طيفُ “الجولاني” الذي رأيتُ في دمشق/ إبراهيم الجبين

الاثنين 2025/11/24
لم يكن تدبيراً شخصياً مسبقاً، ولا يليق بها أن تكون صدفة عشوائية أن تختار لي الدروب أرض بيروت، لتكون أول ما تلامس قدماي من بلاد الشام، بعد سنوات طويلة من العيش في البعيد، كحال ملايين السوريين الذين فروا من بطش نظام الأسد في العام 2011 وقبله وفي ما تلاه من أعوام الثورة.
حتى قبل أن تهبط الطائرة في مطار رفيق الحريري، أعادت إليّ رؤية ساحل المتوسط السوري واللبناني من نافذة الطائرة، غامرَ الشغف في تتبع مكر التاريخ وحرفته الحكيمة في صناعة حكايات هذا التراب الفريد الذي لم أستطع مغادرته يوماً، حتى حين غادرته. ما زال غبار سطح بيتي في برج حمود الذي فارقته قبل 24 عاماً، يتطاير من أوراقي وذاكرتي، وقد رافقني في عبوري الجديد من بيروت التي كان لابدّ للطريق منها إلى الشام أن تمرّ بالضاحية، حيث ترتفع صور حسن نصر الله وخليفته المُغتالَين، ومعهما صور خليفته الحي متداخلة مع انكسار لا تخطئه عين مع كل مرّة يجري رفعها فيها بعد أن تكون قد أمالتها رياح البحر، إلا أنها تقول الكثير عن التحولات في الوعي والتغيرات في مجتمع آن له أن يعترف بلبنانيته كما آن للسوريين بطوائفهم وأعراقهم أن يعترفوا بسوريّتهم.
لبنان يتغيّر كما تتغيّر سوريا الآن، وما كنت أراه في وجوه شعرائه آنذاك، لم يعد بادياً في وجوه الناس. وفيما كان بشار الأسد يعيش نشوة أيامه الأولى لوراثة الحكم في سوريا، كنت أكتب في ذلك البيت ذي السطح السديمي في بيروت، مقالتي “نهاية التاريخ السوري” والتي نشرت في صفحات “ملحق النهار” وأثارت جدلاً بين السوريين وكانت مما حوكمت عليه لاحقاً. ولم يكن يداخلني شك في أن مسار التاريخ السوري سيلتوي ويبدأ من جديد، لكن لم يخطر لي في بال أن تهجئة حروفه ومفرداته ستكون هذه المرّة من بيروت ذاتها.
أُصغي إلى السائق المتحدّر من الجولان السوري المحتل وهو يروي لي طيلة الطريق الجبلية، كيف عاش سنوات الثورة التي يسميها “الأزمة”، مضطهداً معاقَباً على موقفه في لبنان، وكيف عانى العنصرية، وعلى الرغم من ذلك، نجح في إنماء تجارته ونشاطه واشترى بيتاً في منطقة المصنع.
نمرّ بضهر البيدر على مقربة من الباروك، أشاهد قلعة الوصاية السورية على لبنان وقد أصبحت أثراً بعد عين، قرى وبلدات نشأت واتسعت كثيراً منذ آخر مرة رأيتها، حيث تتغلّب هلوسة العمران على الوصايات كلها، سورية كانت أم إيرانية.. كنستها الريح كما تكنس ببطءٍ اليوم صورَ الضاحية.
عند عبور الحدود بين “الدولتين”، اكتشف السائق “الجولاني” أنه ضيّع أوراقه الثبوتية، فتركني وحيداً وعاد أدراجه إلى لبنان للبحث عنها. بينما رحت أستعيد لحظة عبوري هذا الممر قبل 24 عاماً هارباً أيضاً على ظهر حافلة قديمة يقودها كردي من عفرين بلغة عربية مكسّرة كمعدن حافلته المهشّم من الجوانب الأربعة. اليوم لا رائحة لجيش الأسد، ولا ثقل بغيضاً لهيئات عناصره الأمنية وجنود جيشه، لا صور ولا ملابس فوضوية متقشّفة، لا شيء مما عهدناه طويلاً في المشاهد والوجوه.
اقترب عناصر الحاجز لتفتيش السيارة، أردتُ أن أرى وجوههم وطلبت منهم ذلك بلا استحياء، وكانت المرة الأولى التي أواجه فيها شرطة سورية بلحى سلفية وشوارب محفوفة وابتسامات بسيطة. استجابوا لطلبي واكتفوا به ولم يقوموا بتفتيشنا، ومضينا في طريقنا إلى دمشق.
“ها هي الشام” قال السائق “الجولاني”، وقد أغمضت الشمس عينها على التلال المنحدرة بقوة كالعجين الطري يرتفع وينخفض بين يدي شآمية لحظُها “رقّ حتى خلتَهُ نفَدا”.. أضواء لم أرها خافتة كما روى لي من زارها بعد التحرير. كانت المدينة تعلو فيما كنا نهبط إليها بسرعة جنونية، سرعة في إيقاع كل شيء هي أول ما لامسته من المتغيرات السورية.
مع السائق “الجولاني”، دخلت دمشق من جهتها الغربية، المزّة والأوتوستراد العريض وغابات من السيارات تحيط بكل شيء، و”الجولاني” لا يتوقف عن الحديث عن مغامراته. سألته: يقول كثيرون، ها قد صرتم أنتم أبناء الجولان أهلَ الرئيس، والحكمُ بات في أيديكم.. فهل تشعرون بذلك؟ قال: “أعوذ بالله. بالعكس هدّدنا (الشيخ) وقال إن حسابكم سيكون عسيراً وأكثر من غيركم لو استغلّ أي منكم هذه القصة”! كان لطيفاً وطيباً وكريماً، وقبل أن نصل إلى الفندق، أهداني ولاعة نحاسية مزركشة للذكرى كانت في حقيبته الصغيرة، فهو لا يدخّن كما قال، وليس بحاجة إلى مثل هذه الأشياء.
وأول العبارات التي وقعت عليها عيناي كانت بالخط الثلث..وهي أكثر الكلمات انتشاراً اليوم في دمشق، يردّدها الجميع ويهدونها بعضهم لبعض ويطبعها الباعة على الكؤوس والأقلام والدفاتر واللوحات الكبيرة، وفيها من التناقضات ما يصف الذهنية السورية حقّ الوصف:
هذي دمشق وهذي الكأس والراحُ
إني أحبّ وبعـض الحـب ذبّاحُ
أنا الدمشقي لو شرحتمُ جسدي
لسـال منه عناقيـدٌ وتفـاح
ولو فتحـتم شراييني بمديتكـم
سمعتم في دمي أصوات من راحوا
وفي استحضار الشارع السوري والحكومة لنزار قباني، دون غيره، تعبير أعلى عن الشخصية السورية التي تريد استرداد وعيها وذاكرتها وهويتها التي سرقها منها “البعث” والحكم الأسدي الطائفي. وهكذا رأيت ساحة الأمويين، المكان الذي التقطت فيه آخر صورة فوتوغرافية لدمشق قبل مغادرتي لها بساعات. لم أشعر بالزمن الذي مرّ. وكأني كنت هنا صباح هذا اليوم فقط.
ولم يفارقني هذا الشعور منذ تلك اللحظة، وطيلة زيارتي الأولى والوحيدة حتى الآن لسوريا. ذهب الوقت إلى حيث أراد له الشاعر العراقي معروف الرصافي، حين قال:
قد صَحّ عزمُكَ والزمانُ مريضُ
حتّامَ تذهبُ في المُنى وتَئيضُ
كم بِتَّ مُعتلجَ الهمومِ بليلةٍ
ما للظلامِ بفجرِها تقويضُ
حتى إذا دار الزمانُ مدارَهُ
خاب القريض وعاد وهو جَريضُ
دار الزمانُ مدارَه وما خاب القريضُ ولا تواصلت غصّاته وشجونه، وألفيتُ نفسي في صبحية يومية مع سعيد عقل وفيروز والقصائد التي أنشدتها لدمشق والتي بقيت جديدة ومثيرة حتى اللحظة، ويمكن لمن لديه قلبٌ حيٌ أن يرى ما خبأه سعيد عقل في ثنايا عباراته عن الشام:
أيّامَ عاصِمَةُ الدّنيا هُنَا رَبطَتْ
بِعَزمَتَي أُمَويٍّ عَزْمَةَ الحِقَبِ
نادتْ فَهَبَّ إلى هِندٍ وأندلُسٍ
كَغوطةٍ مِن شَبا المُرَّانِ والقُضُبِ
وأنا ظلت عيناي تجولان بحثاً عن مرّان سعيد عقل، مطلاً من نافذة غرفتي في دمشق على مكانين اثنين؛ الأول قبّة السيار على كتف قاسيون بجبل الجنك يميناً، على مقربة من دير مران الذي وصفه ابن طولون في كتابه “القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية” فقال: “لسفح قاسيون سفحان، أعلى وأدنى، يفصل بينهما نهر يزيد، الأدنى الذي ازدهر واستُئنس وتألق بفعل عمارة الصالحين له، وهو حي الصالحية، أما السفح الأعلى فسفحٌ كبير وواسع خالٍ من الماء، لم يكن فيه شيء من البناء إلا محلة دير مران”…و”دير مران محلةٌ كانت عامرة بالسكان، موقعها في السفح الواقع أسفل قبة سيار وأعلى بستان الدواسة، يطلّ منها الإنسان على الربوة، وكانت يُزرع فيها الزعفران، وهذا السفح كان متنزهاً لبني أمية”.
وذكر ابن عساكر في “تاريخ دمشق” أن عبد الملك بن مروان كان يحدّث جماعة من أصحابه على سطحٍ بدير مران. وفي “الأغاني” روى الأصبهاني أن جريراً الشاعر قدم على عبد العزيز ابن الوليد بن عبد الملك وهو نازل في دير مران. ولما استولى العباسيون على دمشق هدموا جميع دور الأمويين وما يتصل بهم من آثار، ومن جملتها دار الخضراء التي كانت مسكن الخلفاء الامويين، وكان العباسيون لا يطمئنون الى السكنى داخل دمشق خوف الوثوب بهم والثورة عليهم فأقاموا مقر حكم الشام من دير مران الذي يحنّ إليه سعيد عقل ويراه السوريون كل يوم.
أما المكان الثاني الذي كنت أراه ساعات الصباح فكان جبل المزّة يساراً الذي يعتليه قصر الشعب، مقرّ الحكم القديم الجديد، الذي صمّمه المعماري الياباني كنزو تانغه، وكان رمزاً للرعب جاثماً على السوريين من الأعلى لعشرات السنين، مع أن تانغه كان يزعم اعتناقه فلسفة “الميتابوليزم” المعمارية والتي ظهرت في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كاستجابة لمتطلبات المجتمع الحي أياً كانت طبيعته خاصة وهو يعيش تحولاته الديناميكية. اليوم فرض الشعب السوري “ميتابوليزم” خاصاً به وأخذ يدير البلاد من القصر ذاته “جولانيٌ” آخر غيّر مسار التاريخ السوري بصورة مفاجئة للجميع، لكن طيفه ينتشر في كل مكان في المدينة، طيفٌ لا نهاية للأسئلة التي تدور حوله بين الناس ومعها تُنسج السيناريوهات والتوقعات والروايات.
أحمد الشرع أو “أبو محمد الجولاني” كما يطيب لمنتقديه اليوم تذكيره باسمه الحركي، وكأنه سبّة أو جناية أو نقيصة، الحاضر الغائب الموجود في كل مكان في دمشق، والذي لا تخلو جلسة هامسة بين اثنين من ذكر اسمه، الحقيقي مرةً والآخر في مرات كثيرة.
لم يكن الأسد الأب ولا ابنه يحضران في حوارات السوريين كما يحضر الشرع اليوم، صار رئيساً للجمهورية، فجعل معارضوه يذكّرونه كل مرة بأنه “رئيس مؤقت”. ما الفارق؟ لعلّ الأمر يعود إلى اعتيادهم على الرؤساء الأبديين، إذ أن كل رئيس في الدول الديموقراطية هو رئيس “مؤقت”، يأتي ويذهب في نهاية المطاف. لا تجدُ صوراً احتفالية تمجيدية للشرع في شوارع دمشق، كما كان الجميع يكاد يغرق في صور الأسد الأب والابن المفروضة بالقوة على كل حائط ومبنى حتى على جدران دورات المياه، لا ترى الشرع حاضراً على شكل تمثيل بصري قهري لكنك تشاهد أخباره في النشرات حول العالم على رأس الساعة كل يوم، ولا أحد يقول إن الشرع فوق القوانين كما كان يقال عن الأسدين، لكنه اليوم يمتلك القدرة على اختراق أي قانون بقوة شرعيته الثورية.
في الوقت القصير الذي تُركت خلاله وحدي، سارعت إلى إيقاف سيارة تاكسي وطلبتُ من سائقها في زحام شارع بغداد والطريق إلى باب توما أن يسمعني بعض الموسيقى كي يخف زمن الانتظار الطويل. أخذ الشاب يتفحّص وجهي أولاً قبل أن يقرّر، وما هي إلا لحظات حتى هدر صوت أغنية تقول كلماتها:
يَا فاتِحَ الشَّامِ هَذِي الشَّامُ شَاهِدَةٌ
بِأَنَّ فَضْلَكَ بَعْدَ اللهِ مُنْجِيهَا
قَدْ زَادَتِ الْأَرْضُ قَدْرًا حِينَ سِرْتَ بِهَا
وَكُنْتَ فِيهَا زَعِيمًا، دُمْتَ حَامِيهَا
انشغل ذهني بالتفكير في المعنى المختبئ خلف صعود القصيدة العمودية الخليلية وأغراضها من جديد في بلاد شهدت ولادة قصيدة النثر العربية للمرة الأولى، ومنها خرجت مختبرات الحداثة والتجريب في النص الأدبي وانتشرت في العالم العربي من دمشق وبيروت. وتمنيت عندها عودة الصراعات الأدبية إلى الساحة الإبداعية، بدلاً من انشغال السوريين بالسوشال ميديا والمنشورات والتغريدات.
في بيت خالد بك العظم آخر رئيس للحكومة السورية قبل انقلاب البعث في 8 من آذار/مارس 1963 بسوق ساروجة، سيداهمك الشعور بأن سوريا تواصلت مع تاريخها أخيراً، وقد يؤثر فيك تشابك الخطوط وتعقّد مسارات السلطات بأنواعها والتي تتحكّم بالسوريين فتمعن النظر في التداعي السياسي لوعي كثير ممن يحاولون تصدّر المشهد، غير أن تلك الخطوط مجتمعة لا تسمح لنفسها بتجاوز طيف “الجولاني”.
على بعد خطوات، في ساروجة ذاتها، يعيدك البيانو العتيق للرئيس محمد علي بك العابد، أول رئيس للدولة السورية في العصر الحديث، والقابع خلف جدران كتيمة، إلى زمنٍ كانت فيه السجالات السياسية خبزاً يومياً للسوريين. لكنها في هذه اللحظة تتخذ شكلاً أخر قصير المدى والتأثير.
أما طيف “الجولاني – طيف الشرع” فيبدو كقوس قزح واسع يجتاح السوريين، منهم من يترجمه على شكل تفرّد بالعمل، أو ما سمّيناه وسمّاه كثيرون انغلاقاً وتقوقعاً، ومنهم من يتصوّره قوةً بلا حدود تتيح هدم كل شيء والبناء من جديد، لكن بلا قواعد لعب ثابتة، آخرون ينعكس عليهم تكفيراً سياسياً من نوع مختلف يقابل التكفير المتخيّل الذي يعتقدون أن السلطة تنبثق منه وتطبّقه.
سوريا تجاوزت تلك الفجوة التاريخية وذلك الغياب عن ذاتها وعن العالم بفعل الانتقال من عهد مغلق إلى آخر مفتوح النهايات، إلا أنها لم تدخل بعد فضاء المستقبل الذي يتطلب أدوات من نوع آخر لا يوفّرها الولاء وحده، فيما الكل في سوريا يريد أن يتقمّص شيئاً من “طيف الجولاني” سواءً والاه أم عاداه. لفهم ذلك كلّه واحتمال كنت أستعين بفيروز كل صباح كما اعتدت من قبل. وكنت أظنّ أن السوريين قد هجروا عادتهم تلك في الاستماع إلى فيروز مطلع كل شمس. إلا أنك أينما ذهبت اليوم في دمشق، فلن تسمع إلا صوت فيروز، ومنه ومن روح دمشق كان ينهمر الصباحُ.
المدن



