سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

رحلة في المعاناة السورية/ محمود خلف الديري

18 نوفمبر 2025

في ظل المشهد السوري المعقد، قررت القيام بزيارة ميدانية شملت مختلف المناطق السورية، برفقة صديقي الصحافي الهولندي من أصول عربية، بعد اتصاله بي بهدف استكشاف هموم السوريين ومخاوفهم في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في تاريخ البلاد.

بدأنا رحلتنا من دمشق، العاصمة التي ظلت إلى حد كبير بمنأى عن الدمار الذي أصاب بقية المحافظات خلال سنوات الحرب الطويلة. في شوارعها وأسواقها، يطغى الهم الاقتصادي على أحاديث الناس، فالجميع منشغلون بلقمة العيش وتدهور القدرة الشرائية أكثر من انشغالهم بالسياسة أو الأمن. هذا الجو دفعنا للانتقال إلى المحافظات الأخرى لمعرفة اختلاف هواجس الناس هناك.

اتجهنا من دمشق نحو محافظة السويداء مروراً بريفها. ومع دخولنا إلى مناطق تسيطر عليها فصائل محلية درزية، بدأ المشهد يتغير كلياً. عند حاجز “أم الزيتون” استوقفنا عناصر مسلحة، وبعد تحقيق موجز سمحوا لنا بالمرور. لم أخف توتري حينها، لكن ذكّرت نفسي بأن أهل السويداء عُرفوا تاريخياً بالكرم والحكمة.

ما قبل الحاجز بدت القرى شبه خالية، وظهرت على بعض المنازل آثار الحرق والتدمير. في مدينة السويداء، كان في استقبالنا صديق قديم، استقبلنا وأهله بحفاوة بالغة. خلال تجوّلنا في المدينة ومراكز الإيواء، لمسنا حجم المعاناة الإنسانية الهائل: نقص في الخدمات وغياب المساعدات.

استمعنا لشهادات كثيرة عن أحداث العنف الأخيرة، ومعاناة الناس من القتل وحرق الممتلكات. اللافت أن بعض المناطق رفعت أعلاماً إسرائيلية تعبيراً عن امتنان لما يصفه بعض الأهالي بـ”الموقف الداعم”، في حين رفض آخرون هذا الفعل واعتبروه محاولة إسرائيلية لشق الصف السوري وتقسيم البلاد.

كانت الزيارة مزيجاً من المشاعر المتناقضة: التعاطف مع الضحايا، القلق من مستقبل غامض، والخشية من استمرار النزاعات. مشاهد المسلحين في الطرقات والطائرات المسيّرة الإسرائيلية في السماء جعلت السويداء مدينة تعيش يومياً تحت وطأة الرعب وعدم اليقين.

بعد السويداء، توجّهنا إلى مناطق وجود العشائر العربية المهجّرة. التقينا بأفراد واستمعنا إلى روايات صادمة عن القتل والتنكيل والتهجير القسري، وعُرضت علينا مقاطع مصوّرة توثّق الانتهاكات على أيدي الفصائل الدرزية. الجميع عبّر عن شعور عميق بالخذلان والنسيان، في ظل غياب الدعم الإنساني الحقيقي.

استمرار الخوف من العودة إلى المنازل كان حاضراً على ألسنة الأهالي، مع خشية من تكرار التاريخ دون أي ضمانات حماية. معظم هؤلاء يعيشون اليوم في ريف دمشق، تحديداً في منطقة السيدة زينب، ضمن ظروف معيشية قاسية للغاية.

تابعنا رحلتنا نحو مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي البلاد، وواجهنا بعض المصاعب في الطريق، لكنها بدت ضئيلة مقارنة بما رأيناه في السويداء. القلق من احتمال اندلاع مواجهات بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري حاضر، إذ يضم الطرفان أبناء الوطن نفسه، ما يجعل أي صدام مأساة مضاعفة.

مع اقترابنا من خطوط التماس، برزت معاناة إضافية: إغلاق الطرق بين مناطق الإدارة الذاتية والمناطق الخاضعة للحكومة السورية، مما قيّد الحركة وشتّت العائلات وعرقل وصول البضائع، وترك أثراً مباشراً على المدنيين ومصادر رزقهم.

في المقابل، عبّر مسؤولون وأهالي الإدارة الذاتية عن إصرارهم على مطالبهم بـ”الحكم اللامركزي”، مؤكدين انتماءهم لسورية، ومعربين عن معاناتهم من التهميش خلال عقود حكم الأسد، وأنهم لا يقبلون بالعودة إلى تلك المرحلة. أي حل سياسي يجب أن يعيد الاعتبار لحقوق جميع المكونات.

لكن الصورة لم تكن موحدة. ففي القرى ذات الغالبية العربية، سمعنا أصواتاً مختلفة: بعض الأهالي يرفضون مشروع الإدارة بالكامل، ويرغبون بالانضمام إلى سلطة الحكومة السورية دون قيد أو شرط. وجود مرجعيتين سياسيتين وأمنيتين زاد تعقيد حياتهم اليومية.

لم تُخفِ مشاهد الطريق واقعاً آخر: غياب التنمية في مناطق الإدارة، ونقص شديد في المياه، خاصة في محافظة الحسكة، مما يضاعف الأعباء المعيشية على الأهالي في ظل اقتصاد منهك.

هكذا بدت المنطقة أمامنا: فسيفساء من الطموحات والخيبات، والبحث الدائم عن صيغة استقرار لا تُقصي أحداً ولا تُعيد عقارب الزمن إلى الوراء.

مررنا بحمص، حيث عبّر أبناء الأحياء العلوية عن مخاوفهم من تكرار الفوضى الأمنية، وحديثهم عن حوادث خطف وقتل متفرقة يُضاعف شعورهم بعدم الأمان. الخوف من المستقبل أكثر من الحاضر، وهو متجذر بذاكرة جماعية مثقلة بسنوات الحرب.

بعض الأهالي أعربوا عن قلقهم من الفراغ الاقتصادي الذي يضغط على الشباب ويدفع البعض نحو سلوكيات خطرة، فيما تحدّث آخرون عن تراجع الثقة بالمؤسسات المحلية وقدرتها على ضبط الأمن ومعالجة الأزمات. مظاهر الحياة اليومية، من الأسواق شبه الخالية إلى البيوت المغلقة، كانت انعكاساً لمناخ عام من التوتر والترقّب.

مع عودتنا إلى دمشق، كانت الأفكار تتزاحم في ذهني حول سبل الخروج من هذا النفق الطويل. فبلد أنهكته حرب دامت أكثر من أربعة عشر عاماً يحتاج إلى حلول واقعية وجذرية تبدأ من الإنسان السوري نفسه قبل أي شيء آخر.

المشكلة في سورية لم تعد فقط سياسية، بل أصبحت حرب سرديات؛ كل طرف ينكر رواية الآخر ويعتبر نفسه الضحية الوحيدة. أهل السويداء يرفضون رواية العشائر العربية، والعشائر تتهم الدروز بالاعتداء عليهم، والعلويون ينكرون جرائم النظام، والسنّة يرفضون الاعتراف بمآسي غيرهم. هذه الانقسامات الطائفية والعرقية تقوّض أي شعور وطني جامع.

    المشكلة في سورية لم تعد فقط سياسية، بل أصبحت حرب سرديات؛ كل طرف ينكر رواية الآخر ويعتبر نفسه الضحية الوحيدة

الطريق إلى الحل:

الحل في سورية يجب أن يبدأ بالمصالحة المجتمعية والاعتراف بالضحايا جميعاً، بعيداً عن الانتماءات الطائفية والعرقية. كما يجب على الدولة تحمّل مسؤولياتها عبر:

    إطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة تضمن محاسبة الجناة دون تمييز طائفي.

    تعويض المتضررين والكشف عن مصير المفقودين بمساعدة دولية.

    نشر ثقافة التسامح والوحدة الوطنية في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة.

    تحسين الوضع الاقتصادي بتوفير فرص العمل ودعم الفئات الأشد فقراً، لأن الفقر واليأس هما الوقود الأخطر لأي صراع طائفي.

في نهاية الرحلة، أدركت أن سورية لن تشفى إلا حين يرى كل سوري في معاناة الآخر جزءاً من معاناته، وحين يصبح الوطن الجامع لا الفارق، مهما طال الانقسام، فستبقى سورية واحدة بشعبها ومكوناتها، وطن الجميع.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى