التأمين على الإنتاج منخفض المُبيدات.
التوعية وبناء القدرات:
تنفيذ حملات توعوية إعلامية وتدريبية تستهدف المزارعين والخبراء الزراعيين المحليين والتجار وحتى المستهلكين، مع التركيز على السلامة الشخصية والآثار الاقتصادية.
بتبني هذه الحلول بشكل متكامل، يمكن لسوريا أن تستعيد مكانتها كمصدر رائد للخضار والفواكه، مع ضمان استدامة بيئية واقتصادية لهذا القطاع الحيوي. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية والتزامًا حقيقيًا بإعادة إعمار القطاع الزراعي بعد سنوات الحرب.
الترا سوريا
———————-
اختبار العلاقات الدولية: سوريا بين النفوذ العسكري الروسي والبوابة الاقتصادية الأميركية/ أغيد حجازي
23 نوفمبر 2025
تشهد سوريا مرحلة إعادة تشكّل في علاقاتها الإقليمية والدولية بعد المتغيرات السياسية التي رافقت سقوط النظام السابق. ومع الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، برزت مؤشرات على تحوّل في مقاربة دمشق تجاه مراكز النفوذ الدولي، بما يعيد فتح النقاش حول طبيعة التحالفات المقبلة واتجاهات السياسة السورية خلال المرحلة الانتقالية. ويأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه أهمية الاعتبارات الاقتصادية داخل القرار السياسي السوري، وسط محاولات لإعادة تقييم موقع البلاد بين موسكو وواشنطن، وانتقال النقاش من مستوى النفوذ العسكري إلى الملفات الاقتصادية والاستثمارية التي تزداد حضورًا في الخطاب الرسمي السوري.
الانفتاح على واشنطن
تُجمع التحليلات على أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض شكّلت لحظة مفصلية في العلاقات السورية ــ الأميركية، لكنها – وفق قراءات الخبراء – ما تزال في دائرة الاختبار، ولا يمكن اعتبارها نقطة تحوّل حاسمة قبل اتضاح مسارها العملي على الأرض.
في هذا الإطار يرى الباحث الاقتصادي محمد علبي أن مشهد زيارة الشرع إلى البيت الأبيض لم يكن حدثًا عاديًا في سجلّ العلاقات السورية الأميركية، إذ وجد السوريون أنفسهم بعد عقدين من الحرب والعزلة والعقوبات أمام عناوين تتحدث عن “مرحلة جديدة” وانفتاح أميركي محتمل واستثمارات مفترضة قد تعيد للبلاد وجهها الاقتصادي المفقود. لكنه استدرك بأن القراءة الهادئة لما جرى تشير إلى أن التطورات الحاصلة أقرب إلى “إعادة تموضع حذرة” منها إلى تحول جذري، وأن شعار “الانتقال من ساحات الصراع إلى ساحات الاستثمار” ما زال أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع ملموس.
وأشار علبي إلى أن رمزية الصورة في البيت الأبيض، رغم أهميتها، لا تكفي لتغيير البنية المعقدة للعلاقات الثنائية التي شكّلتها العقوبات الأميركية طوال عقود. ورأى أن تعليق واشنطن جزئيًا للعقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لمدة 180 يومًا يشبه “اختبار نوايا” أكثر منه تحولًا جذريًا، مؤكدًا أن الإدارة الأميركية لا تراهن على دمشق بقدر ما تراقب سلوكها، وتختبر مدى استعدادها لتقديم تنازلات سياسية أو ضبط السلوك الاقتصادي والمالي قبل السماح لها بالعودة إلى النظام المالي الدولي.
ويتقاطع الخبير الاقتصادي عامر شهدا مع هذا الطرح من زاوية أخرى، إذ يشير إلى أن تحديد موقع سوريا الجديد يبدأ من سؤال تاريخي: من ينتصر في النهاية، النفوذ العسكري أم النفوذ الاقتصادي؟ ويرى شهدا أن التجربة العالمية تُظهر بوضوح أن القوة الاقتصادية هي التي تنتج النفوذ السياسي، وليس العكس.
ويضيف أن الدول التي تمتلك اقتصادًا ضعيفًا تفقد قدرتها على الفعل السياسي، وأن أي إعادة تموضع حقيقية تتطلب قاعدة اقتصادية متماسكة، لأن الاقتصاد هو الذي يتيح للدولة الدخول بثقة إلى ساحات السياسة الدولية.
بين طموحات الاستثمار وواقع الاقتصاد السوري
يضع التباين بين الطموحات السياسية والحقائق الاقتصادية سوريا أمام اختبار صعب؛ إذ تتقاطع ملاحظات الضيفين حول هشاشة البنية الاقتصادية وضرورات الإصلاح العميق لجذب استثمارات حقيقية.
يرى علبي أن القيادة السورية تبدو “متعطشة لكسر طوق العزلة”، إلى حدّ المبالغة في تصوير الانفتاح القادم بوصفه بداية لعصر استثماري جديد. غير أن الواقع ـ برأيه ـ يروي قصة أخرى: أمن هش، ناتج قومي ضعيف، قضاء تجاري غائب، رقابة شبه معدومة، فساد يعيد إنتاج نفسه، وبنية تشريعية مهترئة. ويشير إلى أن هذه التحديات تجعل البيئة الاستثمارية غير قادرة على استقبال رؤوس أموال كبيرة، مهما حملت الزيارات الدبلوماسية من وعود.
ويضيف أن التحول الجيو اقتصادي المتمثل في الانتقال من الحضور الروسي العسكري إلى ما يُسمّى بالنفوذ الأميركي الاقتصادي لا يزال بعيدًا عن التحقق؛ فروسيا ما تزال تمتلك نفوذًا صلبًا في ملفات الغذاء والطاقة والتسليح، وهو نفوذ لا يمكن تجاوزه بسرعة، خاصة مع انخفاض الإنتاج المحلي من الحبوب والقمح إلى مستويات خطيرة.
وفي المقابل، يربط شهدا بين الاقتصاد والاستقرار السياسي والاجتماعي، معتبرًا أن الاستثمار هو المدخل الطبيعي لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعي، لأنه يخلق تبادلًا للأفكار واندماجًا للمجتمعات. ويرى أن الخيار الاقتصادي هو الطريق الصحيح لسوريا، وهو خيار لا بد منه لتجاوز آثار الحروب.
ويرفض شهدا فكرة “النفوذ الاقتصادي الأميركي” كما تتردد في النقاشات العامة، موضحًا أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على الاندماج وتبادل المصالح لا على السيطرة، وأن لا دولة – مهما كانت قوتها – تستطيع أن تفرض نفوذًا اقتصاديًا مطلقًا على دولة أخرى في عالم تتداخل فيه الأسواق.
ملفات حيوية وتوازن يفرض نفسه
مع تحرك دمشق نحو واشنطن، تبرز الحاجة إلى قراءة موقع موسكو ضمن المعادلة الجديدة. وهنا يتقاطع الخبيران على أن الوجود الروسي ما يزال عنصرًا ثابتًا، وإن بدرجات مختلفة من التأثير.
يوضح علبي أن روسيا تتمتع بموطئ قدم راسخ في الملفات الأكثر حساسية: الطاقة، الحبوب، التسليح. ويؤكد أن هذه القطاعات تمنح موسكو نفوذًا يصعب تجاوزه سريعًا. ومن ثمّ، فإن أي تقارب مع واشنطن لن يكون على حساب موسكو، بل ضمن عملية توازن دقيقة.
أما شهدا فيرى أن الحديث عن انتقال نفوذ من روسيا إلى الولايات المتحدة غير دقيق، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد قائمًا على منطق الهيمنة، بل على منطق التداخل. ويشير إلى أن اندماج الاقتصادات لا يسمح بتغوّل دولة على أخرى، وأن ما يحدث اليوم هو تبادل مصالح لا يتناقض مع استمرار الدور الروسي في سوريا.
توازن هش ينتظر جوابًا سوريًا
في نهاية المشهد، تتقارب قراءتا علبي وشهدا عند نقطة مركزية: سوريا اليوم ليست أمام انتقال محسوم، بل أمام مرحلة اختبار شديد الحساسية.
يقول علبي إن المشهد الحالي هو “مرحلة اختبار متبادلة”: واشنطن تراقب، ودمشق تحاول، والرياض تهيئ الطريق، وتل أبيب وموسكو تتابعان بحذر. ويرى أن نجاح سوريا مرتبط بقدرتها على تنفيذ إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي، لأن الوعود وحدها لا تكفي. ويحذر من أن التوازن الذي يُحتفى به اليوم بوصفه براغماتيًا قد يتحول إلى خيار بالغ الخطورة في حال لم يُدار بعقلانية وشفافية.
أما شهدا فيختم بأن الاندماج الاقتصادي هو الطريق الوحيد لصياغة مستقبل مستقر، وأن التعاون الدولي لا يمكن أن ينجح دون اقتصاد قوي وشفاف. ويرى أن قدرة سوريا على الاستفادة من اللحظة السياسية الراهنة مرهونة بقدرتها على بناء اقتصاد قادر على دعم انتقال سياسي مستدام.
الترا سوريا
——————————
سوريا تبدأ تنفيذ خطة تطوير المصرف المركزي
لدعم الاستقرار المالي والاقتصادي لسوريا
الرياض – العربية
23 نوفمبر ,2025
بدأت أمس أعمال ورش العمل المخصصة لمناقشة المرتكزات الرئيسية لاستراتيجية مصرف سوريا المركزي للفترة 2026-2030، وتقييم مراحل الإعداد وبحث أولويات التطوير ضمن دور المصرف لدعم الاستقرار المالي والاقتصادي لسوريا.
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أهمية ورش العمل كمحطة أساسية لمناقشة خارطة طريق تقود جهود المركزي خلال السنوات المقبلة وتوضح مسؤولياته ودوره في دعم الاقتصاد الوطني واستقراره.
وأوضح الحصرية أن الاستراتيجية تستند إلى تقييم موضوعي للتحديات والفرص، وتنطلق من رؤية واضحة لدور المصرف المركزي، معتمدة على خمس ركائز أساسية تشكل العمود الفقري للعمل في المرحلة المقبلة، وتشمل السياسة النقدية، والاستقرار السعري، وتحسين إدارة السيولة، وتعزيز قدرات التنبؤ والتحليل ورفع جودة البيانات، وضبط التضخم والسيطرة على تقلبات الأسعار، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تسابق الزمن لتطوير سكك حديد الفوسفات وزيادة الصادرات
اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تسابق الزمن لتطوير سكك حديد الفوسفات وزيادة الصادرات
وتابع الحصرية: “من بين الركائز أيضاً نظام مدفوعات رقمي آمن ومتكامل، يقوم على تعزيز البنية التحتية للدفع الإلكتروني، وحماية البيانات، وتوسيع خدمات الدفع الرقمي لتشمل مختلف الشرائح، إضافة إلى تطوير المنظومات التقنية داخل المصرف”.
وأشار إلى أن وجود قطاع مصرفي سليم يعتبر أيضاً من الركائز المهمة، وذلك من خلال رفع مستوى الحوكمة داخل المصرف، وتعزيز الرقابة وفق المعايير الدولية، وتحسين مؤشرات السلامة، وتطوير إدارة المخاطر، وضمان دور فعال للمصارف في تمويل النشاط الاقتصادي، إضافة إلى وجود سوق صرف متوازنة وشفافة تقوم على تعزيز الشفافية في بيانات الصرف، وتحسين أدوات الإدارة والرقابة، وتطوير آليات التدخل لضمان توازن السوق، وبناء قنوات اتصال واضحة مع القطاع المالي والمجتمع الاقتصادي.
—————————
عودة النقل البري عبر سورية نحو دول الخليج العربي
عبد الله البشير
23 نوفمبر 2025
أعلنت وزارة النقل السورية مساء السبت، عبور أول قافلة ترانزيت من سورية متجهة نحو دول الخليج العربي بعد دخولها من معبر باب الهوى. وجاء عبور القافلة بعد نحو شهر على إعادة تفعيل النقل البري بين سورية وتركيا.
وقال الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لـ”العربي الجديد”، إن سورية تقع بين اقتصادَين كبيرين، لافتاً إلى أن هذا يجعل الترانزيت مهما جداً. وأضاف الباحث السوري، أن تركيا والسعودية هما من اقتصادات مجموعة العشرين “G20″، موضحاً أن سورية تعد ممراً برياً مهماً بين هذين الاقتصادين. ويرى تركاوي أن النقل عبر سورية يعود للموقع الجغرافي الجيد حتى إن كان عبر البحر، ولا سيما أنها ستكون أيضاً محطة رئيسية للسفن.
وأعلن مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية مازن علوش قرب تفعيل اتفاق النقل البري أو الترانزيت بين سورية وتركيا، عبر منصة إكس في أكتوبر/تشرين الثاني، بهدف إعادة الحيوية للنقل الإقليمي وتعزيز التكامل الاقتصادي.
جاء ذلك بعد اجتماع موسع مع وفد من الحكومة التركية ضم مسؤولين من وزارتي النقل والتجارة وإدارة الهجرة، ناقش الطرفان فيه عدداً من الملفات المشتركة بين البلدين، في مقدمتها تطوير التعاون الجمركي وتسهيل حركة العبور للمسافرين والبضائع عبر المنافذ الحدودية. وكانت سورية ممراً مهماً لهذه الشحنات، تختصر كثيراً من الوقت والكلفة على هذه البضائع القادمة، سواء من أوروبا إلى منطقة الخليج، أو البضائع بالاتجاه العكسي.
في السياق، تستضيف العاصمة السورية دمشق يومي 25 و26 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعمال الدورة السادسة والعشرين للجنة النقل واللوجستيات التابعة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، وذلك بعد انقطاع دام أكثر من خمسة عشر عاماً عن استضافة الفعاليات الأممية الكبرى. ويتضمن جدول الأعمال مناقشة استراتيجيات التحول الرقمي في قطاع النقل، وتعزيز شبكات النقل المستدام والأخضر، وتطوير سلاسل الإمداد الإقليمية ورفع كفاءتها.
العربي الجديد
——————————-
====================
تحديث 21 تشرين الثاني 2025
——————————–
الكهرباء في سوريا: مقياس الشرعية والتموضع والمستقبل/ محمد فواز
2025.11.21
شكّلت الكهرباء في الأيام الماضية موضوعًا أساسيًا على المائدة السورية، تساؤلات مختلفة طُرحت بعد مشاهدة المدن مضاءة دون توقف في حدث تاريخي، لتأتي إجابة وزارة الطاقة بأن مؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء نفّذت «تجربة نوعية» تمّ خلالها تشغيل التيار الكهربائي بشكل متواصل لمدة 48 ساعة في خمس محافظات: دمشق وحماة وحمص وطرطوس واللاذقية، من دون أي انقطاع عن الشبكة العامة.
ليست الكهرباء في سوريا مسألة تقنية، بل هي تفاوض سياسي–اجتماعي مستمر ومتجدّد، ومقياس أساسي لاختبار واقع العلاقة المتبادلة بين السلطة والمجتمع، ومؤشر رئيسي على تموضع سوريا الخارجي ومدى استعادتها رشاقتها الدبلوماسية والدولية.
خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، انزلقت سوريا إلى مستويات قياسية من العتمة؛ ساعات طويلة من التقنين تصل إلى أكثر من عشرين ساعة يوميًا في مدن كبرى مثل دمشق وحلب، فيما تحوّلت مولدات الديزل الخاصة إلى شريان حياة باهظ الكلفة ومُلوِّث في آن واحد. كان ذلك انعكاسًا لتموضع الأسد المعزول عن العالم، وطبيعة علاقته المقطوعة عن المجتمع.
مع التغيير السياسي، وضعت القيادة الجديدة ملف الكهرباء في قلب خطاب “استعادة الدولة”، ويمكن القول إنها عملت على خطة من ثلاثة أجنحة.
الجناح الأول هو إعادة هيكلة القطاع. فقد أُعيد تجميع مفاصل الطاقة في وزارة واحدة تضمّ النفط والكهرباء والموارد المعدنية والمياه، بعد عقود من التشتّت بين وزارات وهيئات متفرّقة. أما التنفيذ، فمن المُفترض أن يمرّ عبر شركات قابضة: كيان نفطي كبير على نسق «Syria Petroleum» مُستوحى صراحةً من نموذج أرامكو، وشركة وطنية للكهرباء، وأخرى للفوسفات والتعدين، بحيث تتحوّل الوزارة إلى جهة رسم سياسات وضبط عام، أكثر من كونها مديرًا مباشرًا لكل محطة وخط. وقد قدّم وزير الطاقة نفسه هذه الهيكلة كنوع من «الاستلهام من النموذج السعودي»، ما يعني أن إعادة التنظيم ليست إجراءً إداريًا محايدًا، بل جزء من محاولة الانزياح نحو أطر حوكمة خليجية بعد سنوات من الارتهان لمحور آخر.
أما الجناح الثاني فهو الربط الخارجي. ففي موازاة ترتيب البيت الداخلي، حاولت القيادة الجديدة تعويض عجز التوليد المحلي بالعودة إلى ما جعل سوريا لاعبًا مهمًا تاريخيًا: موقعها الجغرافي وعلاقاتها الخارجية. قبل الحرب، مرّت عبر سوريا أنابيب أساسية مثل خط كركوك–بانياس، وخطوط النفط العراقية نحو الساحل السوري واللبناني، إضافة إلى خط الغاز العربي الذي كان ينقل الغاز المصري عبر الأردن إلى سوريا ولبنان، مع نية تمديده يومًا ما إلى تركيا. هذه البنية انهارت تدريجيًا أو لم تحيَ أساسًا بفعل العقلية السياسية والتخريب، وتحولت من مصدر نفوذ إلى عبء معلّق.
بعد سقوط الأسد ورفع جزء من القيود الخارجية، عاد الحديث عن إحياء بعض هذه الممرات: إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس كمخرج عراقي إلى المتوسط، وربطه بمشروع أوسع على شكل «ممر نفطي عراق–سوريا–لبنان» يعيد الحياة لمصفاة طرابلس اللبنانية، بالتوازي مع محاولات إنعاش القسم السوري من خط الغاز العربي واستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية كجزء من ترتيبات أوسع تشمل لبنان أيضًا. ليست فكرة الربط نفطية وغازية فقط؛ فتركيا نفسها لا تكتفي بعرض أن تكون مورّدًا رئيسيًا للكهرباء والغاز إلى سوريا في إطار رؤيتها لنفسها كـ«مركز طاقة» إقليمي، بل بدأت فعلًا بتمرير الغاز الأذربيجاني نحو محطات سورية لتوليد الكهرباء، فيما تُطرَح استثمارات خليجية في محطات غازية كبيرة على الشاطئ السوري لتغذية الداخل وربما التصدير لاحقًا، إلى جانب مذكرات تفاهم مع قطر والسعودية لمشاريع توليد غازية وشمسية ورياح بقدرات تعِد نظريًا بتعويض جزء مهم من الفجوة الحالية.
بهذا المعنى، صار واضحًا أن جزءًا من خطة الكهرباء لا يُفهم من دون هذا الربط الخارجي: أنبوب يُعاد تشغيله هنا، خط غاز أو ربط كهربائي يُفعَّل هناك، وصفقات مع العراق وتركيا ولبنان ودول الخليج تجعل من سوريا عقدة مرور بقدر ما هي مستهلكة. لكن هذه المشاريع، حتى تلك التي بدأت تلوح لها بعض الخطوات العملية مثل الغاز الأذري، ستبقى في هذه المرحلة محدودة الأثر أو حبرًا على ورق في انتظار ترتيبات سياسية أوسع، وتمويل خارجي يظل بدوره مشروطًا بهذه الترتيبات قبل أي اعتبار تقني أو اقتصادي.
في الخلفية السورية جناح ثالث، وهو الطاقة المتجددة. فقد أُعلن عن مشاريع رياح وشمس إضافية بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط مع شركات سعودية، وعن ترخيص أكثر من 150 مشروع طاقة شمسية خاصة مجموع قدرتها يفوق 100 ميغاواط. لكن على الأرض، ما هو متصل فعليًا بالشبكة العامة لا يتجاوز بضع عشرات من الميغاواط، ما يعكس فجوة واضحة بين لغة الإعلانات وحجم القدرة المضافة فعليًا، ويحوّل هذا الجناح الثالث حتى الآن إلى وعد أكثر منه واقعًا ملموسًا. ومع ذلك، يبقى هذا الجناح هامًا جدًا، كونه يمكن أن يمنح سوريا جانبًا رئيسيًا من الاستقلالية السياسية والثبات الداخلي.
الإحياء الطاقوي السوري ليس تقنيًا بتاتًا، بل هو سياسي في صلبه؛ فانتقال سوريا إلى تموضع جديد فتح لها أبواب شراكات طاقوية تركية–عربية–غربية. لكنه أيضًا فتح باب التساؤلات التي لن يجيب عنها إلا الوقت والعمل. فالجهة الأولى تتعلق بكيفية تطبيق التحسن الطاقوي على الأرض من ناحية التوزيع والتسعيرة وضبط القطاع من الفساد والمحسوبية والتمييز. ومن جهة ثانية، يرتبط الأمر بتطور العلاقات السياسية الخارجية لسوريا وتموضعها، والذي لم يبلغ حتى الآن المستوى الذي يزيل كافة القيود الاقتصادية ويفتح باب الاستثمارات والدعم على مصراعيه، وهو ما يجعل خطط الربط حتى الآن أقرب إلى الكلام منها إلى التطبيق الكبير في ظل غياب السيولة. ثالثًا، هناك مسألة وحدة الأراضي السورية، خاصة استعادة السيطرة على المناطق الشرقية التي تتركز فيها آبار النفط والغاز، والتي يمكن أن تمنح سوريا متنفسًا حقيقيًا في هذا المجال.
من شأن التركيز على قطاع الطاقة في سوريا أن يثبّت ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والشعب بطريقة صحية، كما أنه اليوم يمكن أن يُتَّخذ كمقياس لمدى التطبيع الدولي مع سوريا ومدى استعادتها مكانتها الإقليمية والدولية. وهذا يتطلب جهدًا سوريًا مضاعفًا، إلى جانب جهد من أصدقاء سوريا. عليه، إذا أردت أن تعرف مستقبل سوريا خارجيًا وداخليًا، فأبقِ عينك على الطاقة فيها.
تلفزيون سوريا
————————-
3 سيناريوهات تحدد مصير “قانون قيصر” في الكونغرس الأميركي
تعتبر التحركات الجارية في أروقة الكونغرس الأميركي بشأن قانون قيصر نقطة تحول محتملة في العلاقات مع سوريا، حيث تشهد واشنطن جدلا تشريعيا مكثفا بين مؤيدين ومعارضين لإلغاء القانون، الذي فرض عقوبات اقتصادية قاسية طوال السنوات الماضية.
وترك القانون آثارا مدمرة على الاقتصاد السوري، إذ منع تدفق الاستثمارات الدولية والعربية، وحظر تقديم المساعدات الإنسانية، وأعاق عمليات إعادة الإعمار.
و”قيصر” هو الاسم المستعار للمصور السابق في الشرطة العسكرية السورية فريد المذهان، الذي انشق عن نظام بشار الأسد عام 2013، حاملا معه 55 ألف صورة تظهر التعذيب والانتهاكات في السجون السورية.
وحصر برنامج “سيناريوهات” مستقبل هذا القانون في 3 سيناريوهات تتراوح بين:
الإلغاء الكامل غير المشروط بحلول نهاية العام الجاري.
الاستمرار في تمديد المهلة كل 6 أشهر (تمديد مؤقت).
اعتماد صيغة تعديلية تفرض شروطا مرتبطة بآليات عودة فورية للعقوبات (تعديل مشروط).
وفي هذا السياق، كشف رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم استمرار المفاوضات المكثفة مع أعضاء الكونغرس لضمان إلغاء القانون غير المشروط.
ووفق غانم، هناك تحالف داعم للإلغاء بين أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكنه أبرز عقبة رئيسية تمثلت برئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس بريان ماست الذي “يعارض إلغاء القانون”، مشيرا إلى أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ساهمت في كسر بعض الحواجز.
ويصر المعارضون على تضمين 12 شرطا و”آلية عودة فورية” للعقوبات في حال عدم الالتزام، بينما يرفض الفريق السوري الأميركي هذه الصيغة بشكل قاطع، مؤكدا أنها لن تسمح بتدفق الاستثمارات المطلوبة.
من جهته، رجّح الباحث بمركز الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز ستيفن هايدمان استمرار سياسة التمديد المؤقت للعقوبات، لافتا إلى أن التعليق الجزئي للعقوبات لمدة 180 يوما إضافية يبدو الخيار الأكثر احتمالا في المدى المنظور.
ويستند هايدمان في ذلك إلى العوامل الإقليمية المؤثرة، ودور الدول المجاورة في الضغط على واشنطن، وكذلك تأثير المواقف العربية والإسلامية على القرار الأميركي النهائي بشأن مصير العقوبات.
جدوى التمديدات المؤقتة
أما الكاتب والباحث السياسي كمال عبده فأظهر التشاؤم من جدوى سياسة التمديدات المؤقتة، مؤكدا أنها لم تحقق أي تحسن ملموس في الواقع المعيشي للسوريين، وشدد على أن الإلغاء الكامل غير المشروط هو الذي سيسمح ببدء التعافي الاقتصادي الحقيقي.
وأشار عبده إلى الجوانب الاجتماعية للأزمة، لافتا إلى تأثير العقوبات على النظام التعليمي والخدمي، وكذلك على الطبقة المتوسطة والشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا في المجتمع السوري.
وبشأن الدور الإسرائيلي في تحديد مصير العقوبات، رأى عبده أن الملف أصبح أداة ضغط لتحقيق مطالب تل أبيب، بينما نفى هايدمان أن تكون إسرائيل هي المحرك الوحيد للسياسة الأميركية.
وحسب هايدمان، فإن هناك بعض الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية، مثل معالجة ملف أحداث السويداء ومحاسبة المتورطين، معتبرا أنها مؤشرات قد تساعد في بناء قناعة لدى الكونغرس بجدوى رفع العقوبات.
وكان نواب أميركيون قد قدموا مشروع قانون باسم قيصر عام 2016، بهدف “وقف قتل الشعب السوري بالجملة، وتشجيع التوصل إلى تسوية سلمية عبر التفاوض، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان السوري على جرائمهم”.
وبعد مناقشات، أقر الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ القانون في ديسمبر/كانون الأول 2019، ووقع عليه الرئيس الأميركي كجزء من قانون ميزانية الدفاع لعام 2020.
كان الرئيس ترامب قد وقّع في يونيو/حزيران الماضي أمرا تنفيذيا ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سوريا لمنحها “فرصة للازدهار”.
المصدر: الجزيرة
——————————-
من التصعيد إلى التراجع: خريطة مواقف اللوبيات الأميركية بعد زيارة الشرع/ أحمد الكناني
21 نوفمبر 2025
شكلت زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أهمية استراتيجية وسياسية في العلاقات السورية الأميركية، والتي بدأت تتصاعد منذ إعلان الرئيس ترامب رفع العقوبات عن سوريا في الـ 13 من أيار/ مايو 2025، وما تبع ذلك من خطوات سياسية واقتصادية اتخذتها العديد من الدول لصالح دمشق، على خلفية القرار الأميركي.
وعلى الرغم من الأهداف المعلنة لزيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، وخصوصية الملفات التي جرى بحثها، إلا أن الثقل الحقيقي للزيارة تمثل في محاولة يجريها الرئيس الشرع بنفسه لرفع العقوبات عن سوريا، لا سيما وأنه التقى برايان ماست رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، أحد أبرز معرقلي رفع عقوبات “قيصر” عن سوريا. ويرى محللون أن هذه المحاولة تكتسب أهمية كبيرة لا سيما في ظل وجود لوبيات سوريّة وإسرائيلية عديدة معارضة.
مناخ الأميركي
تعتقد د. عزة عبد الحق، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP) أن الرئيس الشرع حقق مناخًا إيجابيًا في العلاقات السورية الأميركية خلال زيارته لواشنطن، سواء في الملفات السياسية بانضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي، وتركيز التعاون على منع عودة الجماعات الإرهابية، وإدارة السجون التي تحتفظ بها قوات سوريا الديمقراطية الكردية، أو الملفات الاقتصادية من خلال الضغط تجاه رفع العقوبات.
العضو الاستشاري في (SAAPP) أشارت إلى أن الثقل الاقتصادي في الزيارة تكلل بإعلان وزارة الخزانة الأميركية تمديد تعليق تنفيذ عقوبات قيصر لمدة 180 يومًا إضافيًا مع إمكانية إزالة كاملة إذا استمرت حكومة الشرع في الالتزامات الأمنية، إضافة إلى لقاء هام أجراه الرئيس السوري مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، مما يعكس دعمًا أميركيا لإعادة الإعمار والاقتصاد، وجذب الاستثمارات خاصة من دول الخليج.
من جانبه، يرى السياسي والإعلامي السوري الأميركي أيمن عبد النور أن الزيارة حققت أهدافها بالنسبة لأميركا، والتي باتت لها اليد العليا في القرار السوري من بين حلفاء دمشق، إضافة إلى أن الانضمام لقوات التحالف سيكون له أثره في إعادة أميركا لترتيب ملفات الجيش وهيكليته، وتدريب قواته الأمنية والعسكرية كما فعلت في لبنان، وعليه باتت واشنطن أكثر قربًا من الأحداث الداخلية السورية.
اللوبي المعارض
تنوه د. عبد الحق بأن اللوبي المعارض للحكومة السورية بدأ بالتقلص تدريجيًا، والتخفيف من حدة تصريحاته بعد زيارة الرئيس الشرع، إذ شكل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، والعمل على حماية الأقليات ركيزة رئيسية لسد الذرائع المتعلقة بالإرهاب، خاصة بوجود رعاية أميركية لهذا المسار، والذي يرفض أيضًا الأصوات المطالبة بالتقسيم والانفصال.
تضيف د. عبد الحق بأن أحد أبرز الاجتماعات السياسية التي أجراها الرئيس الشرع كانت مع عضو مجلس النواب لولاية فلوريدا برايان ماست، صاحب الثقل في مجلس النواب، والمعارض لرفع العقوبات، والمتصلب في موقفه، حيث تركزت أسئلته للرئيس الشرع في مسائل متعلقة بمستقبل سوريا خالية من الإرهاب، وهو ما أجاب عليه الرئيس الشرع بشفافية، ولوحظ أن مواقف ماست بدأت تلين شيئًا فشيئًا تجاه رفع العقوبات، وبشكل يتوازى بنفس الوقت مع رغبة الرئيس ترامب.
يشير السياسي والإعلامي عبد النور إلى نقاشات موسعة جرت بين الرئيس الشرع، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي “ماست” حيث قدمت دمشق إحاطة شاملة لكافة التساؤلات الأميركية، بما في ذلك ملف الأقليات، وضرورة رفع العقوبات لنهوض سوريا اقتصاديًا، وتجنيب البلاد من الانهيار والتقسيم، لافتًا إلى أن الرئيس الشرع استحضر الحالة اللبنانية والعراقية كنماذج غير قابلة للتطبيق في سوريا، مؤكدًا على وحدة بلاده بدون محاصصة.
مجلس النواب
بحسب عبد النور، كونت اللقاءات التي أجراها الرئيس الشرع في واشنطن مع رئيسي وأعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب، وأعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، توجهات سياسية عامة تساهم بشكل مباشر في التصويت لرفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل، وهو ما تم استقراؤه خلال الاجتماعات المكثفة مع الأطراف المعنية.
من جانبها د. عبد الحق أكدت بأن زيارة الشرع إلى واشنطن شكلت منعطفًا جديدًا لتغيير سياسات مجلس النواب الأميركي تجاه سوريا، إذ تعدت الزيارة إطار الدبلوماسية إلى إطار الاستراتيجية. وبحسب عبد الحق، جرى تقديم مشروع قانون S. 3172والذي يهدف الى إلغاء قانون مساءلة سوريا لعام ٢٠٠٣، وقانون حقوق الإنسان السوري لعام ٢٠١٢، بهدف دعم الانتقال السياسي والاقتصادي في سوريا وتجاوز العقوبات، لافتة إلى وجود توجه اقتصادي أميركي للاستثمار وإعادة البناء، ما ينعكس على تسريع العجلة التشريعية.
——————————-
برايان ماست: دعم مشروط لرفع عقوبات “قيصر” عن سوريا وتحذير من إعادة فرضها
21 نوفمبر 2025
أكد النائب الجمهوري ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، برايان ماست، أنه سيدعم التوجّه لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، لكنه في المقابل أشار إلى أنه يريد إعداد صياغة تُعيد فرض العقوبات في حال عدم استيفاء الحكومة المؤقتة في دمشق شروطًا مُحددة.
وقال زعيم الأعلبية الجمهورية في مجلس النواب ماست في تصريح نقلته صحيفة “ذا هيل” الأميركية إن موقفه لا يُعارض إدارة ترامب، التي تُؤيد الإلغاء الكامل، لكنه أضاف مستدركًا أن إلغاء العقوبات بالكامل يحتاج “وضع آليات”، لافتًا إلى “ضرورة إعادة فرض العقوبات في حال عدم استيفاء عدد من الشروط”.
وبحسب “ذا هيل”، فإن ماست يسير بخطى ثابتة في إعطاء الضوء الأخضر لرفع عقوبات “قانون قيصر” المفروضة على سوريا، كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني. ورجّحت الصحيفة أن تلقى دعواته لوضع “شروط” لم يُسمّها، والتي يجب على سوريا استيفاؤها لتجنب فرض عقوبات جديدة، معارضة من مؤيدي الإلغاء.
ويجري مجلسا النواب والشيوخ مفاوضاتٍ مُكثّفة لدعم مسودة قانون تفويض الدفاع الوطني بنهاية يوم الجمعة، بهدف إجراء تصويت على إلغاء العقوبات في الأسبوع الأول من كانون الأول/ديسمبر المقبل. وقال ماست، الذي برز كأحد المعارضين الرئيسيين لإلغاء العقوبات بالكامل، إنه يُجري محادثات “متبادلة يوميًا” مع البيت الأبيض.
ووفقًا لـ”ذا هيل”، في حال عدم إلغاء العقوبات بالكامل، يقول مؤيدو سوريا إن الشركات الأميركية أو الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة ستحجم عن الاستثمار في سوريا خوفًا من انتهاك العقوبات الأميركية في أي لحظة. كما أعرب المدافعون عن قلقهم من أن “قانون قيصر” جعلت من الصعب معرفة مصير الأميركيين المختفين في سوريا.
لكن معارضي الإلغاء الكامل، أو أولئك الذين يدعون إلى وضع الشروط أو المخاطرة بالعقوبات، كما قال الشرع، الذي كان إرهابياً سابقاً، لا يمكن الوثوق بهم بشكل كامل في الوفاء بالتزاماتهم بشأن حماية الأقليات ومكافحة الإرهاب والالتزام بالتوصل إلى السلام مع إسرائيل.
وكانت وزارات الخارجية والتجارة والخزانة الأميركية قد أعلنت في بيان مشترك، تعليق العمل بالعقوبات المفروضة على سوريا بموجب ما يُعرف بقانون “قيصر” لمدة 180 يومًا، والذي جاء عقب اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب بنظيره الشرع في البيت الأبيض مؤخرًا.
وبموجب هذا القرار، سيُسمح بنقل معظم السلع الأميركية المنشأ للاستخدام المدني، بالإضافة إلى البرمجيات والتكنولوجيا، إلى سوريا أو داخلها دون الحاجة إلى ترخيص مسبق.
وجاء في البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى دعم “سوريا مستقرة وموحدة وسلمية”، مؤكدًا أن رفع هذه القيود يندرج في إطار دفع جهود إعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين ومكافحة الإرهاب.
وأوضح البيان أن الإدارة الأميركية تتبنى سياسات جديدة لتشجيع الشركات والبنوك الأميركية والمجتمع الدولي والشركاء الإقليميين على المشاركة في دعم استقرار سوريا. كما ذكر أن الرئيس دونالد ترامب ينفذ بذلك وعده بمنح سوريا “فرصة للعظمة” ولإعادة الإعمار عبر رفع هذه العقوبات.
—————————
أشرس معارضي رفع “قيصر” عن سوريا.. يتراجع لكن بشروط
أعلن النائب الجمهوري برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، الخميس، أنه سيؤيد إلغاء العقوبات الواسعة المفروضة على سوريا، لكنه طالب بإضافة نصوص تفرض عقوبات جديدة في حال فشل الحكومة السورية الانتقالية في تلبية شروط محددة.
وقال ماست لصحيفة “ذا هيل” إن موقفه لا يتعارض مع إدارة ترامب، التي تؤيد إلغاءً كاملاً للعقوبات، موضحاً أن الرئيس يملك فقط سلطة تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر في كل مرة.
وأضاف: “نعم لإلغاء كامل، لكن مع آلية — أو بالأحرى موقف — يسمح بإعادة فرض العقوبات إذا لم تُستوفَ مجموعة من الشروط. الإلغاء سيظل كاملاً”.
ويمشي ماست على “خط رفيع” في دعمه لرفع العقوبات الشاملة المعروفة باسم “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”، مع اشتراطه وضع “معايير” يجب على دمشق الالتزام بها لتفادي عودة العقوبات، وهو ما يتوقع أن يثير اعتراضات من مؤيدي الإلغاء الكامل الذين يرون أن مجرد التهديد بإعادتها سيضر بجهود إعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا دولياً.
وأكد ماست أنه يجري “محادثات يومية” مع البيت الأبيض حول الملف، في وقت يدفع فيه ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، وحلفاؤهما في الكونغرس، إضافة إلى ناشطين في المجتمع المدني، نحو الإلغاء الكامل.
وقال ترامب بعد لقائه الشرع في زيارة تاريخية للبيت الأبيض هذا الشهر: “إنه قائد قوي للغاية… يأتي من مكان صعب. رجل قوي، وأنا أحبه”.
وأضاف: “علاقتي جيدة جداً مع الرئيس الجديد في سوريا، وسنفعل كل ما بوسعنا لإنجاح سوريا”.
ويُنظر إلى نظام العقوبات السابق باعتباره أحد أكثر أنظمة العقوبات صرامة، إذ قيّد التعاملات المالية مع حكومة الأسد، وفرض عقوبات على أي دولة أو جهة تتعامل مع دمشق، على خلفية انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وعمليات قتل واعتقال ممنهج.
ومنذ إطاحة الأسد، كسب الشرع دعماً إقليمياً واسعاً. وقال ترامب خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواشنطن هذا الأسبوع: “رفعنا العقوبات بناء على طلب ولي العهد”، مضيفاً أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طلب منه الأمر نفسه، قائلاً: “إن لم ترفعوا العقوبات فلن يكون أمام سوريا أي فرصة”.
ويرى مؤيدو الإلغاء الكامل أن عدم رفع العقوبات بصورة نهائية سيجعل الشركات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة مترددين في الاستثمار في سوريا، خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية في أي لحظة، كما يحذرون من أن عقوبات “قيصر” أعاقت الجهود لمعرفة مصير الأميركيين المختفين في سوريا.
——————————-
سوريا تعلن عن تشريعات جديدة لصناديق الاستثمار والصكوك الإسلامية
إعداد نظام جديد لحوكمة الشركات وتعديل أنظمة الإفصاح
الرياض – العربية
نشر في: 19 نوفمبر ,2025
كشف رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، عبدالرزاق قاسم، عن خطة الهيئة لتطوير القطاع عبر أدوات مالية جديدة وتحديث البيئة التشريعية.
وقال قاسم إن الهيئة بالتعاون مع وزارة المالية تعمل حالياً على خطة لتطوير قطاع الأوراق المالية تعتمد على مرتكزات أساسية أبرزها تنويع الأدوات من خلال إصدار تشريع خاص لصناديق الاستثمار، وإعداد مشروع قانون للصكوك الإسلامية كأولوية قصوى وأداة تمويل أساسية للمشاريع المستقبلية، وزيادة عدد الشركات المساهمة العامة بوصفها إحدى ركائز النمو الاقتصادي.
وأضاف أن الهيئة تعمل على تحديث تشريعاتها ومراجعة قانون تأسيس الهيئة وأنظمة عملها بهدف دعم بيئة التداول وتنظيم سوق دمشق للأوراق المالية وفق المعايير الحديثة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
دولة عربية تمدد مهلة استيراد السيارات المستعملة حتى نهاية 2025
سيارات سيارات دولة عربية تمدد مهلة استيراد السيارات المستعملة حتى نهاية 2025
وأوضح أن الهيئة تمكنت من إعداد نظام جديد لحوكمة الشركات ينسجم مع المعايير العالمية، ويهدف إلى تحسين أداء الشركات وتعزيز حقوق المساهمين عبر ضمان المعاملة المتساوية بينهم.
وشدد رئيس مجلس المفوضين على أن حماية المستثمرين وتعزيز الشفافية يشكلان محوراً أساسياً، وفي هذا الإطار يجري العمل على تعديل أنظمة الإفصاح لتنظيم الحالات المرتبطة بإعلام المستثمرين بالتطورات المالية والإدارية في الشركات المساهمة.
وفيما يتعلق بتوسيع عدد الشركات المدرجة في السوق، لفت قاسم إلى ضرورة توفير محفزات تشريعية مثل الإعفاءات الضريبية أو إلزام المشاريع الاستثمارية الكبيرة باتخاذ شكل شركة مساهمة عامة.
—————————
البنك الدولي: دمشق اتخذت خطوات لإنعاش الاقتصاد ومستعدون لدعمها
وفد من البنك الدولي ينهي زيارته إلى سوريا
2025-11-20
قال البنك الدولي، اليوم الخميس، إن الحكومة السورية الانتقالية اتخذت خطوات لإنعاش الاقتصاد في البلاد مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها.
وأضاف في بيان نشره على موقعه الرسمي، أن المبادرات التي اتخذتها الحكومة السورية الانتقالية اشتملت على تدابير السياسة المالية والنقدية، وإصلاحات في إدارة المالية العامة والسياسة الضريبية.
وأشار، إلى أن وفداً من مجموعة البنك الدولي برئاسة عثمان ديون، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أجرى زيارة إلى دمشق أمس الأربعاء.
وذكر البنك الدولي، أن الزيارة هدفت إلى تعميق الحوار القائم حول برنامج عمل مجموعته في سوريا لدعم أولويات التنمية وجهود التعافي.
والتقى وفد البنك الدولي بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ومسؤولين آخرين، وبحث معهم تعزيز شراكة البنك مع سوريا، وتحديد القطاعات ذات الأولوية لدعم الشعب السوري، وتسريع تنفيذ برنامج الدعم.
وخلال الزيارة قال نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، : إن مجموعة البنك الدولي على استعداد لدعم رحلة سوريا نحو التعافي والنمو الشامل.
وتابع: “يستند نهجنا في معاودة العمل في سوريا إلى المعرفة والتحليلات العميقة، والخبرة العالمية، والشراكات الاستراتيجية، والالتزام الجاد بتقديم نتائج ملموسة للشعب السوري بناء على أولويات حكومتهم”.
وبيّن البنك الدولي أن نهجه في سوريا يرتكز على دعم توفير الخدمات الأساسية، وتعزيز المؤسسات والأنظمة العامة، وتمكين البنية التحتية التحويلية.
كما سيعمل البنك على مساعدة الحكومة السورية في تأسيس صندوق ائتماني متعدد الجهات المانحة، وتعزيز استثمارات القطاع الخاص، ويهدف البنك إلى تحقيق نتائج على نطاق واسع والتنسيق مع الشركاء لتحقيق أقصى أثر.
ويستند برنامج الدعم لسوريا إلى دراسات تحليلية دقيقة لسد الفجوات الأساسية في المعلومات والبيانات، ودعم الحوار حول السياسات المستند الى الأدلة، وفق ما ذكره بيان البنك الدولي.
ولفت إلى أن برنامج الدعم مصمم لتلبية الاحتياجات المتغيرة لسوريا، مع الالتزام بتسريع تنفيذ البرامج ووضع البنك الدولي كشريك موثوق واستراتيجي في رحلة تعافي البلاد.
وأوضح البنك الدولي، أن الاجتماعات في دمشق ناقشت إجراءات تنفيذ المشروع الطارئ للكهرباء في سوريا (SEEP) الذي تمت الموافقة عليه في حزيران/ يونيو الماضي.
ونوه إلى أنه ناقش مع المسؤولين السوريين مجالات تقديم المساعدة الفنية في قطاعات مختلفة لتعزيز مسار التنمية في البلاد، بما في ذلك بناء القدرات لإدارة التمويل الكلي وتسوية الديون، ودراسات قطاعية، ودراسات الجدوى لمشاريع إقليمية للبنية التحتية في النقل والطاقة.
وأكد البنك الدولي التزامه بالعمل جنباً إلى جنب مع الحكومة السورية والشركاء والمجتمعات المحلية لتلبية الاحتياجات الملحة للشعب السوري ووضع الأساس للتعافي المستدام وتحقيق النتائج التنموية الملموسة.
ويوم الاثنين الماضي، قال صندوق النقد الدولي، إن الاقتصاد السوري بدأ يظهر مؤشرات تعافٍ خلال الفترة الماضية.
وأضاف الصندوق في بيان نشر على موقعه الرسمي، أن فريقاً تابعاً له أجرى زيارة إلى العاصمة السورية دمشق بين 10 و13 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بهدف تقييم الوضع الاقتصادي في البلاد.
وأشار إلى أن الفريق أجرى نقاشات مع الحكومة السورية الانتقالية بشأن إصلاحاتها الاقتصادية وأولوياتها في مجال بناء القدرات، واتفق الجانبان على برنامج تعاون مكثف للمرحلة القادمة.
وتابع صندوق النقد الدولي: “يظهر الاقتصاد السوري بوادر تعافٍ، وقد تمكنت السلطات السورية، رغم التحديات العديدة التي تواجهها، من اعتماد سياسة مالية ونقدية صارمة بهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي”.
ولفت إلى أن المساعدة التي سيقدمها صندوق النقد الدولي لسوريا ستشمل تقديم الدعم الفني لتحسين الإحصاءات، التي ستساعد أيضاً في تمهيد الطريق لاستئناف مشاورات المادة الرابعة مع دمشق، والتي تهدف إلى تقييم الوضع الاقتصادي لكل دولة واستباق أي مشاكل مالية مستقبلية.
وذكر الصندوق أن الاقتصاد السوري يظهر علامات على تحسن الآفاق، وهو ما يعكس تحسناً في شعور المستهلكين والمستثمرين في سوريا، وإعادة دمج دمشق تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والعالمي مع رفع العقوبات.
وتركزت النقاشات المالية التي أجراها صندوق النقد الدولي على وضع الموازنة الحكومية لعام 2026، التي تهدف إلى توسيع الحيز المالي لتلبية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك دعم القطاعات الاجتماعية من أجل دعم الشرائح الأكثر هشاشة، مع ضمان أن تستند الموازنة إلى افتراضات طموحة ولكن واقعية فيما يتعلق بالإيرادات والتمويل، وفق ما ذكره بيان الصندوق.
وقال صندوق النقد إن موظفيه سيقدمون مساعدة فنية شاملة من أجل تعزيز قوة الإطار المالي، وذلك بالمساعدة على تحسين إدارة المالية العامة وإدارة الإيرادات، وإكمال القانون الضريبي الجديد، ووضع استراتيجية لمعالجة إرث سوريا من الديون وتعزيز إدارة الديون.
ونوه إلى أنه من المهم أن يكون النظام الضريبي الجديد بسيطاً وتنافسياً وسهل الإدارة، مع تجنّب الإعفاءات السخية والحد من أي ثغرات قد تتيح التهرب الضريبي.
وشدد على ضرورة قيام الحكومة السورية الانتقالية بإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية التي تملكها الدولة والسعي لإقامة مشاريع استثمارية كبيرة مع القطاع الخاص، وأنه من المهم الالتزام بمعايير الحوكمة الرشيدة وضمان قيام وزارة المالية السورية بدور محوري في تقييم وضبط الالتزامات الطارئة.
ولفت الصندوق إلى أن موظفيه شرعوا في مناقشات حول تطوير إطار مناسب للسياسة النقدية من شأنه دعم تحقيق معدلات تضخم منخفضة ومستقرة، مع أخذ التحديات الحالية التي يواجهها النظام المالي في الاعتبار.
وأكد أن موظفيه سيقدمون مساعدة فنية لدعم الحكومة السورية تشمل صياغة قوانين وأنظمة جديدة للقطاع المالي، وإعادة تأهيل نظام المدفوعات والنظام المصرفي لضمان أن يصبح النظام المالي قادرًا على تيسير مدفوعات آمنة وكفؤة.
كما سيقدم صندوق النقد الدولي مساعدة فنية للحكومة الانتقالية لتمكين المصارف من استئناف دورها المحوري في الوساطة المالية ودعم التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء القدرات في المصرف المركزي لضمان قدرته على تنفيذ سياسة نقدية على نحو فعال والإشراف على النظام المالي.
وأوضح صندوق النقد الدولي أن البيانات الاقتصادية الموثوقة في سوريا لا تزال شحيحة، لكنها أساسية لتمكين السلطات من وضع السياسات الاقتصادية وتنفيذها ومتابعتها.
————————–
======================
تحديث 20 تشرين الثاني 2025
———————————-
لا تجرّبوا “الوصفة الصينية” في سورية مجدّداً/ مروان قبلان
19 نوفمبر 2025
إذا نحّينا الخطاب الموجّه إلى الغرب، خصوصاً، جانباً، وركّزنا على السلوك السياسي لسلطة دمشق الجديدة، نجد أنها تقودنا شرقاً، نحو المقاربة الصينية في الحكم والإدارة، وهي المقاربة نفسها التي أوصلت البلاد إلى الحال التي باتت عليه، وجوهرها الانغلاق السياسي في مقابل تحرير الاقتصاد. فعلى الرغم من الارتياح العام السائد، منذ سقوط النظام البائد، والحرّيات النسبية التي تتمتّع بها سورية، فإنّ الفضاء السياسي يتجه، بخطى ثابتة، نحو مزيد من الانغلاق. يدل على ذلك سرّية العمل الدبلوماسي، والتغييب الكامل للحياة الحزبية، وكلّ مظاهر المشاركة السياسية، فضلاً عن تركّز السلطات وتداخلها، وبروز نوع من الرقابة، أو القمع غير المباشر، يمارسه جمهور السلطة (نيابة عنها) ضدّ منتقديها بغرض إسكاتهم، في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً. في مقابل الانغلاق سياسياً، تتبنّى السلطة الجديدة توجّهات نيوليبرالية تصل، أحياناً، إلى حدّ الفوضى، وتتجسّد في ترك قوى السوق تفعل فعلها، من خلال تحرير أسعار حوامل الطاقة، والمواد الأساسية، بما فيها الخبز، وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، ومن الاضطلاع بأي دور اجتماعي، بما في ذلك تنظيم سوق العمل، ورعاية الفئات الأكثر هشاشة، والتي باتت، نتيجة سنوات الحرب الطويلة، والنزوح، تشكّل نحو 90% من المجتمع.
لكن “الوصفة الصينية” في الحكم والإدارة، لا تصلح لكلّ زمان ومكان، وقد نجحت، كما تدل التجارب، في محلات قليلة منها الصين نفسها، حيث أدى الانفتاح الاقتصادي في نظام سياسي مركزي إلى انتشال نحو 700 مليون شخص من براثن الفقر، وتحويل البلاد إلى ثاني أكبر اقتصاد. لكن هذا الإنجاز تمّ بقيادة رأسمالية الدولة وتحت إشرافها المباشر، وليس من خلال فتح الباب أمام نشوء طبقة أوليغاركية تنهب مقدرات البلد، كما فعلت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. يمكن أن تنجح الوصفة الصينية أيضاً في دول (مثل دول الخليج) لديها موارد وريوع كافية لمقايضة مواطنيها، بحيث يتنازلون عن حقّهم في المشاركة السياسية، في مقابل امتيازات تشمل التوظيف الاجتماعي، والخدمات الصحية والتعليمية المجانية، وغيرها من العطايا.
في غياب الموارد والريوع، ربما تراهن إدارة أحمد الشرع في اعتمادها “النموذج الصيني” على عوائد تبنّيها أدواراً وسياسات مطلوبة إقليمياً ودولياً، في تقليد حرفي للنهج الذي اتبعه حافظ الأسد في السبعينيات، حين أدّى تخليه عن السياسات الراديكالية، التي تبناها جزب البعث تحت حكم صلاح جديد، إلى القبول به دولياً، خصوصاً موافقته على قرار مجلس الأمن 242، الذي يعني الاعتراف ضمناً بإسرائيل، وكان هذا شرط الدعم السوفييتي لانقلابه الذي أطاح قيادة الحزب. كما أدّت براغماتية الأسد حينها إلى تقارب كبير مع دول الخليج العربية، سمح بتدفّقاتٍ ماليةٍ وفيرةٍ عقب فورة النفط، ساعدته في تشديد قبضته على السلطة، عبر توزيع الريع الخارجي على قاعدة نظامه. وقد شمل ذلك توسيع القطاع العام، وبناء نظام اقتصادي- اجتماعي قوامه مجانية الصحة والتعليم. في ظلّ أزمة مرتقبة في النظام المالي العالمي (عنوانها الديون السيادية والحرب التجارية)، وبقاء أسعار النفط مُنخفضة، وعجز تسجّله موازنات بعض دول الخليج (السعودية خصوصاً دفعت إلى إلغاء مشروعات كبرى)، من غير المرجّح أن يتكرّر السخاء الخليجي مع النظام الجديد. هذا يعني أنّ السبيل الوحيد المُتبقي هو جذب استثمارات القطاع الخاص، وهذا أيضاً ما فعله حافظ الأسد حين اتجه لتحرير الاقتصاد، بعد أن جفّت الريوع الخليجية، بسبب مواقفه المؤيّدة لإيران في الحرب مع العراق، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، فأصدر قانون الاستثمار رقم 10 لتشجيع الاستثمارات الأجنبية. لم تنجح جهود جذب الاستثمارات كثيراً حينها، لكن بلوغ إنتاج النفط السوري ذروته عوّض عن ذلك (600 ألف برميل يومياً).
على الأرجح، لن تكون نتائج محاولات جذب الاستثمارات الخارجية اليوم أفضل منها في التسعينيات، فعلى الرغم من إبداء السلطة الجديدة استعدادها للتخلّي عن أكثر القطاعات الاستراتيجية حيوية، بما فيها الطاقة، والموانئ، والمطارات، فإنّ الاستثمار الأجنبي الخاص، تحديداً، ما زال مُتردّداً بسبب غياب الشفافية، وعدم الاستقرار الأمني الناجم عن غياب توافقات وطنية، وعدم وجود قضاء مستقل، وبيئة تشريعية ضامنة للاستثمار. نتيجة ذلك، لم تجد الحكومة بُداً من التوجّه نحو التحرّر من أعباء الدعم وزيادة الضرائب. هنا تسقط “الوصفة الصينية”، لأنك لا تستطيع أن تحتفظ بالسلطة كاملة لنفسك، وفي الوقت عينه تطالب الناس بدفع تكاليفها. هذا يوصلنا تماماً إلى حيث انتهى بشار الأسد “لا خبز ولا حرية”، لأنّ الأصل في الوصفة الصينية هو “الخبز مقابل الحرية”.
العربي الجديد
———————————-
بعد لقاء صندوق النقد دمشق تستقبل وفدا للبنك الدولي
استقبل وزير المالية السوري محمد يسر برنية أمس الأربعاء في دمشق وفدا رفيع المستوى من البنك الدولي برئاسة عثمان ديون نائب الرئيس الإقليمي للبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وبحضور مدير قسم إدارة الشرق الأوسط بالبنك جان كريستوف كاريه.
وتركزت المباحثات على سبل تعزيز دعم البنك الدولي لسوريا وتوسيع نطاق الشراكة بين الجانبين، حيث جرى بحث عدد من الملفات الهامة المتعلقة بالقطاعات والبرامج التي يمكن للبنك تقديم الدعم فيها، وشملت تحديد مجالات ذات أولوية للدعم تستهدف دعم الحكومة والشعب السوري، ومناقشة آليات توفير التمويل والدعم الفني في إطار الشفافية والوضوح.
واستعرض اللقاء نتائج مناقشات البنك الدولي أثناء وبعد الاجتماعات السنوية، وآثارها على العمليات المستقبلية في سوريا، بالإضافة إلى متابعة آخر التطورات في مشاريع الكهرباء وإدارة الشؤون المالية العامة الجاري تنفيذها.
كما تم خلال اللقاءات البحث في إمكانية إطلاق مشاريع جديدة، خاصة في قطاع الطاقة الكهربائية إلى جانب مناقشة سبل تقديم المساعدة الفنية في مجال إدارة الديون والتمويل العام.
ومن المقرر أن تختتم هذه الزيارة بإعداد ورقة إستراتيجية شاملة بالشراكة بين الجانبين، يُتوقع إصدارها مع نهاية العام الحالي لتحديد إطار التعاون المستقبلي وبرامج الدعم المقترحة، بما يعكس التزام البنك الدولي بمواكبة مسيرة التنمية وإعادة الإعمار في سوريا.
الزيارة تأتي في إطار حرص البنك الدولي على متابعة أوجه التعاون مع سوريا وتأكيدا على استمرار العمل المشترك لتحقيق تقدم ملموس يُسهم في دعم الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية للشعب السوري.
لقاء صندوق النقد
وفي وقت سابق من هذا الشهر التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا، بحضور وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني. وتم خلال الاجتماع بحث أوجه التعاون المحتملة بين سوريا وصندوق النقد لتسريع عجلة التنمية والتطوير الاقتصادي في البلاد.
وناقش الشرع خلال اللقاء، مجالات التعاون الممكنة لدعم التنمية الاقتصادية في سوريا.
ركزت المناقشات على أطر التعاون الممكنة بين سوريا وصندوق النقد الدولي لتعزيز النمو ودعم الإصلاح الاقتصادي.
من بين المواضيع التي طُرحت إصلاح البنك المركزي السوري، وتقديم بيانات اقتصادية موثوق بها، ورفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات.
وأكدت جورجيفا استعداد الصندوق لتقديم الدعم والمساعدة لسوريا. وقالت إن المناقشات تناولت التحوّل الاقتصادي الذي تحتاجه سوريا، مؤكدة حرص الصندوق على تقديم المساعدة، بما في ذلك تقديم الدعم الفني للمؤسسات المالية الرئيسية في الدولة السورية.
استقبال وزير المالية السوري محمد يسر برنية وفداً من البنك الدولي برئاسة السيد عثمان ديون نائب الرئيس الإقليمي للبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
جانب من لقاء برنيه وفد البنك الدولي (الجزيرة)
وتسعى سوريا من خلال تعزيز علاقاتها بصندوق النقد والبنك الدوليين إلى:
تعزيز النمو الاقتصادي السوري ودعم الإصلاحات الاقتصادية.
بناء أساس فني يساعد سوريا على إصلاح مؤسساتها المالية، وتحسين بياناتها الاقتصادية.
إعداد موازنات الدولة بشكل أكثر شفافية.
إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي بعد سنوات من العزلة.
المصدر: الجزيرة
———————————-
الاقتصاد الأردني يعبر إلى سوريا بزخم غير مسبوق
عمّان – وسط تحديات إقليمية متلاحقة، سجلت الصادرات الأردنية إلى سوريا قفزة غير مسبوقة تجاوزت 400% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي -وفق بيانات رسمية- وهو ما يعكس زيادة الطلب على المنتجات الأردنية وعودة النشاط التجاري بين البلدين بعد سنوات من التراجع نتيجة الأزمات الإقليمية، والتحديات الاقتصادية، والصعوبات اللوجستية.
ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، بلغت قيمة الصادرات الأردنية إلى سوريا خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى أغسطس/آب 2025 نحو 152 مليون دينار (214.4 مليون دولار)، مقارنة بـ31 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، مسجلة زيادة تفوق 390%.
وعلى صعيد المستوردات، سجل الأردن ارتفاعا ملحوظا أيضا، حيث بلغت قيمة الواردات من سوريا 68 مليون دينار مقابل 34 مليون دينار، بنمو نسبته 100%. (الدينار يعادل 1.4 دولار).
الصادرات الأردنية نحو سوريا
هذا الارتفاع الكبير في حركة التبادل التجاري بين الأردن وسوريا يعكس عدة عوامل، -بحسب مراقبين- أهمها إعادة فتح المعابر الحدودية، خاصة معبر جابر/نصيب، وتحسن القدرة الإنتاجية في المصانع السورية، إضافة إلى الطلب المتزايد على المنتجات الأردنية في السوق السورية، سواء في قطاعات البناء أو السلع الاستهلاكية الأساسية.
وتتوزع الصادرات الأردنية إلى سوريا على عدة مجالات إستراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاحتياجات الأساسية للسوق السورية، من بينها:
الصناعات الإنشائية ومواد البناء: تشمل الأسمنت، الحديد، الرخام، البلاط، الدهانات، والأنابيب البلاستيكية والمعدنية، والخشب.
المعدات الكهربائية: مثل الكابلات والمحولات والأجهزة الكهربائية المختلفة.
الصناعات الغذائية والزراعية: كمنتجات الألبان، الزيوت النباتية، المعلبات، الخضراوات والفواكه الطازجة والمصنعة.
المنتجات الكيمائية: كالأسمدة والمبيدات الزراعية والمنظفات الصناعية.
هذا التنوع في الصادرات يعكس قدرة الصناعة الأردنية على تلبية احتياجات متعددة للسوق السورية، بدءا من مشاريع إعادة الإعمار وصولا إلى المواد الاستهلاكية اليومية.
ورغم التحديات الإقليمية، أكد رئيس غرفة صناعة الأردن، المهندس فتحي الجغبير، أن الاقتصاد الأردني أظهر قدرة كبيرة على الصمود، مدفوعا بالأداء الإيجابي للقطاع الصناعي الذي سجل نموا حقيقيا بنسبة 6.6% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
ويشير الجغبير في حديثه للجزيرة نت إلى أن الصناعات الأردنية تعد المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، حيث توفر أكثر من 268 ألف فرصة عمل مباشرة، كما تسهم بشكل واضح في تعزيز الصادرات ودعم الميزان التجاري للمملكة.
الجغبير لا يمكن أن نفصل الأردن عن فلسطين، وعن غزة تحديداً، فنحن أهل، والوجع واحد
الجغبير: الصناعات الأردنية تعد المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي حيث توفر أكثر من 268 ألف فرصة عمل (الجزيرة)
ورأى رئيس غرفة تجارة الأردن أن العلاقات الاقتصادية بين عمّان ودمشق تمر بمرحلة تحول إيجابي يعكس توجها واضحا نحو الانفتاح والتكامل، مشيرا إلى أن الزخم الإقليمي والحرص المتبادل على تجاوز التحديات أسهما في فتح صفحة جديدة من التعاون القائم على المصالح المشتركة.
جهود مشتركة بين الأردن وسوريا
وأسهمت الخطوات الأخيرة بين الأردن وسوريا في تعزيز حركة التجارة، من ضمنها الإعفاء المتبادل للشاحنات من الرسوم الجمركية، مما أسهم في زيادة عدد الشاحنات الأردنية المتجهة يوميا إلى سوريا إلى حوالي 400 شاحنة محملة بالبضائع المختلفة، بما في ذلك المواد الغذائية ومواد البناء.
كما أن هناك لجانا مشتركة تعمل على تفعيل التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات، خاصة التجارية، لضمان استمرار هذا النمو.
وتعد سوريا سوقا إستراتيجية للأردن، ليس فقط لقربها الجغرافي، بل لدورها في دعم الصناعات المحلية الأردنية وتوفير فرص تصدير مهمة، إضافة إلى أنها بوابة نحو الأسواق الإقليمية الأخرى، ويشكل نمو الصادرات الأردنية إليها دعما لإنتاج الشركات المحلية، وزيادة تدفق العملات الأجنبية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الجزئي في المملكة.
بدوره قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن وسوريا ضرورة اقتصادية للبلدين، وإن هناك إمكانية لإعادة النظر فيها بما يجعلها أكثر استجابة لمتطلبات التبادل التجاري، ومعالجة أي صعوبات، وتحفيز القطاع الخاص الأردني والسوري على زيادة حجم التجارة البينية، التي تراجعت بدرجة كبيرة منذ أكثر من 13 عاما.
ركود التبادل التجاري بين الأردن وسوريا رغم فتح الحدود منذ عام
الإجراءات المشتركة بين الأردن وسوريا بما فيها إعفاء الشاحنات من الرسوم ساهمت في تنشيط حركة التجارة (الجزيرة)
وأضاف أن زيارة الرئيس السوري إلى الأردن تحمل في طياتها الكثير من الرسائل الإيجابية، وتؤشر إلى أن الفرصة مهيأة للارتقاء بآفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين، لا سيما أن الأردن بادر منذ اليوم الأول للتغيرات في سورية إلى تقديم الدعم الممكن لها في العديد من المجالات، وحرص على تزويدها باحتياجاتها من السلع وتسريع إجراءات إيصالها إلى السوق السورية.
الصادرات الأردنية والتحديات المستقبلية
ورغم النمو الملحوظ في الصادرات الأردنية إلى سوريا، تواجه هذه الصادرات -وفق مراقبين- عدة تحديات قد تؤثر على استمراريتها، من أبرزها:
تعقيدات النقل واللوجستيات بسبب البنية التحتية المتأثرة في بعض المناطق السورية.
الإجراءات الجمركية غير الموحدة التي تؤدي إلى تأخيرات وتكاليف إضافية.
التقلبات الأمنية والسياسية التي تلعب دورا في زيادة المخاطر التجارية.
محدودية القدرة الإنتاجية لبعض الصناعات الأردنية لمواكبة الطلب المتزايد، وتأثير تقلبات أسعار المواد الخام والعملات على تكلفة المنتجات.
وتشير القفزة التاريخية في الصادرات الأردنية إلى سوريا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 -وفقا لمراقبين- إلى مرونة الاقتصاد الأردني وقدرته على التكيف مع المتغيرات الإقليمية، كما تؤكد أهمية تعزيز التجارة البينية بين البلدين.
ومع استمرار تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة وتسهيل الإجراءات اللوجستية، يبدو أن الأردن يمتلك فرصة مميزة لتعظيم الاستفادة من السوق السورية ودعم نمو قطاعاته الإنتاجية الحيوية.
وللحفاظ على هذا الزخم، يصبح من الضروري التركيز على تطوير البنية التحتية للنقل، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتعزيز أطر التعاون الاقتصادي المؤسسي بين الأردن وسوريا، كما يمثل دعم الصناعات الوطنية وتوسيع الطاقة الإنتاجية عوامل رئيسية لضمان تلبية الطلب المتزايد دون التأثير على جودة المنتجات، وفق متابعين.
المصدر: الجزيرة
——————————–
وزارة الاقتصاد تمدد مهلة إدخال السيارات المستعملة حتى نهاية 2025
19 نوفمبر 2025
أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قرارًا يقضي بتمديد مهلة إدخال السيارات المستعملة للمستوردين المسجّلين على منصة تسجيل السيارات التابعة للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، وذلك حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.
وأكد القرار السماح بدخول السيارات عبر المنافذ المعتمدة ضمن المهلة المحددة، مع خضوع المخالفين للعقوبات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة النافذة.
ويأتي هذا التمديد بعد القرار الذي أصدره وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في 29 حزيران/يونيو الفائت، والقاضي بوقف استيراد السيارات المستعملة والسماح فقط باستيراد السيارات الجديدة وفق شروط محددة.
وبحسب القرار رقم (462)، استندت الوزارة في إصدار القرار إلى المرسوم التشريعي رقم (60) لعام 1952 وتعديلاته، والقرار الرئاسي رقم (9) الصادر في 29 آذار/مارس 2025، وذلك استنادًا إلى مقتضيات المصلحة العامة.
يأتي هذا التمديد بعد قرار وقف استيراد السيارات المستعملة، والسماح فقط باستيراد السيارات الجديدة، الصادر في 29 حزيران/يونيو الفائت
وتضمّن القرار استثناءً لفئات معينة من الآليات، أبرزها: الرؤوس القاطرة، والشاحنات، وآليات الأشغال العامة، والجرارات الزراعية بشرط ألا يتجاوز عمرها عشر سنوات باستثناء سنة الصنع. كما شمل الاستثناء حافلات نقل الركاب ذات 32 مقعدًا فما فوق، على ألا يتجاوز عمر صناعتها أربع سنوات باستثناء سنة الصنع.
كما استثنى القرار المستوردين الذين اشتروا سيارات قبل تاريخ صدوره، شريطة تثبيت أرقام الشاسيه لدى الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية حتى يوم الأحد 6 تموز/يوليو، في مقر الهيئة بكفرسوسة.
وأكدت الوزارة استمرار السماح باستيراد السيارات الجديدة بشرط ألا تزيد سنة الصنع عن سنتين، باستثناء سنة الصنع.
وأعادت الوزارة قرار منع استيراد السيارات المستعملة إلى دخول عدد كبير من السيارات التي لا تتناسب مع معايير الجودة المطلوبة إلى البلاد خلال الأشهر الأخيرة.
وقال مدير الاتصال الحكومي في الوزارة، قاسم كامل، لوكالة “سانا”، إن فترة ما بعد سقوط النظام السابق شهدت دخول سيارات بكميات كبيرة إلى شمال البلاد لغياب القيود الجمركية التي كانت تفرضها السلطات السابقة من ضرائب ورسوم مرتفعة. وأوضح أن ارتفاع الطلب على السيارات بعد عام 2000 دفع نحو تنظيم الاستيراد على مستوى البلاد.
وأوضح أن تحديد عمر السيارة المستوردة بسنتين فقط يعود لاعتبارات اقتصادية تهدف إلى تقليل الهدر وتكاليف الصيانة، مع مراعاة السيارات المشتراة قبل صدور القرار والتي كانت قيد الشحن، شريطة تثبيتها أصولًا لدى الهيئة.
وفيما يتعلق بالسماح باستيراد رؤوس القاطرات وآليات الأشغال العامة والجرارات الزراعية حتى عمر عشر سنوات، أكد الشعار أن ذلك مرتبط بارتفاع أسعار الآليات الجديدة وطبيعة استخدامها الطويلة الأمد، وبهدف دعم قطاعات النقل والخدمات والزراعة مع تخفيف الضغط على فاتورة الاستيراد والقطع الأجنبي.
وختمت الوزارة بالتأكيد أن عدد السيارات المستوردة حاليًا، إضافة إلى المتوقع دخولها ضمن المهلة، يكفي قياسًا إلى البنية التحتية وعدد السكان، معتبرة أن القرار يساهم في ضبط الاستيراد والحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي.
——————————–
=======================
تحديث 18 تشرين الثاني 2025
———————————-
كيف نفكر في الخصخصة سورياً؟/ مسلم عبد طالاس
بين وعد السوق وخطر الغنيمة
18-11-2025
طُرحَ في الآونة الأخيرة موضوع الخصخصة بوصفه خياراً استراتيجياً للسلطة الجديدة في دمشق، بل وجرى تحديد عدد من الشركات المُرشَّحة للدخول في هذا المسار. ويُروَّجُ للخصخصة بوصفها خياراً لمعالجة الآثار التي تركها النظام السابق والحرب، والسعي باتجاه تحقيق إعادة الإعمار والتنمية في سوريا. يحمل هذا الخيار في طياته بذور ردِّ الفعل على خيارات نظام آل الأسد الذي وصِف بـ«الاشتراكية» في مرحلة ما. ويدور اليوم جدلٌ محتدم بين أنصار الخصخصة والمعادين لها. إذ تُعدّ الخصخصةُ موضوعاً إشكالياً يُفضي عادة إلى خندقةِ المتحاورين حولها ضمن خيارات حدّية. فهناك فئة ترى في الخصخصة بلسماً للجراح الاقتصادية فيما تراها أخرى شيطاناً مطلقاً يُدمر الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. ونظراً لكونها ظاهرة اجتماعية وخياراً اقتصادياً اجتماعياً نجح في بعض الدول وفشل في أخرى، فإن الجدل المُتخندق حولها لا يُنتِجُ سوى مزيد من التّجييش والاستقطاب الاجتماعي والسياسي، ولا يؤدي إلى أية مخرجات مفيدة باتجاه صياغة خيارات بنّاءة في السياسات الاقتصادية للبلاد، ولا يُلقي الضوء على مكامن الخلل، بل يبحث عن مبررات تدعم خيارات وأفكار مُسبقة. في الواقع، يمكن العثور بسهولة على مبررات تساند هذا الموقف أو ذاك. غير أن ذلك لا يُفضي إلى تغيير حقيقي، ويظلّ كل طرف متمترساً في خندقه.
أزعمُ أنني سأحاول في هذه المادة نقل النقاش إلى حيّز أكثر جدوى. فإذا كانت الخصخصة نجحت في دول وأخفقت في أخرى، فهذا يعني أن جوهر المشكلة، والحل أيضاً، ليس كامناً في الخصخصة ذاتها. فأين تكمن المشكلة إذاً؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُوجَّهَ إليه جهدُ المتجادلين. فالأَولى البحثُ عن أسباب فشل الخصخصة ومن ثم عوامل نجاحها، وعلى أساس تلك المعطيات يمكن مقاربتها كخيار اقتصادي نافع قائم على الحساب الاقتصادي العقلاني وليس التخندق الإيديولوجي.
الغاية الأساسية المُعلَنة للخصخصة، أي تحويل ملكية الموارد الإنتاجية ومن ثم إدارتها من الدولة إلى القطاع الخاص، هي تحقيق الكفاءة الاقتصادية في توظيف تلك الموارد. وينبغي هنا الانتباه إلى أن موارد المجتمع لا تقتصر على الأصول الإنتاجية المادية أو رأس المال المالي، بل تشمل العمل والأرض وما تحتويه إضافة إلى التنظيم أو ريادة الأعمال. وهذا يعني أن تعريف الكفاءة وقياسها مسألة إشكالية ومتعددة المستويات، وقد لا تتطابق هذه المستويات فيما بينها.
تُعدّ الموارد على اختلاف أشكال ملكيتها القانونية – سواء كانت عامة أو خاصة أو مشاعاً – ملكية للمجتمع. فالثروات والأصول تتحول بين الأفراد وبين الصيغ القانونية المختلفة لكنها تبقى ضمن الإطار المجتمعي نفسه، ومن ثم فإنها جزءٌ من أصول المجتمع إلى جانب كونها حقوقاً للأفراد. لذلك فإن للكفاءة وجهين رئيسيين هما الكفاءة الفردية والكفاءة الاجتماعية. والكفاءة الفردية تتحقق عندما يظفر مالك المورد بأقصى عائد ممكن منه، وهذا العائد قد يكون ربحاً أو أجراً أو إيجاراً أو فائدة، تبعاً لطبيعة المورد ونوعه. على مستوى الشركة مثلاً تُشير الكفاءة إلى تحقيق أقصى ربح لصاحبها، أو لرائد الأعمال. أمّا على المستوى الاجتماعي فإن استخدام المَورد لتحقيق أقصى عائد للمالك الفرد قد لا يُحقق أقصى منفعة مجتمعية. فالمجتمع يهدف لتحقيق الاستخدام الأمثل لجميع موارده بحيث تُشبِعُ أكبر قدر من حاجاته بأعلى جودة وأقل كلفة، وتُقاس المنفعة المجتمعية بمقدار القيمة المُضافة المُتحققة من الاستخدام، وهي تشمل مداخيل كل أفراد المجتمع – أي الربح والإيجار والأجور والفوائد – لا دخل فرد واحد أو شركة بعينها. لذلك فإن بعض الاستخدامات المُجزية للموارد على مستوى المشروع الفردي قد تُسبب أضراراً للمجتمع، مثل الأضرار البيئية التي قد يُسببها مشروع ما. كذلك يمكن لشخص ما أن يعمل مع عصابة قتل بأجر مرتفع جداً، وهو يستخدم مورده البشري بكفاءة عالية، لكنه يُضر بالمجتمع. وعليه فإن خصخصة مشروع ما، أو مورد ما، قد يُحوله لاستخدام مربح على المستوى الفردي، لكن هذا لا يضمن بالضرورة الكفاءة على المستوى المجتمعي.
للتوضيح بصورة أدق، يمكن القول إن الكفاءة على مستوى المشروع الفردي تعني ببساطة: خفضُ التكاليف ورفعُ الإنتاجية ومن ثم تحقيقُ أعلى عائد لصاحب المشروع. أمّا الكفاءة على مستوى المجتمع فهي أكثر شمولاً وتعقيداً، وهي تعني: تخصيص الموارد بما يضمن أعظم منفعة للمجتمع ككل، ومراعاة الآثار الخارجية الإيجابية والسلبية، وضمان العدالة والإنصاف وتوفير السلع والخدمات العامة بشكل عادل.
ولتقريبِ الفكرة، يُمكن تصور حالة صاحب مزرعة أبقار يسعى لزيادة أرباحه، قد ينجح في ذلك عبر: تقليل التكاليف بشراء أعلاف أقل ثمناً، وتحسين الإنتاجية باستخدام تقنيات حديثة، فتكون النتيجة ربحاً أكبر له من خلال إنتاج حليب أكثر بتكلفة أقل، في هذه الحالة تلتقي الكفاءة الفردية مع الكفاءة المجتمعية فتتحقق المنفعة للمجتمع بأكمله. لكن لو قرر صاحب المزرعة التخلص من مخلفات الأبقار بإلقائها في النهر لتوفير تكلفة معالجتها، فإنه في هذه الحالة يرفعُ من أرباح مشروعه الشخصي، لكنه على مستوى المجتمع يتسبّبُ بضرر صحي وبيئي لجيرانه وللمدينة القريبة كلها.
إن تحمُّلَ الفرد لمسؤولية استخدام مورده، أي تمتعه بالملكية الخاصة، يُطلق طاقاته الإبداعية ليوجه جهوده نحو الاستخدام الأمثل. لكن هذا المبدأ لا يتحقق في فراغ بل ضمن سياقات اجتماعية. فليست كل المجتمعات قادرة على إسناد هذه المسؤولية للفرد. وهنا تبرز فكرة حق الملكية الخاصة، ودرجة تطور المجتمع بحيث يستطيع تعريفها وحمايتها. المهم في هذا السياق أن المسألة ليست في نقل الملكية بل حماية حق الملكية الخاصة لجميع الموارد، وليس رأس المال أو الأصول الإنتاجية المادية فقط.
من أجل الوصول إلى تقييم أكثر موضوعية للخصخصة انطلاقاً من غايتها الأساسية، أي تحقيق الكفاءة الاقتصادية، من المفيد أن نتناولها من منظور مدرستين رئيسيتين في علم الاقتصاد؛ هما المدرسة النيوكلاسيكية والمدرسة المؤسسية الجديدة.
الكفاءة، في علم الاقتصاد، وبمعناها العام، هي القدرة على تحقيق أقصى إشباع ممكن لحاجات لا محدودة بالاعتماد على موارد محدودة بطبيعتها، أي معالجة مشكلة الندرة. على المستوى الفردي، يختبر كل مواطن هذه المشكلة حين يُقرر كيف ينفق دخله المحدود على حاجاته غير المحدودة. أمّا على المستوى المجتمعي، فتظهر بصيغة الأسئلة الثلاثة التي تلخّص علم الاقتصاد: ماذا ننتج؟ كيف ننتج؟ ولمن ننتج؟ في اقتصاد السوق يُجاب عن هذه الأسئلة، نظرياً، عبر آلية السوق. حيث تُفصِحُ الحاجات عن نفسها من خلال الطلب، وينعكس مقدار شدة الحاجة وأهميتها للفرد والمجتمع في ارتفاع الطلب، ومن ثم ارتفاع الأسعار. بالمقابل يراقب رجال الأعمال، على سبيل المثال، معلومات الطلب وارتفاع الأسعار، لتوجيه الموارد وتوظيفها في الإنتاج، أو تلبية الطلب، في المجالات التي تُظهر سعراً أعلى لأنها تَعِدُ بفرص ربح أكبر. بالمنطق نفسه يتوجه الطلبة لدراسة التخصصات التعليمية النادرة ذات الأجور المرتفعة. ومع سعي مالك المورد – ملكية خاصة – لتحقيق أقصى عائد شخصي له، الذي يمثل الربح بالنسبة لرجل الأعمال والأجر بالنسبة للطالب الساعي لفرص العمل، تتطابق حاجة المجتمع من حيث الحجم والأهمية.
من منظور النظرية النيوكلاسيكية، تُعَدُّ الخصخصة استعادةً لمنطق السوق. فالسوق عند هؤلاء هو الآلية المُثلى لتحقيق الكفاءة؛ إذ تُوفِّرُ الأسعارُ معلومات عن الندرة والتكلفة، ويدفع السوق المنتجين لتحسين الأداء عبر خفض التكاليف ورفع الجودة تحت ضغط المنافسة. وبهذا تتحققُ منفعة للطرفين؛ الفرد والمجتمع. يظفر صاحب المشروع بأعلى ربح ممكن، فيما يحصل المجتمع على السلع بأقل الأسعار وأعلى جودة. غير أن هذا التفاؤل المُفرط بقدرة السوق التلقائية على تنظيم نفسه يتغافل عن حقيقة أعمق يطرحها الاقتصاد المؤسسي، فهذا الأخير لا يرى الأسواق كآليات مُكتملة، بل كبنى اجتماعية تحتاج قواعد صارمة وضوابط تنظيمية لكي تعمل بفعالية. فالسوق لا يُنجِزُ الكفاءةَ وحده؛ بل يُنجِزُها إذا توافرت مؤسسات قادرة على: حماية الملكية وإنفاذ العقود بنزاهة، وضبط الممارسات الاحتكارية والفساد، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. والخصخصة في غياب هذه البنية المؤسسية الصلبة قد تتحول إلى وصفة لنقل الاحتكار من القطاع العام إلى تكتلات ضيقة المصالح، أو إلى إعادة توزيع الثروة لصالح نخبة سياسية واقتصادية محدودة.
تُشير التجارب إلى أمثلة ناجحة في الخصخصة. ففي بريطانيا خلال فترة مارغريت تاتشر (1979–1990)، خُصخِصًت قطاعات ضخمة مثل الاتصالات والطاقة، وكانت النتيجة تحسناً واضحاً في الإنتاجية وانخفاض التكاليف التشغيلية. وكذلك في تشيلي، خُصخِصَت شركات التعدين والكهرباء والمصارف منذ السبعينيات والثمانينيات، وأدى ذلك إلى تدفق استثمارات ضخمة وتحسن الأداء التنافسي. وفي الحالتين يؤكد باحثون على أن وجود مؤسسات قادرة على تطبيق القانون وضبط قواعد اللعبة الاقتصادية كان شرطاً للنجاح. بالمقابل هناك تجارب فاشلة، كحال كثير من البلدان التي خاضت الانتقال الاقتصادي من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق دون بناء مؤسسات قوية. مثلاً، في روسيا خلال التسعينيات من القرن الماضي، نُفذت الخصخصة بسرعة ومن دون ضوابط فعّالة، فتحولت إلى ما وصفه ستيغليتز «بيع للأصول العامة بثمن بخس لصالح قلة متنفّذة». وكذلك أشار كلاوس ماير، نتيجة أبحاثه عن التحولات في أوروبا الشرقية، إلى أن الخصخصة الناجحة لا يمكن أن تحدث دون إصلاحات قانونية شاملة وشفافية مؤسسية صارمة. وتُعَدُّ أوكرانيا مثالاً واضحاً إذ خُصخِصَت الأصول بسرعة تحت ضغط برامج «العلاج بالصدمة»، لكن ضعف المؤسسات القضائية والرقابية أدّى إلى تفشي الفساد وإهدار الموارد. في المقابل اتّبعت بولندا، التي خاضت الانتقال ذاته، نهجاً تدريجياً في الخصخصة تزامن مع إصلاح القضاء وإنشاء هيئات رقابة منافسة وقوية، فحققت في المحصلة نمواً اقتصادياً مستمراً ورفعت مستوى المعيشة. تظهر هذه التجارب أن وضوح الأهداف السياسية وتأسيس قواعد مؤسسية راسخة كانا عاملين أساسيين لتحقيق نتائج إيجابية على المدى الطويل.
في الحالة السورية، هناك أمثلة واضحة على ضعف الكفاءة في المؤسسات العامة. فهناك مؤسسات صناعية كبيرة تعمل منذ سنوات بطاقة إنتاجية متدنية، وشركات خدمات تُثقلها البيروقراطية والفساد وضعف الحوافز. ما يُراكم خسائر مزمنة لخزينة الدولة. بالتوازي مع ذلك وفي مراحل ما بعد الصراعات الكبرى، كما في الحالة السورية، غالباً ما تتحول الملكية الخاصة والعامة إلى أدوات بيد السلطة المُنتصرة لإعادة توزيع النفوذ والمكافآت وفق الولاء السياسي أو الأيديولوجي. وتصبح الملكية مرهونة بالانتماء لا بالقانون. وبذلك يُمكن أن تتحول الخصخصة إلى تقاسم للغنائم، بدل أن تكون خطوة نحو إطلاق اقتصاد سوق حرّ، في ظلّ غياب ضمانات قانونيّة مستقلة واستمرار منطق السيطرة بالقوة، ما يجعل أي استثمار هشاً وعُرضة للمصادرة والتقلّب مع تغيّر موازين القوى. فالخصخصةُ، في هذا السياق، ليست مسألة نقل ملكية فقط، بل هي قرار استراتيجي يَمسُّ: توزيع الدخل والثروة، واستقرار سوق العمل، وحماية المستهلكين.
بناء على ذلك، لكي تنجح الخصخصة في سوريا يجب تلبية جملة من الشروط الأساسية:
– إجراء تقييم دقيق لكل شركة حكومية، والإجابة عن سؤال:هل تحتاج إلى خصخصة كاملة، أم إلى شراكات مع القطاع الخاص، أم مجرد إصلاح إداري؟
– ضمان استقلالية القضاء وتفعيل قوانين المنافسة، لتجنب نشوء احتكارات جديدة.
– تأسيس هيئات تنظيم مستقلة تتولى مراقبة الجودة والأسعار، وتحمي المستهلكين.
– إطلاق برامج حماية اجتماعية تُعوّض العمال المتضررين وتُساند الفئات الفقيرة.
– تحقيق أعلى درجات الشفافية في العقود والمناقصات.
ختاماً، فإن النقاش السوري حول الخصخصة يجب ألا يبقى أسير مقولات النيوكلاسيكية التي تختزل المشكلة في قوى السوق، ولا أسير حنين إلى القطاع العام بوصفه ضمانة وحيدة للعدالة الاجتماعية. بل ينبغي أن ينطلق من سؤال مركزي: كيف نبني مؤسسات قوية تضمن أن تصبح الخصخصة أداة للكفاءة الاقتصادية، لا وسيلة لإعادة توزيع الامتيازات؟ إن نقاشاً على هذه الأسس سيضمنُ الوصول إلى نتائج تُفيد في صياغة سياسات فعّالة وتوافقات مجتمعية تخدم النمو الاقتصادي والتماسك المجتمعي على المدى الطويل.
موقع الجمهورية
——————————
التحويلات المالية… شريان حياة 38% من السوريين/ جمعة حجازي
18 نوفمبر 2025
استمرّ ملايين السوريين الموزّعين في العالم بإرسال ما يقدرون عليه لإعانة أهلهم وعائلاتهم وأقاربهم على الاستمرار، في ظل أصعب ظروف مرّت بها سورية في تاريخها. واستخدموا لأجل ذلك طرقاً بوليسية كثيرة للالتفاف على مراقبة أجهزة النظام الأمنية، التي لم تكن تريد حماية الاقتصاد الوطني بقدر ما كانت تريد مقاسمتهم ثمن خبزهم وتعب أبنائهم.
الشريان الصامت الذي استمر بنقل الحياة إلى البيوت السورية من دون ضجيج، في بلدٍ أنهكته الحرب منذ عام 2011، وتآكلت فيه القدرة الشرائية مع تدهور العملة الوطنية واشتداد التضخم، هو التحويلات المالية من الخارج التي لم تعد مجرّد مصدر دخل إضافي؛ بل تحوّلت إلى شريان الحياة لأسرٍ كثيرة (38% إجمالي الأسر السورية يعتمدون على التحويلات الخارجية)، بل المصدر الرئيسي وأحيانا الوحيد. وينسب اقتصاديون الفضل في نجاة عائلات واسعة من السقوط في مصيدة الفقر إلى تلك الحوالات التي تعوّض جزئياً تعثّر الدخل المحلي وارتفاع البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجع الخدمات. غير أنّ معضلة القياس بقيت ماثلة إذ توقّف مصرف سوريا المركزي عن نشر إحصاءاته النقدية الدورية، واعتماد جزءٍ كبير من التدفقات على قنوات غير نظامية بفعل القيود والعقوبات، ما جعل تقدير القيمة الإجمالية لهذه التحويلات ساحة جدل بين الباحثين الاقتصاديين والمؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة والجهات الرسمية.
صورة مزدوجة
تفيد تقديرات ميدانية متداولة بين الباحثين الاقتصاديين وخبراء مال (استناداً إلى تصريحات إلى تقارير أممية) بأن المتوسط اليومي للتحويلات يراوح بين 7 و7.5 ملايين دولار (نحو 2.5 مليار دولار سنويا)، يرتفع في مواسم الأعياد والمناسبات إلى حدود 12 مليون دولار يوميا لأيام معدودة. وتنسجم هذه الصورة مع ما يلمسه الناس: حوالات للبقاء لا للرفاهية؛ 75% منها تذهب إلى الغذاء والدواء والسكن، 15% للنقل والطاقة، و10% فقط إلى التعليم والتنمية (تمنع الانهيار ولا تصنع نموّاً)، وقد تزيد تلك التحويلات في حالات المناسبات، كالأمراض والوفيات والأفراح لبعض أفراد الأسرة، ومع عودة قسم كبير من اللاجئين بعد التحرير في 8 ديسمبر (2024)، فإن هذه التحويلات سوف تتراجع، وربما سيذهب قسم كبير منها لإعادة إعمار البيوت المهمّة للأسر اللاجئة والنازحة، جرّاء تأخّر عملية إعادة الإعمار وعدم وجود خطط واضحة في هذا الشأن.
ولكنّ تقريراً حديثاً للبنك الدولي (“تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا”، يونيو/ حزيران 2025) قدّم رقماً كبيراً جدا، فنحو ثمانية مليارات دولار تلقّتها الأسر السورية في 2024 (ما يعني 21.9 مليون دولار يومياً). ويبدو هذا الرقم صادماً قياساً بما ترسّخ لسنوات في التقديرات الصحافية والميدانية، وأثار أسئلة مشروعة:
أين ذهب كل هذا القطع؟ لماذا استمر سعر الصرف بالارتفاع إذا كانت هذه الكتلة الدولارية تتدفّق بهذا الحجم؟ كيف بقي الفقر يفتك بنحو 90% من الأسر إن كانت التحويلات بهذا السخاء؟
ولاختبار صحة الأرقام ومعقولياتها، هنالك ثلاث منهجيات قياسية حسابية من المفيد اتباعها:
منهجية الأسر المستفيدة: يذكر التقرير نفسه أن 37% من الأسر السورية تلقّت تحويلات في 2024 بمتوسط 57 دولارا شهريا، وهو ما أشار ت إليه أيضا نتائج استطلاعات الرأي ( المؤشّر العربي – المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات) وهو ما يساوي أكثر من ثلث دخل تلك الأسرة السورية والمؤلفة من خمسة أشخاص بالمتوسط. وبافتراض 4.3 ملايين أسرة في مناطق سيطرة النظام السابق حتى مطلع كانون الأول، فهذا يعادل قرابة 1.6 مليون أسرة مستفيدة. حاصل الضرب (1.6 مليون × 57$ × 12 شهرا) = 1.1 مليار دولار سنويا؛ وهو قريب من تقدير البنك ذاته في منتصف العام الماضي الذي قدّر تحويلات 2023 بنحو 1.05 مليار دولار. فهل يُعقل أن تقفز من مليار إلى ثمانية مليارات في عامٍ واحد (زيادة تفوق 700%) من دون متغيّر بنيوي يفسّر ذلك؟
منهجية نسبة الناتج المحلي: يورد التقرير أن تحويلات العاملين = 18.4% من الناتج المحلي في 2023. وبالاستناد إلى تقدير الناتج نفسه في التقرير، تُقارب قيمة التحويلات هنا 3.6 مليارات دولار، أي أقل بـ 4.4 مليارات من رقم ثمانية مليارات المنسوب للأُسر.
منهجية الحسابات القومية السورية (مجموعة 2023): تُظهر بيانات الدخل القومي أنّ صافي التحويلات الخارجية بلغ 11,633 مليار ليرة في 2023. وعلى أساس 2783 ل.س/دولار (متوسط رسمي)، فإن القيمة بالدولار = 4.1 مليارات؛ وعلى أساس 3500 ل.س/دولار (سعر الموازنة)، = 3.3 مليارات. في الحالتين نتحدث عن مليارات عدة، لكنها لا تؤكد رقم 8 مليارات لعام تالٍ من دون تفسير.
إلى ذلك، سبق للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) أن قدّرت تحويلات 2017 بنحو 8.3 مليارات دولار. ويوحي هذا “التطابق” مع رقم 2023 بإمكان نسخ رقم قديم أو خلط تعريفات (تحويلات عاملين، تحويلات جارية أخرى، صافي/ إجمالي، نظامي/ غير نظامي). النتيجة؟ نحن أمام تضارب تعريفات ومنهجيات أكثر من أن نكون أمام واقعٍ تغيّر فجأة بهذا الحجم.
وهذا يعني إمّا أنّ هناك سوء فهمٍ منهجي/ تحريري في عرض الرقم (كتابة، تعريف، صافي/ إجمالي)، أو أنّ البيانات الأولية نفسها تحتاج تدقيقاً وتفسيراً علنيّاً من البنك المركزي والبنك الدولي معا. وحتّى حدوث ذلك، تبقى تقديرات 2.5–4 مليارات دولار سنويا أقرب إلى نطاقٍ معقول في ضوء المساطر الثلاث.
كيف ينعكس الرقم على المعيشة؟
يمكن القول إن التحويلات الخارجية تسدّ فجوة الاستهلاك الأساسي ولا تصنع “بحبوحة”. وتتراجع لأسباب تشمل تشديد الامتثال البنكي، اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وانكماش دخول المغتربين أنفسهم، ومع عودة قسم كبير منهم إلى سورية تبدأ سلسلة الانهيارات: بيع الأثاث والمقتنيات، الاستدانة وتقليل الوجبات، ثم تسرّب مدرسي وتراجع قدرة الأسر على شراء الدواء، وصولا إلى عمالة الأطفال وزواج القاصرات وارتفاع بعض أنماط الجريمة. وتشير تقديرات ميدانية إلى إمكان انخراط نحو 300 ألف طفل إضافي في سوق العمل إذا طال أمد التراجع.
إنسانيا، يقدّر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هنالك 14.6 مليون شخص في سورية يحتاجون المساعدة، ونحو 90% تحت خط الفقر. ويؤكّد برنامج الأغذية العالمي أنّ 12 مليونا يعانون انعدام أمن غذائي، منهم 2.5 مليون في انعدام شديد. وتتجاوز الاحتياجات المبرمجة في خطة الاستجابة السنوية مليار دولار لتغطية الضروريات العاجلة. وفي هذا السياق، تصبح تحويلات المغتربين بالنسبة إلى مئات آلاف العائلات بمثابة “البَحصة التي تسند الجَرّة”.
وبسبب العقوبات والقيود المصرفية، تتّجه نسبة كبيرة من التدفقات إلى قنوات غير نظامية، تُغري بسعر صرف أفضل ومصاريف أقل، لكنّها تعرّض المرسِل والمستلم معا إلى مخاطر قانونية وأمنية، فضلا عن مخاطر الاحتيال وغسل الأموال. أمّا عبر القنوات الرسمية، فتبرز مشكلات الفجوة السعرية واقتطاع نِسَب معتبرة من قيمة الحوالة، ما يدفع كثيرين إلى الخيار “الخطر” نكاية بالخسارة. هكذا يظلّ النظام المالي خارج المعادلة، ويحرم الاقتصاد من سيولة وشفافية هو بأمسّ الحاجة إليهما.
الأثر الكلي: مسكّن قوي لا علاج بنيوي
اقتصاديا، للتحويلات أثر مزدوج: • إيجابي قصير الأجل: تدعم الاستهلاك وتُخفّف حِدّة الأزمة الإنسانية، وتمنع بعض الانهيارات الاجتماعية الفورية.
• محدودية على النمو طويل الأجل: لا تخلق تلقائيا استثمارا أو وظائف مستدامة، ولا ترفع الإنتاجية، ما يجعل أثرها على النمو مؤقتا.
من وجهة نظر الاقتصاد الكلي فإن كل انخفاض 10% في التحويلات كان ينعكس هبوطاً، 2.5% في الاستهلاك المحلي، ويضغط على البطالة، ويؤجّج أزمة السيولة بما يرفع سعر الدولار ويغذّي التضخم. هذا ما يفسّر التباين الظاهري بين تدفّق الحوالات واستمرار تدهور سعر الصرف: إذ تُنفق الحوالات بسرعة على سلع مستوردة/مُسعَّرة بالدولار، فيما يبقى جانب العرض والإنتاج مُقيدا، فتظلّ ديناميكية الطلب/ العملة مختلّة.
ولن يكون أي تراجع في التحويلات المالية مجرد خلل اقتصادي، بل هو أيضا خلل اجتماعي فانخفاض هذه التدفقات يعني زيادة معدلات الفقر والبطالة بشكل حادّ، ويدفع الأسر إلى استراتيجيات التكيف السلبي التي تبدأ ببيع الأصول المنزلية والاستدانة، ثم تصل إلى إخراج الأطفال من المدارس، ودفعهم إلى سوق العمل بدل التعليم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء. ويغيّر هذا التحول النمط الغذائي للأسرة، ويؤدّي إلى انخفاض جودة التغذية، ما يفاقم سوء الصحة العامة ويزيد معدلات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
الأخطر أن هذه السلسلة تفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية خطيرة، مثل عمالة الأطفال، زواج القاصرات، وارتفاع معدلات الجريمة والانحراف، والتشرّد والتسول، وهو ما تؤكده تقارير المنظمات الإنسانية التي تحذر من أن أي انقطاع لهذا الشريان سيجعل أسراً غير قادرة على الصمود أمام موجة الانهيار الاقتصادي والمعيشي. وتفيد أحدث التقديرات بأن التحويلات المالية إلى سورية في عام 2025 ما زالت من أهم مصادر النقد الأجنبي، وأنها باتت المصدر الثالث للدخل بعد الرواتب والأجور والريع العقاري والتجاري حيث:
• الحجم الإجمالي للتحويلات: يتراوح بين 1.8 إلى 2.5 مليار دولار سنوياَ، وفق تقديرات منظمات مالية دولية. ويحتاج هذا الرقم تدقيقاً ومراجعة من الجهات المعنية والبنك المركزي الذي يجب أن يوفر القنوات المناسبة لتصل هذه الأموال عبر القنوات المصرفية.
• تشكّل التحويلات ما بين 8% إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها ثاني أكبر مصدر بعد بعض الصادرات المحدودة.
•: أبرز الدول المصدرة للتحويلات هي دول الخليج، تركيا، وأوروبا، ولبنان تاريخيا مع زيادة طفيفة من الولايات المتحدة وكندا.
• تغطي الاستخدامات الأساسية للتحويلات: بشكل رئيسي الإنفاق الاستهلاكي للأسر (غذاء، سكن، صحة)، إضافة إلى دعم التعليم وبعض الاستثمارات الصغيرة، والمساهمة في إعادة تأهيل الأبنية المدمرة للأسر اللاجئة والنازحة.
• الأثر الاقتصادي: التحويلات ساهمت في تخفيف حدة الفقر، لكنها لم تؤدِّ إلى تحفيز كبير في الاستثمار الإنتاجي بسبب ضعف البيئة الاقتصادية.
بين الأرقام والسياسات
كيف نغلق الفجوة؟ ولتحويل “شريان الحياة” إلى رافعة تعافٍ، من دون أوهام، يلزم ما يلي:
1. شفافية بيانات فورية: استئناف نشر البنك المركزي سلاسل زمنية شهرية/ ربع سنوية لتحويلات العاملين (صاف/ إجمالي، نظامي/ غير نظامي بتقديرات مسحية)، مع تعريفات دقيقة (ميزان المدفوعات، دخل أولي/ ثانوي). وذلك يحسم الجدل حول الثمانية مليارات وأخواتها، ويتيح تخطيطا ماليا واقعيا.
2. تقليص الفجوة السعرية ورفع الثقة: الاقتراب المدروس من توحيد أسعار الصرف، وتمكين المستلمين من قبض جزءٍ من الحوالة أو كلها بالعملة الصعبة ضمن ضوابط، وتحديد سقوف للعمولات، ما يعيد التحويلات إلى القنوات النظامية ويقلّص مخاطر غسل الأموال.
3. من “الاستهلاك البقائي” إلى “الاستثمار الدقيق”: تصميم أدوات ادّخار وتمويل أصغر موجّهة للمستفيدين من الحوالات (حسابات ادّخار بعائد حقيقي موجب، قروض صغيرة مشروطة بالتحسّن المدرسي/ الصحي، محافظ رقمية برسوم شبه معدومة)، وربط جزء من الحوالات بـ مشروعات محلية صغيرة (طاقة شمسية منزلية، معدات إنتاج منزلي، زراعة أسرية)، لإيجاددخل متكرّر.
4. حماية اجتماعية ذكية: توسيع شبكات الأمان للعائلات الأكثر هشاشة، وبرامج منع عمل الأطفال، وتأمين صحي أساسي مجاني للفئات الفقيرة، مع سجل اجتماعي موحّد يضمن الوصول الدقيق للمستحقين ويقلّل الازدواجية.
5. جسور مع المغتربين: حوافز للمغتربين (سعر صرف تنافسي، ضمانات استثمارية صغيرة، خيار سندات للشتات بمبالغ متدنية وتسييل مرن)، مع بوابات تحويل رقمية مطابقة للامتثال (KYC/AML) لتقليل الكلفة والمخاطر.
المراجع:
• البنك الدولي: Macroeconomic and Fiscal Update for Syria، حزيران 2025. World Bank
• الإسكوا: تقديرات التحويلات الخارجية لسوريا ضمن مشروع التعافي الاقتصادي، 2017. ESCWA
• المجموعة الإحصائية السورية: بيانات الدخل القومي والتحويلات الخارجية، 2023. CBS Syria
• اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): تقرير الاحتياجات الإنسانية في سوريا، 2024. ICRC
• برنامج الأغذية العالمي (WFP): تقرير الأمن الغذائي في سوريا، 2024. WFP
العربي الجديد
———————————————–
هذه الثروة الهائلة/ شعبان عبود
18 نوفمبر 2025
بعد سنوات من الحرب ولجوء مئات آلاف من السوريين إلى عشرات الدول، برزت لدى المجتمع ثروة بشرية هائلة ممن يتحدثون لغات أجنبية كثيرة. تكاد تغطي معظم لغات العالم، ودرسوا تخصّصات لا تحصى في جامعات الدول التي وصلوا إليها. وهذا بحد ذاته يشكل اليوم فرصة استراتيجية نادرة في مرحلة إعادة البناء.
عاش عشرات آلاف من السوريين في دول مختلفة، واكتسبوا خبرات لغوية ومهنية متنوعة، جعلتهم يمتلكون ميزات تنافسية غير متوفرة في كثير من دول المنطقة. أول هذه المميزات تعدد اللغات: الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الهولندية، التركية، السويدية، الإيطالية، الإسبانية، وغيرها الكثير. هذه المهارات تمنح السوري القدرة على التواصل مع العالم، وتسهّل تبادل المعرفة، والتبادل التجاري، وجذب الاستثمارات، وبناء جسور اقتصادية وثقافية بين سورية والدول التي عاش فيها أبناؤها.
إلى جانب ذلك، درس السوريون وعملوا في مجالات متعددة: التكنولوجيا، علوم الكومبيوتر، الطب، الهندسة، الأعمال والإدارة، المهن العصرية المتنوعة، وغيرها. كما تعلّموا تكييف المهن السورية المعتادة مع معايير الدول المتقدمة، مثل الشروط الصحية الصارمة، وطرائق التغليف والتوزيع. هذا المزج بين التعليم العالمي والخبرة العملية في بيئات مختلفة يمثل ثروة قومية ورصيداً استثنائياً يمكن توظيفه لبناء قطاع تعليمي متقدم، وتطوير المشاريع الوطنية، وتعزيز الاقتصاد بشكل فعّال.
السؤال الأهم: كيف ستستفيد الدولة والحكومة من هذه الثروة؟ الاستفادة الحقيقية هي لسورية، أي المجتمع والناس. والمسؤول عن تحقيق هذه الاستفادة هو الحكومة. وهذا تحدٍ كبير ومسؤولية أكبر. والحل يبدأ بوضع خطط وبرامج استراتيجية، مثل منصات للتواصل بين الخبرات السورية في الخارج والمشاريع المحلية، برامج تدريبية للشباب، فرص للشراكات الاستثمارية، وحوافز للعودة الطوعية أو المشاركة عن بعد. إن الاستفادة من هذه الخبرات لا تعني مجرد استثمار مهني، بل تعزيز موقع سورية الإقليمي وربطها بالعالم بخبرة وكفاءة.
ولعل من المهم أيضاً إنشاء قواعد بيانات وطنية ترصد الكفاءات السورية في الخارج وتُسهّل الوصول إليها، وتأسيس مبادرات تشجع على نقل المعرفة والتجارب الناجحة إلى الداخل. كما يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تلعب دوراً محورياً في هذا الربط، عبر برامج تبادل أكاديمي ومؤتمرات علمية تجمع الطاقات السورية المنتشرة في العالم. فكل تجربة مكتسبة، وكل مشروع صغير في المهجر، يمكن أن يشكل نواة لفكرة كبيرة داخل الوطن إذا وُجدت الإرادة التنظيمية والرؤية الواضحة.
لم تعد هذه الثروة البشرية اليوم عبئاً أو مجرد نتاج مأساوي للجوء، بل صارت أو يجب أن تصير فرصة ذهبية لبناء سورية جديدة. امتلاك لغات متعددة وخبرات عالمية يمنح الدولة قدرة على الانطلاق بسرعة وكفاءة، ويُحدثُ فرقاً حقيقياً في قدرتها على المنافسة والابتكار. وعليه، فإن استثمار هذه الموارد ليس خياراً، بل بات ضرورة وطنية لتحقيق نهضة مستدامة، وتعزيز صورة سورية دولةً حاضرةً في قلب العالم، لا مجرد دولة ضعيفة تنتظر المساعدات والمشاريع والأفكار والأموال من الخارج.
الثروة البشرية السورية التي تشكلت بفعل اللجوء والحرب والألم والمعاناة ليست عبئاً أو لم تعد كذلك، بل هي اليوم فرصة استراتيجية. القدرة على التحدث بلغات متعددة، وممارسة مهن متقدمة في بيئات متنوعة، تمنح سورية إمكانية إعادة البناء بشكل أسرع وأكثر كفاءة، وتعزز موقعها التنافسي بين الدول العربية. وقد تكون هذه المهمّة أولى أولويات من يريد بناء سورية جديدة مزدهرة، سواء كان الحكومة الحالية، أو المجتمع المدني، أو الشركات.
العربي الجديد
——————————
حين تعاكس سياسات الحكومة إعادة الإعمار/ رانيا مصطفى
18 نوفمبر 2025
تتوزَّع مذكَّرات التفاهم التي أعلنت عنها الحكومة السورية الانتقالية ضمن أجواءٍ احتفالية في 6 مارس/ آب الفائت وقبل ذلك، بين قطاعات تطوير البنية التحتية والنقل والتطوير العقاري والسياحة وتوليد الطاقة الكهربائية. لا معلومات متوفرة حول طبيعة العقود المزمع إبرامها، وكيفية دراستها واختيار المستثمرين من دون مناقصات معلنة، فيما يبدو كأنَّه توزيعُ حصص لا تُعرَف معاييرُه. فيما تغيب المشاركة العامة في اتخاذ القرارات، ويغيب أيضاً التخطيط المركزي وتحديد الأولويات الملحَّة للسوريين، ما يطرح تساؤلاً عن إسهام هذه العقود، إن تحققت، في إعادة الإعمار ولمصلحة السوريين، خاصة المتضرِّرين منهم من الحرب الإبادية التي شنَّها نظام الأسد على الشعب.
لا مشروع مارشال سورياً
من الصعب أن يحظى السوريون اليوم بمشروع مارشال سوري، فلم يعد المجتمع الدولي، بعد 8 ديسمبر (2024)، يتداولُ مصطلح إعادة الإعمار؛ فيما الصناديق الائتمانية التي صُممت منذ 2012، سواءً كانت أممية، أو تتبع لتحالف “أصدقاء الشعب السوري”، أو لاحقاً ضمن خطة التعافي المبكر بإشراك نظام الأسد وفق سياسة “خطوة مقابل خطوة”، وحزم المساعدات الأوروبية والخليجية بعد سقوطه، كلُّها كانت تحمل حلولاً إسعافية للخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والتغذية والمياه والصرف الصحي والنظافة، ولم تحمل رؤية شاملة لتحقيق اقتصاد تنموي.
تتراوح تقديراتُ كلفة إعادة الإعمار بين 200 إلى 400 مليار دولار، وفقاً لمؤسسات أوروبية أو للبنك الدولي؛ لكنَّ تلك الكلف الباهظة حُسبت بناءً على نقطة مرجعية هي بداية 2011، أي هي تقديراتٌ للخسائر في البنية التَّحتية أو الاقتصاد عموماً منذ ذلك التاريخ. والمجتمع الدولي ليس في وارد تقديم الأموال لإعادة إعمار سورية في ظلّ التَّدهور الكبير الحاصل في الإطار المؤسَّساتي الغربي لتمويل المساعدات الإنمائية والمساعدات عموماً، ما يجعل فكرة تمويل صندوق ائتمان لإعادة إعمار سورية، أو غزة وجنوب لبنان واليمن، أو أوكرانيا، مسألة بعيدة التحقق. ولم تكن التجارب السابقة في تشكيل صندوق ائتمان يدعم إعادة الإعمار ناجحة في البلدان الخارجة من النزاعات، مثل أفغانستان والعراق، بسبب عدم الاستقرار السياسي وتجدّد النزاعات المسلحة من جهة، وسوء الحوكمة والفساد مع فرض سياسات نيوليبرالية فجّة أدَّت إلى تدمير الصناعات الوطنية كلياً، واستيراد كلِّ شيء، فيما يقتصر التصدير على الثروات الطبيعية، من جهة أخرى.
غياب القدرة على التخطيط المركزي
نجاح نموذج التخطيط المركزي لإعادة الإعمار، عبر تجميع الأموال في صندوق، مرهونٌ بقدرة الحكومة على التخطيط العالي، الأمر غير المتوفر بسبب غياب المؤسسات القادرة على ذلك في الحالة السورية؛ إضافةً إلى أن السلطة المؤقتة لم تتمكن حتى الآن من تجميع الاقتصاديات الثلاثة الواقعة تحت سيطرتها في بنية مؤسسية واحدة، والتي مراكزها دمشق وإدلب وإعزاز، بسبب تضارب مصالح المستفيدين، واستمرار الحالة الفصائلية؛ فكيف هي الحال مع التحدي الأكبر بدمج منطقة الجزيرة السورية، فضلاً عن أزمة انعزال السويداء بعد المجزرة الطائفية التي ارتكبتها قوات عشائرية رديفة للسلطة؛ وهنا يبدو أن عدم انفتاح السلطة الجديدة على المشاركة السياسية خَلَقَ وسيخلقُ أزماتٍ ويفتح على الصراعات في مناطق متعددة، ويهدِّد إعادة هيكلة وبناء العمل المؤسساتي.
هكذا يصبح القرار، في غياب التشاركية والانفتاح على المجتمع وكوادره وحاجاته، ضرباً من إعادة تشكيل أوليغارشية جديدة؛ ومع قناعة لدى أصحاب القرار بضرورة تقليص حجم الدولة وإنفاقها ودورها وبيروقراطيتها، وبالتالي غياب الشفافية واحترام القانون. ستفتح آلية اتخاذ القرار المركزي هذه الباب واسعاً على الفساد والاحتكارات والمحسوبيات. هذا ما يبدو عليه الحال مع شراهة السلطة الجديدة إلى عقود الاستثمار الخاص، والتي تخصّ مشاريعَ تُحقِّقُ الربح السريع للمستثمرين، وليست من أولويات السوريين، ومعظمُها سيسبب حالة اعتراض من البيئات المحلية، مثل مشاريع خصخصة الساحل السوري، ضمن مشروع تطوير مرسى في طرطوس يضمُّ رصيفاً لليخوت وأبراجاً شاهقة ومنتجعاً، ومشروع “مارينا شمس” السياحي الضَّخم في اللاذقية، وكذلك مشاريع التطوير العقاري، مثل مشروع أبراج دمشق الشاهقة بقيمة ملياري دولار، ومشروع إعادة التطوير الحضري “بوليفار النصر” في حمص، وهناك مشاريع تطوير البنية التحتية في قطاع النقل مثل مترو دمشق وإعادة تأهيل مطار دمشق.
من هذه المشاريع المذكرة الموقَّعة مع شركة كونسورتيوم لتطوير خمس محطات لتوليد الطاقة الكهربائية بقيمة سبعة مليارات دولار، ونقلاً عن الشركة، العقد سيتضمن النموذجين: BOO الذي يعني خصخصة إنتاج الكهرباء لأنه يسمح بالبناء والتملك والتشغيل، ونموذج BOT أي أن المشروع سيعود في النهاية إلى القطاع العام. ويصبّ قرار الرفع الجنوني لأسعار الكهرباء المنزلية والصناعية وفق أربع شرائح في سياق التحضير لخصخصة قطاع الكهرباء، لتقارب تسعيراتها في كلٍّ من إدلب وإعزاز، حيث يخضع القطاع لخصخصة كاملة قائمة على الاستيراد من تركيا لمصلحة شركات مرتبطة برجالات السلطة. إن مثال قرار رفع تسعيرة الكهرباء دفعة واحدة، بحجَّة الحد من الهدر، هو قرار ولد ميتاً، بسبب عجز غالبية السوريين عن دفع الفواتير، ما سيخلق أزمة اجتماعية خلال الأشهر القادمة، ولا يبدو أن السلطة الآن في وارد إعادة النظر فيه. وإلى جانب حرمان خزينة الدولة من واردات الضرائب والرسوم الجمركية، يوجِّه قرار تخفيضها إلى أدنى الحدود، وفقاً لقانون الضرائب المزمع إقراره، ضربة قاضية للصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة، خاصة تلك المرتبطة بالمنتوج الزراعي، وسيقود إلى إغلاق الورشات الأصغر، وسيدفع بقطاع التصدير إلى الحضيض، وهو القطاع الهام للحصول على القطع الأجنبي.
كلُّ حلول السلطة حول إعادة الإعمار عبر الاستثمار الخاص، ترتبط بعودة العمل المصرفي وإمكانية التحويل عبر نظام سويفت، وبالتالي رفع العقوبات الاقتصادية، خاصة عقوبات قانون قيصر؛ فيما ملفُّ العقوبات هذا بات مسيَّساً، وتستعد السلطة المؤقتة لتقديم التنازلات السيادية مقابل رفع العقوبات.
البدائل الممكنة ليست مركزية
في ظلِّ استحالة القدرة على التخطيط المركزي، يصبح الانطلاق من المحلّيَّات هو الحل الأكثر جدوى، وهذا يحتاج إلى هيكلة من تحت إلى فوق، وإقرار قانون إدارة محلية لامركزي، ووجود هيئة وطنية ومؤسسات تضمن المراقبة والشفافية وتشرف على التخطيط على المستوى المحلي، أي على مستوى البلديات، وإشراك المجتمعات الأهلية في دعم نشاطات محلية، وهذا بدوه مرتبطٌ بحل سياسي تشاركي يضمن الحريات العامة وحرية عمل النقابات والأحزاب لضمان الشفافية، يوسِّع دائرة المشاركة، ويفتح على مصالحة مع محافظة السويداء، ويسحب البساط من تحت الأجندات الانفصالية أو الاستقلال السياسي والعسكري، ويسهِّل دمج المناطق الشرقية، وإشراكها في عملية التنمية، والاستفادة من مصادر الطاقة في تأمين الكهرباء بالحدِّ الحرج على الأقل وفي ساعات النهار بأسعار مدروسة، ومن الممكن معالجة الفواقد بشبكة التوزيع على مستوى المحليات، والتي تتجاوز الـ40%، وكذلك الاعتماد على الطاقة النظيفة.
حلول كهذه ليست اشتراكية بالطبع، لأن السياسات الاشتراكية تحتاج إلى تخطيط مركزي تقوم به مؤسسات الدولة القوية، وهذا غير متوفِّر في الحالة السورية، وبالتالي هو نوع من إطلاق مسار تنموي بدءاً من الأطراف وصولاً إلى المركز، وهذا يحتاج إلى دور مهمّ للدولة، ليس في المساءلة والشفافية والرقابة وحسب، ولكن أيضاً في تطبيق سياسات حمائية للمنتوجَين الزراعي والصناعي الوطنيين، عبر رفع الضرائب على المستوردات، وخاصة الاستهلاكية منها، كالسيارات وأجهزة الخليوي، وهذا سيسهم في توجيه أموال السوريين للاستثمار في عملية تنمية مستدامة؛ من دون أن ننسى دور الدولة في تطبيق سياسات حمائيَّة للفئات الهشة من المجتمع، خصوصاً تلك المتضررة من الحرب، وأن يكون تمويلُها من الضرائب، ومن مصادرات أملاك المرتبطين بنظام الأسد وفق مسار عدالة انتقالية حقيقي.
العربي الجديد
—————————-
الإنترنت والاتصالات في سوريا.. الواقع يخنق الوعود/ شمس الدين مطعون
الإنترنت والاتصالات بين الوعود والواقع
2025-11-18
في صباح باكر من أحد أيام ريف دمشق، تصعد روان إلى شرفة شقتها في مساكن قدسيا، محاولة يائسة للعثور على إشارة إنترنت صالحة للعمل. الهاتف في يدها، والملفات المراد تحميلها متراكمة على شاشة الكمبيوتر، وكل ثانية تمرّ تتحول إلى اختبار للصبر.
تقول روان لـ”963+“: “أواجه صعوبة كبيرة في تحميل وإرسال الفيديوهات المطلوبة يومياً، وأدفع كلفة مرتفعة مقابل باقات سيريتل وmtn الشبكة مقبولة مقارنة بالـDSL، لكنها غير مستقرة وتتقطع كثيراً، ولا تقدم سرعتها الفعلية في التحميل أو التنزيل”.
وتواجه روان مشكلة شائعة بين السوريين: مع معظم أبراج الشبكة المعطلة أو التي تعرضت للسرقة، تضطر أحياناً للخروج إلى الشارع أو ساحة البلدة فقط لإرسال الملفات.
وهذه المعاناة اليومية ليست مقتصرة على روان وحدها. في بلدة صحنايا، يروي تيم، شاب ثلاثيني، عن صعوبات الاتصال بالإنترنت قائلاً: “الإشارة ضعيفة جداً، الإنترنت يشتغل فقط بالليل، والرسائل تصل بعد ساعات. اضطررنا لشراء جهاز تقوية شبكة، لكنه مكلف جداً ويحتاج كهرباء دائمة. قرب النافذة تأتي الشبكة، لكن داخل المنزل لا تتوفر. المشكلة أن باقات سيريتل وmtn محددة بزمن معين، وغالباً ينتهي الوقت قبل أن أستهلك الباقة كاملة، رغم أنها ليست رخيصة”.
قدم البنية التحتية
ويرى الفنيون أن السبب الرئيسي يعود إلى قدم البنية التحتية واعتماد معظم المناطق على كابلات نحاسية مضى عليها أكثر من عقدين.
يقول مازن، تقني اتصالات من ريف دمشق: “في بعض المناطق لا توجد أبراج تغطية أساساً، وفي مناطق أخرى الأبراج موجودة لكن طاقتها محدودة. ومع انقطاع الكهرباء الطويل، تتوقف الأبراج لأن بطارياتها لا تصمد”.
ويضيف: “تطوير الشبكة يحتاج توريدات جديدة وإصلاحات مستمرة، وكل ذلك يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين”.
وبعيداً عن الجهد التقني، ثمة عبء اقتصادي ملحوظ على المواطن السوري. شبكات 3G و4G التي توفرها شركات مثل “سيريتل” و”MTN” تقدم سرعة أعلى من DSL، لكنها مكلفة للغاية، إذ تصل تكلفة باقة 60 غيغابايت إلى أكثر من 80 ألف ليرة سورية، ما يجعل الإنترنت رفاهية للبعض أكثر منها حاجة أساسية.
ولتعويض ضعف الإنترنت الأرضي، لجأ بعض السكان إلى شبكات لاسلكية محلية تديرها شركات صغيرة داخل الأحياء، تصل تكلفة الاشتراك الشهري فيها إلى حوالي 90 ألف ليرة، فيما يصل الاشتراك الأولي لتثبيت أجهزة الالتقاط والراوتر إلى نحو مليون ليرة.
يوضح منير، عامل صيانة في إحدى شركات خدمات الإنترنت، لـ”963+“: “الأسعار مرتفعة بسبب صعوبة استيراد المعدات وغلاء قطع الغيار، كما أن الشبكة تتعطل باستمرار بسبب انقطاع الكهرباء، وكل إصلاح يحتاج وقتاً وجهداً كبيرين”.
مع تزايد الإقبال على الإنترنت الفضائي، برزت هذه الخدمة كخيار بديل، فهي توفر سرعات عالية قد تصل إلى 200 ميغابت في الثانية، لكنها تبقى باهظة التكلفة، إضافة إلى القيود القانونية، إذ يسمح باستخدامها فقط للجهات الرسمية والمنظمات الدولية، بينما يحذر القانون من استخدام أي تجهيزات غير مرخصة.
على الرغم من كل هذه الصعوبات، تسعى وزارة الاتصالات السورية إلى تحسين البنية التحتية الرقمية من خلال مشاريع متعددة.
ويعد مشروع “برق نت” أحد أبرز هذه المبادرات، إذ يهدف إلى توصيل الألياف الضوئية إلى المنازل والمكاتب خلال عامين لتغطية 85% من المشتركين بنظام “النفاذ المفتوح”، ما يتيح دخول عدة مزودين على الشبكة ويعزز المنافسة ويخفض الأسعار.
وفي حزيران/ يونيو الفائت، كانت قد أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات في الحكومة السورية الانتقالية اليوم الأحد، عن إطلاق مشروع “برق نت” لتوصل الإنترنت “فائق السرعة” إلى جميع أنحاء البلاد.
وقالت الوزارة في بيان حينها، إنها “أطلقت طلب معلومات لمشروع برق نت، لتوصيل شبكة الألياف الضوئية مباشرة إلى المنازل والمكاتب ( FTTP) في كافة مناطق سوريا”.
وأضاف البيان، أن “المشروع يأتي ضمن خطة لتطوير البنية التحتية الرقمية وتقديم خدمة إنترنت فائقة السرعة ومستقرة وآمنة”.
وذكرت الوزارة، أن “برق نت سيتصل مباشرة بالشبكة الوطنية سيلك لينك (SilkLink)، حيث سيبدأ تنفيذ المشروع خلال الأسابيع المقبلة مع السعي لإنجاز عدة مناطق قبل نهاية العام الجاري، ضمن خطة لربط 85% من المنازل والمؤسسات بالبلاد خلال عامين”.
وتضمن البيان، مطالبة “مستثمري البنية التحتية بتمديد الألياف في جميع المدن والبلدات والقرى السورية والتغطية عبر تقنية (FWA) اللاسلكية في حال تعذر إيصال الألياف إلى الأماكن النائية”.
كما يعمل مشروع “سيلك لينك” على ربط سوريا رقمياً بالعالم عبر شبكة ألياف دولية جديدة، ومن المتوقع تنفيذ المرحلة الأولى خلال 6 إلى 8 أشهر.
اقرأ أيضاً: وزارة الاتصالات السورية تعلن بدء عمل منصة “زوم” في البلاد – 963+
“أوغاريت 2”
وفي إطار التعاون الدولي، أعلن المشروع المشترك “أوغاريت 2” مع الولايات المتحدة وقبرص لتحديث الكابل البحري بين طرطوس وقبرص، ما سيضاعف سعة الإنترنت الواردة خلال شهرين فقط.
خلال مؤتمر “AI-SYRIA 2025″، أعلن وزير الاتصالات عبد السلام هيكل إطلاق الجيل الخامس من الاتصالات بشكل تجريبي في دمشق، مؤكداً أن الوزارة تعمل على تطوير الشبكات بخطوات متدرجة لتوسيع نطاق الخدمة تدريجياً إلى باقي المحافظات.
وقال جمال الدين خطيب، رئيس لجنة تسيير أعمال الشركة السورية للاتصالات لـ”963+“: “الشبكة قديمة ومتهالكة، وتتعرّض لسرقات واعتداءات متكررة. ترميمها يحتاج إلى توريدات جديدة وزمن طويل، لكن العمل جارٍ فعلاً، غير أن حجم الطلب أكبر بكثير من التحسين الذي تم تحقيقه حتى الآن”.
وأضاف: “معظم الأعطال ناتجة عن ضعف البنية التحتية، ولهذا وضعت الوزارة خطة شاملة لبنية جديدة تعتمد على الألياف الضوئية ومشاريع توسعة متدرجة”.
وأكد خطيب أيضاً على الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تطوير البنية التحتية، مشيراً إلى أن مشروع “سيلك لينك” يجري التحضير له بالتعاون مع هذه الجهات، ومن المتوقع تنفيذ المرحلة الأولى خلال 6 إلى 8 أشهر.
وأوضح أن مشروع “برق نت” يشمل تجربة تقنيتي “FTTH” و”FWA”، ويتم تطبيقها حالياً في إحدى مناطق دمشق، ضمن خطوات لتوسيع الشبكة تدريجياً. وعن الجيل الخامس، قال: “خلال الأشهر الستة القادمة إن شاء الله، وهناك عمل مستمر لتوسيع التجربة التجريبية إلى باقي المحافظات”.
وعن تقييد المواقع، أشار خطيب: “لا توجد أي مواقع محجوبة سوى المواقع الإباحية والإسرائيلية، أما باقي الخدمات فمتاحة بشكل كامل ضمن سياسات الحماية الوطنية”.
ورغم كل هذه الجهود، يظل المواطن السوري، كما روان وتيم، أمام تحديات يومية مع الإنترنت: بطء الشبكة، انقطاع الخدمة، تكاليف مرتفعة، وغياب الكهرباء المنتظم. وفي الأحياء والريف، كثيرون يضطرون لصنع حلول بدائية لتقوية الإشارة، مثل تمديد الأسلاك أو استخدام أجهزة إضافية باهظة الثمن. المشهد يعكس الفجوة الكبيرة بين الحاجة الملحة للاتصال الرقمي والحقيقة الواقعية لشبكات الإنترنت في البلاد، في وقت أصبح فيه الإنترنت ضرورة أساسية للحياة اليومية، لا مجرد رفاهية كما كان يُتصور في السابق.
ومثلما تواجه روان وتيم صعوبات الاتصال، يعكس هذا الواقع مشكلة أكبر تتعلق بكيفية إدماج التكنولوجيا الحديثة في حياة السوريين، خصوصاً بعد عقود من الإهمال في البنية التحتية، والحروب التي أضعفت الشبكات القديمة، وتزايد الاعتماد على الإنترنت في مجالات العمل والتعليم والخدمات الحكومية.
فبين وعود المشاريع المستقبلية، وبين الاحتياجات اليومية العاجلة، يبقى المواطن السوري في حالة ترقب مستمر، محاولاً تحقيق توازن بين الواقع المادي للخدمة وبين الحاجة الملحة إلى التواصل الرقمي.
+963
—————————
مشتى جبل الحلو… من هنا أرسل السوريون الحرير إلى العالم/ بيتي فرح
18 نوفمبر 2025n
القرية الكنعانية الفينيقية التي احتفظت باسمها عبر العصور، كانت شاهداً حياً على تمازج الثقافات، وتحول دودة القز إلى خيوط حرير وذاكرة مكان، وولادة الخطوة الأولى لسحر البروكار والدامسكو.
تروي الصخور والكنائس والمغارات حكايات تناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين، خلالها ازدهرت الثقافة والزراعة والصناعات اليدوية، ومن هذه الصناعات كانت صناعة دودة القز، التي لم تكن مجرد مهنة، بل طقساً يومياً وحضارياً، وامتداداً لجغرافيا ثرية بالتاريخ و”خبرياته”.
ذكر جوزيف زيتون في أبحاثه أن مشتى الحلو إحدى القرى القديمة التي تعود جذورها إلى الحضارة الكنعانية الفينيقية، ويُعتقد أن اسمها مستمد من تلك اللغة، تميزت بمناخها الذي ساهم في نجاح زراعة أشجار التوت التي تُعدّ الغذاء الرئيسي لدودة القز، وهي حرفة اشتهرت بها البلدة منذ القرن الخامس الميلادي، حين بدأها الرهبان الروم.
يعتبر الحرير الطبيعي الناتج من دودة القز أفضل الألياف الطبيعية الحيوانية، وأغلاها ثمناً وأفضلها استعمالاً، وهي خيوط تفرزها دودة القز من فمها، عرضها حوالي 30 ميكرون، ولإنتاج غرام واحد من الحرير، نحتاج إلى 3500 أو 4500 دودة قز، تُربّى دودة القز في موسمين هما الربيع والخريف، وأشهر المناطق التي تعتمد القز الربيعي هي صافيتا، مشتى الحلو، عيون الوادي، مصياف، الشيخ بدر، بانياس. ومناطق القز الخريفي تتركز في شمال الدريكيش وبعض مناطق صافيتا مثل حصن سليمان، شماميس، حكر مخيبر، أوبين، نشير، سبة.
يتحدث حسان عجي عن تاريخ الحرير وطقوسه، نقلاً عن جده ووالده، وعن بعض المصادر، يقول:” كنّ فتيات بعمر الورد، منهنّ لم تتجاوز الثامنة بعد، عبرت أقدامهنّ الصغيرة الحافية الطريق الوعر إلى معمل الحرير في مشتى الحلو لكسب العيش، حيث ازدهرت صناعة الحرير في بلاد الشام، وكان لمشتى الحلو حصة في هذا الازدهار، لتوفر كافة المقومات فيها، فبقيت أسماء تجار الحرير في الذاكرة المشتاوية، مثل ” جرجس الخوري، إليان الخوري، مخاييل الخوري مع شركائهم من آل سرسق، والصيقلي من لبنان، وأيضا ديب البيطار، مصطفى وبدري الحلو” الذين استوردوا بيوض دودة القز من كورسيكا الفرنسية، المؤمنة من شركة تأمين فرنسية خاصة.
تزن علبة البيوض (البذار) 12 غراماً، تحتوي على 18 بيضة، وتحتاج إلى حوالي 500 كيلو غرام من ورق التوت، يتراوح إنتاجها من 25 الى 30 كيلو غرام شرانق طازجة، وبعد التجفيف يراوح وزنها من ثمانية إلى عشرة كيلو غرامات شرانق جافة.
وإلى جانب معمل الحرير، تم إنتاج الحرير منزلياً، وكانت النسوة ( الحضّانات) تضعن البيوض في شاشة رقيقة، تلفّ بشكل جيد، وتوضع تحت الملابس لملامسة الجلد، للحصول على درجة حرارة ثابتة حتى يتم الفقس وتوضع دودة الحرير في (طافورة) تحتوي على ورق التوت المفروم، لتفقس اليرقات بعد حوالي عشرة أيام، ويبلغ طولها 0.6 سنتم، تتغذّى هذه اليرقات على أوراق التوت المفرومة بشكل جيد، أما اليرقات البالغة، فيبلغ طولها 7.5 سنتم، تتغذى على كامل ورقة التوت، بعد ذلك قام بعض التجار المحليين بإنشاء المحمل أو المفقس، الذي يتألف من ألواح خشبية تُفرد فوقها البيوض، وتوضع تحتها القناديل المضيئة أو موقد النار، لمنح البيوض درجة حرارة مناسبة.
بعد اكتمال نمو الشرانق، تُنقل إلى “المخانق” حيث تُخنق الديدان داخلها بواسطة بخار الماء المغلي. أما التي تُترك دون خنق، فتخرج منها الفراشة بعد أن تُحدث ثقباً فيها، وتُعطى الشرانق المثقوبة لنساء المشتى لاستخدامها في المغازل اليدوية، تلي عملية الخنق مرحلة حلّ الشرانق واستخراج خيوط الحرير.
“حير الدولاب”… الشاهد الحي
وبحسب ما أفاد به عجّي كان إلى جانب معمل الحرير، دولاب حلّ عربي، في قطعة أرض على ضفة النهر، تُعرف حتى اليوم باسم “حير الدولاب”، ومن أبرز التجار الذين عملوا لاحقا في تجارة بيوض دودة الحرير: “مطانيوس خوري وولده إبراهيم، عيسى خوري، مخايل شاهين خوري، حنا الليوس خوري، مخايل الليوس خوري، مخايل زكزك، وفريد سركيس”، وآخر من مارس صناعة الحرير المنزلية في مشتى الحلو، كانت عائلة جرجي الخازن، والسيدة المعروفة باسم أم ممدوح.
أدى تطوير الشركة الفرنسية للآلات والأجهزة، إلى زيادة الإنتاج. إذ كان المعمل يتسع لـ 400 عامل وعاملة. وقد تميّزت خيوطه بالجودة العالية، فالخيط الواحد المعدّ للتصدير يُنسج من سبعة أو ثمانية خيوط حرير، في حين أن المعامل الأخرى كانت تحتاج إلى 14 خيطاً لإنتاج خيط واحد، مما منح “ماركة المشتى” شهرة واسعة بين تجار الحرير في بيروت، إذ كانوا يطلبونها بالاسم، تراوح سعر الكيلو غرام الواحد من الشرانق حوالي ليرة ذهبية واحدة.
احتوى المعمل على 80 دولاب حلّ، ويعتبر هذا الرقم كبيراً مقارنةً بالمعامل الأخرى. في بداياته، استخدم حطب المنطقة وقودا لتشغيل المراجل، وتولى ندور السليمان وعيسى نصار مهمّة تلقيم النار في المراجل لتسخين الماء، وذلك قبل وصول الفيول وتركيب أجهزة خاصة به تُعرف باسم “بابور النار”.
طريق الحرير
يقول الباحث بسام القحط في السياق نفسه: “اشتهر الحرير المصنوع في معمل مشتى الحلو مما جعل من البلدة مركزاً تجارياً لافتاً في صناعة الحرير الطبيعي، وهذا ما شجع التاجر اللبناني فيليب فرعون أحد كبار مصدري الحرير إلى فرنسا، إلى الحضور إلى المشتى وشراء قطعة أرض من آل الحلو لبناء معمل للحرير عام 1852 بالتعاون مع عائلات البلدة من تجار الحرير، ويؤسس معملا اعتبر من أكبر معامل الحرير في الشرق العربي آنذاك، وسمي :”الشركة السورية اللبنانية لإنتاج الحرير الطبيعي”، وتم البناء بالقرب من نهر الأبرش الذي يلتقي مع رافده القادم من قرية الجويخات، ولم يكن هذا الاختيار محض مصادفة، فصناعة الحرير تحتاج إلى مياه غزيرة لإدارة دواليب اللف، أو لتغذية المراجل الضخمة الموزعة على “الحلالات” المعدنية المخصصة لحلّ الشرانق، وعدّ المعمل يومها النسخة الثالثة عن معمل ليون في فرنسا.
وأوضح “القحط” أن معمل مشتى الحلو، إلى جانب أقسامه الصناعية، ضمّ ملحقاً أساسياً يُعرف بـ”مفقس بذور ديدان القز”. في البداية، كانت البيوض تُستورد من الصين لإنتاج الحرير الأصفر، ثم من اليابان لإنتاج الحرير الأبيض الناصع، تُحفظ داخل علب معدنية خاصة وتُعرض لحرارة معتدلة حتى تفقس، فتتحول إلى ديدان تبدأ بنسج الشرانق.
التحفة المعمارية العثمانية
يصف “القحط” الهيكل المعماري لمعمل حرير مشتى الحلو (بتحفة معمارية عثمانية) تجمع بين الجمال الفني والهدف الصناعي. يتألف المبنى من ثلاثة طوابق، تضفي عليه القناطر العريضة والسقوف القرميدية، إلى جانب الأقسام المكشوفة المخصصة لتجفيف شلل الحرير، طابعاً معمارياً فريداً، ويتكون من ثلاثة أقسام رئيسة، لكل منها دور حيوي في دورة إنتاج الحرير: قسم المرجل والمدخنة، قسم الحلالات، قسم الدواليب.
شباب يُحيون المعمل المهجور
يعدّ حنا عبدلله المعمل علامة بارزة في إرث المنطقة الحضاري، ووجهة سياحية مغرية، حيث يجوب الزوار أقسامه بشغف واهتمام، “عبدلله” في العشرينيات من العمر، وهو عضو في مؤسسة الملتقى الثقافي الخيري في مشتى الحلو، الذي حرص في معظم دوراته على إعادة إحياء ذكرى معمل الحرير في المجتمع المحلي، وتوجيه رسالة للجيل الجديد إلى أنه ليس مجرد مبنى مهجور بل وثيقة تاريخية للمنطقة، عبر الفعاليات الثقافية والأمسيات الموسيقية التي كانت تنظم في بهو المعمل لتتفوق بسحرها على المسارح التقليدية، كما دعا الشاب إلى دعم اليد العاملة في الصناعات اليدوية من قبل النقابات المعنية لإعادة إحيائها خوفاً من الاندثار التام، في ظل طغيان الصناعات الحديثة على الأسواق.
نهاية مشوار المعمل
في عام 1977 توقف العمل بشكل مفاجئ، وتوقف معه صوت الصافرة المسؤولة عن بدء العمل، والتي يصل صوتها إلى قرى بصيرة، بستقين، الكفارين. بعد احتكار الدولة لعمليات استيراد وبيع بيوض دود القز وشرانق الحرير عبر القطاع العام. وبموجب هذا القرار، أُغلقت أبواب معمل مشتى الحلو نهائياً، وانتهت معه صناعة محلية استمرّت أكثر من قرن وربع القرن، تميزت بجودة عالية جعلت الحرير السوري منافساً قوياً في الأسواق العالمية، واليوم أضحى المعمل بلا سقف، وتهدمت معظم أقسامه، وقد بيع لمغتربين من أبناء مشتى الحلو، كما تراجعت زراعة أشجار التوت بشكل كليّ في المشتى وجوارها، وحلت محلها أشجار التفاح والأبنية السكنية.
العربي الجديد
———————————
السياسة النقدية والتضخم.. صندوق النقد يعلن نتائج زيارته إلى سوريا
صندوق النقد قال إن الاقتصاد السوري يظهر مؤشرات على التعافي
الرياض – العربية
17 نوفمبر ,2025
قال صندوق النقد الدولي، اليوم الاثنين، إنه بدأ مناقشات بشأن وضع إطار مناسب للسياسة النقدية لسوريا من شأنه أن يدعم ضمان انخفاض التضخم واستقراره.
وأضاف الصندوق، بعد ختام زيارة فريق الخبراء إلى دمشق، أن السلطات السورية تمكنت من اتخاذ موقف متشدد على الصعيدين المالي والنقدي في ظل القيود الكثيرة التي تواجهها.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السوري يظهر مؤشرات على التعافي، وفقاً لوكالة “رويترز”.
لماذا عدّلت سوريا أسعار الوقود؟.. التهريب ونقص الكهرباء في صدارة الأسباب
طاقة اقتصاد سوريا لماذا عدّلت سوريا أسعار الوقود؟.. التهريب ونقص الكهرباء في صدارة الأسباب
وفي وقت سابق، أعلنت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، أن الصندوق أرسل بعثة من الخبراء إلى سوريا للقاء المسؤولين السوريين ومناقشة أولويات الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المساعدة الفنية.
وقالت كوزاك إن الخطوة التالية ستكون إجراء المزيد من المناقشات حول كيفية تمهيد الطريق لإجراء مراجعة “المادة الرابعة” لاقتصاد سوريا، والتي ستكون الأولى منذ عام 2009.
——————
محمّلة بـ134 ألف طن.. وصول خمس بواخر قمح إلى مرفأي اللاذقية وطرطوس
2025.11.18
وصلت إلى مرفأي اللاذقية وطرطوس خمس بواخر تحمل أكثر من 134 ألف طن من مادة القمح، قادمة من روسيا وأوكرانيا.
ونقلت وكالة “سانا” عن المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب حسن عثمان، اليوم الثلاثاء، أنّ البواخر القادمة من أوكرانيا وروسيا تأتي ضمن خطة متكاملة لتأمين القمح اللازم لاستمرار إنتاج الخبز.
وأكد أن المؤسسة تتابع عمليات التوريد بشكل متواصل لضمان وصول الشحنات دون أي انقطاع، مشيراً إلى أن عمليات التفريغ والنقل والتخزين تتم وفق إجراءات دقيقة وبالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، بما يضمن الحفاظ على جودة القمح وتلبية احتياجات المطاحن اليومية.
كذلك، أكّد عثمان أن المؤسسة مستمرة في تنفيذ خطتها لتوريد كميات إضافية خلال الفترة المقبلة، من أجل دعم المخزون الاستراتيجي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، وذلك بإشراف مباشر من وزارتي الاقتصاد والصناعة.
الحكومة السورية تطلق مشروع “القرض الحسن”
أمس الإثنين، أعلنت وزارة الزراعة السورية عن إطلاق مشروع “القرض الحسن” لدعم مزارعي القمح ولضمان الأمن الغذائي في البلاد.
وقالت الوزارة، إنّ القرض سيشمل بذار القمح وأسمدة آزوتية وأسمدة فوسفاتية، في حين يبدأ التسجيل عليه من تاريخ اليوم وينتهي في الـ27 من الشهر الجاري.
وسبق أن أكّدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، أنّ سوريا تشهد هذا العام أسوأ موسم زراعي منذ ستة عقود، في ظل جفاف غير مسبوق يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 16 مليون شخص في البلاد.
========================
تحديث 17 تشرين الثاني 2025
———————————-
من يملك شركتَي سيريتل وMTN في سوريا؟/ إياد الجعفري
الاثنين 2025/11/17
إنه سؤال “المليون” في سوريا اليوم، بعد قرار المشغلَين الوحيدَين، المنفردَين بسوق الاتصالات السورية، رفع أسعار باقات الاتصالات والانترنت، بنسب تراوحت بين 70 إلى 100%، وحتى 200% في بعض الباقات.
ويمكن قول الكثير مما يعبّر عن الحنق حيال أداء الشركتَين الاحتكاري. من ذلك، أنهما تصدران قرارات رفع الأسعار بالتزامن، وكأنهما شركة واحدة. ناهيك عن تقاسمهما للمواقع الجغرافية، وتعاونهما الفني والإداري في كثير من الأحيان، وفق المعلومات المتاحة. لكن، في الوقت نفسه، يصعب وضع كل “بيض الاتهام” في سلّة الشركتَين، كما أرادت أن تفعل وزارة الاتصالات، في بيانها، الذي زاد الطين بلّة.
الوصف الذي ورد في بيان الوزارة، بأن الشركتَين خاصتَان، مستقلتان مالياً وإدارياً، وتتحملان تكاليف تشغيلية فعلية، لم يكن موفقاً البتة. ذلك أن ملكية الشركتَين، اليوم، موضع اشتباه، نظراً للمعلومات المتاحة، التي تربطهما بأعلى هرم السلطة القائمة اليوم. واللافت أنه حتى في برنامج “على الطاولة”، الذي يقدمه الإعلامي معاذ محارب، على “الإخبارية السورية”، لم يجرؤ أحد من الضيوف على التطرق على نحو مباشر إلى هوية “المالك الحقيقي” للشركتَين. ناهيك عن أن الشركتَين، وكذلك وزارة الاتصالات، رفضوا إرسال من يمثلهم في حلقة البرنامج التي تناولت القضية الأكثر سخونة لدى السوريين، اليوم. كذلك وردت إشارة غير موفقة أخرى، في بيان الوزارة، بخصوص التكاليف التشغيلية الفعلية التي تتحملها الشركتان، في تبرير لرفع الأسعار. إذ، ووفق الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة رشا سيروب، فإن أرباح “سيريتل” الصافية كانت في النصف الأول من العام الحالي، 465 مليار ليرة سورية (نحو 38 مليون دولار). في حين أنَّ أرباح “إم تي إن سوريا”، عن الفترة نفسها، بلغت 130 مليار ليرة سورية (نحو 11 مليون دولار). وكما هو معلوم، فإن الشركتَين تقدمان إفصاحات دورية بخصوص وضعهما المالي، بوصفهما مدرَجتين في سوق دمشق للأوراق المالية. لذا كان من الغريب أن يلمح بيان الوزارة إلى عجز الشركتَين، مالياً.
وناهيك عن التدني الشديد في جودة الخدمات المقدمة من الشركتين، تأتي الأسعار الجديدة لتضع تكاليف الاتصالات في سوريا على قدم المساواة مقارنة بتكاليفها في دول جارة أو حتى في دول غربية، مستقرة، ووسطي الأجور فيها أعلى من سوريا، بعدة أضعاف –إن لم نقل بعشرات الأضعاف-.
وبالعودة إلى “سؤال المليون”. من يملك شركتَي سيريتل وإم تي إن سوريا؟ فكما هو معلوم، قبيل سقوط نظام الأسد، كانت الشركتان خاضعتين فعلياً لرأس النظام، بشار، وزوجته، عبر شخصيات، أبرزها، يسار إبراهيم، خازن أموال السلطة يومها. فسيريتل، انتُزعت حصص ملكيتها الرئيسة من رامي مخلوف، ابن خال الأسد، منذ العام 2020. ثم، أُخضعت إم تي إن سوريا، للحراسة القضائية، بعد فشل مفاوضات الاستحواذ عليها من شركتها الأم، الجنوب إفريقية. لتصبح تحت إدارة واجهات محسوبة على يسار إبراهيم، أيضاً. أي إن الشركتَين ليستا خاصتَين. ولم تكونا مستقلتَين مالياً وإدارياً، كما ادّعى بيان وزارة الاتصالات. إلا إن بيعتا لجهات خاصة، من دون إعلان رسمي، من جانب سلطات “العهد الجديد”!
ولا توجد أية معلومات رسمية توضح من يملك “سيريتل” و”إم تي إن سوريا”، اليوم. ومع غياب الشفافية المطلق هذا، تشيع المعلومات غير الرسمية، الصادرة عن وسائل إعلام عربية أو أجنبية. أبرز من قدم تفاصيل عن إدارة شركتَي الخليوي في سوريا، هما تحقيق لـِ “درج” في حزيران الفائت، وآخر لـِ “رويترز” في تموز الفائت. كشف التحقيقان أن الشركتَين خاضعتان فعلياً لإدارة لجنة تابعة للقصر الجمهوري، تدير إرث “الأسد” الاقتصادي والمالي. ووفق ما ورد في تحقيق “رويترز”، فإن شقيق الرئيس أحمد الشرع، الأكبر، هو من يدير هذه اللجنة. ووفق تحقيق “درج”، فإن إيرادات الشركتَين مخصّصة لتمويل رواتب عناصر الأمن والدفاع في الدولة.
قد يكون من الصعب على ممثلي السلطة الراهنة، أن يقولوا للشعب، إننا نموّل رواتب عناصر الأمن والدفاع، من جيوبكم، على نحو مباشر. خصوصاً مع ما يتم تداوله عن رواتب مجزية للغاية، في هذين القطاعين. كذلك لا توجد أرقام أكيدة، أو معلومات رسمية عن جداول الرواتب في هذين القطاعين. وتُلتقط المعلومات من مصادر غير رسمية. وبالرغم من صعوبة مصارحة الشارع بذلك، فإن النتيجة، المزيد من تفعيل الشائعات والأقاويل، وصولاً إلى اتهام الذمة المالية لكبار رجالات “الدولة” اليوم. نظراً لغياب أية تفاصيل عن كيفية إدارتهم لواحدة من أبرز مصادر الدخل للدولة في سوريا، تذهب تقديرات غير رسمية إلى أنها تصل إلى نحو 12% من الإيرادات.
إحدى حيثيات هذه القضية، الوعد بتحسن مرتقب لجودة خدمة الإنترنيت، على غرار التحسن الذي طرأ على خدمة الكهرباء، والتي تراجعت ساعات التقنين فيها، على نحو نوعي، بُعيد رفع أسعارها، مؤخراً. وهو الرفع الذي ما يزال يثير استياء كبيراً في الشارع السوري. وقد ألمح بيان وزارة الاتصالات لذلك، عبر إلزام شركتَي سيريتل وإم تي إن سوريا، بتحسين جودة الخدمة خلال 60 يوماً. أما الحيثية الأخرى، فتتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الاتصالات، على غرار ما حدث في قطاع الكهرباء. إذ بعد أيام فقط من رفع أسعار الكهرباء، وُقّعت الاتفاقيات النهائية لإنشاء أربع محطات كهرباء باستطاعة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط وبقيمة 7 مليارات دولار، مع تحالف الشركات الدولية الذي تقوده “أورباكون” القابضة –القطرية-.
وفي الوقت الذي يمكن فيه تفهّم معضلة الحاجة لتمويل أجنبي لإعادة إعمار البنية التحتية لقطاع الاتصالات، المتهالكة والمدمرة في كثير من المناطق، لا يمكن في الوقت نفسه، تفهّم حالة “الاستغباء” التي وُوجهَ الشارع بها. خصوصاً في عصر الإعلام المفتوح وغير الرسمي. لذا كانت على السلطة أن تملك الجرأة على مصارحة السوريين، بأنها بحاجة لتحسين خدمات قطاعات سيادية كالأمن والدفاع وأدائها، بتمويل من السوريين أنفسهم، إلى حين تحسّن الأوضاع. بدلاً من رمي الكرة في سلة شركتَين، يديرهما أشخاص معينين أساساً، من جانب الممسكين بزمام الحكم في البلاد.
———————————
الدبلوماسية السورية: من شعرة معاوية إلى شعرة الشرع/ علي قاسم
الحكومة السورية الحالية بقيادة أحمد الشرع تدرك أن الاقتصاد ليس مجرد وسيلة للعيش بل هو أداة سياسية ودبلوماسية قادرة على فتح الأبواب المغلقة وتخفيف حدة الخصومات.
التاريخ لا يُباع… لكنه يُفهم في الأسواق
الثلاثاء 2025/11/18
طالما شكّل الموقع الجغرافي لسوريا محوراً أساسياً في جعلها مركزاً للتجارة العالمية، إذ تقع بلاد الشام على مفترق طرق بين الشرق والغرب، ما جعلها محطة رئيسية على طريق الحرير ومعبراً للقوافل التجارية التي حملت البضائع من الصين والهند إلى البحر المتوسط. هذا الموقع الاستراتيجي منح المدن السورية مثل دمشق وحلب مكانة بارزة كمراكز تجارية مزدهرة، حيث كانت الأسواق تعج بالمنسوجات والمعادن والتوابل والمنتجات الزراعية، وأصبحت التجارة جزءاً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للسوريين.
لكن جذور الدور التجاري لا تقتصر على الطرق البرية، بل تمتد إلى الفينيقيين الذين ازدهرت حضارتهم على السواحل السورية واللبنانية منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. فقد كان الفينيقيون من أوائل الشعوب التي جعلت البحر المتوسط فضاءً للتبادل التجاري والثقافي، حيث أسسوا موانئ مزدهرة مثل أوغاريت وصور وأرواد، وربطوا عبر سفنهم الساحل السوري بمصر وقبرص واليونان وصولاً إلى تونس وإسبانيا. اشتهروا بتجارة الأخشاب، وخاصة خشب الأرز، وصناعة الأرجوان الذي أصبح سلعة فاخرة في العالم القديم، إضافة إلى الزجاج والمعادن. هذه التجارة البحرية لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، بل ساهمت في نشر الأبجدية الفينيقية التي شكلت أساس الأبجديات اليونانية واللاتينية لاحقاً، ما جعل التجارة وسيلة لنقل المعرفة والثقافة إلى جانب السلع.
إذا كان الماضي قد أثبت أن التجارة كانت وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، فإن الحاضر يعيد صياغة هذه الحقيقة في شكل جديد يمكن أن نسميه “دبلوماسية التجارة”
في الحقبة العثمانية، تعزز دور التاجر السوري كفاعل اقتصادي واجتماعي، إذ ارتبطت التجارة بالنسيج الديني والاجتماعي، وظهر نموذج خاص من الرأسمالية الحضرية التي جعلت التاجر شريكاً في إنتاج الشرعية السياسية وتوزيع النفوذ. لم يكن دوره مقتصراً على السوق، بل امتد إلى التأثير في السلطة التنفيذية والتشريعية، ما جعل التجارة جزءاً من البنية السياسية للدولة. ومع استقلال سوريا عام 1946، ظل التجار قوة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة، حيث ساهموا في تشكيل التحالفات الوطنية ودعم المؤسسات المالية والمصرفية الناشئة، لكن مع الانقلابات العسكرية وتحوّل الحكم نحو المركزية تراجع دورهم نسبياً، وإن ظلوا جزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
ولعل أبرز ما يجسد هذا الدور الحيوي للتاجر السوري في الحياة العامة، ما قاله الملك فيصل الأول في أحد خطاباته: “إن التاجر الدمشقي لا يبيع سلعة فقط، بل يبيع صورة عن بلده، عن أخلاقه، عن حضارته.” هذا القول يعكس كيف كانت التجارة وسيلة لتمثيل الهوية الوطنية والثقافية، لا مجرد فضاء اقتصادي. وفي السياق ذاته، ورد في مذكرات شكري القوتلي، أول رئيس للجمهورية السورية: “دمشق لا تُحكم بالسيف، بل تُدار بالحكمة، والتاجر فيها هو أول من يفهم نبض الناس.” وهو تعبير دقيق عن مكانة التاجر كوسيط بين السلطة والمجتمع، وكصاحب بصيرة في فهم التحولات الاجتماعية والسياسية.
من الناحية الثقافية، ارتبطت التجارة بالحياة اليومية للسوريين، إذ شكّلت الأسواق التقليدية مثل سوق الحميدية في دمشق وسوق حلب القديم فضاءات اجتماعية وثقافية إلى جانب كونها مراكز اقتصادية. هذه الأسواق لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل ساحات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الأخبار وبناء العلاقات بين مختلف الطوائف والقبائل. حتى في العصر الحديث، ظلّت التجارة جزءاً من الهوية السورية، فمعرض دمشق الدولي الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي كان رمزاً لمكانة سوريا التجارية، حيث استحضر المسؤولون تاريخ البلاد كبيئة آمنة للقوافل التجارية ومركزاً لصناعات النسيج والمعادن ومكاناً للتبادل الثقافي والاقتصادي بين الشرق والغرب.
اليوم، رغم الحرب والانقسامات التي عصفت بسوريا منذ عام 2011، يبقى للتجارة دور حيوي في حياة السوريين، فهي وسيلة للبقاء ومصدر رزق أساسي وأداة للتواصل مع العالم الخارجي. ومع محاولات إعادة الإعمار، يُنظر إلى التجارة كأحد المفاتيح لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة مكانة سوريا التاريخية كمركز للتبادل التجاري والثقافي. وهكذا، فإن التجارة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي في سوريا، بل كانت ركيزة للهوية الوطنية والاجتماعية والسياسية، من الفينيقيين على السواحل إلى طريق الحرير عبر الداخل، ومن دور التجار في السياسة إلى الأسواق التقليدية ومعرض دمشق الدولي، لتبقى قصة تداخل الاقتصاد بالثقافة والسياسة جزءاً لا يتجزأ من تاريخ السوريين وحياتهم اليومية.
سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتوظيف إرثها التجاري الطويل في خدمة مستقبلها السياسي. فإذا كانت التجارة قد شكّلت عبر العصور هوية السوريين، فإن دبلوماسية التجارة اليوم يمكن أن تكون جسرهم نحو الاستقرار
وإذا كان الماضي قد أثبت أن التجارة كانت وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، فإن الحاضر يعيد صياغة هذه الحقيقة في شكل جديد يمكن أن نسميه “دبلوماسية التجارة”. الحكومة السورية الحالية، بقيادة أحمد الشرع، تدرك أن الاقتصاد ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو أداة سياسية ودبلوماسية قادرة على فتح الأبواب المغلقة، وتخفيف حدة الخصومات، وتحويل المصالح المشتركة إلى أرضية للحوار. لذلك تحرص على عدم قطع “الشعرة الأخيرة” التي تربطها مع حكومات كانت تناصر النظام السابق وتدعمه في مجلس الأمن، لأن هذه الخيوط، مهما بدت ضعيفة، قد تكون جسوراً لإعادة بناء العلاقات في المستقبل.
هذه السياسة تعكس وعياً تاريخياً عميقاً، فهي تستلهم من مدرسة معاوية بن أبي سفيان، الذي اشتهر بقدرته على إدارة التوازنات الدقيقة وحفظ الخيوط حتى مع الخصوم، عبر ما عُرف بـ”شعرة معاوية”. فإذا كان أعضاء الحكومة الحالية وعلى رأسهم أحمد الشرع تلامذة حقيقيين لهذه المدرسة، فإن مستقبل سوريا يمكن أن يكون في أيادٍ أمينة، لأنهم يدركون أن السياسة ليست فقط مواجهة أو صدام، بل هي أيضاً فن إدارة المصالح وتوظيف التجارة كأداة للنفوذ الناعم.
إن دبلوماسية التجارة التي تتبناها الحكومة الحالية قد تكون المدخل الأهم لإعادة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، عبر مشاريع اقتصادية مشتركة واتفاقات تجارية تفتح المجال أمام الاستقرار السياسي. فالتاريخ يثبت أن التجارة كانت دائماً وسيلة السوريين للتواصل مع العالم، من الفينيقيين الذين نشروا الأبجدية عبر البحر، إلى التجار الذين صنعوا أسواق دمشق وحلب، وصولاً إلى معرض دمشق الدولي الذي جسّد هوية سوريا التجارية الحديثة. واليوم، يمكن لهذه الدبلوماسية أن تعيد صياغة صورة سوريا كدولة قادرة على التفاعل مع محيطها، لا كعبء سياسي أو أمني.
إن ربط الاقتصاد بالسياسة ليس جديداً على السوريين، لكنه اليوم يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في ظل الحاجة إلى إعادة الإعمار، واستعادة الشرعية الدولية، وتجاوز الانقسامات الداخلية. فالتجارة، التي كانت يوماً وسيلة لنقل السلع والمعرفة، أصبحت الآن وسيلة لإعادة بناء الثقة بين سوريا والعالم، ولإعادة صياغة موقعها في الخريطة الإقليمية والدولية. وإذا نجحت الحكومة في هذا المسار، فإنها ستعيد لسوريا دورها التاريخي كمركز للتبادل، ليس فقط التجاري، بل الثقافي والسياسي أيضاً.
في النهاية، يمكن القول إن سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتوظيف إرثها التجاري الطويل في خدمة مستقبلها السياسي. فإذا كانت التجارة قد شكّلت عبر العصور هوية السوريين، فإن دبلوماسية التجارة اليوم يمكن أن تكون جسرهم نحو الوحدة والاستقرار. وإذا كان أحمد الشرع ورفاقه ينهلون من مدرسة معاوية في فن التوازن وحفظ الخيوط، فإن سوريا قد تكون بالفعل في أيادٍ أمينة، قادرة على تحويل التاريخ إلى قوة دفع نحو المستقبل، وإعادة بناء وطن يستحقه شعبها الذي عانى ما يكفي.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب
———————————-
الجفاف يواصل تهديد القمح في شمال وشرق سوريا.. ومطر متأخر يثير الأمل الهش/ هيلين علي
17 نوفمبر 2025
مع اقتراب النصف الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، كان الصمت المناخي يخيّم على شمال وشرق سوريا. أسابيع طويلة مرّت بلا أمطار، فيما كان يراقب الفلاحون السماء وكأنهم ينتظرون إشارة حياة. لم يكن الجفاف هذه المرة حالة عابرة، بل امتدادًا لمواسم متتالية من التراجع المطري، ما زاد المخاوف حول الأمن الغذائي لمناطق تعتمد أساسًا على الزراعة المطرية.
في القرى الممتدة بين القامشلي والحسكة وتل حميس وعامودا، لم تعد الأنهار الصغيرة – مثل الجغجغ وفروع الخابور – تحمل سوى قلة قليلة من الماء. بعضها تحوّل إلى ممرات ترابية متشققة، بينما انخفض منسوب الآبار المنزلية إلى مستويات غير مسبوقة، ما هدد مصادر الشرب والري البسيط الذي تعتمد عليه الأسر الريفية.
الأنهار والآبار بين جفافٍ غير مسبوق
في ريف القامشلي، يقف عباس سلو (60 عامًا) أمام أرضه التي يزرعها منذ عشرين عامًا. يحدّق في التربة المتشققة، ويقول بصوت يملؤه القلق:”في مثل هذا الوقت كنا قد زرعنا البذار وبدأنا نسمع المطر على الصفيح. الآن لو زرعت الطيور تأكل البذار قبل أن تعود الأرض لترطب نفسها”.
يشير سلو إلى أن أكثر من 70% من أبناء قريته يعتمدون على زراعة القمح كمصدر أساسي للدخل والمعيشة. ويضيف: “الجفاف هذا الموسم يجعل أي قرار بالزراعة مخاطرة كبيرة. كثيرون يفكرون بتأجيل الزراعة، وبعضهم قد يترك الأرض بلا زرع”.
على بعد عدة كيلومترات، في ريف عامودا، يقف محمود خليل (39 عامًا) أمام أرضه التي يعتمد فيها على الزراعة المروية، يقول لموقع “الترا سوريا”: “كنت أعتمد على البئر لري الأرض، لكن منسوب المياه انخفض بشكل كبير هذا الموسم. تشغيل المضخة أصبح مكلفًا جدًا، ومع ذلك لا يكفي الماء لكل الأرض”.
ويضيف محمود: “الموسم أصبح أصعب من أي وقت مضى. حتى مع وجود الماء، لا يمكنك ري كل الحقول كما تريد، وكل يوم يمر بدون مطر يزيد الضغط علينا”. يشير محمود إلى أن اعتماده على المياه الجوفية المروية يجعل الزراعة أكثر هشاشة، خاصة مع استمرار تراجع منسوب الآبار. ويختم بالقول: “الزراعة ليست مجرد عمل، إنها مقامرة يومية مع الطبيعة. من دون ماء، كل شيء قد يضيع”.
بينما يتابع الفلاحون في القرى الأخرى المشهد نفسه، تتضح صورة تدهور مصادر المياه الطبيعية؛ الأنهار الموسمية لم تعد تحمل سوى خطوط متقطعة من الماء، والشلالات الجافة تحولت إلى تجاويف صخرية، بينما الآبار المنزلية تفقد منسوبها بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. هذا التدهور لا يهدد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل الأمن الغذائي للقرى بأكملها.
شهادات من الأرض: فلاحون ينتظرون السماء
ومساء يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وبعد أسابيع من انتظار طويل، هطلت أولى زخات المطر على القامشلي وبعض القرى المحيطة، بعد أن سبقتها عاصفة غبارية شديدة أضافت القلق إلى أجواء الفلاحين. كانت الأمطار قصيرة ومتفرقة، لكنها أثارت فرحة الأطفال، بينما وقف الفلاحون يراقبون بحذر.
في ريف ديرك، تقول نعيمة مراد (45 عامًا)،وهي ربة منزل ومزارعة في مشروع خضروات موسمية، لـ”الترا سوريا”: “حتى المطر الذي هطل لم يغطي كل الأرض، لكنه أشعل شعور الأمل. الأطفال خرجوا للعب، ونحن نراقب هل سيكفي الموسم للقمح والخضار”. وتضيف: “هطول المطر كان بداية مبشرة، لكنه غير كافٍ لإنعاش الموسم الزراعي. نحتاج إلى استمرار الأمطار لضمان نمو المحاصيل بشكل سليم”.
ووفق بيانات مراكز الأرصاد المحلية، سجّلت المنطقة خلال الأسابيع الماضية عجزًا مطريًا تجاوز 80% مقارنة بمتوسط الهطل في السنوات العادية. خبراء زراعيون يوضحون أن القمح يحتاج إلى 40–60 ملم من الأمطار في الشهر الأول من الزراعة للنمو بشكل سليم، بينما لم تسجّل المنطقة سوى زخات قليلة لا تكاد تُقاس.
ومساء يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، شهدت عدة مناطق في شمال وشرق سوريا – بما فيها القامشلي وديرك والحسكة – هطولات مطرية متوسطة الشدة، تراوحت بين 5 و10 ملم. هذا الهطول المسائي أعطى دفعة أمل إضافية لدى الفلاحين، خصوصًا وأن التربة كانت متعبة من الجفاف الطويل. بعضهم وصفه بأنه قد يسهم في ترطيب سطح التربة بعمق متواضع، لكن المخاوف قائمة من أن تكون هذه الأمطار غير كافية لإنقاذ الموسم ما لم تتبعها موجات مطرية أخرى.
الجفاف وقيود حركة الطرق يضغطان على الأسواق المحلية
الجفاف لم يبقَ حصرًا في الحقول. في أسواق القامشلي والحسكة والمدن والبلدات المجاورة، ارتفعت أسعار الخضروات المحلية بين 20 و40% خلال شهر واحد. سجل البصل المزروع مبكرًا نموًا ضعيفًا نتيجة نقص الرطوبة، بينما قلّ إنتاج البطاطا بسبب شح المياه للري، وتوقفت بعض البيوت الزراعية عن الإنتاج مع ارتفاع كلفة المازوت لتشغيل مضخّات الري.
إلى جانب ذلك، يواجه المزارعون والتجار عائقًا إضافيًا يتمثّل في تذبذب فتح وإغلاق الطرق بين مناطق الإدارة الذاتية ومناطق الحكومة، خصوصًا الطرق الحيوية التي تُستخدم لنقل الخضروات والحبوب إلى الأسواق. هذا التقطّع يزيد كلفة الشحن، ويؤخر وصول المحاصيل، ويؤدي أحيانًا إلى تلفها أو نقصها في الأسواق، ما يضاعف من تأثير الجفاف على الأسعار.
الجفاف يعيد تشكيل الريف ومستقبل الشباب
تشير تقديرات منظمات زراعية محلية إلى أن أكثر من نصف سكان الريف يعتمدون على الزراعة المطرية، أي على الأمطار الموسمية فقط لري القمح والمحاصيل الأساسية، سواء للاستهلاك المنزلي أو للبيع. ومع انخفاض منسوب المياه الجوفية للسنة الثالثة على التوالي، أصبحت هذه الزراعة أكثر هشاشة، ما يزيد من المخاطر على إنتاج الغذاء وتأمين لقمة العيش للأسر الريفية.
مختار إحدى القرى القريبة من عامودا، عبد الرحمن سعيد (62 عامًا)، يقول لـ”الترا سوريا”: “في السنوات الثلاث الماضية، ترك الكثير من الشباب الزراعة المتعبة وتوجهوا للعمل اليومي في المدن بحثًا عن دخل ثابت. الأرض بلا ماء تعني موسمًا ضعيفًا، والموسم الضعيف يعني أن شبابنا يواجهون مستقبلًا صعبًا في الريف”.
المطر المتأخر: أمل هش ومخاوف مستمرة
يؤكد خبراء زراعيون أن زخّة المطر الأولى، مهما كانت مبهجة، لا تكفي لإنقاذ موسم القمح في شمال وشرق سوريا، المنطقة التي تُعرف بـ”السلة الغذائية للبلاد” لمساهمتها بمحاصيل أساسية تغذي المحافظات المجاورة.
يشرح المهندس روبار حمو، وهو من القامشلي، لـ”الترا سوريا” الوضع بحذر: “القمح يحتاج إلى أمطار متتابعة خلال الأسبوعين القادمين، لا تقل عن 20 ملم لكل موجة، لضمان تغذية التربة بشكل مستمر”. وأضاف: “أي انقطاع في المطر سيعرض النباتات لإجهاد شديد وقد يؤدي إلى ضعف المحصول. كما أن استقرار درجات الحرارة أمر بالغ الأهمية، فالهبوط المفاجئ للحرارة يضر بالنباتات الصغيرة ويقلل جودة الحبوب”.
ويضيف المهندس روبار:”الوضع معقد أيضًا بسبب استمرار انخفاض منسوب المياه الجوفية. حتى مع هطول المطر، إذا استمر هذا التراجع، لن تتمكن الأراضي من الاستفادة الكاملة من الأمطار. وفي حال تأخر هطول المطر أكثر من أسبوعين، قد تصل الخسائر إلى نحو 40% من محصول القمح، وهو خطر كبير يهدد الأمن الغذائي للمنطقة بأكملها”.
بين صوت المطر الخفيف الذي هطل ليلة 14 و15 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ووجوه الفلاحين التي تراقب السماء كما لو كانت تحكم مصيرهم، تبدو الصورة معلّقة بين الأمل والخوف. المطر المتأخر أشعل شعورًا بالأمل، لكنه لم يبدد القلق من موسم قد يمضي بلا غيث كافٍ.
في شمال وشرق سوريا، حيث تتبع الحياة دورة بسيطة وواضحة: مطر = زرع = حصاد، يبقى الناس يترقبون الغيمة التالية، لا زخة مطر قصيرة تشبه تحية عابرة، آمِلين أن تمنحهم الموسم فرصة جديدة للحياة، وللأرض التي يعرفونها منذ الطفولة، ويأملون أن تستعيد قوتها كما كانت في السابق.
——————————
دمشق: نقص في الكوادر الإدارية بالحكومة سببه غلاء المعيشة/ مصطفى محمد
الاثنين 2025/11/17
تعاني المؤسسات الحكومية السورية من نقص في الكوادر المتخصصة، وصعوبات في استقدام الكفاءات من الشمال السوري إلى دمشق، بسبب ضعف الرواتب مقارنة بتكاليف المعيشة المرتفعة في العاصمة، خصوصاً بدل إيجارات السكن.
وعلمت “المدن” من مصادر حكومية، أن الحكومة تواجه إشكالية في حل مشكلة نقص الكوادر المهنية، خصوصاً في الوظائف الإدارية العليا، حيث تُرفض عروض الوظائف بسبب انخفاض الرواتب، وعدم قدرتها على تغطية النفقات المعيشية، علماً أن العروض التي تُقدمها الحكومة تُعتبر “سخية”.
مشكلة السكن
وحددت المصادر أولى الأسباب التي تدفع بالكوادر إلى العزوف عن الوظائف الحكومية وهي توفير المسكن في دمشق، حيث ارتفعت أسعار الإيجارات على نحو كبير نتيجة ارتفاع الإقبال وكثرة الوافدين منذ سقوط النظام البائد.
وأوضحت أن الإيجارات لا تقل عن 300 دولار أميركي للبيت القديم في ضواحي دمشق، البعيدة نسبياً عن مراكز المؤسسات الحكومية، في حين أن معدلات الرواتب للموظفين الجدد (عقود) عند حدود 600 دولار أميركي.
ومن الواضح – على حد تأكيد المصادر- أن الحكومة تعمل على رفع الرواتب والأجور للموظفين الذين قدموا إلى دمشق من محافظات بعيدة، أو منحهم بدلات السكن، وتحديداً للمناصب الإدارية العليا.
هيكلية جديدة
في السياق نفسه، يؤكد الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن مشكلة نقص الكوادر البشرية في المؤسسات السورية لن تُحل قبل التخلص من القوانين والإجراءات القديمة، والفساد، وآثار التدمير الممنهج الذي أحدثه النظام البائد في العمل المؤسساتي.
ويقول: “تُعاني البلاد في قطاعها الحكومي من الترهل الإداري، ومشكلات في القوانين التي تنظم العمل الإداري، ولا يمكن الاستفادة من الكادر البشري على قلته إن لم تكن البنية منضبطة من الناحية القانونية والتنظيمية”.
ويكشف علوان عن شروع الحكومة بخطة إعادة ترتيب المؤسسات والإدارات قبل استقبال الكادر البشري الجديد، ويقول: “الأمر أعقد من أن تقبل الكوادر البشرية الموجودة في الشمال السوري بالرواتب، وإنما حتى الخبرات والكفاءات الموجودة في دمشق لا تستطيع أن تعمل بالمنظومة الحالية”.
وعن الحلول، يقول الباحث: “مشكلة نقص الكوادر حلها يمر عبر التدريب، والشراكة مع منظمات المجتمع المدني للتدريب والتطوير”، ويستدرك أن “الأمر يحتاج وقتاً وخبرة، وكذلك تأمين الرواتب المناسبة، في الوقت الذي لا تزال فيه البلاد تُعاني من مشكلات اقتصادية، لكن المتوقع أن تحل الزيادات القادمة معضلة نقص الكوادر البشرية”.
نجاح نسبي
في المقابل، يُحسب للحكومة السورية أنها استطاعت استقطاب عدد مقبول من كفاءات الشمال السوري، ووفق مصادر “المدن” فإن ما ساعد الحكومة على ذلك توفير مساكن مجانية، كانت مُخصّصة لرجالات النظام البائد.
وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، أن الحكومة نجحت في استقطاب عدد لا بأس به من كفاءات الشمال السوري، ويتحدث لـِ “المدن” عن عروض مادية “مُغرية”.
ويؤكد ذلك مصدر من دمشق تحدث لـِ “المدن”، ويشير إلى “هيمنة” كوادر الشمال السوري على المشهد المؤسساتي في دمشق، خصوصاً في المؤسسات الإعلامية والوزرات، ويلفت إلى “تفاوت الرواتب” بين الموظفين القدماء والجدد “كل من أتى من الشمال يأخذ راتباً مرتفعاً”.
ويقول: “هي مسألة تفاوت الرواتب مسألة مؤقتة، وعند استقرار العمل المؤسساتي لا بد أن ينتهي هذا التمييز، لأنه مسألة تتجاوز القانون”.
————————————–
صندوق النقد الدولي: اقتصاد سورية أبدى مؤشرات للتعافي
17 نوفمبر 2025
قال صندوق النقد الدولي اليوم الاثنين إن الاقتصاد السوري أظهر مؤشرات على التعافي، مؤكداً أن السلطات السورية تمكنت من اتخاذ موقف متشدد على الصعيدين المالي والنقدي، في ظل القيود الكثيرة التي تواجهها. وأشار صندوق النقد الدولي بعد اختتام زيارة خبرائه دمشق إلى مباشرته مناقشات بشأن وضع إطار مناسب للسياسة النقدية لسورية من شأنه أن يدعم ضمان انخفاض التضخم واستقراره.
وبحث الرئيس السوري أحمد الشرع يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلال لقائه المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا، في العاصمة الأميركية واشنطن سبل تعزيز عجلة التنمية والتطوير الاقتصادي في سورية، ومدى الاستفادة من المؤسسة المالية الدولية، كما بحث سبل التعاون بين بلاده وصندوق النقد الدولي، والتحوّل الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون.
وقالت غورغييفا في منشور على منصة إكس إن الاجتماع تناول “التحوّل الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون ويستحقونه، والذي تعمل الحكومة على تحقيقه”، مؤكدة استعداد صندوق النقد الدولي لتقديم المساعدة، بما في ذلك الدعم الفني للمؤسسات الرئيسية. وأشارت إلى أن الصندوق “منخرط بشكل كامل” مع سورية، لافتة إلى أن فريقاً من الصندوق زار دمشق سابقاً لمناقشة تعزيز قدرة البنك المركزي على أداء مهامه بوصفه ركيزة للاستقرار، من خلال ترسيخ الثقة بشركاء سورية. وأضافت: “لقد حددنا برنامج عمل يتضمن تحديد احتياجات تنمية القدرات وتقديم الدعم لسورية بسرعة”، مشيرة إلى أن البنك الدولي “منخرط بقوة أيضاً في هذا الأمر”، وأن الفريقين يعملان معاً بشكل وثيق.
وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الاثنين، لدى زيارته مصرف سورية المركزي أهمية تطوير القطاع المصرفي وتعزيز دوره بوصفه ركيزة أساسية لدعم مسار التنمية الاقتصادية في البلاد. وسبق أن أكد مصدر مسؤول في وزارة المالية السورية لـ”العربي الجديد” الأسبوع الماضي أنه جرى الاتفاق على استقبال بعثة من صندوق النقد الدولي خلال الأشهر الستة القادمة، في إطار مشاورات المادة الرابعة، وهو ما يُتوقع أن يوفر بيئة مشجعة للمستثمرين المهتمين بالسوق السورية.
وأضاف المصدر أن هذه المشاورات قد تمهد للتوصل إلى برنامج للإصلاح الاقتصادي والمالي غير مرتبط بقروض، من نوع Staff Monitored Program، مشيراً إلى أن المشاركة السورية في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال الفترة الماضية أسهمت في تحقيق نقلة نوعية في العلاقة مع المؤسستين الماليتين.
وأوضح المصدر أن الاتفاق مع صندوق النقد يشمل تقديم مساعدات فنية في مجالات الإصلاح المالي والمصرفي، والمالية العامة، والإحصاءات، وإدارة الدين العام، على أن تقوم عدة بعثات بزيارة دمشق خلال الفترة المقبلة. واعتبر أن التوافق على تعيين ممثل مقيم للصندوق في سورية، وإلغاء الإجراءات الأمنية التي كانت تحول دون إقامة بعثات الصندوق، يمثلان خطوة مهمة في تعزيز التعاون.
———————————-
السياسة النقدية والتضخم.. صندوق النقد يعلن نتائج زيارته إلى سوريا
صندوق النقد قال إن الاقتصاد السوري يظهر مؤشرات على التعافي
الرياض – العربية
17 نوفمبر ,2025
قال صندوق النقد الدولي، اليوم الاثنين، إنه بدأ مناقشات بشأن وضع إطار مناسب للسياسة النقدية لسوريا من شأنه أن يدعم ضمان انخفاض التضخم واستقراره.
وأضاف الصندوق، بعد ختام زيارة فريق الخبراء إلى دمشق، أن السلطات السورية تمكنت من اتخاذ موقف متشدد على الصعيدين المالي والنقدي في ظل القيود الكثيرة التي تواجهها.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السوري يظهر مؤشرات على التعافي، وفقاً لوكالة “رويترز”.
لماذا عدّلت سوريا أسعار الوقود؟.. التهريب ونقص الكهرباء في صدارة الأسباب
طاقة اقتصاد سوريا لماذا عدّلت سوريا أسعار الوقود؟.. التهريب ونقص الكهرباء في صدارة الأسباب
وفي وقت سابق، أعلنت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، أن الصندوق أرسل بعثة من الخبراء إلى سوريا للقاء المسؤولين السوريين ومناقشة أولويات الإصلاح الاقتصادي واحتياجات المساعدة الفنية.
وقالت كوزاك إن الخطوة التالية ستكون إجراء المزيد من المناقشات حول كيفية تمهيد الطريق لإجراء مراجعة “المادة الرابعة” لاقتصاد سوريا، والتي ستكون الأولى منذ عام 2009.
—————–
تحذيرات الشرع تهزّ المشهد.. هل تنجح سوريا في محاربة الفساد؟/ علاء الدين الكيلاني
قبل أقل من عام، سقط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وتولت إدارة جديدة مقاليد السلطة في سوريا، وبينما كانت هذه الإدارة تسعى لطي صفحة عقود من الاستبداد، وجدت نفسها أمام تركة ثقيلة من الفساد ونهب مقدرات البلاد. فهل تنجح في وقف مسلسل الفساد؟
ومؤخرا، كشفت تحقيقات أجرتها جهات رقابية في سوريا عن انتهاكات جسيمة تعرض لها القطاع الحكومي، على يد مسؤولين سابقين كبار اتُّهموا بإساءة استخدام السلطة، والرشوة، وإهدار المال العام.
وقدّرت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش (جهة رسمية) -في تقرير لها- حجم الضرر الذي أصاب المال العام على خلفية الفساد بنحو نصف مليار دولار أميركي، شمل قطاعات إستراتيجية كالطاقة، والثروة المعدنية، والخدمات.
وتجري التحقيقات التي استندت إلى وثائق وأدلة، في وقت تحاول السلطات السورية الجديدة تفكيك منظومة فساد النظام السابق وتتبع أصول مسؤوليه، واسترداد أموال نظام الأسد، التي تبلغ -وفق تقرير لوزارة الخارجية الأميركية- ما بين مليار إلى ملياري دولار.
غير أن تصريحات مفاجئة، أثارت اهتمام الشارع السوري، كشف خلالها الرئيس أحمد الشرع عن شبهة “إثراء غير مشروع”، لدى قادة ومسؤولين وشخصيات مقربة من السلطة الجديدة، التقاهم في اجتماع غير رسمي بمدينة إدلب شمال البلاد.
ونقلت وكالة رويترز عن مصادر خاصة، أن الشرع حذّر المجتمعين من “إغراءات السلطة”، متسائلا عما “إذا كانوا قد خضعوا لها بهذه السرعة؟”.
وبيّن الرئيس الشرع -وفق المصدر- الحاجة إلى تغيير ثقافة الاستثمار التي أرساها النظام السابق، مؤكدا عدم تسامحه مع أي شبهة فساد بين موظفي الدولة.
مخاوف الانجرار وتحول المسار
ورأى مراقبون في هذه الخطوة، إشارة واضحة إلى وجود حالات إثراء غير مبرر، وشبهات فساد، دفعت الرئيس لتحذير رفاق دربه -أبناء الثورة- من الانجرار وراء غواية السلطة، واستغلال المنصب الوظيفي، أو الحصول على مكاسب بطريقة غير مشروعة، بينما تراهن السلطة الجديدة على دولة قائمة على الانضباط الإداري، ومبدأ نظافة اليد، خالية من الفساد، تخضع مؤسساتها وأجهزتها للرقابة والمساءلة.
ويُعاقب قانون العقوبات السوري بالسجن لمدة تصل إلى 10 سنوات على جرائم الرشوة، واختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع، واستغلال المنصب الوظيفي لتحقيق منفعة خاصة.
وحذر الخبير الاقتصادي عبد الستار دمشقية من مغبة تحول الحالات المحدودة من الإثراء اللافت للنظر، ضمن دائرة قريبة من السلطة، إلى كرة ثلج يزداد حجمها في ظل ما تواجهه سوريا من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، وانشغال بالملف الخارجي، الذي يحاول الشرع من خلاله استعادة دور سوريا الإقليمي والدولي، بعد عقود من تهميشه.
وأوضح -في حديثه للجزيرة نت- أن البلاد لا تزال تعاني من تداعيات الفساد الذي خلّفه النظام السابق عبر 6 عقود من استغلال السلطة، والتربح على حساب الشعب، ما يعني أنها غير قادرة على تحمل أي حصيلة جديدة في هذا الملف، قد تزعزع ثقة المواطن بمبادئ وتوجهات الحكم الجديد.
في حين أكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن “الإجراءات التي طالت شخصيات مقربة من السلطة أحدثت تحولا نوعيا في مسار مكافحة الفساد، يعكس إرادة سياسية حقيقية في بناء دولة لا أحد فيها فوق القانون، دولة مؤسسات لا دولة أفراد”.
وقال للجزيرة نت إن “نجاح هذا الاتجاه لا يضمن فقط استقرارا اقتصاديا، بل يؤسس لشرعية سياسية جديدة، قوامها العدالة والمساءلة، ويمنح سوريا فرصة تاريخية للانتقال من دولة الريع والفساد، إلى دولة الإنتاج والمواطنة”.
إرث ثقيل
وتسلم النظام الجديد عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي دولة تُوصف بأنها “منهارة وينخر الفساد فيها كل جانب”.
ووصف وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار ما رآه على الأرض عند وصوله إلى دمشق بـ”المشهد الصادم”.
ولفت -خلال لقاء خاص نظمه مجلس الأعمال السوري التركي في مدينة إسطنبول أغسطس/آب- إلى أن سوريا التي تسلمتها الحكومة الجديدة كانت “مدمرة بالكامل”، مؤكدا أن حجم الكارثة تجاوز التقديرات.
وفي مؤشر قوي على جدية الدولة في إغلاق هذا الملف، شكّل الجهاز المركزي للرقابة المالية (هيئة تابعة لرئاسة الجمهورية) أكثر من 80 لجنة تحقيق متخصصة لمعالجة ملفات تورط فيها مسؤولون سابقون في حكومة النظام البائد، إلى جانب رجال أعمال ربطتهم علاقات قوية مع الرئيس المخلوع.
ونقلت وكالة “سانا” الرسمية للأنباء عن نائب رئيس الجهاز أن الأضرار والخسائر التي ألحقها الفساد بالمال العام كانت جسيمة، ما وضع على عاتق الجهاز مسؤولية كبيرة لكشف الحقائق ومحاسبة المتورطين.
ويمارس جهاز الرقابة المالية دوره الرقابي بشكل مباشر على الوزارات والإدارات العامة والهيئات ذات الطابع الإداري، إضافة إلى الشركات والمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي، والجهات التي تتلقى إعانات من الدولة أو تسهم الدولة في رأس مالها.
كما يقوم بتدقيق الإيرادات والنفقات العامة والمنح والهبات والتبرعات المحلية والدولية، ومراجعة وتدقيق الحساب العام الإجمالي للدولة، والتحقق من استخدام الموارد بكفاءة دون هدر أو إسراف أو ضياع.
ويرى الباحث محمد البقاعي أن نجاح الطابع المؤسسي لأي نظام جديد للإدارة العامة، في مرحلة ما بعد الصراع، يتوقف على النهج الذي تتبعه الحكومة في التعامل مع الإرث السابق، وخاصة ما يتعلق منه بالفساد والمحسوبية.
وأوضح في دراسة حول “مؤسسات الخدمة العامة بعد سقوط نظام الأسد” أن الفساد كان إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها النظام لتنفيذ سياساته وتحقيق أهدافه.
وأشار إلى أن عدم وجود تمويل كافٍ لاسترضاء النخب الحاكمة والجماعات التي سعى لكسب ولائها، جعل من الفساد بأشكاله المختلفة، أداة فعالة لربط كبار موظفي الدولة المدنيين والعسكريين بالنظام، من خلال المصالح المشتركة.
وأنتج ذلك -وفق الباحث- ثقافة إدارية تقوم على استسهال التسيب في العمل العام، وعدم الحفاظ على موارد الدولة، وانتشار الفساد واستساغته.
بدوره، يدعم الخبير الاقتصادي قوشجي وجهة نظر الباحث البقاعي حيث يرى أن “تحول المؤسسات العامة إلى أدوات للابتزاز والنهب، وغياب الرقابة الفعلية لصالح شبكات المصالح، التي تداخل فيها السياسي بالاقتصادي، والحزبي بالأمني، شكّل من الفساد بنية متكاملة ربطت مفاصل الدولة بشريان المنفعة الخاصة”.
وأضاف للجزيرة نت أن “حالات الفساد لم تكن مجرد انحرافات فردية بل سياسة ممنهجة اعتمدتها السلطة البائدة كأداة للسيطرة وتثبيت أركان حكمها”.
وأشار إلى أن هذا الواقع أفرز ثقافة عامة أضعفت الثقة بالقانون والهيئات القضائية، خاصة في ظل انعدام الفصل بين السلطات، وهيمنة الحزب الواحد على التعيينات والمناصب العليا.
فساد يهدد المرحلة الانتقالية
تشير تقييمات الشبكة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) -التي اختارت الأسد شخصية عام 2024 لدوره على صعيد الجريمة المنظمة والفساد- إلى أن الرئيس المخلوع حصل على مليارات الدولارات من إنتاج المخدرات، وتجارة الأسلحة، وتهريب البشر، وسرقة الآثار.
وحذرت -في تقرير لها- من أن الفساد المستشري في عهده لا يزال يهدد المرحلة الانتقالية في سوريا.
ونقلت الشبكة عن دراسة أعدها البرنامج السوري للتنمية القانونية والسياسية، ومقره لندن، أن “فشل الحكومة الحالية بقيادة الرئيس الشرع في مواجهة الجرائم الاقتصادية المتجذرة، قد يعرض جهود تحقيق العدالة والمساءلة طويل الأمد للخطر”.
وحثّت الدراسة الحكومة السورية الجديدة على استعادة الأصول التي استحوذ عليها مسؤولو عهد الأسد وشركاؤهم بشكل غير مشروع، داعية إلى تعاون دولي في تتبع هذه الأصول واستردادها.
وعلقت الشبكة بالقول: “لطالما مكّن الفساد مرتكبيه من التهرب من العدالة كما حدث في دول أخرى عاشت مرحلة ما بعد الاستبداد كالفلبين وإندونيسيا وتشيلي”، ولذلك ” فإن التقاعس عن العمل سيشكل إساءة للضحايا وسيؤدي إلى إدامة الإفلات من العقاب، من خلال السماح للجناة بالاحتفاظ بمكاسبهم غير المشروعة”.
ورغم التحركات الإيجابية التي تقوم بها السلطات السورية الجديدة لمكافحة الفساد، ووضع ضمانات لعدم عودته، يظل السؤال حول فاعلية هذه التحركات محور نقاشات ومداولات واسعة.
وشدد الخبير الاقتصادي أحمد سلامة على أن مواجهة الإثراء غير المشروع، كحلقة من حلقات الفساد، تحتاج لإصلاحات جذرية تضمن سلامة الأداء المؤسسي في مختلف قطاعات الدولة.
ولفت إلى أن نهج رد الفعل بدلاً من النهج الوقائي، من شأنه أن يضعف الحوكمة الرشيدة، إذ لا تزال مواجهة الفساد بحاجة إلى بيئة عامة تسودها الشفافية والثقة، وسيادة القانون والعدالة.
نظام وطني للنزاهة
ودعا في حديثه للجزيرة نت، إلى بناء نظام وطني للنزاهة، يعتمد على:
دعم سلطات إنفاذ القانون لمنع إساءة استخدام السلطة، وتعزيز استقلالية الجهاز القضائي.
ضمان الشفافية الكاملة في عملية صنع القرار.
توسيع مساحة التشاركية المتنوعة، وتمكين المواطنين من محاسبة الحكومة، وحماية المبلغين عن الفساد.
خضوع القطاع الخاص -أسوة بالعام- لمعايير النزاهة، وتعزيز معايير مكافحة الفساد لتشمل قضايا الضرائب والتهرب الضريبي وغسل الأموال.
ورأى أن مكافحة الفساد في سوريا، بوجود إرث ضخم من ملفات النظام السابق، لا تزال حالة تفاعلية، لا وقائية؛ إذ لا يكفي -بحسب رأيه- مجرد زيادة التحقيقات وتوقيف الفاسدين لمعالجة هذا الثقب الأسود، بل لا بد من اتباع نهج شامل في البناء والإصلاحات التشريعية القانونية والاقتصادية، لسد الثغرات الضعيفة في قطاعات العمل بشقيها الرسمي والخاص، منعا لتسرب الفاسدين منها.
وفي سياق متصل، تؤكد منظمة الشفافية الدولية أن الإبلاغ عن المخالفات أكثر الطرق فاعلية للكشف عن الفساد، والممارسات غير القانونية، ومنعها في وقت مبكر.
وترى المنظمة أن الإفصاح للسلطات ذات الصلة عن معلومات حول الفساد، أو أي مخالفات أخرى ترتكب، من شأنه أن يوفر ملايين الدولارات من الأموال العامة، كما يجنب البلاد مشكلات اقتصادية ذات تداعيات عميقة مثل التهرب الضريبي وغسل الأموال.
وأرجعت -في تحليل لها حول “دور المبلغين عن المخالفات”- أسباب قلة عدد الإبلاغات إلى:
الخوف من العواقب القانونية والمالية والسمعة.
الاعتقاد بأن التبليغ لن يحدث أي فرق.
عدم اليقين بشأن كيفية الإبلاغ، وأين، ولمن.
ودعت المنظمة الدول إلى سنّ قوانين تسمح للمواطنين والموظفين بالإبلاغ عن الفساد وإساءة استخدام السلطة وسرقة المال العام والإثراء غير المشروع، من دون خوف أو ملاحقة.
كما دعت إلى سنّ تشريعات تحمي هوية المبلِّغين وتمنحهم حصانة قانونية تضمن عدم ملاحقتهم بتهمة تسريب معلومات.
المصدر: الجزيرة
—————————
الشرع يطّلع من «المركزي» السوري على خطط تطوير القطاع المصرفي واستبدال العملة
دمشق: «الشرق الأوسط»
17 نوفمبر 2025 م
زار الرئيس السوري أحمد الشرع مصرف سوريا المركزي، والتقى حاكمه عبد القادر الحصرية ونوابه، في إطار متابعة جهود تطوير البنية المالية والمصرفية في البلاد.
وخلال الزيارة، اطلع الشرع على المراحل المتقدمة التي وصل إليها برنامج التحوّل المؤسسي والتقني للمصرف، كما استمع إلى الخطط الهادفة إلى تطوير البنية المصرفية، وتعزيز الاستقرار المالي، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء السورية (سانا).
وشملت جولة الاطلاع مراجعة خطط تطوير أنظمة العمل الداخلية، ومنظومات الرقابة، وأنظمة الدفع الوطنية. كما تم استعراض التحضيرات الخاصة بـاستراتيجية المصرف للفترة الممتدة من 2026 إلى 2030، والإجراءات الفنية المتعلقة بـاستبدال العملة الوطنية وفق أعلى المعايير الفنية المتبعة عالمياً.
وفي ختام الزيارة، أكد الشرع على الأهمية القصوى لتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز دوره باعتباره ركيزة أساسية لدعم مسار التنمية الاقتصادية في البلاد.
———————
لدعم زراعة القمح.. الحكومة السورية تطلق مشروع “القرض الحسن“
2025.11.17
أعلنت وزارة الزراعة السورية عن إطلاق مشروع “القرض الحسن” لدعم مزارعي القمح ولضمان الأمن الغذائي في البلاد.
وقالت الوزارة على قناتها في “تلغرام”
إن القرض سيشمل بذار القمح وأسمدة آزوتية وأسمدة فوسفاتية، في حين يبدأ التسجيل عليه من تاريخ اليوم وينتهي في الـ27 من الشهر الجاري.
ولفتت إلى أن التسجيل على هذا القرض يكون ضمن الدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية، حيث جاء ذلك دعماً للأمن الغذائي وللنهوض بالقطاع الزراعي.
موسم القمح في سوريا
سبق أن أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن سوريا تشهد هذا العام أسوأ موسم زراعي منذ ستة عقود، في ظل جفاف غير مسبوق يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 16 مليون شخص في البلاد.
وتضررت مساحات شاسعة من الأراضي المزروعة بالقمح، ما دفع السلطات إلى دق ناقوس الخطر بشأن تراجع الإنتاج المحلي واللجوء مجدداً إلى الاستيراد.
وأفادت “الفاو” بأن قرابة 2.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالقمح تضررت نتيجة للظروف المناخية القاسية التي وُصفت بأنها “الأسوأ منذ نحو 60 عاماً”، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقالت مساعدة ممثل المنظمة في سوريا، هيا أبو عساف، إن هذه الظروف أثرت على نحو 75% من الأراضي المزروعة والمراعي الطبيعية المستخدمة في الإنتاج الحيواني.
وأضافت أبو عساف أن القمح البعل تعرض لتلف بنسبة تصل إلى 95%، في حين من المتوقع أن يسجل القمح المروي انخفاضاً في الإنتاج يتراوح بين 30 و40% مقارنة بالمواسم الاعتيادية.
—————————————————–
السعودية تسلّم الدفعة الأولى من منحة دعم الطاقة في سوريا
17 نوفمبر 2025 م
أعلنت السعودية وصول أول شحنة من منحتها المقررة لدعم قطاع الطاقة في سوريا، حيث رست الناقلة المحمّلة بالنفط الخام السعودي في ميناء بانياس يوم الأحد، حاملةً نحو 650 ألف برميل من البترول، وهي الكمية التي تمثل الدفعة الأولى من المنحة الإجمالية المتفق عليها والبالغ حجمها مليون و650 ألف برميل.
ويأتي تسليم هذه الشحنة للجانب السوري إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بهدف دعم الشعب السوري، وفق وكالة الأنباء السعودية.
وكانت المملكة، ممثلة في الصندوق السعودي للتنمية، وسوريا، ممثلة في وزارة الطاقة، قد وقعتا اتفاقية تقديم المنحة في 11 سبتمبر (أيلول) الماضي.
يتم تنفيذ ومتابعة المنحة بإشراف من وزارة الطاقة في المملكة، وتستهدف بشكل أساسي الإسهام في تعزيز تشغيل المصافي السورية وتحقيق الاستدامة التشغيلية والمالية لقطاع الطاقة الحيوي. كما تسعى المنحة لدعم تنمية الاقتصاد السوري ومواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، وتمكين القطاعات الحيوية من النمو، ودعم الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وذكرت «واس» أن هذه الخطوة تؤكد على عمق العلاقات الوثيقة بين البلدين، وتجسد جهود المملكة المتواصلة للإسهام الفاعل في تحسين الظروف المعيشية للشعب السوري.
————————
========================
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
———————————-
تحرير السوق واضطراب الصرف وتراجع الدعم.. ثلاثية الأزمة الاقتصادية في سوريا الجديدة/ أغيد حجازي
16 نوفمبر 2025
تستمر الأوضاع الاقتصادية في سوريا سوءًا رغم مرور نحو عام على الوعود الحكومية بتحسين المعيشة واستقرار الأسعار، وسط قرارات ورفع للدعم وتحرير للأسواق اعتبرها كثيرون غير مدروسة وأدت إلى تفاقم معاناة المواطنين بدلًا من تخفيفها.
وأطلقت الحكومة الجديدة، منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سلسلة من الوعود بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية خلال أشهر قليلة، شملت رفع الرواتب بنسبة 400% وتحسين التغذية الكهربائية لتصل إلى 12 ساعة يوميًا خلال شهرين. غير أن هذه الوعود لم تتحقق حتى الآن، فيما ازدادت الأسعار ارتفاعًا وازداد المواطنون ضيقًا.
زيادات ناقصة وموظفون مفصولون
في كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، محمد أبو زيد، أن الحكومة ستزيد رواتب موظفي القطاع العام بنسبة 400% في الشهر القادم، أي في شهر شباط/فبراير الماضي، لكن هذه الزيادة لم تتحقق كما أُعلن، إذ اقتصرت في حزيران/يونيو على 200% فقط وتأخر صرفها نحو شهرين.
واعتبر مراقبون أن هذه الزيادة لا تواكب حجم الارتفاع في الأسعار، إذ ما تزال رواتب معظم موظفي القطاع العام لا تتجاوز ما يعادل 100 إلى 150 دولارًا شهريًا.
هذا التفاوت الكبير بين الزيادة المحدودة في الدخل والارتفاع الحاد في الأسعار عمّق من الأزمة المعيشية، خصوصًا في ظل غياب أي برامج دعم أو حماية اجتماعية ترافق هذه القرارات، خاصة مع وجود نسبة بطالة مرتفعة تصل إلى نحو 60%، بحسب وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، ما يعني أن الغالبية الساحقة من السوريين باتوا متضررين من السياسات الاقتصادية الأخيرة، سواء بسبب فقدان العمل أو تآكل القوة الشرائية لدخولهم.
وكانت النتيجة مزيدًا من الضغط على المواطنين نتيجة رفع الأسعار وعدم الالتزام بالزيادات الموعودة، في وقت وثّقت تقارير حقوقية وبحثية فصل أكثر من 100 ألف موظف حكومي من أعمالهم لأسباب إدارية أو مالية، رغم خروج احتجاجات في عدد من المدن للمطالبة بإعادتهم إلى وظائفهم. وتُقدّر رواتب الغالبية العظمى من هؤلاء المفصولين بأقل من 30 دولارًا شهريًا.
وأشار الخبير الاقتصادي يونس الكريم إلى أن رفع الرواتب بنسبة 200%، رغم الإعلان عن زيادتها بنسبة 400%، ترافق مع زيادة كبيرة في أسعار الكهرباء والخبز، ما جعل أثر الزيادة محدودًا جدًا. إذ لم تغط أكثر من 20 إلى 30% من الارتفاع العام في الأسعار، بينما يدفع المواطن نحو 70% من الفارق من دخله الشخصي.
وأضاف أن “الكثير من القوى العاملة، مثل العمال اليوميين وأصحاب الدخول غير الثابتة والتجار الصغار، لم تشملهم هذه الزيادة أصلًا، ما عمّق الفجوة المعيشية بين فئات المجتمع.”
وبيّن الكريم في حديثه لموقع “الترا سوريا” أن نحو 90% من الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر، وأن الفئات التي كانت تعيش على أمل تحسن القدرة الشرائية انتقلت اليوم إلى مرحلة “الفقر المدقع”، ما يجعل أوضاعها “وفق المؤشرات الدولية شديدة الصعوبة”. وأكد أن هذا الواقع “يؤثر سلبًا على الاستثمار وخطط الحكومة، وينعكس على قطاعات حيوية كالصحة والتعليم وحتى على محاولات إنهاء عسكرة المجتمع.”
تحرير السوق.. بلا خطة
من أبرز الخطوات التي وُصفت بأنها “صادمة” للمواطنين، قرار الحكومة تحرير السوق بشكل مباشر وفوري دون وضع خطة انتقالية تضمن عدم وقوع آثار سلبية على الفئات محدودة الدخل. وقد جاء ذلك متزامنًا مع إلغاء الدعم عن المواد الأساسية كالخبز والمشتقات النفطية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسب كبيرة جدًا.
فقد ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 ليرة إلى نحو 4000 ليرة دفعة واحدة، كما ارتفع سعر الغاز المنزلي من 30 ألفًا إلى 150 ألف ليرة، والمازوت والبنزين من حوالي 2500 إلى ما يقارب 15 ألف ليرة. في المقابل أصدرت وزارة الطاقة قرارًا يقضي بتحديد أسعار جديدة مخفّضة لبيع المشتقات النفطية، وتشمل البنزين والمازوت وأسطوانات الغاز المنزلي والصناعي. ووفق القرار، أصبحت الأسعار كما يلي: البنزين أوكتان 90 بسعر 0.85 دولار للتر الواحد، والمازوت بسعر 0.75 دولار للتر، فيما تحدد سعر أسطوانة الغاز المنزلي (وزن 10 كيلوغرامات) بـ10.5 دولارات، وأسطوانة الغاز الصناعي (وزن 16 كيلوغرامًا) بـ16.8 دولارًا.
في هذا الإطار، قال كريم إن قرار وزارة الطاقة بتخفيض أسعار المحروقات بالدولار يشكّل بارقة أمل للمواطنين، خاصة بعد رفع أسعار الكهرباء، إذ يمكن أن يخفّف من أعباء المعيشة ويفتح المجال أمام انخفاض تكاليف النقل والإنتاج. لكنه أوضح، في المقابل، أن القرار يضع الدولة أمام تحديات كبيرة.
واعتبر كريم أن التسعير بالدولار يشكّل مخالفة للمادة 51 من الإعلان الدستوري الذي أقرّ سريان القوانين السابقة ما لم تُلغَ بنص صريح، باعتبار أن الليرة هي عملة التداول، وهو ما أكده المصرف المركزي في أكثر من مناسبة بعد سقوط الأسد وتشكيل حكومة تصريف الأعمال، ومن ثم بعد تشكيل الحكومة الجديدة. وأشار إلى الأثر على سعر الصرف الذي يعاني أصلًا من الذبذبة بوجود ثلاثة أسعار: سعر الحوالات، وسعر المصرف المركزي، وسعر الأرصدة المجمّدة، لافتًا إلى أن السعر المحدد بالدولار يبدو أرخص، ما سيدفع المواطنين إلى الدفع عبره.
وأضاف أن الفارق السعري مع دول الجوار يجعل المحروقات السورية الأرخص، الأمر الذي يفتح الباب أمام نشاط تهريبي واسع، في حين تتحمل وزارة المالية عبء تمويل الفارق، خصوصًا مع مناقصة شراء سبعة ملايين برميل لتزويد محطات الكهرباء، ما يزيد الضغط على الموازنة، إضافة إلى الحاجة لأن تقوم وزارة الاقتصاد بإعادة تسعير السلع. واعتبر أن القرار يحمل وجهين: وجهًا إيجابيًا قصير الأمد يتمثل في تخفيف الأعباء عن المواطن، ووجهًا سلبيًا طويل الأمد يتمثّل في زيادة المخاطر المالية والأمنية على الدولة.
الكهرباء.. وعود متكرّرة بلا تنفيذ
الكهرباء، أحد أبرز الملفات التي وُعد السوريون بتحسينها، بقيت هي الأخرى على حالها. ففي كانون الثاني/يناير قال وزير الكهرباء في حكومة تصريف الأعمال عمر شقروق إن توفير الكهرباء من ست إلى ثماني ساعات يوميًا يحتاج شهرين فقط، فيما صرّح مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة أحمد سليمان في آب/أغسطس أن ساعات التغذية ستصل إلى عشر ساعات يوميًا خلال أيام في أقصى تقدير.
وفي الشهر ذاته، أكد وزير الطاقة في الحكومة الجديدة محمد البشير أن وصول الغاز الأذري سيزيد ساعات الكهرباء إلى ثماني أو عشر ساعات يوميًا. لكن الواقع اليوم يشير إلى أن الكهرباء لا تصل إلا أربع أو خمس ساعات في أفضل الأحوال، وسط ارتفاع فواتيرها بعد رفع الأسعار بنسبة 600%.
يشير الخبير الاقتصادي كريم إلى أنّه من المتوقع أن ترتفع فاتورة الكهرباء من نحو 30% من الراتب الشهري إلى ما بين 60 و70%، حتى مع محاولات المواطنين تقنين الاستهلاك أو الحد من الهدر. ولفت إلى أن انعكاس ارتفاع فاتورة الكهرباء على قطاع الأعمال سيكون مضاعفًا، إذ سترتفع أسعار السلع والخدمات بما لا يقل عن ضعفين، وربما أكثر، تبعًا لطبيعة المكونات الإنتاجية التي تعتمد على الكهرباء.
وقدّم الكريم مثالًا توضيحيًا قائلًا إنّ “سندويشة الفلافل، مثلًا، تعتمد في إنتاجها على الخضار المبردة التي تحتاج إلى كهرباء، فإذا ارتفعت فاتورة الكهرباء إلى الضعف، ترتفع الكلفة بالنتيجة إلى الضعف، وكذلك الحال في طحن الحمص أو تشغيل آلات الإنارة داخل المحل. وبالتالي من الطبيعي أن ترتفع الأسعار ما بين ثلاثة إلى ثمانية أضعاف خلال الأسابيع المقبلة للمواد الأساسية، وأقلّ قليلًا للمواد الثانوية.”
وتابع أنّ الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي سيصبح غير مجدٍ اقتصاديًا، ما سيدفع البلاد نحو زيادة الاعتماد على الاستيراد، الذي قد يبدو في المدى القصير أرخص وأكثر استقرارًا من الإنتاج المحلي. ورجّح أن تشجع “الاستيراد في هذه المرحلة لأنه يساهم في استقرار العملة أكثر من دعم الإنتاج الداخلي، رغم أن هذا الخيار ستكون له آثار سلبية على المدى المتوسط والبعيد.”
سعر صرف غير مستقر
يُعدّ تذبذب سعر الصرف أحد العوامل المزعزعة للاستقرار الاقتصادي. فقد تراوح سعر الدولار بين 10 و11 ألف ليرة، وهو أقل من ذروة العام الماضي حين تجاوز 20 ألف ليرة، إلا أن غياب تثبيت السعر عند مستوى محدّد جعل الأسواق تعيش حالة من الفوضى.
يبرّر التجار ارتفاع الأسعار المستمر بأنهم يشترون البضائع حين يكون الدولار في ذروته، ما يجعل تسعير المنتجات يتم بشكل فردي ومضطرب، ويزيد من انعدام الثقة لدى المستهلكين. كما أثار تخطّي الدولار حاجز 12 ألف ليرة في بعض الفترات مخاوف جديدة من موجة غلاء إضافية.
وحول مسألة عدم تثبيت سعر الصرف، قال الكريم إن المصرف المركزي حاول ضبطه عبر نشراته الرسمية، “لكن الواقع يشهد وجود ثلاث نشرات فعلية”، لافتًا إلى هذا “التذبذب أدّى إلى فوضى في التسعير.” وأوضح أن التجار باتوا يسعّرون بضائعهم وفق أسعار السيولة المجمّدة، حتى إن لم تكن لديهم أموال مجمّدة في المصارف، معتبرين ذلك السعر هو المرجع الفعلي في السوق.
وأشار إلى أن “الثقة بالليرة تراجعت حتى لدى الحكومة نفسها”، موضحًا أن العديد من الغرامات والرسوم الحكومية باتت تُسعر وتُحصّل بالدولار، ما زاد من ضعف العملة الوطنية. وأضاف أن تصريحات المصرف المركزي المتكررة التي تعكس عجزه عن التحكم في السوق النقدية أسهمت بدورها في تراجع الاستثمار والإنتاج المحلي.
الأمن والاستثمار.. معادلة غائبة
في موازاة الأزمة الاقتصادية، تبقى الأوضاع الأمنية أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار. فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق مقتل 7552 شخصًا منذ بداية العام حتى مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني الذي يردع المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
في هذا السياق، قال المستشار الاقتصادي عامر ديب إن الاستقرار الاقتصادي يشكّل أساسًا لبناء الاستقرارين الأمني والسياسي، موضحًا أن “بوصلة الاستقرار تبدأ من الاقتصاد، ولا يمكن الوصول إلى أمن مستدام من دون دعم حقيقي للركائز الاقتصادية”.
وأضاف ديب في حديثه لـ”الترا سوريا” أنه في الحالة السورية اليوم، يُعدّ الأقوى اقتصاديًا هو الأقوى تفاوضيًا على الأرض، وليس فقط من يمتلك القوة العسكرية، معتبرًا أن “القوة العسكرية أصبحت عنصرًا مكمّلًا للقوة الاقتصادية، لا بديلًا عنها”.
وبيّن ديب أن الجدوى الاقتصادية ترتبط بمستوى المخاطرة، فكلما ارتفعت درجة المخاطر زادت احتمالات تحقيق أرباح أو تكبّد خسائر أكبر، مشيرًا إلى أن “في ظل غياب الاستقرار الأمني، يقلّ عدد المستثمرين وتنخفض المنافسة، لأن الدخول في أي استثمار يُعدّ مجازفة حقيقية”.
وأوضح أن فرص الاستثمار تظل موجودة دائمًا سواء في فترات الاستقرار أو الاضطراب، لكن طبيعتها تختلف، لافتًا إلى أن “من يستثمر في أوقات عدم الاستقرار يمكن أن يحقق أرباحًا مرتفعة جدًا، رغم ارتفاع التكاليف والمعاناة، لأن المخاطرة العالية تقابلها عادة مكاسب أكبر”.
وختم ديب بالقول إن فترات الاستقرار تشهد عادة توسّعًا في حجم الاستثمارات، لكنها تُحقق أرباحًا أقل بسبب ازدياد المنافسة وانخفاض التكاليف التشغيلية، مشيرًا إلى أن “الاقتصاد المستقر يعني بيئة مفتوحة للمنافسة، بينما الاقتصاد المضطرب يمنح أفضلية لمن يجرؤ على الاستثمار رغم المخاطر”.
اقتصاد بلا أفق
من جهةٍ أُخرى، يشكّل “قانون قيصر” الأميركي أحد أبرز العقبات أمام تحريك عجلة الاقتصاد السوري، إذ يمنع الشركات من الاستثمار أو المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار خوفًا من التعرّض لعقوبات محتملة. وقد ساهم استمرار العمل بهذا القانون في إضعاف الثقة بالبيئة الاستثمارية، ودفع العديد من الشركات إلى التريّث في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالاستثمارات.
ورغم أن مذكّرات التفاهم المتعلقة بالاستثمارات قد قُدّرت بنحو 28 مليار دولار، فإن معظمها لم يُترجم إلى مشاريع فعلية على الأرض. ويُرجع خبراء ذلك إلى جملة من الأسباب، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني، وعدم رفع “قانون قيصر” بشكل كامل، إضافة إلى تأخّر إقرار قانون الاستثمار الجديد الذي لا يزال بحاجة إلى مصادقة مجلس الشعب الذي لم يكتمل تشكيله حتى الآن، فضلًا عن أن جزءًا من هذه المذكرات لم يكن حقيقيًا، بل اقتصر على إعلانات نيات لم تُتبع بخطوات تنفيذية ملموسة.
وتعتبر الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن جزئية ومحدودة الأثر، ولا تعالج الأسباب الهيكلية للأزمة. إذ من دون استقرار سياسي وأمني حقيقي، ورفع للعقوبات الاقتصادية، ووضع خطة متوازنة تراعي حماية الفئات الفقيرة بالتوازي مع خطوات التحرير الاقتصادي، سيظل الاقتصاد السوري يسير في مسار تراجعي، فيما يواصل المواطن تحمّل العبء الأكبر من الأزمات.
وفي هذا السياق، ختم الخبير الاقتصادي يونس الكريم حديثه لـ”الترا سوريا” بالإشارة إلى أن الأسعار ارتفعت خلال النصف الأول من عام 2025 بنسبة تراوحت بين 53% و55% قبل رفع أسعار الكهرباء، متوقّعًا أن تزداد خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة تتراوح بين 100% و200% مقارنةً بمستويات عام 2025، الأمر الذي يجعل المشهد الاقتصادي السوري “متجهًا نحو مزيد من التضخم والعجز المعيشي إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتصحيح المسار”.
وكانت الحكومة الجديدة قد ورثت اقتصادًا منهكًا بفعل سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والانقسام المؤسسي، حيث تراجع الإنتاج في مختلف القطاعات، وتقلّصت موارد الدولة بشكل حاد، فيما تفشّى الفساد الإداري والمالي على نطاق واسع. كما واجهت الحكومة واقعًا ماليًا صعبًا تمثّل في عجز كبير في الموازنة العامة، وارتفاع مستويات الدين، وانهيار شبه كامل في البنى التحتية الحيوية كالطاقة والنقل والخدمات العامة.
هذا الإرث الثقيل جعل مهمة الإصلاح الاقتصادي أكثر تعقيدًا، وفرض على الحكومة تحديات متشابكة تتطلب معالجة عاجلة لا تقتصر على السياسات المالية، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة بالمؤسسات وإطلاق بيئة استثمارية مستقرة.
الترا سوريا
———————————-
على خطّ طرابلس – حمص: حدود سائبة ودولة غائبة و”كزدورة” بأقلّ من 200 دولار/ ابراهيم الغريب
15.11.2025
الفساد يعمّق اقتصاد التهريبفي ظلّ الانهيارين الماليين في لبنان وسوريا، تحوّل التهريب إلى شريان اقتصادي رئيسي. مهرّبون، ضبّاط، وسماسرة يعيشون من هذه التجارة التي تدرّ ملايين الدولارات شهرياً. وبحسب مصادر أمنية لبنانية سابقة، فإن بعض المعابر “يُفتح ويُغلق بتنسيق سياسي محلّي مقابل رشى شهرية”. النتيجة: حدود سائبة تموّلها الفوضى وتغطّيها المصالح.
على امتداد الطريق بين طرابلس وحمص، تختفي ملامح أجهزة الدولة اللبنانية كأنها لم تكن يوماً هناك، حدود مفتوحة على مصراعيها، لا قانون يُطبّق، ولا جهة تحاسب.
في هذه المساحات المنسيّة، تتحرّك شبكات تهريب البشر والبضائع، تُديرها مافيات لبنانية وسورية بتنسيق غير معلن مع عناصر أمنية فاسدة، فيما يبقى البشر الحلقة الأضعف في تجارة تقتات على الخوف والجوع واليأس.
حدود الفوضى بعد سقوط النظام السوري
منذ سقوط النظام السوري في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، تحوّل الشريط الحدودي الشمالي إلى مسرح مفتوح للفوضى، ومع تصاعد العنف ضدّ أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري، لجأ كثيرون إلى خيار وحيد للنجاة: عبور النهر الكبير الجنوبي نحو الأراضي اللبنانية عبر طرق غير شرعية، يديرها مهرّبون يتقاضون أجورهم بالدولار، ويخضعون لحماية أمنية على ما يبدو.
في هذا التحقيق، يوثّق “درج” رحلة العبور من حمص إلى طرابلس لكشف حجم الفوضى والانتهاكات التي تُمارَس بحقّ الفارّين من جحيم الحرب والاضطهاد، وسط غياب شبه تامّ للسلطات.
طبقات اللاجئين
يروي علي حكاية هروبه، هو شابّ جامعي من اللاذقية، ويصف رحلته إلى لبنان بأنها كانت “رحلة نجاة محفوفة بالذلّ والخوف”، ويقول: “قال لي المهرّب ما تقول إنك علوي إذا سألوا. لما وصلت للنهر بخربة الأكراد، شفت عنصر أمن سوري يمد إيده على امرأة قدام زوجها المعصوب العينين. كنت مرعوب… بس ساكت. لما وصلت عالأراضي اللبنانية صار عندي نوبة خوف بعد ما كنت مكتم كل شي”.
قصّة وليد، الممرّض الذي يعمل في لبنان منذ سنوات، تختلف قليلاً. عاد إلى سوريا لفترة قصيرة بعد سقوط النظام، ثم رجع تهريباً إلى لبنان. لكن حتى في العودة، كان الانتماء الطائفي يحدّد السعر.
“سألني المهرّب إذا أنا سني ولا علوي. قلتله شو بيفرق؟ قال بيكلفك ٥٠ دولار إذا سني و١٥٠ إذا علوي. قلتله أنا سني من الرقة… ضحك وقال إذا كردي ١٠٠. يعني كل شي له تسعيرة!”.
بحسب خالد العواضلي المتحدث باسم منظّمة “سيدار للإغاثة الإنسانية”، وصلت إلى المنظّمة عشرات العائلات الفارّة من الساحل السوري “بحالة إنسانية ونفسية مدمّرة”، ويؤكّد جهاز إدارة الكوارث في عكّار أن عدد الداخلين عبر المعابر غير الشرعية “صار من غير الممكن إحصاؤه”، بعدما فقدت الدولة السيطرة الفعلية على تلك المعابر.
شبكة تهريب منظّمة
تحقّق “درج” من روايات شهود عيان ومهرّبين ينشطون بين طرابلس وحمص،أحدهم رفض التعاون بسبب “تضييق الأمن السوري”، فيما قدّم آخر تسجيلاً صوتياً يؤكّد أن العبور لا يزال ممكناً “لكن بسعر مضاعف”: “صار العبور بـ١٠٠ دولار بدل ٥٠، لأن عناصر الأمن السوري شدّوا شوي، بس فينا نمشي الأمور. في نقطة تانية أرخص، بس فيها ألغام”.
الأمر لم يتوقّف عند ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى “تمييز طائفي” في المعاملة.
“السني بيمشي بسرعة… العلوي بيتدقق عليه، والكردي بيندفع عليه زيادة”.
هكذا تُختصر حدود الدول في سوق مفتوحة، حيث تُسعّر الأرواح حسب الهويّة.
رحلة العبور: من طرابلس إلى خربة الأكراد
فجر الخامس من تشرين الأوّل/ أكتوبر، انطلقت الرحلة من طرابلس إلى العبدة، ثم إلى المسعودية في سهل عكّار، حيث كان المهرّب بانتظاري. نقلني بسيارته إلى حرج قريب من النهر الكبير الجنوبي، قبل أن يسلّمني إلى آخر يقود درّاجة نارية.
في الطريق سألته ممازحاً: “شو لو كنت علوي من جبل محسن؟”، فأشار بيده إلى رقبته بمعنى “الذبح”.
على الضفّة السورية، كان عنصران من الأمن العامّ بانتظارنا. عبرت النهر بخطوات متوتّرة. دقائق قليلة فقط كانت كفيلة بنقلي إلى خربة الأكراد، ومنها إلى موقف الباصات، بمئة دولار فقط، اجتزت حدود دولتين غائبتين عن الوعي.
العودة… الطريق ذاته بالعكس
في رحلة العودة، لم يختلف المشهد، سائق سيّارة لاحظ ملابسي المتّسخة فعرض وساطته مع مهرّب مقابل ٢٠ دولاراً، وصلت إلى النهر برفقة امرأة سورية تريد العبور أيضاً. عبرنا على الأقدام بمساعدة مهرّب شابّ يقود درّاجة نارية. لم يظهر أيّ عنصر من الأمن السوري أو اللبناني. في الجهة اللبنانية، كان مهرّب آخر ينتظرنا ليسلّمنا إلى شابّ يقود درّاجة ثانية نحو العريضة، دون أيّ تدقيق أو سؤال.
غياب الدولة… وحضور المهرّب
في الاتّجاهين، لا وجود لأيّ جهاز أمني لبناني. الدولة تغضّ الطرف، تاركة الحدود مشرّعة أمام الفساد، بينما ازدهرت تجارة السلاح الآتي من سوريا، وتزايدت أعداد الضبّاط والموظّفين السابقين الفارّين إلى لبنان بطرق غير شرعية.
“درج” حاول التواصل مع الأمن العامّ اللبناني للحصول على تعليق رسمي، لكنّ الاتّصالات المتكرّرة بقيت من دون جواب، أما نائب عكّار محمّد سليمان، فأقرّ بوجود التهريب، لكنّه برّره بالبطالة: “ما فينا ننكر، بس الحل مش الملاحقة… الحل إنو الدولة تؤمّن فرص عمل لهالناس. الإعلام لازم يشوف كمان الجوانب الإيجابية بهالقرى”.
تاريخ طويل من التهريب بين لبنان وسوريا
تاريخ التهريب بين البلدين يعود إلى عقود، وتحديداً إلى فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) حين تحوّلت الحدود الشمالية والشرقية إلى ممرّات للسلاح والوقود والمقاتلين.
ومع الوجود العسكري السوري في لبنان (1976–2005)، ترسّخت شبكات مصالح بين ضبّاط ومسؤولين من الطرفين، فصار التهريب اقتصاداً رمادياً موازياً، يغذّي نفوذاً سياسياً ويموّل الولاءات.
بعد اندلاع الحرب السورية في عام 2011، ازدهر هذا الاقتصاد أكثر.
الحدود الممتدّة لأكثر من 375 كيلومتراً باتت خارجة عن السيطرة الفعلية، مع ضعف التنسيق بين الجيش اللبناني والأمن العامّ من جهة، والأجهزة السورية من جهة أخرى.
ووفق تقارير منظّمة الهجرة الدولية (IOM) والمفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، يعبر آلاف السوريين سنوياً نحو لبنان عبر معابر غير شرعية، هرباً من التجنيد أو الاعتقال أو الفقر.
أما تقارير “هيومن رايتس ووتش” والعفو الدولية، فتوثّق تعرّض هؤلاء العابرين للابتزاز والعنف، وأحياناً للاعتداءات الجنسية، سواء من قِبل المهرّبين أو عناصر أمنية على الجانبين.
الفساد يعمّق اقتصاد التهريبفي ظلّ الانهيارين الماليين في لبنان وسوريا، تحوّل التهريب إلى شريان اقتصادي رئيسي. مهرّبون، ضبّاط، وسماسرة يعيشون من هذه التجارة التي تدرّ ملايين الدولارات شهرياً. وبحسب مصادر أمنية لبنانية سابقة، فإن بعض المعابر “يُفتح ويُغلق بتنسيق سياسي محلّي مقابل رشى شهرية”. النتيجة: حدود سائبة تموّلها الفوضى وتغطّيها المصالح.
على خطّ طرابلس– حمص، لا تبدو الحدود مجرّد جغرافيا تفصل دولتين، بل مرآة لانهيارهما المشترك. من يعبر النهر الكبير الجنوبي لا يغامر، بل يبحث عن فرصة للحياة، لكن ما دام المهرّب هو الحاكم الفعلي للمعابر، ستبقى هذه الحدود مشرّعة أمام البشر والبضائع والموت… فيما الدولتان، لبنان وسوريا، آخر من يعلم.
درج
—————————–
“أسعار خيالية”.. غضب بين السوريين من شركتي الاتصالات
الرياض- العربية.نت
16 نوفمبر ,2025
على مدى اليومين الماضيين انشغل السوريون برفع شركتي الاتصالات في البلاد، سيرياتيل و”أم تي أن” أسعار الباقات والخدمات المقدمة.
وعمت موجة انتقادات واسعة لقرار الشركتين، فيما دعا العديد من السوريين على مواقع التواصل إلى المقاطعة.
كما اتهم آخرون الشركتين برفع الأسعار بشكل خيالي، بما فاق الـ200%.
أمام موجة السخط هذه، تحركت وزارة الاتصالات، وأكدت أنها وجهت رسالتين إلى الشركتين طالبتهما فيها بتوضيح أسباب ارتفاع أسعار الباقات الجديدة، وتحسين جودة الخدمة خلال 60 يوماً، فضلاً عن نشر توضيحات موجزة للمواطنين تشرح هذه الباقات الجديدة”.
“انتقاد واعتراض وغضب”
بدوره، أوضح الوزير عبد السلام هيكل، أن الوزارة تتابع بعناية “كل ما يرد من انتقاد واعتراض وغضب”.
كما أكد أنه “خلال الأيام القادمة سيقدّم توضيحات لكيفية عمل قطاع الاتصالات في سوريا، وتحدياته، وإلى أين نتجه في المرحلة المقبلة”. وأضاف أن هذا القطاع بأكمله في مرحلة انتقالية لم يشهدها من قبل، ومقبل نحو شراكات واستثمارات جديدة، بعضها حالياً في المفاوضات النهائية”.
إلى ذلك، أشار إلى أنه حتى اكتمال مسارات التطوير هذه، ستسعى الوزارة إلى رفع جودة الخدمة إلى أقصى درجة ضمن الممكن وبكلفة مناسبة، إلا أنه شدد على أن المهمة ليست سهلة.
رغم ذلك، اعتبر عدد من السوريين أن تلك التحركات الرسمية من قبل الوزارة غير كافية. وتساءل آخرون كيف لوزارة وصية على الشركتين ألا تعرف مسبقاً بتغيير أو رفع الأسعار؟!
ورأى البعض الآخر أن وزارة الاتصالات وافقت مسبقاً على قرار الشركتين وإلا لما سارتا به، وفق زعمهم.
يذكر أنه رغم التحديات التقنية العديدة، جراء 14 سنة من الحرب وتدهور الاقتصاد في سوريا، يسير قطاع الاتصالات نحو رقمنة شاملة بدعم حكومي ومبادرات دولية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية (ألياف ضوئية، كابلات بحرية، محطات فضائية)، وإدخال تقنيات حديثة مثل 5G، وغيرها.
——————————-
========================
تحديث 15 تشرين الثاني 2025
———————————-
ما الذي يؤخر تدفق الاستثمارات وعودة السيولة النقدية إلى سوريا؟/ لمى سليمان
تحديث 15 تشرين الثاني 2025
دمشق – بعد سقوط النظام السوري السابق ودخول سوريا مرحلة التعافي، وبعد أن قضت الحرب والفساد والعزلة الممنهجة المصحوبة بالعقوبات الاقتصادية على منظومة الاقتصاد السوري بكل مقوماته الطاقية والمالية والمصرفية وحتى البشرية، جاءت مذكرات التفاهم الاستثمارية التي تم الإعلان عنها خلال الشهور الأخيرة مع العديد من البلدان وفي مجالات مختلفة كخطوة واسعة المدى على درب إعادة الإعمار والنهضة المعيشية للمواطن السوري والبلد بأكمله.
وفي العرف الاقتصادي، فإن مذكرات التفاهم تبقى مذكرات مكتوبة لفترة زمنية معينة وليس بالضرورة أن تتحول كلها إلى اتفاقيات تُطبق فعليا، ولتأتي أُكلها الاستثماري تحتاج إلى شروط مختلفة تحددها إرادة المستثمر التي تُبنى عادة على الثقة وعلى طبيعة البلد المُستَثمر فيه والإمكانيات المتاحة للمستثمر للبدء وكذلك التسهيلات، ومن هنا يأتي السؤال: ما سبب تأخر الاستثمارات وتدفق السيولة المالية إلى سوريا؟
منظر عام لمدينة دمشق (الأناضول)
البيئة الآمنة
يمكن القول إن هناك عوامل عديدة حالت دون تحويل مذكرات التفاهم التي تم توقيعها إلى اتفاقيات، وبما أن الاستثمار والأمن صنوان لا يفترقان، فإن المستثمر سواء أكان محليا أم أجنبيا فهو يبحث أولا عن البيئة المستقرة والآمنة، وهنا لا نقصد بالبيئة الآمنة تحوّل البلد من بؤرة الحرب إلى حالة الصفاء الاجتماعي فقط، وإنما البيئة التشريعية الناظمة للقوانين الواضحة والمنفتحة على دول العالم من دون قيود واشتراطات تعيق تدفق رؤوس الأموال، بمعنى أن تكون بيئة جاذبة لأي مستثمر خالية من العقوبات والعقبات.
وعلى ما سبق يفنّد المحلل الاقتصادي الدكتور علي محمد، في حديث للجزيرة نت، أهم أسباب تأخر الاستثمارات وتدفق السيولة المالية إلى سوريا فيقول:
المستثمر يحتاج إلى أمرين قبل بدء الاستثمار، وهما الأمن والطاقة، وبالطبع هناك ضعف كبير في البنية التحتية سواء في المؤسسات العامة أو الخاصة، ودمار واسع في قطاع الطاقة والكهرباء والمواصلات. وهذا الضعف يتطلب استثمارا مباشرا في الطاقة كون المستثمر لمجالات أخرى يبحث عن الطاقة، فغيابها يجعل تدفق الاستثمارات بطيئا. والبدء بمشاريع الطاقة يحل عقبة كبيرة وهي توفير الطاقة للسوريين أولا وللمستثمرين في قطاعات أخرى غير الطاقة.
البيئة التشغيلية من مواصلات وموانئ ومطارات وجسور بحاجة ماسة إلى تطوير وبدء فعلي للاستثمارات فيها كحل لعقبة ثانية في تدفق الاستثمارات.
توقيع مذكرات التفاهم الاستثماري بين بلدين لا يعني تدفقا فوريا لرؤوس الأموال، فهناك مراحل متتالية من حيث تدعيم دراسة الجدوى الاقتصادية التي قام عليها هذا المشروع الاستثماري لتكون مبنية على معلومات صحيحة مستندة على أرض الواقع والشروط المتعلقة بحماية الملكية.
الظروف المتعلقة بالبيئات القانونية والتشريعية، كاتفاقية حماية الاستثمارات المتبادلة بين وزارة الاقتصاد السورية ووزارة الاستثمار السعودية والتي تمت بعد شهر من توقيع مذكرات التفاهم في سوريا.
الاستقرار الأمني والاجتماعي مهم جدا على كافة المستويات حتى تتمكن رؤوس الأموال من التعامل مع البيئة المراد الاستثمار بها وفق دراسات دقيقة لكافة العوامل المؤثرة على الاستثمار، وبخاصة القوانين الناظمة للحركة النقدية في البلد المُستَثمر فيه من كل النواحي كالتشريعات النقدية والمالية.
رأس المال حكيم فهو يختار المواقع الصحيحة والاستثمارات التي تدر الأموال، لذلك فإن مسألة بناء الثقة متعددة المناحي على الصعيد التشريعي والقانوني والواقع ككل أمنيا وسياسيا واقتصاديا.
العقبة الكبرى وهي قانون قيصر، فرغم إزالة معظم العقوبات الأميركية والأوروبية عن سوريا، فإن وزارة الخزانة الأميركية حتى تسمح بتصدير بعض المعدات ذات الطابع المدني والتكنولوجي إلى سوريا، لا بد من تجميد قانون قيصر، وهو ما قد يحتاج لشهر أو شهرين.
من المهم أن تصبح سوريا على قوائم مجموعة العمل المالي، وبالتحديد على قائمتها العادية وليست الرمادية أو السوداء، الأمر الذي يسهل زيادة تفعيل ربط سوريا بالنظام المالي العالمي “سويفت” (SWIFT) وتسهيل حركة التحويلات المالية من وإلى سوريا، لتتجاوب بدورها كافة المصارف العالمية مع مثيلتها السورية لفتح حسابات المصارف السورية لديها، وبالتالي تحريك الحوالات والتحويلات النقدية.
واقع العمل الاستثماري
وبالحديث عن واقع العمل الاستثماري، يُطرح سؤال ما الذي يؤخر تدفق الاستثمارات وعودة السيولة النقدية إلى سوريا؟ فقد وجدت بعض الاستثمارات بالفعل طريقها في سوريا وبخاصة الاستثمارات السعودية والقطرية وحتى بعض الشركات التي بدأت باستقطاب العديد من الكفاءات والخبرات السورية للبدء بتنفيذ المشاريع على أرض الواقع، في حين بدأت شركات أخرى بالعمل على تحسين البيئة التحتية الملائمة لاستهلال مشاريعها المتفق عليها مع الحكومة السورية. ورغم ذلك، تقف استثمارات أخرى على العتبة في انتظار حلول لعقبات البنى التحتية والعقوبات الاقتصادية وسواها.
وعلى اعتبار أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة في بلد عُزل مدة طويلة عن العالم وتحول إلى محمية بشرية مغلقة قاتلة لأهلها عوضا عن حمايتهم، فلا يمكن تصور نجاح أي شأن استثماراتي دون الوصول إلى كيان بشري واحد متآلف، وضمان حالة ثقة متوازنة بين النسيج السوري أولا، وبين سوريا مع العالم الخارجي أيضا، وهو ما تعمل عليه الحكومة السورية جاهدة من ضبط للأمن والعمل على كشف حالات الفساد والرشوة، والوصول إلى نظام مؤسساتي مبني على تنوع الكفاءات وفاعليتها وضمان وجود الشخص المناسب في المكان المناسب. وعليه يوضح أمجد اسماعيل الآغا الكاتب والباحث ونائب رئيس مجلس النهضة السوري التالي:
الحديث عن الاستثمارات في سوريا يبدو أنه بوابة قد تُشكل المفتاح الأساسي لتحقيق ما يريده السوريون حيال التعافي الاقتصادي والنهضة المعيشة، أو بداية لمسارٍ منظم يهدف إلى إعادة بناء الواقع السوري بكل مستوياته بعد سنوات طويلة من الصراع والدمار، بيد أن هذه الصورة الزاهية تصطدم بحقيقة ماثلة على الأرض، حيث لا يمكن فصل المشهد الاقتصادي عن التعقيدات السياسية والأمنية التي لا تزال تفرض نفسها بقوة، وتمنع تأسيس بيئة مستقرة تنطلق منها الاستثمارات بشكل حقيقي ومستدام.
ورغم توقيع عقود واتفاقيات ضخمة، وهو ما اعتبر مؤشرا على انفتاح الاقتصاد، فإن الأمر لا يتعدى كونه أمرا رمزيا، خاصة في ظل غياب ضمانات تطبيقية وعدم توفر بيئة عمل مستقرة، وسط استمرار التقلبات الأمنية وعدم وضوح المشهد السياسي وتأخر إعادة الإعمار الحقيقي. فاستعادة الاقتصاد لا تُقاس فقط بمليارات الأموال المتداولة، بل بمدى قدرة المنظومة السياسية على توحيد الرؤى وإرساء أسس التوافق الوطني الذي يواكب إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوزيع السلطات بشكل عادل ومستدام.
في المقابل تنطوي عملية إعادة الإعمار على ما هو أكثر من مجرد أموال وجهود تقنية. إنها عملية سياسية بامتياز تستدعي إرادة حقيقية على مستوى حكم الدولة، ترتكز على مشروعية تشاركية تضمن حقوق كافة المكونات الاجتماعية وتتيح مشاركة فعالة في إدارة الاقتصاد والمجتمع. وعليه، تعثر التسوية السياسية والمصالحة الوطنية ينعكس مباشرة على عرقلة التحسن الاقتصادي، ويطيل أمد حالة الانقسام وعدم الاستقرار التي تخيم على المشهد.
ويؤكد الآغا أن التأخير في استعادة الاقتصاد السوري لا يمكن اختزاله في عامل الوقت فقط، بل هو تعبير عن إعادة تأسيس مشددة للنظام السياسي وإقامة ترتيبات وطنية تضمن استقرار الدولة وشمولية التنمية، إلى جانب تأثير مباشر للبيئة الإقليمية والدولية التي تحيط بسوريا والتي تتحكم بحجم الدعم الاقتصادي والسياسي المتاح.
ولهذا، تبقى العلاقة بين الاقتصاد والسياسة مفتاحا لتفسير واقع التأخر حيال تفعيل الاستثمارات بمعناها الواقعي والحقيقي وكذا تأخر تدفق السيولة المالية، حيث يجب أولا إزالة العوائق السياسية الكبرى بما يشمل بناء توافقات وطنية، وتعزيز شفافية الحوكمة، وتحسين مقومات الإدارة، قبل أن يكون الحديث بجدية عن إطلاق استثمارات فعلية تقود البلاد نحو تعاف اقتصادي مستدام.
ومما سبق يمكن التأكيد على أن تسهيل تدفق الاستثمارات وعودة السيولة النقدية يحتاجان مسارا اقتصاديا إصلاحيا مبنيا على قوانين واضحة ومقترن بإعادة هيكلة البنى التحتية لتصبح قادرة على استيعاب الاستثمارات وجذبها، إضافة إلى ذلك إرساء الثقة المجتمعية والأمنية التي توفر بيئة صحية للمستثمر وتعطي ثقة للعالم، تُفضي إلى إلغاء أي عقوبات تعيق الحركة النقدية من وإلى سوريا.
المصدر: الجزيرة
———————————–
«عقوبات قيصر» شوكة في خاصرة حكومة الشرع
هل ينجح ترمب في إقناع الكونغرس بإلغائها؟
واشنطن: رنا أبتر
14 نوفمبر 2025 م
لقاء تاريخي جمع بين قاطن البيت الأبيض دونالد ترمب، والرئيس السوري أحمد الشرع، في واشنطن. دلالاته تتجاوز مخرجاته، والصورة التي جمعت بين الرجلين عكست بكل وضوح، توجّه الإدارة الأميركية الجديد في المنطقة؛ فترمب مد غصن زيتون للرئيس «القوي»، بحسب وصفه، واستقبله بالترحيب والتهليل، في خطوة أضفت مزيداً من الشرعية على صورة الشرع الجديدة، وأغلقت صفحته السابقة بوصفه قائداً لفصيل مسلح متشدد. لكن التحدي الأكبر أمام المرحلة المقبلة، لا يكمن في البيت الأبيض؛ بل في أروقة الكونغرس، حيث لا تزال «عقوبات قانون قيصر» عالقة بانتظار تسوية قد تقنع المعارضين بإلغائها من دون شروط. يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أبرز مخرجات اللقاء التاريخي، وآلية تطبيقها، بالإضافة إلى حظوظ ترمب بالنجاح في الضغط على الكونغرس لإلغاء عقوبات قيصر.
مخرجات الزيارة
يصف أندرو تابلر، كبير المستشارين للمبعوث الخاص إلى سوريا ومدير ملف سوريا في مجلس الأمن القومي سابقاً، زيارة الشرع بأنها كانت ناجحة، ويعدّها فرصة لصفحة جديدة بين سوريا والولايات المتحدة. لكنه يحذّر، في الوقت نفسه، من أن هناك كثيراً من العمل الذي ينتظر الطرفين، مشيراً إلى أنه رغم وجود تقدم في بعض النقاط التي ناقشها ترمب مع الشرع في لقائهما السابق في مايو (أيار)، فإن ذلك مرتبط بشكل أساسي بنقاط أخرى لم تشهد كثيراً من التقدم؛ كالاتفاق الإبراهيمي، والنقطة المتعلقة بوضع شمال شرقي سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ومراكز احتجاز مقاتلي «داعش». ويضيف: «أعتقد أن أسلوب إجراء هذا الاجتماع وطريقة دخول الشرع إلى البيت الأبيض، يشيران إلى أن هناك كثيراً من المفاوضات المتبقية».
من ناحيته، يؤكد تشارلز ليستر، كبير الباحثين ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط، التزام الشرع بالعلاقة مع الولايات المتحدة ووضعها أولويةً مقارنة بأي علاقات دولية أخرى، مشيراً إلى أن زيارته لواشنطن كانت لها دلالات مهمة جداً. ويضيف: «أما بالنسبة للبندين المذكورين؛ وهما التطبيع (مع إسرائيل) وملف (قسد)، فإن سوريا تبذل قصارى جهدها من أجل التوصل إلى اتفاق وتسوية بشأنهما. والآن الكرة في ملعب إسرائيل للموافقة، وفي ملعب قوات سوريا الديمقراطية. دمشق قامت بالكثير، لكنّ هناك أموراً ما زالت تحتاج إلى التسوية».
ويقول ويليام روبوك، السفير الأميركي السابق لدى البحرين ونائب المبعوث السابق للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، إنه وعلى الرغم من أن الشرع يعطي أولوية للعلاقات الأميركية – السورية، فإن أمامه تحديات كثيرة خارجية وداخلية، مشيراً إلى «أن الجوار صعب»، وأن لدى الرئيس السوري كثيراً من العلاقات الأخرى التي يجب أن يديرها ويعيد بناءها. ويضيف: «أعتقد أن الزيارة التي أجراها إلى البيت الأبيض تشجع كل هذه الجهود التي يقوم بها، لكن سوف يتعين عليه أن يعمل على الأمن والاستقرار داخلياً في الداخل السوري، وهذا تحدٍّ كبير، والانضمام إلى التحالف الدولي لهزيمة (داعش) سوف يساعد، لأنه يعطي المجال للولايات المتحدة أن تكون موجودة إلى جانبه والعمل معه. يجب أن يعمل على هذه العلاقات مع شركاء أساسيين مثل (قسد) وإسرائيل».
قاعدة عسكرية أميركية
من الأمور التي تم تداولها في الفترة الأخيرة احتمال إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في دمشق. يقول تابلر إن خطوة من هذا النوع كانت مطروحة رغم النفي من سوريا ومن الولايات المتحدة، لأن هناك محاولات بالفعل لتعميق العلاقات العسكرية. لكنه يعتبر أن من المبكر الحديث عن وجود قوات أميركية في دمشق، خصوصاً في ظل وجود قواعد عسكرية أميركية في أماكن أخرى بالمنطقة.
وفيما يعتبر ليستر أن أميركا لم تصل بعد إلى نقطة الوجود العسكري في دمشق، فإن ما يجري خلف الكواليس لأشهر هو أن القوات الأميركية «كانت تدخل وتخرج من دمشق تقريباً كل أسبوع لتنسيق العمليات والاستخبارات»، وتشاركها مع وزارة الداخلية في دمشق، مشيراً إلى حديث عن تعاون وثيق بين مسؤولين سوريين كبار وقادة العمليات الخاصة الأميركية. ويضيف: «إن مجتمع الاستخبارات والقوات الخاصة الأميركية يوجدان بشكل دائم من أجل تنسيق العلاقات والتعاون. هذا أمر واقعي. أما الحديث عن قوات أميركية (في قاعدة بدمشق) فهذا أمر سابق لأوانه. ولكنْ هناك تعاون وهناك ديناميكية». ويقول ليستر إنه سمع زخماً كبيراً من الجيش الأميركي عن العلاقة الجديدة التي تم تشكيلها، وعن النتائج التي تم تحقيقها من خلال هذا التعاون مع دمشق، مضيفاً: «نحن لا نتحدث عن تنسيق 6 عمليات مشتركة ضد (داعش) فقط؛ بل عن منع إيران من العودة إلى سوريا، وهو ليس هدفاً معلناً عنه، ولكن العمل جارٍ ونشط جداً من حيث التعاون بشأن ذلك، وهي ليست عمليات عامة ولا تظهر على الأخبار، ولكن الحماس كبير جداً».
مكافحة «داعش» ووكلاء إيران
من الأمور التي ذكرها توم براك، المبعوث الخاص إلى سوريا، بعد الإعلان عن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، أن المهمة لن تقتصر على التصدي لهذا التنظيم الإرهابي فحسب؛ بل «مواجهة (الحرس الثوري الإيراني)، و(حماس)، و(حزب الله)، وغيرها من الشبكات الإرهابية». ويقول تابلر، في هذا الخصوص، إنه لطالما كانت هذه الأمور مطروحة مع الشرع، خصوصاً فيما يتعلق بمحاربة الميليشيات الإيرانية ومنع عودة نفوذ إيران. ويضيف: «إن حكومة الشرع لديها عدائية لإيران بسبب قتل النظام (الإيراني) للكثيرين نيابة عن (بشار) الأسد، ولديها كذلك عدائية لتنظيم (داعش)، لأنه كان معادياً لهم. وبالتالي هناك إمكانية التحالف سياسياً مع الولايات المتحدة على هذين البعدين، وأعتقد أن هذا سوف ينجح. أما المسائل الأخرى التي تجب مراقبة الشرع عن كثب بشأنها؛ فهي الوضع داخل البلاد، وكيف سيؤثر أسلوبه في القيادة على المسارات الأخرى».
وعن محاربة تنظيم «داعش»، يشير روباك إلى أن الشرع حارب التنظيم من قبل، وأنه قادر على استكمال هذا لأنه يعرف طبيعته وكيف يحاربه ميدانياً، معتبراً أن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي «إنجاز رائع»، لأنه سيفتح المجال أمام الولايات المتحدة للعمل بشكل وثيق عسكرياً مع الجيش السوري وتوفير المعدات والمعلومات الاستخبارية، وغير ذلك من وسائل الدعم. ويضيف: «إنه تطور أساسي ومحوري سيسمح بتعزيز العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة والحلفاء بالمنطقة في محاربة (داعش)».
«قسد» وسجون «داعش»
قضية «قسد» لا تزال من القضايا العالقة التي تسعى إدارة ترمب لحلها، وقد لعب روبوك في السابق دوراً أساسياً في التعامل مع الأكراد، وهو حذّر عام 2019، في مذكرة داخلية، من التخلي عنهم، لكنه يقول إن الوضع مختلف اليوم، لأنه يتضمن «انتقالاً إلى المرحلة المقبلة». ويشير إلى أن الولايات المتحدة مدينة للأكراد في شمال شرقي سوريا، ولـ«قسد» التي حاربت وتصدت لـ«داعش» في مراحل سابقة. لكنه يعتبر أنه واقعياً لن يتمكن هؤلاء (الأكراد وقسد) من الاستمرار بأعمالهم في شمال شرقي سوريا باستقلالية، كما فعلوا على مدى السنوات الماضية من الحرب. وأوضح: «براك وترمب يبحثان عن طرق لتشجيع (قسد) على بناء الثقة مع الحكومة السورية لكي يتم دمج قوات (قسد) بحسب اتفاق مارس (آذار) الماضي، ويبحثون عن طريقة لتعزيز الثقة وتشجيعهم على اتخاذ خطوات إضافية. التطبيق لن يكون سهلاً، وسوف تكون هناك صعوبات في هذه العملية، ولكن أعتقد أنهم من الممكن أن ينجحوا». واتفاق مارس وقعه الرئيس الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، ويقضي باندماج القوات الكردية ضمن القوات الحكومية السورية.
لكن تابلر يحذر من مشكلة سجون «داعش» في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد»، فيقول: «إن مشكلة السجون مهمة جداً، لأن الأشخاص المسجونين هناك هم من أخطر العناصر وأكثرها تشدداً. كيف ستتعامل الحكومة السورية معهم؟ وهل سيبقون في هذه السجون؟ وهل ستضغط تركيا لإطلاق سراح بعض منهم، أو دول أخرى لإعادتهم؟ هناك كثير من التفاصيل، ولكن حالياً؛ كيف يمكن أن يتم التوصل إلى اتفاق جديد؟ وإلى حين التوصل إلى اتفاق لن يكون هناك أمن».
«عقوبات قيصر»
وتبقى «عقوبات قيصر» التحدي الأبرز في رسم استراتيجية الإدارة بسوريا، وهي اليوم لا تزال عالقة في الكونغرس مع وجود مشرّعين يرفضون إلغاءها من دون شروط. ويشير ليستر، في هذا الإطار، إلى وجود جهود كبيرة وراء الكواليس تبذلها الحكومة الأميركية والحكومة السورية والناشطين السوريين من أجل إقناع المشككين في الكونغرس بإلغاء العقوبات، وعدم تفعيل ما يسمى آلية «سناب باك» لإعادة فرضها في وقت مستقبلي. ويحذر من أن وجود هذه الآلية سيمنع المؤسسات المالية من التعامل مع سوريا. ويلفت ليستر إلى أن جلسة استماع ستجري بحضور قيصر بالكونغرس في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ضمن محاولة إقناع المشرعين بإلغاء العقوبات. ويشدد على أهمية «اقتناص الفرصة»، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب من المشرعين «التفكير بشكل مختلف». ويضيف: «صحيح أنه من غير المسبوق أن يكون عضو سابق في تنظيم (القاعدة) رئيساً لسوريا، لكن الانتقال اليوم يسير على أفضل وجه. وإن أردنا من الحكومة السورية أن تحرز أي تقدم واتخاذ القرارات الصائبة، فيجب أن نفتح اقتصادهم، وهذا أمر مستحيل مع وجود (عقوبات قيصر)». ويوافق روباك مع تقييم ليستر، ويذكّر بأن هدف «عقوبات قيصر» كان الضغط على نظام الأسد. ويقول: «سقط النظام، ونحن نحاول أن نعطي بداية جديدة لهذه الحكومة. هناك كثير من الضغوط الاقتصادية الهائلة عليها، وهذا يتسبب في كثير من المعاناة الإنسانية داخل سوريا. أفهم أن الأشخاص في الكونغرس قد تكون لديهم مبادئ، ولكن المبدأ الأول هو أن ننظر في سبب اعتماد هذه العقوبات أساساً؛ وهو الضغط على نظام الأسد. يجب أن نوضح للكونغرس أنه يستطيع إيجاد أدوات أخرى لاستخدامها للتأكد من أن لدينا إمكانية لتشجيع الحكومة على القيام بالصواب، ولكن العقوبات، خصوصاً (عقوبات قيصر)، ليست الأداة المناسبة». ويرجح تابلر أن يتوصل المشرعون إلى تسوية لإلغاء العقوبات مع بعض الشروط غير الملزمة لبناء الثقة؛ كتسليم الإدارة لتقارير دورية للكونغرس عن أداء الحكومة السورية، وتجاوبها مع المطالب الأميركية. ويضيف محذراً: «إذا أخطأنا في الأبعاد السياسية فكل ما عملنا عليه سوف يتلاشى وينهار، كما حصل مع الولايات المتحدة في كل تدخلاتها وجهودها الدبلوماسية بالعقود الماضية».
الشرق الأوسط
————————————-
الديون الإيرانية على سوريا… إرث الأسد الهارب/ مصطفى رستم
يرى مراقبون أن لدمشق الحق في مقاضاة طهران على أوجه الإنفاق العسكري لهذه الأموال ضد المدنيين
السبت 15 نوفمبر 2025
لا يوجد رقم ثابت عن حجم الديون المتراكمة والمستحق سدادها لكن دوائر السياسة الإيرانية تقدرها بـ50 مليار دولار.
لم تمض أيام على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، بعد فترة حكم امتدت ربع قرن حتى نادى السياسيون الإيرانيون بتحريك ملف الديون العالقة في سوريا بعد دعم غير محدود خلال عقد من زمن للصراع السوري المرير.
ولا يوجد رقم ثابت عن حجم الديون المتراكمة والمستحق سدادها، لكن دوائر السياسة الإيرانية تقدرها بـ50 مليار دولار، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن حجم الديون مبالغ به وهناك تقديرات بنحو 30 مليار دولار منذ عام 2011 حين اندلعت الاحتجاجات الشعبية للمطالبة بإسقاط الأسد.
وإلى اليوم العلاقات الدبلوماسية والسياسية مقطوعة بين طهران ودمشق والسفارة في حي المزة الدمشقي مغلقة، وتظهر البناية المتواضعة على طريق الأوتوستراد السريع للحي مقفلة. وكتب على جدرانها عبارات تندد بإيران وبشار، علاوة عن تحطيم صورة كبيرة الحجم لقائد فيلق القدس قاسم سليماني فوق المدخل الرئيس لبوابة السفارة الإيرانية وكل ذلك حدث في اليوم الأول لسقوط الأسد.
وكانت آخر زيارة رسمية جمعت بين بشار الأسد ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل أسبوع من هرب الرئيس السوري، وحينها أكد دعم بلاده للنظام وظهر يتناول العشاء في أحد مطاعم دمشق قبل أن ينتقل بجولة في المنطقة.
في حين أن المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أشار في تعليق صحافي بعد أسابيع من تسلم السلطات الجديدة الحكم إلى أن عودة العلاقات وافتتاح السفارة بيد الحكومة الانتقالية الجديدة، مؤكداً في الوقت نفسه مبدأ “خلافة الدولة” من جهة الاتفاقات والمعاهدات التي أبرمت بين الدولتين وفق القانون الدولي.
ديون لتدمير سوريا
في غضون ذلك يشرح أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور عبدالله الفارس في حديثه إلى “اندبندنت عربية” عن تاريخ الديون السورية، مؤكداً أنه قبل بدء الثورة لم يكن للبلاد أي ديون خارجية، وآخر ملف ديون كان مع الاتحاد السوفياتي وأجريت في وقتها مفاوضات وأعيدت جدولة هذه الديون، وأسقط كثير منها، وأوضح أنه “ومع بدء الثورة السورية وشن النظام البائد الحرب على الشعب السوري لم تقبل أي دولة إقراض النظام سوى (إيران وروسيا) في حين لم تقدم موسكو أي قروض نقدية واقتصرت على إمدادات بالأسلحة والذخائر، بينما طهران فتحت خطاً ائتمانياً وزودت النظام بالنفط والمال، وهناك من يتحدث أن قيمة الديون الإيرانية على النظام السوري 50 مليار دولار، وهناك حديث عن 75 مليار دولار”.
وقال فارس “من اللافت أن النظام الإيراني بدأ بمطالبة السلطات السورية الجديدة بهذه الديون بعد التحرير، ولكن الحكومة في دمشق تنظر إليها على أنها ليست على الدولة ولكنها قدمت للنظام السابق، واستخدمت لمحاربة الشعب، بل على العكس من الممكن أن تطالب دمشق النظام الإيراني بدفع تعويضات عن الحرب التي شنتها على سوريا بعد التدخل بشكل مباشر من خلال الميليشيات الإيرانية، التي كان لها دور كبير في مساندة النظام وأطالت عمر النزاع، الذي استغله ونتج منه قتل أكثر من مليون سوري وتدمير البنى التحتية والمدن، ومن ثم هذا ملف سياسي وليس اقتصادياً”.
مطالبة بتعويضات
منذ عام 2013 انتظم الحرس الثوري الإيراني بالنزاع المسلح في سوريا بعد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011 مطالبة بإسقاط النظام إذ امتد حكم عائلة الأسد حافظ وبشار بين (1970 ـ 2024)، وفي الصراع الأخير أرسل الحرس الثوري قوات عسكرية من النخبة كمستشارين وقادة وعناصر مقاتلة، وكان الإيرانيون يعلنون أنها بغية حماية الأماكن المقدسة للطائفة الشيعية في سوريا من المجموعات التي وصفتها بـ”التكفيرية”.
واستطاع فيلق القدس الإيراني تدريب الشرطة السورية على طريقة قمع الاحتجاجات مع تقديم دعم أمني واستخباراتي وتجنيد مواطنين أفغان في لواء أطلق عليه “فاطميون” ومواطنين باكستانيين في لواء “زينبيون”. ووفق تقديرات وسائل إعلام إيرانية لقي نحو 2100 جندي إيراني مصرعهم في معارك داخل سوريا إلا أن العدد يصل أكثر من ذلك، إذ أعلن رئيس مؤسسة الشهيد الإيرانية، أمير حسن قاضي زادة هاشمي، أن إجمال العدد يفوق 7300 إيراني بين قتيل وجريح.
“من الممكن أن تنظر دمشق إلى طهران على أنها طرف في النزاع الداخلي”، يقول المتخصص في الشأن الاقتصادي الدولي الدكتور عبدالله الفارس، مرجحاً أن تكلف الحكومة فريقاً قانونياً لدراسة هذه الديون ومن الممكن أن يفصل هذا الفريق أين ذهبت الأموال، ومن خلال هذا التفصيل يمكن رفع دعوى قضائية ضد الحكومة الإيرانية لمطالبتها بدفع تعويضات للشعب السوري.
في الأثناء لم تيأس طهران من إرسال رسائل للمطالبة بديونها، وآخرها حديث تناقلته وسائل إعلام لعراقجي عن إمكان طلب دمشق قرضاً من البنك الدولي لتسوية التزاماتها المالية في حال عجزت عن تسديد الديون، مشيراً إلى أن بلاده تنتظر موقفاً واضحاً من الحكومة السورية الجديدة تجاه مستحقاتها.
في المقابل طالب السياسي السوري، المتحدث الرسمي السابق لوفد المعارضة في محادثات أستانا سابقاً، أيمن العاسمي، الحكومة السورية بتقديم شكوى قضائية بالمحاكم الدولية لإجبار إيران على دفع تعويض للشعب السوري على الدمار الذي أحدثته في بلاده على كل الصعد.
وكان البنك الدولي أعلن في منتصف مايو (أيار) الماضي عن تسوية ديون سوريا البالغة 15.5 مليون دولار مما يؤهلها لبرامج جديدة للحصول على المنح بملايين الدولارات لإعادة الإعمار، وأتى ذلك بعد مدفوعات من السعودية وقطر لسداد متأخرات سوريا، ووفق تقرير حديث للبنك الدولي في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قدر كلفة إعادة إعمار البلاد بنحو 216 مليار دولار أميركي.
وقال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف “الالتزام الجماعي والعمل المنسق واعتماد برنامج دعم شامل ومنظم أمر بالغ الأهمية لمساعدة سوريا على المضي نحو التعافي وتحقيق التنمية الطويلة الأجل”.
أوراق الضغط المتساقطة
ومع هذا لا يبدي فريق من المتخصصين في الشأن الإيراني تعجباً من مطالبة طهران بالديون على رغم ما تعيشه سوريا من ضائقة، لا سيما أنها على أعتاب إعادة الإعمار، وذلك بسبب الواقع الاقتصادي المتردي في إيران وسط معاناة نحو 10 في المئة من سكانها سوء التغذية والجوع، حسب تقارير إعلامية.
ورجح المحلل الاقتصادي الإيراني حسين راغفر، في تصريح صحافي، أنه في حال استمرت الأمور في بلاده على وضعها فإن عدد الفقراء سيصل إلى 40 في المئة من إجمال السكان، في حين يعاني بحدود 7 ملايين شخص في إيران سوء تغذية.
ويجزم الباحث السياسي العراقي نظير الكندوري أن العهد الجديد في سوريا لا ينوي أن يرتبط بأي نوع من أنواع العلاقة بإيران، وبينما طهران تبتغي من الديون التي أعطتها إلى سوريا طوال الحرب التي دارت فيها إلى تثبيت أركان النظام، وتكبيل سوريا لعشرات الأعوام وربطها بعجلة الاقتصاد الإيراني، إذ لوحظ ذلك من خلال نوعية المشاريع التي استثمرت فيها ومددها التي تتجاوز العشرات من الأعوام.
وعن الإجراءات الإيرانية المتاحة قال الكندوري “اليوم دمشق تستند إلى علاقة جيدة مع الولايات المتحدة يمكنها توفير الحماية لسوريا الجديدة من كل إجراء قانوني يمكن لإيران أن تتخذه ضدها، كما هي الحال في العراق الذي لا يزال يتمتع بالحماية الأميركية ضد الدائنين للنظام العراقي السابق، وعلى هذا الأساس فليس بإمكان طهران استخدام ديونها واستثماراتها في سوريا كورقة ضغط ضد إدارة أحمد الشرع، ولا يمكن أن تطلب شيئاً نظير ديونها، لأن دمشق سترفض الجلوس معها في مفاوضات تخص هذا الشأن.”
الاتفاقات بدلاً من الديون!
في مايو (أيار) عام 2023 زار الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي سوريا والتقى بشار الأسد واتفقا على توقيع 15 اتفاقاً عدها محللون تعويضاً عن الديون المتراكمة على النظام. وتضمن هذه الاتفاقات حضوراً إقليمياً ملموساً لطهران على شواطئ البحر المتوسط، حينها قال الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني حشمت فلاحت بيشه إن ديون إيران على سوريا بلغت 30 مليار دولار.
ومع هذا سعت طهران إلى أن تعطي دمشق بيد وتأخذ بيد أخرى، فخلال الأعوام الأخيرة على عملية استخراج مادة الفوسفات في منجمين سوريين أحدهما “الصوافة” باحتياط 1.5 مليار طن من صخور الفوسفات والآخر “خفيس” باحتياط 300 مليار طن وفيه نسبة عالية من مادة اليورانيوم، كشف موقع “إيران إنترناشيونال” وثيقة سرية عن طلب وكالة الطاقة الذرية الإيرانية استجرار 800 ألف طن سنوياً من الفوسفات السوري نظراً إلى الدرجة العالية من اليورانيوم التي تتمتع بها تلك التربة لتحضير الكعكة الصفراء.
وثمة مجموعة قراصنة مقربة من منظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية اخترقت نظام مؤسسة الرئاسة الإيرانية وتمكنت من الوصول إلى معلومات في 120 خادماً وحصلت على معلومات سرية، ومنها رسالة من نائب الرئيس الإيراني إلى المرشد علي خامنئي تضمنت ديون سوريا “غير العسكرية والأمنية” لإيران التي بلغت نحو 12 مليار دولار حتى عام 2020 وتحدثت الرسالة عن آليات استرجاع هذه الأموال على مراحل.
وأكدت الوثائق المسربة عبر القراصنة أن الديون تبلغ 50 مليار دولار، ولم يتبين مصير سوى 18 مليار دولار، ولن تتمكن طهران من استردادها نقداً في فترة النظام السابق بل على شكل مشاريع اقتصادية وعلى المدى الطويل.
السيناريو الروسي
إزاء ذلك يذهب مراقبون إلى الاعتقاد أنه من الوارد بعد خيبة الأمل التي تلقاها النظام الإيراني والصدمة من تحويل أموال بشار الأسد إلى روسيا، أن تجلس طهران مع دمشق على طاولة مفاوضات لتحريك المياه الراكدة منذ انكفائها عن المنطقة ولا سيما من سوريا ولبنان، ومن المحتمل ترتيب نقاط تفاوضية بين الجانبين، مما يستبعده أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في جامعة حلب الدكتور عبدالله الفارس.
وعلق الفارس قائلاً “في ما يخص الديون مع روسيا فهو شأن مختلف، فهي ما زالت محتفظة بقواعدها في الساحل، وكان هناك تنسيق مع الدولة الروسية قبل التحرير، وهذا ما تحدث به صراحة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وقد يفرض بعض الالتزامات بسداد الديون والدخول بمفاوضات مع موسكو لسدادها، وهناك سيناريوهات عدة منها جدولتها بزيادة فترة استحقاق القرض والسداد أعواماً أطول، لحين بناء الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار”.
ومن المرجح سيناريو آخر وفق الدكتور الفارس يتعلق بديون موسكو كمبادرة حسن نية بإسقاط الديون، كنوع من الاعتذار غير الرسمي للشعب السوري عما حدث خلال الفترة السابقة لأنه في النهاية أسهمت روسيا الاتحادية بإطالة أمد الصراع، وكان لها دور كبير في دعم نظام الأسد، ولعل السياسة الواقعية اليوم تتطلب التعامل معها، وكان هناك ثمرة لهذا التعامل منها إيقاف الدعم لبعض الجهات التي كان من الممكن أن تثير المشكلات داخل سوريا، وكان من ثمرة التعاون أيضاً تأييد موسكو سوريا الجديدة، ومنها رفع العقوبات عن الرئيس ووزير الخارجية.
———————————
«دولرة» الاقتصاد السوري.. والسيادة النقدية/ عدنان كريمة
15 نوفمبر ,2025
مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أصبحت الشريك الـ90 الملتزم في مكافحة تنظيم «داعش» والقضاء عليه، وهو ما يشكل محطة مفصلية في التعاون الإقليمي. وقد وصفت السفارة الأميركية في دمشق هذا الانضمام بأنه «يمثل خطوة مهمةً للعمل جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة والدول الشريكة في مكافحة الإرهاب، ويعد جزءاً من مسيرة بناء سوريا آمنة ومستقرة، كما سيمكن من التعاون الأمني والتدريب المشترك، بما يعزز حماية السوريين من الإرهاب، ويتيح استعادةَ الاستقرار وتعزيز فرص إعادة الإعمار بعد 14 عاماً من الحرب المدمرة».
ويأتي هذا التطور منسجماً مع خطة سوريا الجديدة التي تسعى إلى «القطع» مع ماضيها، والخروج من صورة الدولة الراعية للإرهاب، وتثبيت موقعها ضمن منظومة الأمن الإقليمي والنظام الدولي، علماً بأن الرئيس أحمد الشرع يرى في التعاون مع الولايات المتحدة فرصةً لبلاده، ويعتبر أن التعاون ضد تنظيم «داعش» يشكل مظلةً سياسية استراتيجية لسوريا. وتحاول دمشق في الوقت نفسه أن تجد لنفسها موقعاً مطلوباً، مستفيدةً من حاجة القوى الإقليمية إلى تثبيت الاستقرار شرطاً لإنعاش اقتصاداتها، وكذلك حاجة الدول الكبرى إلى شركاء محليين يمكنهم إدارة ملفات الأمن والمصالح في المنطقة، لا سيما أن واشنطن بدأت منذ عقود بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، بما يخدم مصالحها. ولذا وصفت كبرى المنصات الأميركية اللقاء بين الرئيسين السوري والأميركي بأنه «حدث تاريخي» يطوي عقوداً من القطيعة، ويكرّس تحولا عميقاً في موقع سوريا ضمن الاستراتيجية الأميركية.
لقد أدى سقوط النظام السوري السابق، في الثامن من ديسمبر 2024، إلى فتح الباب أمام واحدة من أعقد المعارك الاقتصادية التي تشهدها سوريا منذ عقود؛ فالتضخم المتسارع، وانهيار الثقة بالعملة الوطنية، وسيطرة المضاربين على السوق السوداء.. إلخ، كل ذلك جعل من الليرة السورية رمزاً للأزمة أكثر مما هي أداة للتبادل وحفظ القيمة.
لكن مع انطلاق الإدارة الجديدة «فلت الدولار من عقاله» بإلغاء المرسوم رقم 3 للعام 2020 الذي يمنع تداوله تحت طائلة عقوبة السجن. وانتشرت «الدولرة» في أنحاء البلاد، ولم يقتصر تداول العملة الأميركية على القطاع الخاص، بل شمل أيضاً مؤسسات القطاع العام. واشتد أثرها الكبير مع تدفق الاستثمارات العربية والأجنبية الموعودة، والتي قدرت بنحو 28 مليار دولار، فضلاً عن عودة عدد من المستثمرين السوريين للاهتمام بتنفيذ مشاريع في قطاعات مختلفة.
لا شك في أن لعملية «دولرة» الاقتصاد السوري مزايا مهمة، منها حماية الأفراد والمؤسسات من مخاطر انخفاض قيمة العملة الوطنية وتغيراتها، إضافة للحماية من التضخم، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي. كما تساعد هذه العملية في دمج الاقتصاد المحلي بشكل أسهل في الأسواق المالية والاقتصاد العالمي. ولكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطرَ عدة، خاصةً أن «الدولرة» الكاملة تؤدي إلى فقدان الاستقلال النقدي، وفقدان الثقة بالعملة الوطنية التي تعتبر رمزاً وطنياً حيوياً.
وبما أنه لا يمكن مواجهة «الدولرة» وحماية الليرة بنشاط محدود للمصارف القائمة، فقد أعلن محافظ البنك المركزي عبد القادر الحصرية خطةً استراتيجية طويلة الأجل، تستهدف مضاعفة عدد البنوك العاملة في سوريا من 16 مصرفاً في الوقت الحالي إلى 30 مصرفاً بحلول عام 2030، في إطار جهود شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي المتضرر من سنوات الحرب الأهلية، والعقوبات الاقتصادية الدولية.
*نقلا عن الاتحاد
——————————–
شركات أجنبية تستثمر محطة حاويات اللاذقية.. خصخصة وظيفية لأهم مرفأ في سوريا/ محمد كساح
2025.11.14
يمثل توقيع مجموعة موانئ أبو ظبي اتفاقية استحواذ على 20 في المئة من محطّة حاويات اللاذقية الدولية، بالتعاون مع الشركة الفرنسية CMA CGM، شكلاً من الخصخصة الوظيفية أو نقل الوظيفة التشغيلية إلى شركة أجنبية عبر امتياز طويل الأجل.
ومع أن شكل الاتفاقية الذي جاء وفق نموذج “BOT”، الأمر الذي لا يفقد الدولة ملكيتها للمرفأ، إلا أن الاتفاقية تطرح تساؤلات حول السيادة التشغيلية حيث يدار أهم مرفأ للبلاد تحت التأثير المزدوج للإمارات وفرنسا، فيما تكتفي الحكومة بلعب دور مالك للأرض وجابي الرسوم.
توسيع نطاق التعاون
وكانت مجموعة موانئ أبو ظبي أعلنت عن توقيع اتفاقية مساهمين مع مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، الرائدة في الشحن والخدمات اللوجستية، للاستحواذ على حصة أقلية بنسبة 20% في شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية” في سوريا، مقابل 81 مليون درهم إماراتي (نحو 22 مليون دولار).
وقالت المجموعة في بيان، إن هذه الخطوة تأتي “لتوسيع نطاق التعاون الاستراتيجي” مع مجموعة “سي إم إيه سي جي إم”، مشيرة إلى أن الاتفاقية وُقعت في أبو ظبي بحضور الرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ أبو ظبي، الكابتن محمد جمعة الشامسي، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمجموعة الفرنسية، رودولف سعادة.
وأكد الشامسي أن الاتفاقية “تجسد زخم النمو الذي تشهده أعمال المجموعة وتعكس أواصر التعاون الدولي مع شركائنا الرئيسيين”، مضيفاً أنه “سنواصل العمل على بناء شراكات قوية مع كيانات عالمية رائدة مثل مجموعة سي إم إيه سي جي إم، بما يحقق المصالح المشتركة ويوسع نطاق عملياتنا التشغيلية على الصعيد الدولي”.
وذكرت مجموعة موانئ أبو ظبي في بيانها أن الصفقة الجديدة “ستسهم في تحديث وتوسعة مرافق المحطة، وتعزيز موقع اللاذقية كبوابة تجارية رئيسية لسوريا وشرق البحر المتوسط”، مشيرة إلى أن التعاون مع المجموعة الفرنسية سيعمل على “دعم نمو التجارة الإقليمية وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة”.
انتقال لجزء من السيادة
يقرأ الباحث الاقتصادي محمد علبي هذه الاتفاقية كانتقال لجزء مهم من السيادة التشغيلية إلى المستثمرين الأجانب، حتى لو بقيت السيادة القانونية/الملكية للدولة.
ويضيف خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا أن المسألة لا تتعلق بالملكية فقط، بل بمن يملك القدرة العملية على اتخاذ قرارات: من يرسو، متى، وبأي سعر، وفي حالة مرفأ يشكل أكثر من 95 في المئة من حركة الحاويات في البلاد، فإن منح السيطرة التشغيلية لمستثمرين أجانب يجعل ميزان القوة في اتخاذ القرارات، من التسعير إلى أولويات الشحن والاستثمار، مائلاً بوضوح خارج الإطار الوطني. وهذا يُحمّل الاتفاقية بعداً سيادياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في بلد محدود الخيارات اللوجستية ويعاني هشاشة اقتصادية وسياسية.
وفي ظل هذه الاتفاقية، يعتبر علبي الحكومة مجرّد مالك رسمي لأهم منفذ تجاري للبلد بينما يدار هذا المنفذ فعلياً تحت التأثير المزدوج للإمارات وفرنسا، فيما تكتفي الحكومة بلعب دور مالك للأرض وجابي رسوم امتياز ورُسُوّ.
في المقابل، يرى علبي أن هذا لا يعني بالضرورة تفريطاً كاملاً بالسيادة، لكنه يعني أن ميزان القوة التفاوضي والتنفيذي في إدارة المنفذ يميل بقوة إلى الشركاء الأجانب.
ويلفت إلى أنه يمكن للحكومة أن تتجنب هذا السيناريو فقط إذا امتلكت أدوات تنظيم قوية، وحقوق حوكمة واضحة داخل الشركة المشغّلة، وآليات فعّالة لضبط التعرفة، وأولوية السلع الوطنية، وشروط المنافسة. من دون ذلك، يصبح التأثير الخارجي على الميناء مسألة بنيوية لا ظرفية.
نموذج BOT هو الأفضل
من جانبه يختلف الكاتب والخبير الاقتصادي سمير طويل مع القراءة التي أوردها علبي، مشيراً خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى أن هذه الاتفاقية لن تحدث أي مشكلة تخص السيادة التشغيلية، نظراً لأن العمل يتم بنظام التشغيل وفق نموذج “BOT” الذي يعني (البناء – التشغيل – النقل)، وهو مختلف عن نظام “BOO” الذي يعني (البناء – التملك – التشغيل)، حيث يوجد فارق جوهري بين النظامين يتمثل بأن الأول يمنح الشركات امتيازاً لإدارة المشروع لفترة محددة، ثم تعود ملكيته إلى الدولة، في حين يمنح النموذج الثاني المستثمر ملكية المشروع بشكل دائم.
ويضيف طويل أن وجود شركات أجنبية مشغلة للموانئ السورية سواء مجموعة موانئ أبو ظبي أو حتى الشركة الفرنسية CMA CGM هو أمر ضروري لتشغيل المرفأ، وقبل العام 2011 كانت هذه الشركة الفرنسية موجودة مع شركة فلبينية تدير ميناء طرطوس التجاري، معتبراً أن وجود شركات أجنبية متخصصة في تشغيل وإدارة هذه المشاريع بالتنسيق مع الحكومة السورية التي تعد شريكاً بالأرباح، أمراً طبيعياً.
ويوضح طويل أنه بالنسبة لهذه الاتفاقية، فإن الحكومة تبقى المالك الرسمي بينما العقد الموقع هو عقد تشغيلي فقط، فعلى سبيل المثال كانت إدارة فندق الفورسيزن وسط دمشق مملوكة نتيجة عقد تشغيلي لشركة “المملكة القابضة” السعودية مع حصة من الأرباح لوزارة السياحة، لكن في النهاية تؤول الملكية للدولة، وبالتالي فلا توجد انعكاسات سلبية على ملكية الدولة للموانئ.
ويلفت طويل إلى هذه العقود تتم وفق مذكرات تفاهم وبنود واضحة متفق عليها بين الطرفين، وفي حال أخل أحد الطرفين بالشروط فسوف يتم اللجوء إلى المحاكم الدولية أو التحكيم داخل سوريا، ملمحاً إلى عدم تسبب مثل هذه العقود بمشكلات تتعلق بالتشغيل بل على العكس سوف تنشط الاقتصاد وحركة الترانزيت وعمليات الاستيراد والتصدير.
خصخصة وظيفية
إقدام الحكومة على توقيع اتفاقيات مع الشركات الأجنبية يثير علامات استفهام حول مدى اعتبار هذه العقود جنوحاً من قبل الحكومة نحو خصخصة القطاع العام.
إجابة على هذا السؤال، يوضح محمد علبي أن ما يحدث في اللاذقية ليس خصخصة بالمعنى التقليدي، إذ لم تُبع أصول الميناء، لكنه يمثل شكلاً من الخصخصة الوظيفية أو نقل الوظيفة التشغيلية إلى شركة أجنبية عبر امتياز طويل الأجل.
ويضيف بأن هذا النموذج غالباً ما تتبناه الدول الخارجة من أزمات، حين تكون حاجتها إلى الاستثمارات والتكنولوجيا أكبر من قدرة القطاع العام.
غير أن هذا التوجّه يحمل تداعيات متعددة: فمن جهة، يسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية، وخفض زمن انتظار السفن، وجذب خطوط ملاحية جديدة، ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.
لكنه من جهة أخرى يعيد توزيع الريع (المينائي في هذه الحالة) بحيث تنتقل حصة معتبرة منه إلى مستثمرين أجانب، ويضعف قدرة الدولة لاحقاً على تعديل شروط الامتياز، ويجعل تشغيل مرفق استراتيجي حساساً للتقلّبات السياسية والعلاقات الدولية.
وتأسيساً على ما سبق، يؤكد علبي أن الاتفاقية لا تعكس خصخصة شاملة للقطاع العام، لكنها تفتح الباب أمام نمط جديد لإدارة الأصول الاستراتيجية يعتمد على الشراكات الأجنبية، بكل ما يحمله من فرص تحديث ومخاطر تبعية.
ويتابع بأن التحدي في المرحلة المقبلة سيكون في قدرة الدولة على بناء إطار تنظيمي يضمن أن تبقى هذه الاستثمارات ضمن حدود المصلحة الوطنية ويضمن للدولة شروطاً أفضل بالمستقبل، وذلك يمرُّ حتماً عبر إلزام هؤلاء المستثمرين بتدريب موظفين محليين، ووضع بنود تكفل للدولة حق مراجعة العقود حسب الحالة الاقتصادية للمؤسسة المُراد خصخصتها وظيفياً، بحيث لا تتحول الحاجة اليوم إلى انتقال بطيء وغير معلن للسيادة الاقتصادية خارج البلاد.
المرفأ بالأرقام
وتعتبر محطة حاويات اللاذقية الدولية البوابة البحرية التجارية الأساسية لسوريا، إذ تتولى مناولة أكثر من 95% من بضائع الحاويات في البلاد، خاصة في مجالات المنتجات الزراعية والصناعية.
وتُشغل المحطة حالياً من قبل شركة “سي إم إيه تيرمينالز” التابعة للمجموعة الفرنسية، التي تديرها منذ عام 2009 بموجب اتفاقية امتياز معدلة تم تمديدها لمدة 30 عاماً في أيار.
وتبلغ القدرة الاستيعابية الحالية لمحطة حاويات اللاذقية نحو 250 ألف حاوية نمطية، مع خطط لرفع الطاقة التشغيلية إلى 625 ألف حاوية بنهاية عام 2026، من خلال مشاريع تطوير للبنية التحتية والأنظمة الرقمية ورفع الكفاءة التشغيلية.
تلفزيون سوريا
—————————–
التسابق العالمي على المعدن الأصفر يفاقم الضغط على سوق الذهب الهشّة في سوريا/ سامر سيف الدين
15 نوفمبر 2025
كثّفت البنوك المركزية حول العالم عمليات استحواذها على الذهب منذ عام 2022، مدفوعةً بعدم الاستقرار الجيوسياسي، وجهود خفض اعتمادها على العملات الأجنبية، والتحوّط من التضخم، والتنويع الاقتصادي بعيدًا عن العملات الورقية كالدولار الأميركي.
ويُمثّل هذا “التهافت على الذهب” تراجعًا عن عقود من البيع الصافي، مما يُولّد ضغطًا صعوديًا مستمرًا على الأسعار العالمية. ووفقًا لمجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية أكثر من ألف طن سنويًا للعام الثالث على التوالي في عام 2024، مع استمرار هذا الزخم حتى عام 2025. لكن ما هي أسباب هذا التنافس المحموم على المعدن الأصفر؟ وكيف تأثرت سوق الذهب في سوريا بهذا التنافس؟ وهل من حلول ناجعة تحمي من تبعات ذلك؟
احتياطات ضخمة تشي بتغيرات عميقة في الاقتصاد العالمي
بحلول الربع الأول من عام 2025، بلغ صافي الإضافات 244 طنًا، تصدرتها بولندا (49 طنًا)، والصين (13 طنًا). وبلغت الاحتياطيات الرسمية العالمية حوالي 36,359 طنًا حتى أيلول/سبتمبر 2025.
أما العوامل الرئيسية التي تقف وراء هذه الزيادة الضخمة، فيعزوها المحللون إلى تحول الأسواق العالمية، وخاصة الناشئة، حيث أضافت الصين الذهب لمدة 18 شهرًا متتاليًا حتى منتصف عام 2025، لتصل قيمة احتياطياتها إلى 208.64 مليار دولار أميركي بحلول شباط/فبراير. بينما احتفظ البنك الاحتياطي الهندي بـ822.1 طنًا اعتبارًا من حزيران/يونيو 2025.
ومن هذه العوامل التحوّط الجيوسياسي، حيث يُشير 71% من البنوك المركزية إلى دور الذهب في التخفيف من المخاطر، مثل العقوبات واستخدام العملات كسلاح. فقد أدى تجميد الأصول في روسيا بعد عام 2022 – على سبيل المثال – إلى تسريع اعتمادها على مخزونات الذهب.
ويقول الخبراء إن دولًا مثل الصين وتركيا والهند، ثم دول الخليج وأوروبا الشرقية، خاصة بولندا، جميعها دخلت اللعبة نفسها لتتحرر من هيمنة الدولار، وتأمين الثروة الوطنية بعيدًا عن العملات الورقية، ليخزن المعدن الأصفر تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار.
سوق الذهب السوري بالأرقام
شكّل سوق الذهب شريانًا بالغ الأهمية للحياة الاقتصادية طوال فترة الصراع الطويلة التي عصفت بالبلاد، وفي ظل التضخم المفرط، الذي تجاوز 100% سنويًا، والعقوبات التي خفضت قيمة الليرة بأكثر من 99% منذ عام 2011. حيث يُعد الذهب مخزنًا للقيمة، وأداةً للتحوّط من التضخم، وعملةً غير رسمية، مع ارتفاع الطلب على المجوهرات (السلعة الثقافية الأساسية) والسبائك/العملات المعدنية.
ويعتبر المحللون أن السوق السوري سوقًا غير رسمي، ويتمركز في دمشق بشكل أساسي، ويتأثر بشدة بأسعار صرف الدولار مقابل الليرة في السوق السوداء، حيثُ يبلغ سعر الصرف الرسمي وسطيًا 11 ألف ليرة للدولار الواحد، مقابل معدل وسطي 11,400 للدولار الأميركي في السوق الموازية.
وتشير اتجاهات الأسعار منذ بداية العام إلى تقلبات كبيرة حيث بلغ أدنى سعر في كانون الثاني/يناير 2025 مسجلًا 31.9 مليون ليرة لأونصة عيار 24 قيراطًا. بينما بلغ أعلى سعر في تموز/يوليو 2025 مسجلًا 44,2 مليون ليرة للأونصة (+38% منذ بداية العام). وبلغ أعلى سعر في أيلول/سبتمبر الماضي 45,96 مليون للأونصة عيار 22 قيراطًا. أما متوسط سعر تشرين الأول/أكتوبر الماضي فقد بلغ 43 مليون ليرة للأونصة (+35% على أساس سنوي منذ عام 2024).
ويُقدَّر الطلب السنوي بما يتراوح بين 10 و15 طنًا (المجوهرات 70%، الاستثمار 25%)، وهو انخفاض عن مستويات ما قبل عام 2011 بسبب الانكماش الاقتصادي، ولكنه يبقى صامدًا كإجراء تحوطي. وقد ارتفعت معدلات إعادة التدوير إلى ما بين 20 و30% في ظل ارتفاع الأسعار، ما حد من الواردات الجديدة.
تأثير سباق الاستحواذ العالمي على سوق الذهب السوري
أدى سباق التخزين العالمي إلى تفاقم الضغوط على السوق السورية الهشة، حيث تجاوزت أسعار الذهب بالليرة مكاسب الدولار العالمية بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، بسبب انخفاض قيمة الليرة بنسبة تقارب 20% منذ بداية العام. فقد دفع الطلب العالمي سعر الذهب الفوري إلى 3,945 دولارًا للأونصة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن بالليرة يُترجم هذا إلى حوالي 50 مليون ليرة للأونصة، بزيادة سنوية قدرها 58% مقابل 35% عالميًا.
يقول الصائغ أياد علبة لموقع “الترا سوريا”: “سوق الذهب في سوريا يتبع السوق العالمي صعودًا وهبوطًا، مع زيادة الطلب عليه من السوريين كملاذ آمن حالهم حال بقية شعوب العالم”.
وأضاف الصائغ علبة أن “الإقبال على شراء الذهب زاد في سوريا منذ بداية انهيار العملة، وتميز أهل دمشق بشكل خاص بتحويل مدخراتهم إلى الذهب، بينما هناك إقبال أقل في باقي المحافظات، إما قلة وعي بالتغيرات التي تعصف بالعالم أو بسبب الضائقة المالية التي يعاني منها كل السوريين”. وجوابًا عن سؤال ارتباط الذهب بالدولار، يوضح علبة أن “الذهب والدولار غير مرتبطين منذ فترة كبيرة، لكن جزء كبير من الناس يعتقدون ذلك”.
أما عن رأيه في الارتفاع العالمي في مخزونات البنوك المركزية من الذهب، فربط علبة ذلك بمحاولة هذه الدول الهروب من ربط اقتصادها بالعملات الورقية، لا سيما الدولار، مشيرًا – على سبيل المثال – إلى تركيا التي تشهد إقبالًا كبيرًا جدًا على شراء المصاغ الذهبي، بالإضافة إلى دول أوروبا الشرقية ودول الخليج. كما عزى ارتفاع أسعاره إلى انخفاض الضريبة في الولايات المتحدة، والتي تتناسب عكسًا مع أسعار الذهب العالمية، لافتًا إلى أن مناكفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع فريقه الاقتصادي تزيد في هذا الارتفاع.
من جهة أخرى، ينصح علبة والعديد من الصاغة الذين تحدثوا لـ”الترا سوريا” بالاستثمار عبر شراء المصاغ الذهبي، وفضله على التحوط عبر العملات الصعبة وخاصة الدولار.
وتؤدي هذه الزيادة الكبيرة في أسعار الذهب إلى إضعاف القوة الشرائية، حيث يُكلف غرام الذهب عيار 21 قيراطًا نحو 110 دولارات، بينما متوسط الدخل الشهري للمواطن لا يزيد عن 500 ألف ليرة قبل الزيادة الأخيرة. كذلك تحد العقوبات من الواردات، ما يُفاقم النقص والمضاربة.
التسابق على الاكتناز المحلي
ويرى محللون أن ارتفاع الطلب على الملاذ الآمن عالميًا وانهيار النظام السوري عام 2024 والصراعات المستمرة في الشرق الأوسط، مثل التصعيد بين إسرائيل وإيران، أدت إلى زيادة الاكتناز المحلي، ما يعكس التكهنات العالمية. وبعد سقوط نظام الأسد، وصل ارتفاع سعر الذهب إلى ما بين 8% و12% فوق سعر السوق في مناطق الصراع. ويشير المحللون إلى أن هذا قد يضيف 10% إلى الأسعار إذا استمرت التوترات، على الرغم من أن الاستقرار في سوريا قد يؤدي إلى تراجع بنسبة 12% إلى 17%.
وفي السياق نفسه، يُغذي ارتفاع أسعار الذهب والدولار الأميركي التضخم المفرط، ما يُوسّع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والدولار الموازي، ويُشجع على هروب رؤوس الأموال إلى الذهب مقابل الدولار.
وقد انخفض الطلب على المجوهرات بنسبة 10 إلى 15% على أساس سنوي من حيث الحجم، لكنه ارتفع من حيث القيمة، بينما ارتفعت سبائك/عملات الاستثمار بنسبة 20%. ويُشير هذا إلى أن هذا يُحوّل السيولة بعيدًا عن إعادة الإعمار، وفقًا لخبراء اقتصاديين محليين.
وبحسب خبراء مجلس الذهب العالمي، فإن مشتريات البنوك المركزية تخلق أرضية هيكلية للأسعار، لكن المستويات المرتفعة، نحو أربعة آلاف دولار للأونصة، قد تحد من المزيد من تراكم الذهب، بينما تكبح طلب المستهلكين في أسواق مرتفعة التضخم مثل سوريا. ويتوقّع المجلس أن يبلغ الطلب العالمي 4974 طنًا (382 مليار دولار) في عام 2025، مع إضافة العوامل الجيوسياسية في الشرق الأوسط لمخاطر ارتفاع الأسعار.
ويرى الخبير الاقتصادي في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن ارتفاعات أسعار الذهب العالمية فاقم المشكلات المحلية في البلاد، مشيرًا إلى أن نقص الدولار والمضاربات تدفعان أسعار الليرة إلى الارتفاع، الأمر الذي “يُنذر بتضخم مُفرط، حيث تقل الأجور بنسبة 50% عن التكاليف”، فيما “يُعدّ دور الذهب كملاذ آمن حيويًا، لكنه يُفاقم عدم المساواة”.
وتوقع الخبيران جي بي مورغان وغولدمان ساكس استمرار ارتفاع أسعار الذهب في البنوك المركزية (15% من الاحتياطيات ذهب)، لكنهما حذرا من التقلبات في حال استقرار أسعار الفائدة الأميركية أو تهدئة الصراعات، ما قد يُحدد سقفًا لمكاسب السوق السورية بنسبة 10-15% إضافية.
وبشكل عام، يُعزز السباق العالمي دور الذهب في سوريا كأصلٍ للأزمات، لكنه يُعمّق الانقسامات الاقتصادية. وينبغي على المستثمرين مراقبة بيانات البنوك المركزية والاستقرار الإقليمي بحثًا عن أي مؤشرات تحدد مستقبل المعدن الأصفر.
الترا سوريا
————————-
=======================



