صفحات الثقافة

كليمان سينيشال: الإيكولوجيا الثورية خلاصنا/ بول مخلوف

السبت 15 تشرين الثاني 2025

كليمان سينيشال مفكِّر مذهل. الفرنسيّ المتخصص في قضايا البيئة والناطق السابق لمنظمة «غرين بيس»، منظّر ماركسي خطير، يقتحم الغابة الرأسمالية كحطاب متمرّس وفي جعبته فأس مسنون: أدوات تحليلٍ مادية، ومنهج جدليّ صارم. بفأسه هذا، يقطّع سينيشال اليباس الذي خلفته الرأسمالية ويحثّ على تشجير الأرض المحروقة

فيلسوف الإيكولوجيا الماركسيّ

لا ضير من وصفه بفيلسوف الإيكولوجيا الماركسيّ. مقاربته للعالم الرأسماليّ تنطلق من البيئة. يرى أن تدمير الطبيعة واستغلالها امتداد للاستغلال الطبقيّ؛ ويجزم، هو الذي كان ناطقاً في السابق لمنظمة «غرين بيس»، بأنّ المنظمات البيئية وحركات «الناشطية» (Activism) ليست سوى جهاز بيروقراطي يخدم الاستقرار الاجتماعي الذي أفرزته الرأسمالية وليس سلامة الكوكب الذي يحملون قضيته.

مشروعه الماركسي صرح ضخم، مفتاحه هو إعادة تأصيل الصراع الطبقي -بعدما اقتطع- في الحيز الإيكولوجيّ. انطلاقاً من سؤال لينين «ما العمل؟» يتمسّك بـ«البراكسيس» (دمج النظرية مع التطبيق) كطريق ثوريّ.

إنّ «العمل» يبدأ بالتحريض نحو «إيكولوجيا الصراع الطبقي»، أي الانخراط الفاعل في مواجهة الهيمنة الطبقية التي تسود الخطاب البيئي، ودحض الأيديولوجيا المهيمنة.

فالإيكولوجيا عنده مشروع تحرري شامل، غير أنّ هذا المشروع لا يبدأ قبل استعادة المضمون السياسي الذي فقد منه. من هذه النقطة، يذكرنا قليلاً بنعومي كلاين، المنظّرة الكندية صاحبة نظرية «عقيدة الصدمة» التي عرّت في كتابها «رأسمالية الكوارث» المنظمات البيئية التي تتغذى من الكارثة الناجمة عن الرأسمالية وتتذرَّع بأنها المنقذة فيما يقتصر عملها على تنظيف مسرح الجريمة وتحويله إلى مشروعٍ ربحيّ جديد.

كتابه الجديد «لماذا تخسر الإيكولوجيا دائماً؟» أزعج التيار البيئي إلى حدّ اتهامه بـ«الهدّام» و«المتواطئ» مع اليمين الفرنسي. خزعبلات لا تصمد أمام كاتب دائماً ما أصرّ على أنّ الإيكولوجيا، كمشروع تحرري، يقترن بالضرورة بعملٍ ثوري وجماعيّ ولا يخرج من صالونات النخب الوسطية والليبرالية المترفة.

ما يعني كليمان سينيشال بالدرجة الأولى، هو المجال/ الحيّز الماديّ الذي يَشغل الناس الذين يشتَغلون فيه، أي القاعدة الاقتصادية للمجتمع أو ما تطلق عليه الماركسية مصطلح «البنية التحتية».

إنّ الايكولوجيا مسألة صراع يبدأ «من تحت»، من أسفل الهرم في المجتمع ويقوده العمال والمناضلون. هناك علاقات اجتماعية وجب خلخلتها وتجريدها من القوة وتهشيمها. هناك ظروف اقتصادية وشروط «موضوعية» وجب تغييرها لأن العالم لا تغيّره الأفكار والتصوّرات إنّما يتغيّر بقوّة العمل. هكذا، ينتقد سينيشال الأفكار الإنسانوية والدعوات الأخلاقية ويجزم بأنّ مستقبل الإيكولوجيا لا يمرّ عبر «البيئيّة» كمجال منفصل عن السياسة وتحركه النصائح و«الدعوات» الهجينة بل عبر الصراع الطبقي.

«مؤسسة بيئية»

باختصار، بدأ انحسار اليسار الثوري في الغرب في السبعينيات. هذا التقلّص فتح المجال لما يسميه سينيشال بـ«المؤسسية البيئية» حتى تهيمن على الإيكولوجيا وتسلبها مضمونها السياسي. لقد تجردت الإيكولوجيا من فاعليتها، من قدرتها على توجيه الاتهامات المباشرة، وتسمية الأسماء بمسمياتها، والانقلاب على البنية الرأسمالية، أي من قوتها على تغيير العالم. وفي تحوّلها إلى شأن منزوع من السياسة، غدت «أداة تمييز أخلاقي وهيمنة اجتماعية».

فالإيكولوجيا التي كانت معنية بمعارك حول الطاقة النووية والمسائل العمالية والاجتماعية أصبحت معنية الآن بـ«حماية البيئة». على أنّ حمايتها للبيئة، كما يفترض سينيشال، هي حماية الخضار الطبيعي الذي يهم البرجوازية، وجميع منظمات حماية البيئة انحدرت من هذا المنظور: الطبيعة كديكور خارجي للمجتمع.

يشرح سينيشال التحوّل الذي طاول الإيكولوجيا ونقلها من كونها أداة ثورية إلى أداة هيمنة كما رست عليه كمؤسسة بيئية. ارتكزت «المؤسسية البيئية» التي سطت على الإيكولوجيا على أربعة عوامل: استبدال النشطاء بالعاملين المأجورين، وتفضيل الكوادر التقنية والتواصلية على المناضلين، وتوجهها نحو جمهور محدد، وصياغة خطاب بيئي قابل للذوبان في النيوليبرالية.

في خضم هذا التحوّل، غدت الإيكولوجيا «قطاعاً ربحياً»، فمن يقود قرارها ويهندس استراتيجيتها هي مجموعة من «الناشطين» والتكنوقراطيين الذين يبحثون عن أرباح اقتصادية ومكانة رمزية في النظام الرأسمالي.

جهاز برجوازي وعرض فرجوي

يقول سينيشال إنّ ما نراه اليوم ليس سوى إيكولوجيا استعراضية. نحن إزاء عرض أخلاقي للطبقات الميسورة، يعيد إنتاج الامتياز عبر لغة الإنقاذ الكوني. منظّمات مثل «غرين بيس» والصندوق العالمي للطبيعة صارت شركات علاقات عامة تحافظ على واجهة بيئية لنظام يستمر في النهب. التمويل يأتي من الشركات نفسها التي تنتج انبعاثات الغازات السامة والتلوّث البيئي.

لقد فرِّغت الإيكولوجيا من بُعدها الطبقي وأصبحت «فنّ إدارة الذنب»، أي تحويل القلق إلى استهلاك جديد. غدت الإيكولوجيا اليوم، بتعبيره، أشبه بدينٍ علماني. المؤسسة البيئية تزودنا بإرشادات تقودنا إلى «التوبة الفردية» مثل إعادة التدوير، واقتناء سيارة كهربائية، والاستغناء عن البلاستيك، وتعفينا من التفكير في النظام الذي يدفعنا نحو هذه الأفعال.

أصبحت الإيكولوجيا سلعة سياسية وثقافية موجهة للطبقات العليا، تعالج قلق الشيخوخة، وهاجس نهاية العالم لدى جمهور ميسور مادياً أكثر مما تعبّر عن وعي جماعي بمصير الكوكب.

مشروع استعماري

استولت النخب والطبقات العليا على الإيكولوجيا وباتت تستغل الطبيعة مثلما يستغل أصحاب المصانع العمّال. يحكي سينيشال كيف أنّه تحت ذريعة حماية البيئة، تضمر «الإيكولوجيا المؤسسية» وجهاً استعمارياً يمارس طمس «الآخر» ويستغلّه. تحوّلت في كثير من مشاريع الحماية البيئية إلى صيغةٍ تسجن الأرض وتسجّلُ الناس خارجها: محميات تُعلن لإنقاذ الأنواع وتُقام عبر تهجير السكان الأصليين، ومشاريع «تعويض الكربون» تسوَّق كبضاعة للبرجوازية الغربية بينما تستنزف أراضي الجنوب ومناجمه لاستخراج المعادن النادرة.

هذا «الاستعمار الأخضر» كما يصفه سينيشال يكرّر منطق الإمبراطورية: الأرض مخزون يسرق والسكان يعاملون كأضرار جانبية يهجّرون بمبرر الحفاظ على «أصالة» البيئة. في المنتديات الدولية، ترسم النخب سياسات تبدو بيئية لكنها تفشل في تمويل التحول الفعلي في الجنوب، وتُحمّل الشعوب المُفقرة مسؤولية أزمةٍ أنتجتها أنماط استهلاك وتراكم عالٍ في عالم الشمال.

يخبرنا سينيشال كيف تكمن طبقية أيديولوجية إلى جانب العنصرية: تحوّلت الإيكولوجيا إلى شيء من الرفاهية تميّز طبقاتٍ قادرة على «الاستدامة الاستهلاكية» فيما يُقترح على الفئات الشعبية «التقشّف» تحت شعار «شدّ الأحزمة لإنقاذ الكوكب». هذه معادلةٌ تُبرّر فقراً مقنناً وتشرعن عدم المساواة. البديل عند سينيشال يكون في إيكولوجيا تحررية: ربط النضال البيئي بالنضال الاجتماعي، واستعادة السيادة على الموارد في بلدان الجنوب، وضمان تعويضاتٍ حقيقية وتمويلات تحولية. إذا لم تُقلب علاقة القوة هذه، ستبقى «البيئة» حافظةً للوجود القديم، «غابة» تحرقها الرأسمالية.

«الضمير الأخلاقي» واليسار الانتهازي

طغى الطابع الإصلاحي على الإيكولوجيا، وعلى أثر هذا الطغيان، دجّنت وذابت داخل البنية الرأسمالية. هذا التحوّل جعلها صمّام الأمان للطبقة المهيمنة. المؤسسة البيئية احتكرت القرار البيئي، ما أدى إلى اغتراب نضاليّ بسبب استبعاد المناضلين، كما أدى ذلك إلى انغلاق طبقي داخل هذه البنية الجديدة، واختزل نضال «الإيكولوجيا المؤسسية» على «التوعية البيئية» والتعويل على «الضمير الأخلاقي».

يرى سينيشال أن هذه الأساليب أتاحت للطبقات العليا ترسيخ موقعها الطبقي، وجعل من «المؤسسة البيئية» التي تعوّل على «الضمير الأخلاقي» بمنزلة كلب حراسة للبنية الرأسمالية.

يقول «إنّ عقيدة التوعية تنزلق بسهولة في الفيتيشية المجردة «للخيال» و«السرديات»، وتضمن للبرجوازية الثقافية هيمنتها على تأطير النقاش البيئي، خصوصاً لتجريد هذا النقاش من أي بُعد ثوري، أي من بُعديه النقدي والممارس.

فـ«التوعية» تسمح بتجنّب أي تخصّص سياسي في سياق صراع الطبقات المتأصل في الرأسمالية». لقد حلّت التوعية إذاً كبديل من التسييس. وحين اعتقدت «الإيكولوجيا المؤسسية» أنها تواجه خللاً مناخياً لم تكن تواجه سوى قواعد النظام الرأسمالي الذي لم تساءله يوماً. فالمنظمات البيئية تعتقد أنّه بإمكانها تغيير الرأسمالية من الداخل، غير أنّ هذا الوهم الإصلاحي بمنزلة مخدر يطيل أمد الكارثة البيئية ولا يعالج مكمن العطب.

يعاين سينيشال العلاقة بين المنظمات البيئية وبين السلطة السياسية، يرى أن المؤتمرات المناخية، وخطط المنظمات البيئية مثل «غرين بيس» وغيرها متواطئون مع الرأسمالية في «تنظيم تدمير البيئة».

لم تعد الإيكولوجيا إذاً ذائبة فقط في الرأسمالية بل استمدت لنفسها دوراً. وباسم «الاستدامة»، خلقت «الإيكولوجيا المؤسسية» أسواقاً جديدة: سوق الضمير الأخضر عبر التبرعات والمنظمات، وسوق «الغسل الأخضر» عبر الشراكات التجارية والاعتمادات البيئية، وسوق السلع الفاخرة الصديقة للبيئة. وهكذا أصبحت البيئة مصدر ربح ومكانة للطبقة الرأسمالية، إذ تجمع بين المكاسب الاقتصادية والرمزية في الوقت نفسه. الإيكولوجيا، بهذا المعنى، صارت أداة ناعمة للهيمنة.

يعرّج سينيشال في نقده على «اليسار البرجوازي» الذي يحمّله مسؤولية التواطؤ مع هذه المؤسسة البيئية. يقول «إنّ المهمة الأولى المطروحة أمامنا هي تفكيك اليسار البرجوازي الذي يفرغ القضايا التي يتبنّاها من مضمونها. فهو يتغذّى عليها بعد أن يفرّغها من دمها، سواء تعلّق الأمر بالنسوية أو الإيكولوجيا أو مناهضة العنصرية.

هذا اليسار ينزع الطابع التخريبي عن هذه الحركات ليجعلها قابلة للهضم ضمن النظام الاجتماعي السائد. أمّا نحن، فعلينا أن نعيد وصل هذه القضايا ضمن جبهة ثورية واحدة». وعلى هذا النحو الراديكالي، يرفض سينيشال إذعان هذا اليسار البرجوازي، وينتقد عدم قيامه بقطيعة جذرية مع النيوليبرالية مكتفياً في موقعه بوصفه «أداة إدماج رمزية» للهيمنة.

مشروع تحرري

لا شأن لجمهور الأحزاب الخضر ولا للناشطين البيئيين المنسجمين مع الوصفات النيوليبرالية في «الإيكولوجيا الثورية» كمشروع تحرري ينظّر له سينيشال. إذا كان اليسار البرجوازي مهادناً وانتهازياً، والمنظمات البيئية التي حولت الإيكولوجيا إلى مؤسسة بيئية خائنة، فالحلّ يبدأ بتحطيم كل طروحاتها والبناء من جديد. يطالب سينيشال بالقطيعة مع كل خطاب يدعو إلى «تكامل المقاربات» أي التعاون مع السلطة والمركز الرأسمالي لأنه يقود إلى الهلاك. كما يفكك شعار «الكونية المجرّدة» لأن وراءه يختبئ من يريد الدفاع عن الامتيازات: هؤلاء الذين يجنون الأرباح من «إيكولوجيا خاسرة» بعدما حولوا الإيكولوجيا إلى مؤسسة بيئية.

يقترح سينيشال بناء حركة ثورية قادرة على قلب موازنات القوى التي تعمل وفقاً لـ«سوسياليّات» (جمعيات صغيرة) لها أثرها وتؤسّس لمخارج سياسية ملموسة، لا مجرد ثرثرة وإطالة أمد الكارثة أو مؤسسة غارقة في الترهات الأخلاقوية والإنشائية الدعوية. في وسعنا اختزال مشروع كليمان سينيشال بالآتي: نحو إيكولوجيا ثورية، وهو يقترح خطوات للوصول إلى هذا المشروع. الخطوة الأولى هي انتقال من الوعي إلى الفعل، أي تجذير الإيكولوجيا في الممارسة اليومية عبر بناء حركات محلية ذاتية الإدارة، وإحياء علاقة غير رأسمالية بالعالم.

فالإيكولوجيا لا تُختزل في السياسات العليا، بل تُمارس في الأرض، في التعاونيات والنضالات الميدانية التي تخلق بدائل ملموسة للنظام القائم. ثم، يدعو إلى إيكولوجيا نقابية تضع العمّال في صلب الصراع البيئي، لأنّ الطبقات العاملة هي التي تتعامل مباشرة مع الموارد الطبيعية وتدفع ثمن الإنتاجية والتنافسية.

ولا يكتمل هذا المشروع من دون النضال ضد العنصرية، وهي خطوة محورية في مشروعه. أما على المستوى السياسي، فيؤكد سينيشال على ضرورة تمكين اليسار الجذري لا البرجوازي من أدوات الدولة لمواجهة الرأسمال المنظَّم، خصوصاً في قطاعاته المالية، إذ لا يمكن ضبط التحوّل البيئي من دون سلطةٍ قادرة على ممارسة مشروع ضد رأس المال.

مشروع سينيشال يصل إلى ذروته في الدعوة إلى برنامج ثوري اشتراكي جماعي يقوم على تأميم وسائل الإنتاج، وتطبيق مبدأ ماركس «من كلٍّ بحسب قدرته، ولكلٍّ بحسب حاجته» مع مراعاة حدود الكوكب المادية. فالوفرة المنشودة ليست ترفاً استهلاكياً، بل توزيع عادل للثروة ينسجم مع قدرة البيئة على الاحتمال.

يدعو سينيشال إلى تحوّل مضاد، باستعادة الإيكولوجيا من المرتزقة والخونة، ونقلة هيكلية عميقة تشمل تقليص «قطاعات إنتاجية مدمّرة، وفرض ضرائب على الرأسمال والرفاهية المفرطة، وتقصير ساعات العمل، وضمان الأمن الغذائي والسكني والنقلي». بذلك تصبح الإيكولوجيا الثورية مشروعاً متكاملاً للعدالة البيئية والاجتماعية، لا مجرد تجميلٍ أخضر للرأسمالية، ولا خلاص للكوكب من دونها.

كلمات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى