حين صَفَّق بعضُ الممثلاتِ والممثلين السوريين للسفّاح.. وعادوا مُكَرَّمين/ ضاهر عيطة

2025.11.18
لعلّ الدراما التلفزيونية باتت من أكثر أنواع الفنون قربًا ومشاهدةً من الناس، وتساهم في تشكيل وعي جزء كبير منهم. وهذا ما يطرح حاجة الاشتغال في هذا النوع من الفن إلى ضمير حيّ وأخلاق رفيعة قبل كل شيء، إذ إن غايته وجوهره الوصول إلى أكبر قدر من المشاهدين، عساه يحثّهم على ابتكار كيان إنساني متّحد، قادر على الوقوف في وجه الحروب والشرور على هذه الأرض، لا على إشعالها والاستخفاف بمشاعر الضحايا. وسوريا قبل أمس قريب طحنتها الحروب والشرور والجوع والقهر، وأكثر ما تتطلع إليه الآن قدر من النزاهة والصدق والأخلاق والنبل، وإلّا ما عدنا هنا نتحدث لا عن دراما تلفزيونية ولا عن فن.
ومع احترامنا وتقديرنا للمواقف المشرفة التي تعاملت فيها المملكة العربية السعودية مع الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية، لكن هذا لا يعني أن نشيح بوجهنا عمّا وصلنا من تلك الدولة الشقيقة من صور ومشاهد لخليط من الممثلات والممثلين السوريين، وهي لا تكاد تبشّر بالخير، حيث تم جمعهم في صالة واحدة، بدعوة من رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية السيد تركي آل الشيخ. وهي دعوة مشكورة على جمعه بين السوريين، ولكن للحقيقة، فإنّ اللقاء والدعوة معًا فيهما ما يبعث على الاستغراب ويدعو إلى التساؤل والتفكير في معنى الدراما والفن.
يرى الفيلسوف والموسيقي وعالم الاجتماع الألماني تيودور أدورنو أن الفن هو الذي يقاوم التسليع والابتذال، ولا يتحوّل إلى سلعة في السوق، بل يظل صوتًا للحرية. وعند إيمانويل كانط، الفن تجربة جمالية حرّة لا تخضع للمصلحة أو المنفعة، بل تُدرِّب الإنسان على الحكم الجمالي، وعلى الحكم الأخلاقي قبل كل شيء. فهل من الأخلاقي أن نرى صورًا ومشاهد لممثلات وممثلين سوريين وهم يُكرَّمون ويُحتفى بهم، وبينهم جزء كبير ممن وقفوا أمام الكاميرات وتحت الأضواء وأعلنوا صراحةً تأييدهم للأسد السفّاح؟ هل من الأخلاقي أن يُعاد تلميعهم وتكريمهم، وكأنهم لم يأتوا على شيء؟ ما هذا الاستخفاف بمشاعر وعقول ملايين السوريين المكلومين؟
كيف لهم أن يتعاطوا مع من صفقوا وجمّلوا وامتدحوا قاتلهم، ومع من شاركوا في أعمال درامية تُبعد الشبهة عنه، وتحيل كل المآسي إلى سردية تُجرِّم ملايين الثوار السوريين بوصفهم إرهابيين، وأنهم المسؤولون عن كل هذا الخراب؟ أليس في ذلك ما يجعل الملايين يشعرون بأنهم طُعنوا في الظهر مرّتين؟ مرة وهم يرون هؤلاء الممثلين والممثلات يُكرَّمون ويُكافَؤون الآن، والثانية حين أنكروا ثورتهم وهتفوا لقاتلهم؟
كيف سيقرأ أبناء وبنات سوريا الجديدة مشهدًا يُكافأ ويُكرَّم فيه المادحون والمصفقون لسيّد البراميل والكيماوي؟ وهل إذا رأوا ممثلة أو ممثلًا من هذا الصنف يلعبان دور الأب أو الأم ويريدان إيصال قيمة أخلاقية للمشاهدين، سوف يصدّقانهما أو يتبنّون ما يدّعيان، وقد رأوا من قبل كيف زار بعضهم شبيحة الأسد على الجبهات، في لحظة كانت فيها المدن والقرى السورية تُدكّ بالمدافع والصواريخ، وتُستباح بنسائها وأطفالها وشبابها وشيوخها؟ هل بالإمكان أن يصدّقوهم، سواء أجادوا أم أخفقوا في تأدية الدور؟
الفرضية تشبه تمامًا فرضية لو أنّ الطبيب السوري علاء موسى، الذي ارتكب الفظائع في المشافي السورية، لم يكن في السجون الألمانية وعاد الآن ليمارس مهنة الطب؛ هل سيقبل أحد من هؤلاء الضحايا أن يقترب من عيادته ويسلّمه جسده وعقله وروحه؟ بالتأكيد لا. والواقع يقول إن ملايين الضحايا السوريين ما عادوا يطيقون رؤية أو متابعة أمثال هؤلاء الممثلين والممثلات على الشاشات، وهم يمارسون ثقافة الكذب والادّعاء في تصريحاتهم ومسلسلاتهم الدرامية. وإن تابعوهم فذلك لضرورة الإكراه وعدم وجود البديل، والإكراه في الفن تمامًا كما في الدين يصير قهرًا.
وإن أُكره السوريون على التعاطي مع أمثال هؤلاء تحت تأثير سطوة النفوذ المالي وتحكمه بالأدوات والخيارات والمحسوبيات، تتحمّل نتائجه المحطات التلفزيونية وشركات الإنتاج والقائمون عليها، وقد يؤدي ذلك إلى عكوف الملايين منهم عن متابعة الدراما التلفزيونية المسمومة، نعم، إلى هذا الحد وأكثر. في الأمر خطرٌ وسمّ، ولا غرابة في ذلك. فمن الجدير لفت الانتباه إلى أن الدراما التلفزيونية عمومًا، والسورية خصوصًا، والمشتغلين فيها لم يقتربوا من الواقع السوري طوال سنوات الثورة إلا لتزييفه وتشويهه. لقد شارك معظمهم في أعمال درامية حوّلت سردية الثورة السورية إلى سردية داعشية قاتمة، وجعلت من الثائر تكفيريًا، ومن الجلّاد بطلًا. أتوا بحكاياتٍ ومشاهد وسوّقوها على أنها قدرٌ ولعنةٌ نزلت من السماء على السوريين، ولا مناص من الخضوع لها، وأنّ كلَّ خروجٍ عليها كفرٌ ولعنة. أو كأنّ ما من لعنة أسدية حلّت على سوريا أبدًا، فانصرفوا إلى مواضيع العشق والغرام والخيانات الزوجية.
هكذا قامت صناعة الدراما التي أشرف عليها رأس المال الأسود وأجهزة المخابرات، وعملت على تسليع المرأة وتسويق الجريمة وتعميم الفساد، حتى غدت الخيانة والسطو والقتل والانحطاط نماذج “واقعية” يُحتفى بها باسم “الجرأة” و”الصدق الفني”. فساهمت هذه الصناعة في تشويه الوعي السوري وتدمير المجتمع ربما بالقدر نفسه الذي دمّرته الحرب. هذا هو – للأسف – ما قدّمه معظم المخرجين والمخرجات، والكتّاب والكاتبات، والممثلين والممثلات، وشركات الإنتاج التي صنعت من المأساة مشهدًا للترفيه. والآن إليهم يُراد إعادة العربة والحصان وتحت الضوء! هل في هذا إلا أشد الإكراه؟
ثم ماذا سيكون حال غيرهم من المخرجين والمخرجات، والممثلين والممثلات، وهم يرون مشاريع الدراما السورية القادمة تُمنح لغيرهم، بعد أن أحرق الانتظار عيونهم، وهم يترقبون على مدار سنين سقوط السفّاح، ليخرجوا من عزلتهم وقهرهم وفقرهم، بعدما تحوّلوا إلى شبه عاطلين وغُيِّبوا في العتمة، وكأنّ ليس لهم وجود؟ أليست هذه طعنة لهم وطعنة في صميم القيم والعدالة والأخلاق ومعنى رسالة الفن؟
المسألة هنا ليست مسألة توزيع أدوار وأرزاق فحسب، إنما هي مسألة ضمير حيّ أو ضمير ميت، مسألة مخاطر أن تعود وتُدار الدراما التلفزيونية بتلك العقلية وعلى النحو الذي كانت عليه، وأن تستمرّ عجلة مصانع علب السردين الموصى عليها في شهر رمضان لأكسدة العقل وتخدير القلب. ما هذا الخنق والحبس! كيف سيثق السوريون المكلومون بممثلات وممثلين لا يعون حتى معنى الاعتراف والاعتذار؟ كيف يثقون بأن لدى هؤلاء رغبة أو هاجسًا لقراءة وفهم جراحهم، وما يجول في عقولهم وقلوبهم، وإلى أي شيء يتطلعون ويحلمون؟
أجل، لو أنّ لديهم مثل هذا الهاجس لتقدّموا الآن ووقفوا تحت الأضواء واعتذروا عمّا فعلوا وثرثروا. لقد قالوا أشياء كثيرة على مدار أربعة عشر عامًا وكذبوا وزوّروا. لا داعي هنا لتسميتهم أو عدّهم، فصورهم ومواقفهم وتصريحاتهم ما زالت محفوظة في الخوارزميات وفي جراحات وعذابات المكلومين. لماذا لا يجرّبون أن يكونوا هم أول من يمهّد الطريق لتطبيق العدالة الوطنية التصالحية المبنية على الاعتراف والاعتذار، عساهم ينتزعون فتيل الاحتقان ويزرعون فكرة التسامح بين السوريين؟ لماذا لا يجرّبوا أن يكونوا أول من يمهّد لبناء الدولة المدنية وحرية وحقوق الإنسان، لا أن يكتفوا بشعارات صدّعوا بها الرؤوس؟ لنصدّق على الأقل أنهم تبدّلوا وتحولوا وأحسّوا بشيء من الندم. علمًا بأنّ اللاتحوّل واللاتبدّل في علم الأحياء والكائنات يعنيان الموت والتفسخ، وانبعاث روائح كريهة تحبس لفزيون سورياالأنفاس. وهنا ربما تكمن نعمة الاعتذار والاعتراف عليهم لو فعلوا، لا أن يقفوا تحت الأضواء ضاحكين مبتسمين وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنهم مخلوقات أرفع من أن تُسأل. يا لسأم الضمير والفكر والفن والأخلاق!
ربما هناك أصوات قد تأتي من كل حدب وصوب لتصرخ: اصمت يا ضاهر، لا نريد فتح الصفحات من جديد، ونريد كتابة غيرها. ولكن كيف سنكتب الحكاية السورية إذًا؟ وأيّ حكاية مهلهلة ستكون إن لم تُراجَع صفحاتها الأولى؟ نعم، نفهم أن الدراما التلفزيونية هي صناعة تجارية في جانب منها، ولكن أن تتحوّل مشاعر الناس ومآسيهم وعذاباتهم إلى سلعة للربح وماركات للعرض فهذه تصبح تجارة رخيصة.
ثم ما هذا الجمع والخلط بين ممثلات وممثلين كانوا مؤيدين، وممثلات وممثلين معارضين؟ هل هي مساواة بين الضحية والجلّاد، بين الفضيلة والانحطاط، لتزييف الواقع وخلط الأوراق؟ ما هكذا تجري الأمور في التعامل مع مآسي وعذابات الناس. ولنا في التاريخ أمثلة كثيرة، ففي الحقبة النازية نال الممثل الألماني إميل يانينغز الأوسكار، وهو ما جعل اسمه يرتبط بتلك الفترة، ولكن بعد الهزيمة خضع لإجراءات قانونية وامتنعت عنه صناعة السينما الألمانية. وكذلك حال ليني ريفنشتال، وهي مخرجة ألمانية أيضًا، أنجزت أفلامًا بروباغاندية عن هتلر، وبعد انهياره وزوال حزبه، وجدت نفسها في موقع ملاحقة أخلاقية ومعنوية، إذ رأوا أن أعمالها كانت متواطئة بدرجة أو بأخرى مع تلك الحقبة. وكذلك الموسيقي فايلاند فاغنر، الذي استخدم النازية لتحسين وضعه المهني، ظل بعد نهاية الحرب يحاول التنصل من تاريخه ولم يفلح.
ولنسأل الآن: ماذا كانت ستكون عليه ردّة فعل الشعوب الأوروبية التي فتكت بها النازية لو أنهم رأوا من كان يمجّد هتلر ويمتدحه يُعاد تدويره حتى من دون أن يعتذر؟ ألم يتنبّه القائمون على مثل هذه التكريمات واللقاءات إلى أن هذا تزوير للوعي والفكر وللحقيقة؟
ثم ما المفاجآت الدرامية التي على السوريين أن يترقّبوها من هذا الجمع والخليط؟ أهي دراما تحقيق العدالة في الكواليس وعلى الورق، في حين لم تزل جراح الضحايا مفتوحة وينزّ منها الدم؟ ألا يشي هذا باحتمال أن يشيح الضحايا بعيونهم عن مسلسلات درامية قادمة تستخفّ بهم وبجروحهم، فيضغطون على زرّ آخر ليتابعوا ربما برنامجًا عن الحيوانات وقوانين عيشها في الغابات؟ فلعلّ ذلك سيكون أفيد وأنفع لهم، فعلى الأقل الحيوانات في أي سلوك يقدّمونه لا يقصدون أن يجعلوا من أنفسهم نجومًا ولا فنّانين وأساتذة يتحدثون ويُنظّرون عليهم من عالٍ، وبذلك ربما سينعمون بالمتعة والفائدة أكثر، ويصلهم تمامًا معنى الصدق في الأداء التمثيلي ومعنى الفن.
تلفزيون سوريا



