كيف تعيد أنقرة صياغة معادلة الأمن الإقليمي في سوريا؟/ معاذ الحمد

من بوابة الجنوب السوري: أنقرة تناور بين النفوذ الإسرائيلي وحسابات دمشق في هندسة الترتيبات الجديدة
2025-11-17
تتقاطع المواقف الإقليمية والدولية حول الجنوب السوري عند رؤية واحدة مفادها أن مستقبل المنطقة لا يمكن فصله عن إعادة هندسة التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. فبينما يربط وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمن الجنوب بإزالة التهديد الإسرائيلي، يشدد ديبلوماسيون سوريون على ضرورة ضبط أدوار اللاعبين الخارجيين ضمن سقف السيادة السورية، فيما يرى محللون أن الملف يجري تدويره بين ثلاث عواصم: أنقرة وتل أبيب وواشنطن، مع بقاء دمشق محوراً لا يمكن تجاوزه.
وضمن هذا الإطار، تبدو تصريحات المسؤولين والخبراء بمثابة إجابات مباشرة على الأسئلة التي تفرضها الوقائع الميدانية والمفاوضات الجارية.
إعادة تعريف أمن الجنوب
جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتكشف حدود الدور التركي كما تراه أنقرة. فقد قال: “القضية الأولى التي نركز عليها مع الأميركيين هي إزالة إسرائيل من كونها تهديداً على سوريا، وضمان ألا تكون سوريا تهديداً لإسرائيل، وأن يحترم الجميع سيادة الأراضي ووحدتها”.
وتابع موضحاً رؤية بلاده للجنوب السوري: “حالياً، جزء من الأراضي السورية تحت الاحتلال، ويجب إنهاء هذا الوضع دون تبني أي مقاربة تهدد باقي الأراضي السورية”، مشدداً على “ضرورة أن تمارس الإدارة الأميركية ضغوطها على إسرائيل بهذا الخصوص”.
وتوقف فيدان عند الدور الإسرائيلي في الجنوب، قائلاً: “هناك استفزاز من قبل إسرائيل في جنوب سوريا، وخصوصاً تجاه إخوتنا الدروز. أي أن المنطقة تعاني من بعض المشاكل التي ترسخت عبر التاريخ الحديث وظروفها الطبيعية”.
وختم بالتأكيد على متابعة تركيا لكل ما يجري: “تركيا تتابع هذه التطورات عن كثب… ويحذّر من استغلال الأوضاع التي تمر بها سوريا خلال الفترة الانتقالية، بما في ذلك خلق مخاطر يمكن أن تنشأ من داخل الأراضي السورية أو تُدعَم من قبل بعض الأطراف الخارجية التي لها مصلحة في الفوضى”.
دور تركي قابل للنقاش ولكن بشروط سيادية واضحة
ورداً على ما يطرحه فيدان، يقدّم الديبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي في تصريحات لـ”963+” قراءة تفصيلية: “دمشق تتعامل مع أي مقترحات تتعلق بدور تركي غير مباشر في الترتيبات الأمنية جنوب سوريا بمنهجية واقعية، موضحاً أن المرحلة التي تمر بها البلاد تفرض مقاربات أوسع للأمن الإقليمي”.
ويضيف محدداً شروط القبول: “قبول سوريا بأي دور تركي محتمل يبقى مشروطاً بثلاثة عناصر أساسية: وضوح حدود الدور السياسي والأمني، وعدم ارتباطه بأي نفوذ ميداني يمس السيادة الوطنية، ووجود إطار إقليمي ضامن يضمن أن يكون التعاون مدخلاً للاستقرار لا لتضارب المصالح”.
وعن الضمانات الأمنية في حال انسحاب إسرائيل من جبل الشيخ، يقول الحاج علي: “سوريا قادرة من حيث المبدأ على تقديم ضمانات جدّية، شرط توافر الظروف التي تجعلها قابلة للتنفيذ”.
ويحدّد تلك المتطلبات: “بسط الدولة سلطتها الكاملة جنوباً، وإنشاء آليات مراقبة سورية أو مشتركة ذات طابع إقليمي أو دولي لضمان الشفافية، إضافة إلى تفاهمات سياسية تمنع تحول الجنوب إلى ساحة صراع خارجي، وتوفير دعم فني وأمني لمعالجة آثار الحرب”.
أما الخشية الأساسية لدمشق، فيلخصها بقوله: “الخشية الأساسية تتمثل في ظهور فراغات أمنية قد تنتج عن أي ترتيبات جديدة، وخصوصاً في حالات تخفيف العسكرة… الفوضى تشكّل خطراً يفوق أي وجود عسكري تقليدي”.
المحلل السياسي التركي هشام رستم يوضح لـ”963+”: “تركيا لا تمتلك وجوداً عسكرياً في جنوب سوريا، وإن التركيز التركي ينصب على الدعم السياسي والدبلوماسي للحكومة السورية، مع مراعاة المصالح المشتركة بين البلدين”.
ويضيف: “تركيا تدعم الحكومة السورية الجديدة في جهودها لإعادة وحدة الأراضي السورية سواء في الجنوب أو الشمال دون الحاجة إلى وجود عسكري فعلي… وبعض الجماعات، لا سيما الدرزية، تتجه نحو إسرائيل التي تستغلها أحياناً للتأثير على جنوب سوريا”.
وعن الوساطة التركية، يقول: “تركيا لا تعتمد على أي ضمانات من الولايات المتحدة لممارسة هذا الدور… وموقفها تجاه سوريا مستقل ويعتمد على مصالحها الوطنية”.
ويؤكد: “العلاقات التركية–السورية تُعامل على أنها شأن داخلي نظراً لتأثير الأحداث السورية المباشر على الأمن والاستقرار الداخلي التركي”.
أما حول انسجام المؤسسات التركية، فيوضح: “الموقف الرسمي التركي ينسجم بالكامل مع توجيهات الرئيس أردوغان… وجميع المؤسسات العسكرية والسياسية والبرلمانية ملتزمة بالموقف الرئاسي”.
إسرائيل: رفض الانسحاب ورسائل مبكرة لواشنطن
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حسم الموقف قائلاً: “قواته لن تنسحب من قمة جبل الشيخ وستبقى في المنطقة الأمنية جنوبي سوريا”.
وأضاف في منشوره على منصة “إكس”: “سياسة إسرائيل واضحة وتقضي بعدم قيام دولة فلسطينية، وأن الجيش سيبقى على قمة جبل الشيخ وفي المنطقة الأمنية”.
وتأتي هذه التصريحات في ظل كشف أكسيوس عن مقترح إسرائيلي لسوريا يشمل: “إنشاء منطقة منزوعة السلاح وحظر طيران في مساحة واسعة تمتد من جنوب غربي دمشق حتى الحدود مع إسرائيل”، وهو مقترح ترفضه دمشق بالكامل.
هل تضغط واشنطن على إسرائيل؟
صحيفة يديعوت أحرونوت نشرت تقريراً حساساً قالت فيه: “هناك تزايد القلق في إسرائيل من أن يفرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنازلات على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للانسحاب من جبل الشيخ، وذلك عقب الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع للبيت الأبيض”.
وكشفت الصحيفة أنّ: “الجرافات الإسرائيلية تتقدم نحو قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية… حيث تجرى أعمال ترميم وتحصين في موقعين استعداداً للشتاء المقبل”.
وذكّرت بأن: “القوات الإسرائيلية قد توغلت داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024”.
وأضافت: “الاتصالات الهادئة بين مقربين من نتنياهو ومبعوثين عن الحكومة السورية لم تحرز تقدماً حتى الآن”.
بدورها، أكدت صحيفة “إسرائيل أوف تايمز“، أمس الأحد، أن التقارب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بات يمثل تحدياً لتل أبيب.
وقالت الصحيفة الإسرائيلية، إن إسرائيل تسعى إلى التعامل مع تحولات متسارعة في سوريا، حيث تعيد إدارة ترامب رسم خريطة العلاقات مع دمشق بقيادة الشرع.
ورأت “إسرائيل أوف تايمز’”، أن هذه التطورات وضعت إسرائيل أمام تحديات أمنية معقدة، في ظل مساعٍ أميركية لتأمين اتفاق أمني جديد بين إسرائيل وسوريا.
وأضافت، أن اللقاء الأخير الذي جمع ترامب والشرع في البيت الأبيض جعل إسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى التطورات التي تحدث في سوريا، وأن ذلك يفرض على تل أبيب إعادة تعريف استراتيجيتها الأمنية في الشمال.
المفاوضات السورية – الإسرائيلية: صعبة ولكن مستمرة
الرئيس السوري أحمد الشرع أكد في مقابلة مع واشنطن بوست: “المفاوضات مع إسرائيل تواجه صعوبات كبيرة، لكنها مستمرة بدعم من الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى”.
وأشار إلى تفضيله: “التوصل إلى اتفاق يعيد الأراضي السورية التي احتلت منذ كانون الأول 2011، وأن نوع الاتفاق الذي يفضله لا يشمل التطبيع الواسع الذي دفعته إدارة ترمب لحكومات إقليمية أخرى”.
وفي ما يتعلق بالمنطقة المنزوعة السلاح جنوباً، قال: “إذا حدثت فوضى في المنطقة المنزوعة السلاح فمن سيتولى حمايتها؟ ومن سيكون مسؤولاً عنها؟ (…) المنطقة جنوبي دمشق أرض سورية، ومن حق سوريا التصرّف بحرية داخل أراضيها”.
وختم بقوله: “الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على ضبط تصرفات إسرائيل… وآمل في تحقيق سلام مستدام يضمن وحدة الأراضي السورية”.
الخبير المصري في الشؤون الإسرائيلية د. أحمد فؤاد أنور يرى في تصريحات لـ”963+” أنّ: “المشهد الإقليمي في سوريا يهيمن عليه ثلاثة أضلاع رئيسية هي أنقرة وتل أبيب وواشنطن، وهذه العواصم تبقى الفاعل الأساسي بغض النظر عن التباينات”.
ويضيف منتقداً الدور التركي: “تركيا تسعى لتعزيز أقدامها في شمال سوريا، وأن التفاوض حول دورها جنوباً يُستخدم جزئياً لتبرير وجودها شمالاً”.
ويعتبر تصريحات فيدان: “جزءاً من الدعاية التركية للتمدد في شمال سوريا ومحاولة لإظهار توافق دولي أو غضّ طرف عن هذا التوسع”.
أما عن واشنطن، فيقول: “الولايات المتحدة تنظر إلى أمن شرق المتوسط كوحدة واحدة تمتد من قاعدة إنجرليك في تركيا إلى قواعد في إسرائيل وربما في سوريا… بهدف حماية مصالحها في مواجهة تمدد النفوذ الروسي في المنطقة”.
وبخصوص إسرائيل، يعلق: “الروايات التي تروجها تل أبيب عن ضغوط أميركية لتفاهمات أو انسحابات من نقاط في سوريا تأتي في سياق حماية أمنها… ويمكن ضمان هذا الأمن عبر آليات مشابهة لما تم في سيناء من نشر قوات دولية أو إنشاء مراكز إنذار مبكر”.
+963



