تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

على هامش الخدمات القنصلية في بعثاتنا السورية/ حسان الأسود

 

2025.11.19

تقدّم البعثات الدبلوماسية المتبادلة خدماتها لمواطني بلدانها من خلال السفارات والقنصليات المعتمدة في الدول المختلفة، ويزداد الضغط على هذه البعثات كلّما ازداد عدد أفراد الجالية في البلد المعني، كما تتأثر الخدمات هذه حسب الظروف السياسية التي تمر بها الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها.

ففي حالات كثيرة تتعقّد الأمور بسبب مواقف سياسية متضاربة أو بسبب الحروب أو الكوارث أو غيرها، فتضطر الدولة لإغلاق ممثلياتها في دولة ما، أو تقوم الدولة المضيفة بقطع العلاقات الدبلوماسية أو تجميدها أو القيام بأي إجراء آخر يعوق من حيث النتيجة تقديم الخدمات لمواطني هذه الدولة. بعض الدول، خاصة الصغيرة أو الفقيرة منها، لا تفتتح بعثات تمثيلية في كل دول العالم، بل فقط في البلدان التي تربطها بها علاقات مهمة، أو التي فيها جالية كبيرة من مواطنيها. يستتبع هذا إعاقة حصول مواطنيها على متطلباتهم أو تأخيرها كثيرًا، مما قد يضطرهم للسفر إلى دولة ثانية فيها ممثلية لبلادهم لإنجاز معاملاتهم. على سبيل المثال، قامت العديد من الدول بإغلاق سفاراتها في دمشق بعد اندلاع الثورة السورية، كما أنها قلّصت عمل البعثات الدبلوماسية السورية لديها أو أغلقتها. كذلك ثمّة معوقات قانونية ناتجة عن ظروف خاصة تتعلق أحيانًا بقوانين الدولة المعتمد لديها، ففي دول الاتحاد الأوروبي مثلًا تسري القواعد القانونية الخاصة باللجوء، والتي ينصّ بعضها في حالات معينة على اعتبار أنّ مراجعة اللاجئ سفارة بلده مثلها مثل زيارته بلده، أي أنه يمكن أن يترتب عليها حرمانه من حق اللجوء على اعتبار أن السفارة تمثل سيادة الدولة.

في ألمانيا، ولظروف معقّدة خاصّة بها عندما كانت مقسّمة إلى شرقية وغربية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت العاصمة المؤقتة في ألمانيا الغربية هي مدينة بون، وقد افتتحت العديد من الدول سفاراتها فيها، ومن بين هذه الدول كانت سوريا، التي اشترت جاليتها قطعة أرضٍ من أموال أفرادها وبنت عليها دارًا مع عدد من ملحقاتها وأهدتها للجمهورية العربية السورية. استخدمت الدولة السورية هذه الدار بصفة مقر لسفارتها، ثم بعد توحيد الألمانيتين تحولت إلى مبنى مخصص للأعمال القنصلية. تعتبر هذه الدار تحفة فنيّة لأنها صُممت وبنيت على الطراز الدمشقي القديم، وقد حاول أزلام النظام المخلوع بعد اندلاع الثورة السورية المجيدة في 18 آذار 2011 بيعها مرارًا وتكرارًا، ولولا تصدّي أحرار الجالية السورية الشجعان من الرجال والنساء، لكان المبنى الآن أثرًا بعد عين. الحقيقة أنّ أزلام النظام البائد سرقوا محتويات المبنى الفاخرة من أثاث سوري أصيل لا يقدّر بثمن، واستخدموا المبنى لأغراضهم الشخصية الخاصة، وحرموا أفراد الجالية من استخدامه رغم أنّه بُني وأُثّث من جيوبهم. بعد سقوط النظام بعدّة أشهر زار وفد من الخارجية السورية المبنى وأعاد تأهيله لاستقبال المواطنين السوريين ولتقديم الخدمات لهم. احتفى أفراد الجالية بهذا الأمر، وحضر عدد غفير منهم الافتتاح، وتكلّم أحدهم (هو معروف بالاسم ومشهور بين أفراد الجالية) شارحًا تاريخ المبنى وقصّته، ومنوهًا إلى أنه أصبح رمزًا للنضال ضدّ الطغيان الذي مثله النظام المخلوع، ومذكّرًا ممثلي الخارجية السورية بأنّ هذا المبنى كان ثمرة جهد مشترك لأفراد من الجالية، مشيرًا إلى أنّهم سيبقون في خدمة قضيتهم الوطنية بغض النظر عن السلطة السياسية التي تتغير وفق منطق التاريخ وشواهده، لكنّ البلد (سوريا) باقية لا تتبدّل.

يوجد في ألمانيا ما يقرب من مليون ومئة ألف سوريّ وسورية، منهم مئة وستون ألفًا حصلوا على الجنسية الألمانية حسب آخر الإحصائيات. يحتاج هؤلاء جميعًا لخدمات من ممثليات بلادهم. تتراوح الخدمات بين استخراج الوثائق الشخصية مثل جوازات السفر والبطاقات الشخصية، أو بين القيود المدنية وبيانات الأحوال المدنية مثل شهادات الميلاد والزواج والعزوبية وغيرها، أو بين الوثائق ذات الطبيعة القانونية مثل الوكالات وعقود البيع والهبة…إلخ. تقوم البعثات الدبلوماسية أيضًا برعاية شؤون مواطني دولتها، فتتابع قضايا المبتعثين للدراسة والمقيمين للعمل، كما إنّها في الدول القويّة تنظّم عمل الجاليات وحضورها في مجتمع الدولة المضيفة، أو على الأقل تساهم في تنظيمه بما يعود بالفائدة على الجالية والبلد الأم والدولة المضيفة وبما يمتّن الروابط والعلاقات بينهما. من هنا تكمن أهمية البعثات الدبلوماسية في العالم، بالطبع يأتي هذا كلّه بعد تحقيق الغايات الأساسية التي من أجلها نشأت فكرة التبادل الدبلوماسي قبل قرون عديدة، ألا وهي مسألة تمثيل الدول أمام بعضها البعض الآخر.

ولغايات إيصال الفكرة من هذه المقالة، سنورد من اتفاقية (فينا) للعلاقات الدبلوماسية المبرمة في 18 نيسان/ أبريل 1961 المواد التي تهمنا هنا، حيث تحدد مهام البعثات الدبلوماسية بـــــ :

مادة (3) 1- مهام البعثة الدبلوماسية تتضمن بصفة خاصة فيما تتضمنه ما يلي:

أ- تمثيل الدولة المعتمدة قبل الدولة المعتمد لديها.

ب- حماية المصالح الخاصة بالدولة المعتمدة وبرعاياها في الدولة المعتمد لديها، وذلك في الحدود المقبولة في القانون الدولي.

ت- التفاوض مع حكومة الدولة المعتمد لديها.

ث- الإحاطة، بكل الوسائل المشروعة، بأحوال الدولة المعتمد لديها وبتطور الأحداث فيها وموافاة حكومة الدولة المعتمدة بتقرير عنها.

ج- توطيد العلاقات الودية وتدعيم الصلات الاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدولة المعتمد لديها والدولة المعتمدة.

مادة (28) الرسوم والمستحقات التي تحصلها البعثة خاصا بأعمال رسمية تعفى من كل ضريبة أو رسم.

نقطة التركيز التي نحاول تكثيفها هنا هي جودة الخدمة التي يمكن أن تقدمها البعثات الدبلوماسية السورية للمواطنين السوريين في بلدان المغترب والشتات. وللإنصاف فقد لاحظ كاتب هذه السطور شخصيًا تحولًا نوعيًا في المعاملة بين زمن النظام البائد وبين الوقت الراهن. فقد كان التعامل سابقًا مع السوريين من قبل البعثات قائمًا على مبدأ الاستهانة بقيمة المواطن واحتقاره والسعي بكل الطرق لإهانته وإذلاله، بينما أصبح الوضع الآن في غاية اللطف والاحترام والصبر على تجاوزات بعض المواطنين التي تحدث أحيانًا. مع ذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نقص الخبرة في القضايا الحقوقية والقانونية عند كوادر البعثات يسبب كثيرا من المشكلات، فرغم التعاون الكبير الذي بات يبديه الموظفون مع المواطنين، إلا أنّ عدم خبرتهم أو حتى معرفتهم بطبيعة مهامهم التي يقومون بها نيابة عن كتّاب العدل أو أمناء السجل المدني في سوريا، تسبب التشويش وأحيانًا الضرر للمواطنين. فصيغة الوكالة على سبيل المثال تتعلق بها حقوق ومصالح متعددة، وأي خطأ فيها قد يضرّ بأصحاب العلاقة أو قد يمنعهم من تحقيق الغاية المرجّوة من تنظيمها أساسًا. هذه الإشارة برسم وزارة الخارجية السورية التي نرى أنها تتفاعل إيجابيًا مع النقد، ونرجو أن تأخذ هذا الأمر على محمل الجدّ، خاصّة وأنّ ما تحصله من رسوم على خدمات بعثاتها ليس بالقليل، وهو أساسًا معفى من الضرائب حسب اتفاقية فيينا، فيمكنها على سبيل المثال تعيين مستشارين من القضاة أو المحامين أو كتّاب العدل السوريين الموجودين في بلدان الاغتراب لتقديم النصح والإرشاد للموظفين، أو التعاقد معهم لتقديم هذه الاستشارات. كذلك لا يفوتنا الإشارة إلى أنّه من الممكن الاستفادة من حالات التنظيم رفيعة المستوى التي لمسناها في الدوائر الألمانية، رسمية وغير رسمية، والتي يمكن أن تضيف كثيرا للخدمات السورية.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى