منوعات

تماثيل أم أصنام/ عبير داغر اسبر

18 نوفمبر 2025

إن كانت الأرض لمن يعمل بها، فإن التاريخ لمن يعرفه، والآثار لمن يحفظها. كنت في مونتريال، أحضر كطالبة مجتهدة محاضرة في مادة العمارة، فاختصاصي آنذاك وهو الفنون والتواصل لم يستطع إلا أن يضيف العمارة إلى المنهاج كي تتكامل الفكرة عما يعنيه أن تدرس الفنون. كنا في عام 2019، والبروفيسورة المولعة ببلادنا؛ سورية الكبرى والعراق، لم تفوّت أي فرصة لتذكيري أنا بشكل خاص بالتأثيرات الجمالية التي عبرت من أبنيتنا إلى عمارة أوروبا. كانت تتحدث عن الزجاج الملوّن، والموزاييك، والزخارف الإسلامية، والخطوط والنباتات المعربشة على الجدران المقدسة للكاتدرائيات والكنائس. وحين طالبتنا بدراسة البازيليكا، شرحت أنها بيوت عبادة كبرى تعود إلى العصور الأولى للمسيحية، وأن أشهرها كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، في قلب روما، أعظم مباني العالم وأكثرها مهابة.

لكن ما أغرق عيني مدرستي بالدموع، وأدخلها في ما يشبه الحداد، كان حديثي عن الأسود البازلتية في عين دارا قرب عفرين. كنا في عام 2019، حين دمّرت تلك المنحوتات الضربات الجوية التركية، وأتمتها بالسرقات التي التفت على المعبد مثل أفعى خبيثة خنقت حامي المعبد. اختفى الأسد البازلتي الذي يتجاوز ارتفاعه ثلاثة أمتار، اختفى الحارس الصامت لمعبد عين دارا، الذي كان بالنسبة لي واحداً من أبهى شواهد التاريخ التي رأيتها ولمستها وصوّرتها في حياتي.

ثم في يوم، احتدم النقاش حول شرعية احتفاظ فرنسا وإنكلترا وألمانيا بآثار البلدان التي احتلتها، غرقنا في حديث طويل عن  الامّحاء، والكولونيالية والصوابية السياسية، وعن معنى أن تتجول آثار الشعوب في متاحف لا تنتمي إليها. يومها كنت غارقة في صدمة عين دارا، وفي ثقل الخسارة التي شعرت بها كأنها ضربة على الصدر. سألتني البروفيسورة رأيي، فقلت إنني أحياناً أحمد الله أن بعض آثارنا في أيدٍ تعرف قيمتها، وأنها مسروقة في متاحف العالم حيث لن تُقصف ولن تُهمَل. ربما سيُحكى تاريخها كما يجب، وربما سيُروى تاريخ بلادنا أفضل مما نفعل نحن. كنت أعرف أن رأيي متطرف ومليء بالتناقض، لكنه خرج من مكان يعي الفقد، ويدرك صدمةَ رؤية حجرٍ عمره آلاف السنين يتلاشى في ثانية.

منذ أيام، تسرّبت أخبار عن اختفاء قطع من مقتنيات المتحف الوطني بدمشق. ربطت بين عين دارا والمتحف الوطني كمن يربط جرحاً بجُرح، كلاهما على الجسد نفسه. هذا الجرح الأخير جاء من تصدّع السلطة، ومن غياب الدولة، ومن استباحة المكان الذي كان يفترض أن يكون الأشدّ حصانة. حين تُسرق آثار المتحف في قلب العاصمة، فهذا يعني أن اللامبالاة لم تعد تهتم بأن تتخفّى، وأن الجملة المتطرفة التي قلتها في مونتريال لم تكن غضباً عابراً، بل نبوءة سوداء.

أعرف أن هذه الأمنية محمّلة بكل تناقضات اليأس، لكنها أيضاً اعتراف موجع بواقع لا نملك تزيينه. لهذا، ومع كل انهيار سياسي، ومع كل ضعف في بنية الدولة، تصبح الذاكرة نفسها كما لو أنها فكرة شعرية، لا آثار مرورنا على الأرض، ولا كأنها تماثيل ورُقم طينية كانت ذات يوم دليلاً على أن للبلاد حضارة تسير على قدمين قبل أن تُسقطها السياسة على ركبتيها.

نعرف جميعاً ماذا فعلت سنوات الحرب بالمتحف الوطني في دمشق. نعرف أنه نُهب، وأن بعض مقتنياته هُرّبت، وأن أخرى نُقلت إلى أماكن غير معلنة. أفكّر في عدد القطع التي ستُعرض يوماً في مزادات في جنيف أو باريس، حيث سيُكتب فوق بطاقة التعريف جملة خجولة تقول إن المنشأ غير محدد. ثم أفكر في تلك القطع التي يعتبرها بعضهم أصناماً يجب أن تُردم أو تُهدم.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى