معركة الذاكرة: كيف تعيد السلطة كتابة التاريخ في سوريا؟/ لبنى شاكر

23 نوفمبر 2025
يُقال إن المنتصرين هُم من يكتبون التاريخ، غير أنّ ما يختبره السوريون منذ اندلاع الثورة عام 2011 وحتى اليوم يجعل المشهد أكثر تعقيدًا من تلك المقولة التقليدية. فالتاريخ في سوريا لم يعد نصًا واحدًا يُمكن الركون إليه، بل مساحةً مُتقلّبةً تختلط فيها الروايات وتتداخل فيها المواقف، إلى الحدّ الذي يصعب معه تحديد موقف جامع أو سردية وطنية مُتفق عليها. ومن ثم نشأ من رحم هذا الالتباس انقسامٌ عميق بين أبناء الوطن في الداخل والخارج؛ انقسامٌ اتسع لاحقاً ليغذّي موجات من الكراهية تلت سقوط نظام الأسد، واضعًا السوريين، ربما للمرة الأولى منذ استلام آل الأسد الحُكم، أمام اختبار جوهري يتعلق بقدرتهم على فهم تاريخهم، وتعاملهم معه بوصفه ساحة دائمة لإعادة القراءة والتفسير.
هذا الاختبار يتجلّى اليوم في صورة أوضح في الجدل الذي أثارته السُلطات بعد إلغاء عطلتي “عيد الشهداء” و”حرب تشرين التحريرية”، وما رافقه من تعديلات في مناهج مادة التاريخ. حيث طالت التغييرات رموزًا ومحطات أساسية، بدءًا من حذف لقب “السفّاح” عن جمال باشا، وتحويل شهداء أيار/مايو الذين أُعدموا على يديه إلى “متآمرين على الدولة العثمانية” و”عملاء لدول أجنبية”، وصولًا إلى تجريد الشريف حسين وابنه الأمير فيصل من ألقابهما، واستبدال تسمية “الثورة العربية الكُبرى” بـ “التمرد”، لِيجد السوريون أنفسهم أمام مواجهةٍ مُضاعفةٍ: صراع حاضر لم يُحسم بعد، وتاريخ يُعاد تشكيله في اللحظة نفسها. وبين التوجهات السياسية الجديدة والحقائق التاريخية المُستقرة، تنفتح أسئلة كُبرى حول من يكتب التاريخ اليوم، ولصالح أي مستقبل.
إعادة ترتيب الماضي
في هذا الإطار، يرى الباحث محمد علي الأتاسي أن ما يجري في مناهج التاريخ السورية، ليس مجرد تعديل شكلي، بل “عملية ممنهجة لإعادة هندسة الذاكرة الوطنية بما يخدم سردية السلطة الحالية”. ويؤكد في مقاله المنشور في “ميغافون” أنّ التلاعب بالمفاهيم التاريخية من تجريد الشريف حسين والأمير فيصل من ألقابهما إلى وصف شهداء أيار/مايو بالمتآمرين، ليس سوى محاولة لإعادة ترتيب الماضي بما ينسجم مع تحالفات سياسية معاصرة، على حساب الحقائق التأسيسية التي بُنيت عليها الهوية السورية.
ويمضي الأتاسي أبعد من ذلك مُشيرًا إلى أن الأزمة لا تتعلق بتغيير تسميات أو حذف كلمات فحسب، بل بإقصاء مُمنهج لفكرة الديمقراطية والدستور والمجلس النيابي من الوعي المدرسي، وهي قيمٌ شكّلت لحظات نادرة من الفعل الشعبي السوري في منتصف القرن الماضي. ويرى أن إلغاء عيد الشهداء، خطوة رمزية تكشف خشية السلطة من مناسبة تُذكّر السوريين بأن تأسيس كيانهم ارتبط بالتضحية والكرامة ورفض الاستبداد.
كما يلفت الأتاسي إلى الرمزية العميقة المرتبطة بشهداء أيار/مايو والثورة العربية الكبرى وإعلان الاستقلال عام 1920، معتبراً أنها ليست محطات تاريخية عابرة، بل لحظات أسست للبحث الأول عن هوية سورية حرة ومعنى لدولة حديثة. ولذلك يستحضر خطابين للرئيس شكري القوتلي عامي 1946 و1958، حيث لم يكن القوتلي – الرجل الذي عاش تجربة الإعدام المؤجل – يستدعي التاريخ للتجميل، بل بوصفه مرجعية أخلاقية وسياسية لسوريا.
وتبعاً لهذا التحليل، تصبح إعادة كتابة التاريخ عملًا يتجاوز حدود الكتب المدرسية، ليمسّ الوعي العام وطرائق التفكير والنشأة المُقبلة. وهنا يدعو الأتاسي المثقفين والباحثين إلى مواجهة هذا المسار من خلال كشف تداعياته، سائلاً: كيف يمكن لمن يريد صناعة سردية بديلة أن يتجاهل دماء من أسسوا لسوريا الحرة؟ وكيف يُطمس إرث ميسلون والثورة السورية الكبرى وشهداء أيار/مايو وشهداء الربيع السوري في نصوص خاوية؟ فمثل هذه الممارسات ليست إصلاحًا تربويًا، بل محو بطيء للذاكرة الوطنية وإعادة إنتاج لوعي خاضع.
التعليم ساحة صراع
تُظهِر التجارب الدولية، من رواندا إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أن التعليم يمكن أن يكون مدخلًا للسلم والمصالحة عندما تتبنى المناهج رؤية منفتحة تعترف بالتعددية وتشجع التفكير النقّدي. وعلى العكس من ذلك، قد يتحول إلى مصدر للتوتر إذا استُخدم لترسيخ رواية أحادية عن الماضي وإقصاء أصوات الضحايا أو الأطراف الأخرى، وهنا يبرز السؤال السوري: هل يمكن للتعليم أن يصبح أداة للعدالة الانتقالية والمصالحة، أم انه سيُستخدم لإدامة الانقسامات والعنف؟
الكاتبة فاطمة شيخو أحمد ناقشت هذا الموضوع في مقال لها في “صوت سوري”، وفيه عادت إلى وضع التعليم في السنوات السابقة، حيث أدى النزاع إلى انقسام التعليم بين مناهج رسمية تابعة للنظام، ومناهج المعارضة، ومناهج الإدارة الذاتية، إضافة إلى مناهج غير رسمية في المخيمات. هذا التشرذم يعكس الانقسامات السياسية والاجتماعية ويغيّب صوت الضحايا، عدا عن تدمير البنية التحتية التعليمية وزيادة التسرب المدرسي.
لكن، في السياق السوري لا يقف خطر تسييس التاريخ عند اختلاف المناهج بين من ذكرناهم، بل يمتد إلى كيفية عرض الأحداث، وتفسير المسؤوليات، وإقصاء فئات كاملة من السرد الوطني، ليصبح التعليم ساحة صراع على الذاكرة، بدلًا من أن يكون محورًا لبناء فهم مشترك يعزز العدالة الانتقالية، لذلك فإن أي عملية إصلاح تربوي يجب أن تنطلق من مبدأ تحرير التاريخ من التوظيف السياسي، واعتماد مناهج مُنصفة، تُدرّس الماضي باعتباره تجربة جماعية معقدة، لا كحقيقة مفروضة من طرف واحد، بحيث يتيح ذلك للأجيال المقبلة فهم جذور النزاع دون تحريض أو تشويه.
ولو عُدنا لما كتبته شيخو أحمد، فهي ترى أن الجامعات والباحثين السوريين يمكن أن يلعبوا دورًا محوريًا في إصلاح التعليم عبر إنتاج المعرفة المقارنة من التجارب الدولية، واحتضان الحوار الوطني لإعادة صياغة المناهج بشكل يعكس التعددية ويعترف بحقوق الضحايا، إضافة إلى تدريب المعلمين على أساليب تعليمية نقدية بعيدة عن التلقين الأيديولوجي، وهو ما لا ينفصل عن تعزيز دور التعليم في العدالة الانتقالية بطبيعة الحال، عبر صياغة منهج وطني جامع يعكس التعددية ويعزز قيم المواطنة وحقوق الإنسان، فمستقبل سوريا لن يُبنى في المحاكم وحدها، بل في المدارس والجامعات، حيث تتشكل عقول الأجيال المقبلة.
الترا سوريا



