منوعات

مقالات تناولت الوضع الرياضي السوري

عندما ارتبطت إنجازات المنتخبات السورية بتزوير الأعمار/ مازن الهندي

18 نوفمبر 2025

اشتهرت سورية على مر تاريخها الكروي بتزوير أعمار لاعبيها في منتخبات الفئات العمرية (الناشئين والشباب والأولمبي) وذلك لتحقيق إنجازات قارية أو عالمية، تسمح للمسؤولين عن تسيير شؤون كرة القدم بتلميع صورتهم أمام القيادتين الرياضية والسياسية.

وقد خلدت بعض من هذه الإنجازات لاعبين عديدين في ذاكرة الملايين، كجيل ذهبي تم التعويل عليه لاحقاً لتحقيق إنجازات مماثلة على مستوى منتخب الرجال، أو لقيادة دفة كرة القدم السورية (إدارياً وفنياً). ولعل عملية التزوير هذه هي ما تفسر النتائج المميزة التي حققتها بعض المنتخبات السورية في بطولات كأس آسيا وكأس العالم للناشئين والشباب، في الوقت الذي كان يعجز فيه المنتخب الأول الذي ضم اللاعبين نفسهم في وقت لاحق من التأهل إلى كأس آسيا أو كأس العالم أو تحقيق أية إنجازات عربية أو إقليمية تذكر.

اللافت أن هذا الملف بقي التعامل معه سرّياً وممنوعاً من التداول في وسائل الإعلام، خشية التعرض للعقوبات الدولية، لكن اعتزال بعض اللاعبين المشهورين وترشح البعض الآخر لتولي مناصب قيادية والشهادة الدراسية للبعض كشف لاحقاً الأعمار الحقيقية للاعبين الذين مثلوا سورية في منتخبات الفئات العمرية.

ولعل قصة اللاعب عمار عوض تعتبر الأشهر، كونه فضل المشاركة مع منتخب سورية في كأس العالم للشباب 1991 على امتحانات السنة الخامسة في طب الأسنان، وهي مرحلة دراسية لا يمكن أن يصلها لاعب في سن العشرين عاماً.

كما أن الاعتزال التاريخي للاعب محمد عفش عام 2005 عن عمر يناهز 40 عاماً، وتوليه منصب رئيس نادي أهلي حلب لاحقاً كشف مواليده الحقيقية التي شارك بها مونديالياً، في حين أن تولي حاتم الغايب لمنصب رئيس الاتحاد السوري لكرة القدم عام 2020 كان كفيلاً أيضاً بكشف حقيقة (عمره) الذي شارك فيه بكأس العالم 1991.

تجربة التزوير الأولى

قبل عام 1988 لم تكن هناك أية مشاركات خارجية للمنتخبات السورية على مستوى الفئات العمرية، باستثناء مشاركة واحدة في كأس آسيا عام 1975 انتهت عند أعتاب الدور الأول.

بعد 13 عاماً، قرر المسؤولون عن كرة القدم السورية فتح باب المشاركة مجدّداً من خلال منتخب الشباب تحت 18 عاماً في نسخة قطر 1988، والتي بدأت من خلالها حكاية الإنجازات السورية (الخلبية) على المستوى القاري، حيث نجح منتخب سورية المدعم بعدد من اللاعبين الذين تم تزوير أعمارهم في بلوغ المباراة النهائية والتي خسرها أمام العراق بركلات الترجيح، ليتأهل بعدها من خلال ملحق استضافته مدينة حلب إلى نهائيات كأس العالم في السعودية.

كانت تلك المرّة الأولى التي يبلغ فيها أحد المنتخبات السورية بطولة عالمية بهذا الحجم، لذا فقد كان من الضروري الظهور بمظهر جيد وعدم تكبد خسائر ثقيلة، لذا فقد تم وبالتنسيق مع وزارة الداخلية إصدار جوازات سفر دبلوماسية (تعرف باسم جوازات المهمة) والتي تُسترد فور الوصول إلى سورية، علماً أن التنسيق يجري مع وزارة الداخلية من أجل إصدار هذه الجوازات وفق شهادات ميلاد معدّلة أو مزورة من أجل ضمان تسجيل بعض اللاعبين في البطولة ممن تجاوزوا الفئة العمرية المنصوص عليها.

في ذلك الحين، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يعتمد على الوثائق الورقية الصادرة من بلدان وحكومات المنتخبات المشاركة، ولم يكن هناك فحص طبي أو شعاعي للعظام وما شابه للتأكد من أعمار اللاعبين.

شهدت تلك النسخة مشاركة عدد من اللاعبين الذين تجاوزوا السن القانونية للبطولة: (18 عاماً) مثل: هشام خلف (22 عاماً)، عمار حبيب (20 عاماً)، عبد المسيح دونا (22 عاماً)، رضوان عجم (23 عاماً)، محمد عفش (23 عاماً)، عمار عوض (20 عاماً)، ياسر السباعي (20 عاماً)، عبد اللطيف الحلو (20 عاماً)، وغيرهم. واللافت أن بعضاً من هؤلاء تجاوز السن المحددة للبطولة بأكثر من ثلاث سنوات.

فضيحة مونديال البرتغال 1991

بالرغم من أن عملية تزوير الأعمار طاولت أكثر من نصف لاعبي منتخب سورية للشباب في مونديال (السعودية 1989) إلا أن الفريق لم يتمكن من تجاوز عتبة الدور الأول، الأمر الذي لم يترك ضجة كبيرة آنذاك. بعد عامين استفاد منتخب سورية الذي حل ثالثاً في كأس آسيا، من الاتفاق الذي جرى بين الكوريتين (الشمالية والجنوبية) على المشاركة بمنتخب واحد في كأس العالم 1991 في البرتغال، ليظفر ببطاقة تأهل إلى النهائيات للمرة الثانية في تاريخه، وحينها أراد المسؤولون في اتحاد الكرة تعويض خيبة المشاركة المونديالية الأولى فكان تزوير الأعمار بشكل فاضح وأكبر، وانعكس ذلك في أرض الملعب بنتائج استثنائية بعد الفوز على الأوروغواي (1-0) والتعادل مع إنكلترا (3-3) وإسبانيا (0-0) ليتأهل منتخب سورية إلى الدور ربع النهائي من المونديال ويخرج بفارق ركلات الترجيح أمام أستراليا.

وفي بطولة اعتمد فيها مواليد 1971 وما فوق (أي ما دون 20 عاماً) ضم منتخب سورية عدة لاعبين كانوا يعتبرون من فئة الرجال (لم تكن فئة الأولمبي تحت 23 سنة مدرجة آنذاك)، وفي مقدمتهم: محمد عفش (25 سنة) حاتم الغايب (24 سنة) عساف خليفة (23 سنة) عمار عوض (23 سنة) عبد اللطيف الحلو (22 سنة) ياسر السباعي (22 سنة).

العقوبة والإنذار الأخير

لم يغب التزوير عن بطولة آسيا 1994 رغم التغيير الذي طرأ على رأس الهرم الكروي في سورية، فالفكرة واحدة ولا تموت. وعلى الرغم من أن التزوير لم يكن بنفس الكم الذي كان موجوداً سابقاً إلا أنه لعب دوراً مهماً في تفوق منتخب سورية للشباب على المستوى القارّي وإحرازه للقب كأس آسيا على حساب منتخب اليابان في المباراة النهائية، ومن أبرز اللاعبين الذين تم تزوير أعمارهم عبر جوازات السفر: حسان عباس، عبد القادر الرفاعي، خالد الظاهر وغيرهم.

واستمر العمل في تزوير اللاعبين حتى بلغ مداه في عام 2007 عندما جرى تزوير 15 لاعباً بتاريخ الميلاد، وهو الأول من يناير/ كانون الثاني 1996، وقد نشرت صحيفة الرياضية السورية آنذاك تقريراً مفصلاً عن هذه الفضيحة التي كشفت كما ذكر الصحافي غانم محمد عن يوم تاريخي للبلاد عرف ولادة 15 موهبة كروية في يوم واحد.

في كأس العالم للناشئين 2007 في كوريا الجنوبية كانت بداية النهاية لعصر التزوير (بطريقته المعهودة) بعدما كشف الاتحاد الدولي لكرة القدم عن تزوير أربعة لاعبين في ذلك الحين، حيث تم ترحيل اللاعبين الأربعة وإيقاع عقوبة مالية كبيرة بحق الاتحاد السوري لكرة القدم مع توجيه إنذار نهائي بحرمان منتخباته من المشاركة في البطولات القارّية والدولية إن تكررت حالات التزوير.

نتائج مخجلة بلا تزوير

بحسب دراسة استقصائية أجراها مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود OCCRP وشريكه الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج) فإن أكثر من 40 لاعباً تم استثمارهم في المنتخبات السورية بأعمار مزيفة، لكن منذ أن تلقى الاتحاد السوري لكرة القدم تهديداً واضحاً بتجميد مشاركات منتخباته، بات تزوير أعمار اللاعبين أمراً محفوفاً بالمخاطر، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني أن (تزوير الأعمار) قد توقف، ولكن أصبح التزوير يعتمد تغيير ميلاد اللاعب ببضعة أشهر أو سنة واحدة على الأقل، أو الاعتماد على اللاعبين (المكتومين) أي الذين تأخر تسجيلهم في (سجلات النفوس) في الدولة السورية لبضعة أعوام، وذلك ضمن بعض العادات والتقاليد الموجودة في الأرياف السورية.

وبحسب السجلات، تمكّن منتخب سورية للناشئين من بلوغ كأس آسيا أربع مرّات فقط، كان آخرها عام 2014، من دون أن يحقق ما هو أفضل من التأهل إلى نصف نهائي نسخة 2014 وهو الإنجاز الذي مكّنه من التأهل إلى كأس العالم في تشيلي 2015.

أما منتخب سورية للشباب فقد تأهل إلى كأس آسيا خمس مرات منذ عام 2008، تمكّن في مناسبة واحدة فقط من تجاوز دور المجموعات، علماً أنه لم يحقق أي انتصار في آخر تسع مباريات خاضها في النهائيات الآسيوية.

العربي الجديد

————————————

انتخابات اتحاد الكرة… بيع كرة القدم في سوق الولاءات/ مهند الحسني

18 نوفمبر 2025

لم يعد السوريون ينتظرون من انتخابات اتحاد الكرة المقبلة سوى نسخة جديدة من المسرحية القديمة نفسها. … الوجوه تتبدل، لكن الكواليس تبقى كما هي: وساطة، محسوبيات، تعليمات تأتي من فوق، وضغوط تمارس في الخفاء على كل من يملك صوتا أو رأيا.

لا تبدو الأمور مشجّعة ولا تبعث على التفاؤل، ولا يعوّل الجمهور السوري كثيراً على أن الأمور ستكون أفضل هذه المرّة. فالوساطة والمحسوبيات كانتا العنوان الرئيس منذ الإعلان عن قبول لوائح المرشحين، ويبدو أن المشهد استقرّ نهائيا على لائحتين، كلتاهما مدعومتان ومقرّبتان من مركز القرار في الرياضة السورية، ما يجعل المنافسة شكلية والنتائج محسومة قبل أن تبدأ.

أسماء كبيرة وسؤال أكبر

يقود اللائحة الأولى الحكم الدولي السابق جمال الشريف، ويكفي ذكر اسمه لمعرفة حجم الشعبية التي يتمتع بها، إضافة إلى الخبرة الرياضية والإدارية الكبيرة التي اكتسبها في مسيرته الطويلة في التحكيم، إذ شارك في ثلاث بطولات كأس عالم، وعمل محلّلا تحكيميا في قنوات عربية مرموقة. ويضم فريقه أسماء لها وزنها في الكرة السورية مثل: نبيل السباعي نجم الكرامة والمنتخب السابق المرشّح لمنصب نائب الرئيس، وتاج الدين فارس الحكم الدولي المعروف، وأنور عبد القادر اللاعب والمدرب الخبير، ووليد أبو السل نجم الكرة السورية السابق، ووائل حاج عبيد لاعب جبلة ورئيس مكتب الألعاب الجماعية السابق في اللجنة التنفيذية باللاذقية، إضافة إلى محمد جمعة، مها قطريب، محيي الدين دولة، أيمن حزام، وأبي شقير وهو إعلامي في جريدة الاتحاد التابعة لوزارة الرياضة والشباب.

تشكيلة تبدو نظريا متكاملة، لكن السؤال الكبير: هل سيسمح لهم النظام الرياضي بالعمل بحرية فعلية؟ أم أنهم مجرّد “واجهة محترمة” لتجميل المشهد؟

عودة الوجوه القديمة

ويرأس اللائحة الثانية فراس تيت، وهو شغل منصب رئيس الألعاب الجماعية في وزارة الرياضة، ويعاونه رئيس اتحاد الكرة الأسبق، فادي دباس، وهو أحد أكثر الأسماء إثارةً للجدل في تاريخ الاتحاد، مع مجموعة من الأسماء التي غابت طويلا عن الساحة، وبعضها لا يعرفه الجمهور أصلا ، وتضمّ في عضويتها يعقوب قصاب باشي، وموفق فتح الله، وتركي ياسين العلي، وأحمد الخالد ويوسف ربيع الحسن، ومحمد الغادري، ومروان الخوري، وسليم سبع الليل، وناسي معمر.

انتخابات… أم إعادة تدوير للفشل؟

يقول الواقع إننا لا نعيش انتخابات بل عملية إعادة تدوير للفشل والفساد نفسه، فأسماء كثيرة ترشّحت اليوم كانت جزءا من المنظومة التي أوصلت الكرة السورية إلى هذا الانهيار، لتعود بثياب جديدة حاملةً الوعود الكاذبة نفسها، فكيف يمكن أن نثق بمن شارك في الخراب ليقود مرحلة الإصلاح؟

وكشفت تصريحات نبيل السباعي قبل انضمامه للائحة الشريف المستور، حين تحدّث عن “ضغوط وتوجيهات تمارس على الناخبين، وإذا كانت الانتخابات تبدأ بالابتزاز، فكيف ستكون النتيجة؟ بل إن ناخبين أكدوا أن قوائم التصويت محدّدة مسبقا، وأن الاجتماعات التي تسبق الانتخابات أشبه بجلسات “توزيع حصص”، حيث يجري الاتفاق على من يفوز ومن يُستبعد قبل فتح الصندوق أصلا.

وما يثير الريبة أكثر أن المرشح فراس تيت قدّم استقالته من وزارة الرياضة، بينما لم يفعل منافسه جمال الشريف، الذي لا يزال يشغل منصب نائب وزير الرياضة… هل يعني هذا أن التوازن غير موجود منذ البداية؟ وهل نحن أمام منافسة حقيقية أم توزيع أدوار متفق عليه خلف الأبواب المغلقة؟

لا يمكن أن يكون المنصب الحكومي منصة انتخابية، وإلا فأين استقلالية القرار الرياضي التي يتغنّى بها المسؤولون؟ وكيف يمكن لاتحادٍ أن يمثل كرة القدم السورية وهو خاضع إداريا وماليا للجهة المفترض أن يراقبها؟

ملفات مالية.. رائحة الفساد

الملف الأسود الذي يختبئ تحت طاولة الاتحاد لم يُفتح يوما بجدّية: أموال مجمّدة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، عقود مدربين وهمية، وصرف مليارات الليرات بلا حسيب أو رقيب. وكانت “الفضيحة” الأشهر عقد المدرب خوسيه لانا الذي قبض أكثر من ملياري ليرة سورية دون أن يقود تدريبا واحدا! ويتحدّث الملف الأخطر عن جمع أحد أعضاء الاتحاد السابقين أكثر من ثلاثة ملايين يورو تحت شعار “دعم اللاعبين المغتربين”، من دون أن يظهر المبلغ في أي تقرير مالي رسمي.

“فيفا” تراقب… لكن من يراقب الداخل؟

تؤكد الأمانة العامة أن الانتخابات ستجري بعد غد الخميس (20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025)، لكن الحسم الإداري لا يعني النزاهة الأخلاقية. حتى حضور وفد من الفيفا قد لا يكون دليل ثقة، بل خشية من التزوير بعد سيل التقارير والشكاوى القادمة من دمشق إلى زيورخ. وقد يتحول الحضور إلى مجرد “ديكور قانوني” يمنح شرعية زائفة لمشهد مطبوخ في مطبخ المصالح والولاءات .

وكانت الأمانة العامة لاتحاد الكرة قد نشرت في ساعة متأخّرة من مساء الاثنين الفائت تعميمًا يحمل الرقم 3، يتضمن إعلان القوائم الرسمية النهائية للمرشحين لانتخابات اللجنة التنفيذية لاتحاد الكرة، المقرّرة في 20 نوفمبر الجاري، لتحديد هوية الاتحاد الجديد الذي تمتد فترة رئاسته أربع سنوات (2025 – 2029) وجاء في التعميم أنه استنادا إلى أحكام النظام الأساسي واللائحة الانتخابية لاتحاد الكرة وإلى تعميم اللجنة الانتخابية رقم (1) الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بالإضافة إلى تعميمها رقم (2) الصادر في 27 من الشهر نفسه، وذلك للبتّ في الطعون الانتخابية، وبعد انقضاء المهلة القانونية وصدور القرارات النهائية القطعية، قرّرت اللجنة الانتخابية إعلان القوائم المقبولة للمرشّحين لانتخابات اتحاد الكرة.

الاتحاد القادم… فرصة لإعادة الثقة

تُعدّ الانتخابات المقبلة لاتحاد كرة القدم السوري لحظة فارقة في مسار اللعبة، فهي ليست مجرد سباق على المناصب أو توزيع للأدوار، بل امتحان حقيقي لقدرة القائمين على الشأن الكروي على تجاوز سنوات طويلة من التخبّط والارتجال، وبداية مرحلة جديدة تُبنى على أسس علمية وإدارية حديثة تليق بتاريخ كرة القدم السورية وطموحات جماهيرها العريضة.

في السنوات الماضية، عانت الكرة السورية من اهتزاز الثقة بين الشارع الرياضي ومؤسّساتها الرسمية، نتيجة تراكمات من الفشل الإداري، وسوء التخطيط، وغياب الرؤية الواضحة. تغيرت الوجوه، وتبدلت الشعارات، لكن المشكلات الجوهرية بقيت كما هي: ضعف في البنية التنظيمية، غياب للشفافية في اتخاذ القرار، وتراجع في مستوى المنتخبات الوطنية رغم وجود خامات مميزة من اللاعبين.

يقف الاتحاد القادم اليوم أمام مسؤولية كبرى لإعادة ترتيب البيت الكروي من الداخل، عبر بناء هيكل إداري مهني يعتمد على الكفاءة لا على العلاقات، وعلى التخطيط لا على الارتجال. فالثقة لن تُستعاد بالتصريحات أو الوعود، بل بالعمل الميداني الجاد وبالقرارات الشجاعة التي تضع مصلحة الكرة السورية فوق أي اعتبار شخصي أو مناطقي.

مرآة الفساد وصرخة الأمل الأخيرة

وبين مطرقة الوساطة وسندان القانون، تبقى كرة القدم السورية تدور في الدائرة نفسها، اتحاد يتبدّل شكله ولا يتبدّل سلوكه، ووعود تُكتب بالحبر نفسه الذي كُتبت به خيباتنا السابقة. فلا جديد في المشهد سوى تعب الجماهير، وازدياد شعورها بأن اللعبة لم تعد تُلعب على العشب، بل تُدار في مكاتب مغلقة تُباع فيها الأصوات وتُشترى المواقف.

الكرة التي كانت يوماَ رمز الفرح السوري تحوّلت إلى مرآة عاكسة لفسادٍ أكبر من حدود الملاعب، فما نراه على المستطيل الأخضر ليس سوى انعكاسٍ لما يجري خلف الجدران.

سُرقت الأحلام قبل الكؤوس، وصار الانتصار الحقيقي في سورية أن تبقى مؤمنا بأن الرياضة يمكن أن تكون يوما نزيهة، حين تُدار اللعبة بالولاءات، تُهزم القيم قبل أن تطلق الصافرة.

العربي الجديد

——————————–

تاريخ مضطرب.. حكايات عجيبة وغريبة في مسيرة رؤساء اتحاد كرة القدم/ خالد عرنوس

20 نوفمبر 2025

كما هو حال كثيرٍ من الأمور الغريبة والمحيرة في حياة السوريين، منذ ما قبل الاستقلال وحتى مرحلة سقوط النظام، عاشت كرة القدم فصولًا عجيبة من التخبط بين الهواية والاحتراف، ومن العمل الارتجالي إلى القرارات التي تفرضها الأهواء والمصالح الشخصية. ولم تغب السياسة يومًا عن المشهد العام، بما في ذلك طريقة تعيين أو انتخاب أعضاء ورئيس الاتحاد، منذ تأسيس أول اتحاد كروي قبل نحو تسعة عقود.

والطريف أن معظم من تسلموا منصب رئاسة الاتحاد لم يُكملوا المدة الرسمية المحددة قانونًا بأربع سنوات، في حين تجاوزها البعض وبقوا لفترتين رئاسيتين أو أكثر. وفي هذه العجالة، وبمناسبة انتخاب اتحاد كروي جديد (رئيسًا ونائبًا وأعضاء)، نمرّ سريعًا على أبرز الأسماء التي تَسلّموا زمام كرة القدم السورية.

تأسس وبدائية

في عام 1939، وبعد قرابة عقدين على دخول كرة القدم رسميًا إلى البلاد، أُعلن عن تأسيس أول اتحاد يُعنى باللعبة، وترأسه خير الدين البكري، أحد الروّاد الأوائل ورئيس نادي بردى. واقتصرت مهام ذلك الاتحاد على تنظيم بعض المباريات الودية هنا وهناك. وبعد الاستقلال، جرت محاولات حثيثة لإقامة مسابقات كروية رسمية بين الأندية.

وانتظرت الجماهير قرابة عشرة أعوام لرؤية أول منتخب سوري، وذلك في تصفيات كأس العالم 1950. واستمر خير الدين البكري حتى عام 1952، لتسلم سهيل فارس الخوري الدفة بشكلٍ مؤقت، قبل أن يتولى سليم عبد الحق المنصب في العام ذاته. وفي عهده أُقيمت أول بطولة على مستوى سوريا، وكانت بمثابة أول مسابقة غير رسمية تجمع بين بطلي حلب ودمشق، الأهلي وبردى. كما شارك المنتخب مجددًا في تصفيات كأس العالم 1958.

وبقي عبد الحق في منصبه حتى قيام الوحدة مع مصر، حين عُهد بالأمر إلى المشير عبد الحكيم عامر بوصفه رئيسًا لاتحاد الكرة المصري آنذاك. والإنجاز الوحيد لعامر كان تنظيم كأس الجمهورية للإقليم الشمالي، ومن ثم إقامة مباراة نهائية مع بطل الإقليم الجنوبي. وبعد الانفصال عاد خير الدين البكري لتسلّم المهمة، وبقي في منصبه ثلاث سنوات قبل أن يستقيل، ليُعيّن ناهد أدهم رئيسًا مؤقتًا، قبل أن يُنتخب فيصل دالاتي للمنصب عام 1965، لكنه لم يلبث فيه سوى عام واحد.

وانتُخب الإعلامي طيب صفوة بديلًا عام 1966، إلى جانب منصبه الأعلى كمدير لرعاية الشباب، وكان من أبرز إنجازاته أن اتحاده أقام أول بطولة دوري على مستوى القطر. وبعد عامين تولى محمد السيوفي المهمة حتى صيف 1969، حين خلفه هيثم عقاد الذي بقي في موقعه حتى عام 1971، وهو العام الذي شهد تبدلًا بعد الحركة الانقلابية داخل حزب البعث، والتي شكّلت تبدلًا كبيرًا على مختلف المستويات، ومنها الرياضة.

حسابات أخرى

جاء حكم البعث ليطرح فكرة المنظمات الشعبية، ومنها الاتحاد الرياضي العام الذي تولى الإشراف على الرياضة السورية لأكثر من خمسة عقود، شهدت الكثير من الفساد والمحسوبيات والأوامر المسبقة لتعيين من يراه الحزب “القائد” مناسبًا، فتولّى وزير التربية أحمد الحسين منصب رئيس اتحاد كرة القدم لخمس سنوات.

وفي عام 1976 عيّن رضا أصفهاني نفسه رئيسًا للاتحاد، في وقت كان يشغل منصب رئيس للاتحاد الرياضي العام، وتبادل الرئاسة مع سميح الإمام الذي فاز بالانتخابات عام 1978 قبل أن يُقال عام 1979، ليعود الأصفهاني إلى المنصب. وبعد ذلك عاد الإمام مجددًا عام 1981 وبقي حتى عام 1983، حين حُلَّ الاتحاد أواخر ذلك العام.

وتسلّم صلاح الدين نويلاتي رئاسة لجنةٍ مؤقتة تمهيدًا لإجراء انتخابات فاز بها العميد فاروق بوظو، الذي تولّى دفة الاتحاد لعشر سنوات كاملة. نجح خلالها المنتخب الوطني بالوصول إلى المحطة الأخيرة في تصفيات كأس العالم، وحلّ وصيفًا لبطل العرب، كما نجح منتخب الشباب في بلوغ المونديال للمرة الأولى (وإن كان بجيلٍ من الكبار). ولا ننسى كذلك ذهبية المتوسط.

والأهم من ذلك كلّه انتظام بطولة الدوري العام ومسابقة كأس الجمهورية، بعدما وُضع حدٌّ لدلال الجيش والشرطة، وهي واحدة من أبرز المعضلات التاريخية في كرة القدم السورية.

تخبط وارتجال

غاب العميد بوظو عن الاتحاد سبع سنوات قبل أن يعود إليه عام 2001 وبقي رئيسًا حتى عام 2003. وخلال تلك السنوات السبع تناوب خمسة أشخاص على رئاسة الاتحاد، بدءًا بالحكم مروان عرفات، الذي تُوّج في عهده منتخب الشباب بكأس آسيا 1994. ثم جاء عبد الفتاح الأمير، الذي لم يمارس كرة القدم أصلًا وكان لاعبًا في كرة اليد، ليتسلّم الدفة.

ثم جاء الدور على العقيد فيليب الشايب، اللاعب الدولي السابق، قبل أن يخلفه لاعب دولي آخر هو فاروق سرية، الذي أُقيل عام 2001، ليتولى المهمة بشكلٍ مؤقت العميد خير الدين سليمان، وهو صاحب خلفية غير كروية.

وفي عام 2003 سيّرت الأمور لجنة مؤقتة بقيادة فاروق سرية، ليعود بعدها مروان عرفات عام 2004، وبقي في المنصب لمدة ثلاثة أشهر، وهي أقصر مدة لرئيس اتحاد في التاريخ الكروي السوري. وبعدها انتُخب الكابتن أحمد جبان، اللاعب الدولي السابق ورئيس نادي المجد، الذي بقي خمس سنوات، حورب خلالها إلى أن أُجبر على الاستقالة.

مناصب ومكاتب

وعُيّن الدكتور ممتاز ملص، لاعب كرة سلة ورئيس نادي الوحدة، على رأس لجنةٍ مؤقتة مرة أخرى، قبل أن يسلّم المهام بعد أسابيع قليلة للأستاذ سعيد المصري حتى انتخابات 2010، التي أعادت فاروق سرية إلى سدة الرئاسة باكتساح. لكن سرية خرج من الباب الخلفي في العام التالي، عقب خروج المنتخب من التصفيات المونديالية بسبب خطأ إداري، ليأتي الدور بعدها على صلاح رمضان، اللاعب السابق ورئيس نادي المجد.

ولم يعد كثير من السوريين يولون هذا الأمر اهتمامًا مع اندلاع الثورة، فبقي المهندس صلاح رمضان على رأس الاتحاد حتى عام 2018، حين خضع لضغوط أدّت إلى استقالته، ليخلفه فادي دباس الذي غادر المنصب بعد خروج المنتخب من الدور الأول في كأس آسيا. ثم تولى العميد حاتم الغايب، وهو لاعب دولي سابق ورئيس نادي الشرطة، رئاسة الاتحاد حتى عام 2021.

وفي العام التالي، وبتزكية من الاتحاد الرياضي العام، عاد صلاح رمضان ليكون آخر رئيس لاتحاد كرة القدم في العهد البائد، قبل أن يقدّم استقالته بعد أيام من انتصار الثورة.

نجاحات وإخفاقات

لا يمكن الحكم على نجاح أي رئيس أو فشله ما دامت كرة القدم السورية قد أخفقت مرارًا وتكرارًا في معظم المنافسات الكبرى، مع بعض الإشراقات القليلة – إن لم نقل النادرة – وللحق، فإن وجود وهيمنة الجيش والشرطة في مرحلة من المراحل شكّل عائقًا حقيقيًا أمام تطوير اللعبة، قبل أن يأتي حزب البعث ويُدير البلاد بعقلية الحزب الحاكم، عبر التحكم بالقرارات وفرض المحسوبيات والمصالح الشخصية، والتي باتت السمة السائدة في المجتمع السوري.

والطريف أن ثلاثة فقط من بين رؤساء الاتحاد السابقين (29 رئيسًا) سبق لهم اللعب للمنتخب الأول، فيما كان الأكثر غرابة أن بعضهم جاء من ألعابٍ أخرى. وهذا لا يعيب الأشخاص المعنيين بالطبع، لكنه ليس من الطبيعي أن يتسلّم شؤون اللعبة الشعبية الأولى أحدٌ من غير أهلها.

ولا ننسى طبيعة القرارات والإجراءات التي طالما أربكت القائمين على إدارة الاتحاد، خصوصًا في عهد حكم الحزب “القائد”، حين كانت العصي تُعرقل مسيرة التقدّم – في حال وُجدت النية – وفي النهاية، بات جمهور كرة القدم السورية يتطلّع اليوم إلى عهدٍ جديد تُقدّم فيه مصلحة اللعبة، لعلّنا نلحق بالركب العربي والقاري والعالمي.

الترا سوريا

————————————-

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى