سوريا… فائض دبلوماسي خارجي وغياب الحوار في الداخل/ ناصر زيدان

الجمعة 2025/11/21
أدهشت الدبلوماسية السورية المتابعين بحراكها الواسع خلال الفترة الماضية، ونشاطها شمل غالبية عواصم العالم المؤثرة، وحققت نتائج باهرة بدأت مفاعيلها تبرز على أرض الواقع، لا سيما منها زيارة الرئيس أحمد الشرع الى موسكو ومن ثمّ الى واشنطن. لكن ذلك يحصل وسط انطباق وخوف يسيطر على الوضع الداخلي، بينما العدوان الإسرائيلي في الجنوب وصل الى خطوط متقدمة، وجولة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والوزراء المرافقين له في منطقة القنيطرة المحتلة، كانت أبشع تعبير عن تمادي الانتهاكات ضد سوريا.
لا يمكن انكار إنتاجية الحراك الدبلوماسي السوري، وهو أفضى الى إعادة سوريا لخريطة الدول المؤثرة في المنطقة، برغم أن بعض المنتقدين يرون أن معظم التوافقات مع الولايات المتحدة كانت بدافع تأكيد المكانة الشخصية ولرفع العقوبات، والمباحثات خضعت لجدول أعمال مفروض من الطرف الآخر، ولم يتضمن أولويات وطنية سورية، ويشبه الى حد بعيد تلقي الإملاءات من دون التأثير على مجرى الحوار الذي كان يجب أن يشمل أولاً طلب كبح جماح العدوان الإسرائيلي، ورفع اليد عن التدخلات في الشأن الداخلي. لكن الحوار السوري مع روسيا له نكهة مختلفة، وهو أدى الى توافق على مسائل استراتيجية، وأهمها عودة القوات الروسية الى التمرّكز في نقاط حساسة في الجنوب.
ومع فائض النشاط الدبلوماسي الخارجي السوري؛ هناك نقص كبير في منسوب الحوار الداخلي، وغياب للمبادرات الجدية باتجاه تسوية بعض الملفات العالقة، كما يوجد تغييب واضح لدور قوى أساسية كان لها تأثير كبير في معارضة النظام السابق، وهذه القوى بذلت جهود واسعة ساهمت في الإضاءة على قضية الشعب السوري والمظالم التي تحملها، وعرَّت المنظومة الأسدية وشاركت بإسقاطها. ونقص الأداء الدبلوماسي للإدارة السورية الجديدة يأخذ البلاد الى مكانٍ لا يريده لها الحريصون عليها من الشرائح المجتمعية السورية ومن الأشقاء والأصدقاء في الخارج.
المحاكمات التي بدأت في حلب لبعض المجرمين الذين ارتكبوا موبقات كبيرة في الساحل السوري، خلال آذار/مارس الماضي؛ مهمة جداً لطمأنة الرأي العام الداخلي والخارجي، لكنها تحتاج الى جهود كبيرة لتأكيد صدقيتها واستقلاليتها، وهناك ثغرات كبيرة وقعت فيها لجنة التحقيق المكلفة بجلاء صورة الانتهاكات، لأنها قالت إن المحاكمات ستستند على القانون العسكري وعلى قانون أصول المحاكمات الجزائية للعام 1951، وهناك تناقض واضح بينهما، كما هناك نقص في اللوائح التشريعية المرجعية، وكان يجب على الإدارة الجديدة العمل بشفافية لإخفاء هذه النقص الناتج عن ممارسات أجهزة الأسد التي كانت تتجاوز كل القوانيين، وذلك عن طريق اصدار لوائح تفسيرية أو تأسيسية لقوانين عادلة وعصرية ترتكز على المعاهدات الدولية ذات الصلة، وعلى إعلانات عربية وعالمية موثوقة عالجت ملف العدالة الانتقالية بما يحفظ حقوق الانسان وكرامته. وما يجري في محاكمات مرتكبي الجرائم في الساحل، سيكون محط اهتمام لأهالي محافظة السويداء الذين دفعوا ثمناً غالياً من جراء الانتهاكات التي حصلت في تموز/يوليو الماضي، والاقتصاص من المجرمين يُعيد بعض الثقة بالإدارة الجديدة، ويساهم في تقريب مسافات الإبتعاد الس.
سوريا أمام تحديات كبيرة، وهناك حقل ألغام في غاية الخطورة مزروع أمامها، برغم أنها قطعت أشواطاً وازنة فوق الأفخاخ المنصوبة، ونجحت في فكفكة العزلة الدولية عنها، وحصلت على عطف عربي واسع، لكن “الدعسات” الناقصة قد تدفعها مجدداً الى الغرق في بحر الاضطرابات وعدم الاستقرار، ولعلَّ أهم ما تحتاجه الإدارة الجديدة اليوم اليوم؛ هو تفعيل مبادرات التواصل الداخلي، والمرونة التي تتجاوز حكايات “الأكثرية والأقليات” السخيفة، فلا الأكثرية مُتفقة على موقف موحد، وهي متنوعة الاتجاهات والرؤى، ولا الأقليات كلها متمرِّدة بل أن الغالبية العظمى منهم حريصون أكثر من غيرهم على مصلحة الوطن العليا.
إخفاء العورات الداخلية والهروب من الاستحقاقات الداهمة؛ لا يوفر أي قوة للإنطلاقة الخارجية الوازنة للحكومة السورية، والشكوى من الأخطاء تتزايد يوماً بعد يوم، بينما تجاهل مكونات سياسية أو طائفية أو عرقية لها وزنها في المعادلة؛ يُضعف الموقف الحكومي، ويعطي فرصة للمتربصين شراً بسوريا في الخارج، ويساعد الذين يقومون بالتمرد وخلق فوضى في الداخل.
محاكمة بعض المرتكبين في مجازر الساحل خطوة هامة على طريق استعادة الثقة، والسويداء تنتظر بفارغ الصبر النتائج لتبني على الشيء مقتضاه. والخروج من مربع الخوف من الإبادة يحتاج الى تطمينات على مستوى عالٍ، ولا يكفِ إطلاق بعض المبادرات الصورية لردم الهوة السحيقة التي وسَّعتها عمليات القتل الشنيعة. كما أن شرائح واسعة في مختلف المناطق السورية تنتظر تثبيت مسار العدالة والقانون، وتتطلع الى مشاركة الجميع في عملية ديمقراطية عصرية بعيدة عن الاستبداد والإنغلاق والتعصُّب.
المدن



