فيلم هالة العبد الله “عمر أميرالاي: الألم، الزمن، الصمت”

عمر أميرالاي: ماذا نفعل بأحبتنا؟/ عبير داغر اسبر
21 نوفمبر 2025
بكثير من الحب حضرت فيلم هالة العبد الله “عمر أميرالاي: الألم، الزمن، الصمت”. بدأت هالة العبد الله مشروع الفيلم عام 2009 كتحية لصديقها وزميلها عمر أميرالاي، الذي رافقها في العمل لسنوات طويلة. لم تكن تفكر آنذاك في فيلم مكتمل، بل في مجموعة من الحوارات التحضيرية، محاولات لاستكشاف شخصية رجل عاش عمره خلف الكاميرا وها هو يقف أمامها متسائلًا: “لماذا ترغبين في صناعة فيلم عني؟”. هذا سؤال الشك سيفهم لاحقًا، حين تتحول كل المادة المصوّرة إلى لحظات خفة تخفف من المسؤولية التي يعيها أميرالاي تمامًا، لكنه سرعان ما يهرب منها.
لم تضع هالة أميرالاي أمام كاميرا متطلبة وقصدية وواعية تمامًا بما تريد، بل تركت كل ما في مادتها منفلتا وللصدفة، ومن هنا انزاحت الكاميرا تدريجيًا من كون الفيلم عن المخرج إلى أن يكون عن إنسان يتعامل مع شبح الأمومة، عن سيدة لم تفعل شيئًا مكتملًا سوى الإطباق على حياة ابنها.
ومع أن هالة العبد الله حاولت التنقل ضمن السيرة السينمائية للمخرج، بدا أميرالاي بنفسه، أو لفقر المادة المصورة، متحكمًا بمسار العمل أحيانًا، أو متعبًا ومحبطًا من حاضره، فعاد إلى العائلة كونه متورطًا بها حتى أطراف أصابعه، تلك التي تقسم حبوب الدواء، منغمسًا بالذاكرة الجسدية والحسية التي تمحو نفسها ببطء.
هكذا تحوّل المشروع من فيلم عن عمر أميرالاي إلى حكاية عن ابن يطبب أمه، وأم لم يكن لها من هدف سوى السيطرة على حياة ابنها حتى وهي تفقد إدراكها.
وجه عمر أميرالاي الضاحك
أكتب عن هذا الفيلم بتردد هائل، مترنحة بين احترامي الكبير للاسمين، وبين ما مرّ على الشاشة من ارتباك جعلني أتأمل أكثر مما أستمتع. ليس لأن الفيلم بلا حب، بل لأن الحب فيه بدا عاريًا، مرتبكًا، كما لو أنه يعتذر عن اكتماله. منذ إنجازه عام 2021، زار الفيلم مدنًا وعواصم كثيرة قبل أن يصل إلى دمشق ليُعرض هناك، وكأن المدينة التي حملت أميرالاي وحكايته هي آخر من يُسمح لها بالمشاهدة.
هالة العبد الله، التي نعرفها مونتيرة مخلصة ومخرجة ذات معرفة وطيدة بالسينما، بدت في هذا العمل كأنها لم ترد أن تُخرج فيلمًا بقدر ما أرادت أن تترك أثرًا حميمًا لصديق غائب. جلوس عمر أمام الكاميرا بدا بلا منهجية، يتحدث كما لو أنه يستعيد أنفاسه لا أفكاره. الكاميرا تتابعه بعفوية تقارب اللامبالاة، الصوت رديء، والكادرات بلا دراسة جمالية واضحة.
في هذا الارتجال صدق شديد قد يغفر ما مضى، كأن المخرجة لم تستطع أو لم ترغب في السيطرة على المادة المصوّرة فتركتها كما هي، مجرد لحظة حقيقية بين صديقين. إلا أن ما يُحسب للصدق يُخصم أحيانًا من الفن. فاختياراتها، على صدقها العاطفي، بدت أقرب إلى المادة الخام منها إلى الفيلم المنجز. الصورة لم تخرج من عفويتها إلى شكل بصري قادر على تحويل الارتجال إلى لغة. ما بدا نيئًا لم يتحوّل إلى طزاجة فنية، بل ظل بين الحالتين: حقيقي لكنه غير مُشكّل، مؤثر لكنه غير مصاغ. قد يكون هذا خيارًا جماليًا في حد ذاته، لكنه خيار محفوف بالمخاطر.
بعد وفاة عمر أميرالاي عام 2011 توقفت هالة عن استكمال الفيلم. لم تستطع الاقتراب من المادة المصوّرة التي باتت تحمل أثرًا مؤلمًا لوجه غائب. بعد نحو عشر سنوات، عادت إلى تلك اللقطات بعين أخرى. لم تعد تراها تمرينًا تصويريًا، بل وصية.
في عام 2018 بدأت المونتاج لتنسج من الشذرات المتبقية رسالة شخصية بصوت عمر، وصمتها هو. لم تضف مشاهد جديدة ولم تحاول إكمال ما لم يُنجز، بل اكتفت بما تركه لها الزمن، وحاولت بإلحاح تحويل النقص في المادة البصرية إلى مادة جمالية، ومن الغياب بناءً سرديًا.
فيلم يعترف بعجزه ويقيم قيمته ربما في هذا العجز نفسه. ما أُريد له أن يكون تأملًا في الغياب يقع في إشكال أخلاقي عميق: أحقيتنا في تصوير أحبتنا دون معرفتهم، وفي تحويل شخص نعرفه ونحبه إلى مادة بصرية بعد رحيلهم. السؤال الذي لطالما طرحه أميرالاي نفسه عن علاقة المخرج بشخصياته، وما طرحه الآخرون عن أفلامه، تعيده هالة اليوم من موقع الصديقة: من نحبهم، أوطانًا أو أشخاصًا، هل نصنع لهم فيلمًا، أم نصنع باسمهم فيلمًا؟
في النهاية، لا أستطيع إلا أن أكون غفورة مع هذا الفيلم، رغم كل ما افتقدته. لأنني أعرف أن الحزن، حين يحاول أن يصير عملًا فنّيًا، يفقد توازنه. هالة العبد الله، التي فقدت صديقها وشريكها في الحلم السينمائي، كانت تُخرج بيديها المرتجفتين لا بكاميرتها فقط. لم تقدّم فيلمًا عن عمر أميرالاي، لكنها قدّمت فيلمًا عنه فيها، عن تلك الصداقة التي لا تنجو من الغياب، وعن السينما التي تتحول إلى طقس وداع.
الفيلم لم يكن توثيقًا لمسيرة مخرج كبير ولا عملًا عن دمشق، بل صار تأملًا في هشاشة الوجود، كما لو أنه سطر لم يُحسم بعد.
ماذا نفعل بأحبتنا؟ نصنع لهم فيلمًا؟ أم نصنع باسمهم فيلمًا بالرغم عنهم؟
الترا صوت
———————————–
بعد سنوات من المنع.. أفلام هالة العبدالله وعمر أميرلاي تعود إلى سوريا/ وداد سلوم
24 نوفمبر 2025
عُرض الفيلم التسجيلي الطويل لهالة العبدالله عن صديقها ورفيق دربها عمر أميرلاي في متحف بيت سرسق بلبنان عام 2021، لكن السوريين لم يتوقعوا مشاهدته في سوريا، إذ لم يتمكنوا من مشاهدة أي من أفلامها حتى وقت قريب، حيث كانت مُمنوعة أيام النظام السابق، وكذلك أُفلام عمر أميرلاي التي مُنعت، حتى تلك التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما.
وبعد سقوط النظام، استطاعت هالة العبدالله أخيرًا زيارة سوريا وحضور عرض فيلمها ومناقشته في عدة مدن سورية؛ فعُرض في دمشق في دار فارحي، وفي مركز هارموني الثقافي في حمص، وفي مصياف.
تفتح هالة باب الذاكرة لتتدفق بقوة، ساردةً في خلفية الفيلم عن أميرلاي واشتباكات الحلم والواقع، وعن الأشخاص والتاريخ. وبينما يهطل المطر على زجاج السيارة وكأنه دموع لا تتوقف، تبدأ بسلسلة من الصفات المتنوعة والحالات التي ستقدم من خلالها شخصية عمر أميرلاي؛ سلسلة من المترادفات والعبارات المتناقضة والمتناسلة من بعضها، تغوص دلاليًا إلى أعماق المعنى في وصفها له، وهو يعيد إليها السؤال: “لماذا تودين صنع فيلم عني؟”.
وتوضح هالة أنها أعدت المواد الأولية للفيلم منذ مدة طويلة، وبدأت بكتابة السيناريو، والآن أصبحت جاهزة للبدء بالفيلم. إلا أن موت أميرلاي وبدء الحراك في سوريا سبَّبا تأجيل المشروع طويلًا، ما يذكرنا ببداية فيلمها “أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها”، حين تخبرنا أن مشاريع أفلامها بقيت حبيسة الحلم حتى بلغت الأربعين وقررت أن تطلقها أخيرًا.
تشير العبدالله في عنوان الفيلم “الزمن – الألم – الصمت” إلى المحاور الرئيسة التي تحدد مسار الحوار مع أميرلاي، والذي يضيف تأثير المكان أيضًا بالحديث عن ذلك الارتباك الذي واجهه؛ فهو المولود في دمشق لأسرة تعود جذورها إلى خارج المكان، وتتحدث بعضها بلغة أخرى. كانت تلك غربة لها طعم خاص، ربما لن يفهمها الآخرون، لكنها أثرت فيه بشكل ما.
يستطيع المشاهد أن يدرك أن العلاقة بين هالة وأميرلاي ليست مجرد علاقة عمل أو صداقة، إذ يبدو واضحًا أنها شراكة فكرية، حتى إنه ينوّه أنه لطالما فكر بعمل فيلم عن والدته – وقد صور مدة 16 ساعة كمادة أولية – لكنه لم يتجرأ على إتمام العمل حتى أتت هالة لتسأله عن علاقته بوالدته. فقد أوقف عمر حياته لمدة عامين للعناية بوالدته.
ومن العلاقة مع الآخر إلى الذات، يأخذ الحديث عن الأم في شيخوختها طابعًا وجوديًا، فيتسع ليشمل الشيخوخة وعلاقة الإنسان بالزمن، ومن مرض الوالدة إلى المواجهة مع الموت والفناء والذكريات، وتلمس أحاسيس الإنسان في عجزه وحركة جسده غير المفهومة. ليصبح الزمن الخريطة اللامرئية التي تتفرع عليها الحوارات؛ فهالة بين الحين والآخر تخاطب عمر لتخبره عن الفيلم، وعن وقع وفاته المؤثر وغير المتوقع قبل اندلاع الثورة السورية، ليختلط حديثها عن ألم غياب أميرلاي بألم الشعب السوري على مدى خمسين عامًا، وبألم الاضطهاد والقمع والعنف منذ أحداث درعا، إلى الألم الخاص بفقدان صديق عمرها.
يشعر المشاهد أن الفيلم حوار مستمر بين عمر وهالة خلف الكاميرا عن مواضيع مختلفة، تبدأ من الخاص وتنتهي بالعام؛ عن ذكرياته ودراسته، وعن أفكار أفلامه وموضوعات مختلفة لم يتناولها أحد قبله، كالحديث عن الممثلة إغراء السورية التي قبلت التعري في فيلم “الفهد” دون أجر مقابل أن تخدم فكرة الفيلم، بينما من نافل القول ما تعرضت له من إساءة بسبب أدوارها الجريئة. ثم يخوض أكثر في الحديث عن تقنياته الفنية في العمل السينمائي. قالت هالة العبدالله في معرض نقاش الفيلم إن ما قدمه من معلومات عن ذلك يجب تدريسه على مستوى الجامعات.
تضحك عيون عمر أميرلاي، الذي كان دائم الضحك كما تصفه هالة، مستغربةً قدرته الدائمة على الضحك؛ فهي لا تتذكره إلا ضاحكًا، بينما يظهر انفعاله وغضبه في أعماله السينمائية. وكيف كانت ابتسامته توحي دومًا بالطمأنينة في الحياة.
تضحك عيون أميرلاي في حديثه وفي سرد ذكرياته مع والدته، حتى تدمع وهو يتحدث عن شيخوختها. يقف ويفتح يديه في الباب وكأنه يحضن الفراغ، بينما تغني سناء موسى “يا نجمة الصبح”، وكأنه يؤدي لحظة استثنائية. كانت المرأة دومًا نجمة الصبح. لقد كان وداعًا لانطفاء نور والدته.
بقيت هالة متمسكة بموقفها الأخلاقي بعدم تصوير والدة عمر في عجزها واحتضارها، رغم أنه أشار إليها أن تفعل، واكتفت بتصوير يديها وحركتهما المتثاقلة، في احترام لا متناهٍ للإنسانة والأم. فكانت تنقل الكاميرا بين عمر والباب الموارب حيث والدته، فتهتز الصورة وكأنها ترتجف، ربما تعبر عن تلك المرحلة غير المستقرة بين الموت والحياة، وربما عن وقع تلك اللحظات حيث ترتجف الروح. وبينما تصور الستارة في تلك المساحة الخاصة، وكأنها توازن بين الظل والنور، كما بين الموت والحياة.
بعد سنة واحدة من ذلك، مات أميرلاي محدثًا صدمة كبيرة لدى أصدقائه وأحبته. كان ذلك قبل بدء الحراك في سوريا بعام واحد، لكن هالة تخبره في فيلمها عن ألم الناس ومعاناتهم خلال ذلك، عن العنف وعن الثورة الحلم، فهي لا تنفك تخاطب أميرلاي وتحدثه وكأنها تكمل حوارًا مستمرًا معه.
تقف أمام شقته في باريس، تتلمس صوت عزفه خلف الباب، ثم تهبط الدرج مسرعة كمن يهرب من حقيقة اكتشفها. وكانت قد صعدت الدرج ببطء، وكأنها مع كل درجة من السلم تحمل عبئًا إضافيًا وحزنًا آخر.. حزنًا على حزن. وحين تصل وتلمس الباب الذي لن يفتح بعد وفاة عمر، تهبط كمن يهرب من حقيقة لا يريد أن يصدقها.
وتتابع حديثها وهي تقف على قبره في دمشق وتضع الورد، فندرك الصمت الذي دخله عمر إلى النهاية. ذلك الرحيل والخروج من الكادر إلى الصمت الطويل الذي لا تصدقه هالة رغم مرور السنين.
يشعر المشاهد أن الفيلم يتصاعد بقوة رغم النهاية الحزينة. ورغم كل الحزن وألم الفقد، فإنها تقول مخاطبةً أميرلاي: “لربما كان من الأفضل مغادرة هذا العالم على أن ترى هذا الألم الناجم عن العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام السابق ضد المدنيين”. لينتهي الحديث – الفيلم والرسالة الطويلة إلى عمر – ليس بوداع، بل بانتظار اللقاء في يوم ما.
كان الفيلم رسالة إلى عمر، ورسالة عمر إلى محبيه، مشحونًا بمشاعر كثيرة عميقة ومؤثرة، وألم الفقد الذي لا يعوَّض.



