محطات

من همسَ في ديسمبر… دقّت حرب المستقبل على الماضي؟/ سالي علي

18 نوفمبر 2025

تغيّرت في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، قواعد اللعبة العالمية بصوتٍ لم يكن الأعلى، بل الأشد وقعاً، هجوم على قلب الاقتصاد الأميركي قلب العالم رأساً على عقب، وأجبر القيادات على إعادة رسم السياسات والتحالفات. فما حدث لم يكن مجرّد كارثة، بل إعلانٌ ضمني بأنّ العالَم لن يكون كما كان.

اليوم، سورية تواجه لحظة مماثلة من نوعها، وإن اختلفت ألوانُ الصراع، انهيار نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 لم يكن مجرّد سقوط رجل، بل انهيار شبكة سلطوية كاملة وانفتاح الأرض على احتمالات جديدة.. مخاطر جسيمة. وفرص لا تُعوّض. في دمشق، لم تعد الحرب الوحيدة ما بين البنادق والمليشيات، بل بين التاريخ والمستقبل، بين الرغبة في بناء دولة عادلة والاستمرار في أزقة الانقسام. فهل نحنُ السوريين على مشارف عهد جديد، أم بمجرد فترة هدوء مؤقتة قبل أن يعاود النزاع احتلال المشهد؟

عند هذه النقطة، اصطدمت كل المفاهيم والبنى القديمة، بكل الأحلام والطموحات السورية المنتمية للمستقبل. وعندها لم يعد الصراع سياسياً، بل صار مسألة ثقافية بحتة، تتعلق بكل ما تعرفه سورية عن هويتها، وكل ما يأمله السوريون لمستقبلهم. وهذا تعريف ثقافي بالمعنى الواسع لكلمة ثقافة، والتي لا تعني الإنتاج الأدبي والفني المباشر، بل ثقافة شعب خارج من ظلام الكبت، حيث قضى في البئر أكثر من نصف قرن، يردد، كسجين في منفردة، على نفسه كل ما يختزنه في ذاكرته عن بلاده ونفسه، وكل ما يحلم به لكليهما.

في لحظة سقوط السلطة القديمة، انفتحت أبواب التوقعات جميعها، لم يكن سقوط الأسد مجرد تغيير في الاسم بل تحوّل في المعادلة. حلّ دستوري منظم، حكومة مؤقتة، إعلان عدالة انتقالية، مسارات للتكامل مع قوى ما بعد الانقسام. الانتخابات البرلمانية التي نُظمت مؤخراً، رغم أنها جزئية وشابها الخلاف حول الشمول والتمثيل، تُعدّ محاولة أولى لتأسيس شرعية جديدة تُشبه تصميم بلاد ما بعد الحرب. لكن الدماغ السوري يرى ما تحت السطح؛ هل تُركّب هذه البنى على أساس هشّ ينهار أمام الريح، أو هل تُبنى على قواعد متينة يُنتظر أن تصمد أمام اختبار الزمن؟

في دمشق.. لا صوت لإعلان السلام الكامل ولكن هناك خطوات ذات رسائل مضمنة، حين وافقت السلطة الانتقالية وقوات سورية الديمقراطية على وقف إطلاق النار في الشمال والشرق بعد اشتباكات في حلب، بدا الأمر وكأنه همسة تهدئة، ولكنها تحمل طموحات دمج واستيعاب تحت ظلال التفاوض. تلك الخطوة ومهما بدت بسيطة هي اختبار لجدوى المشروع الجديد؛ هل ستمتد لتشمل كل الجبهات، أم تبقى موضعية؟ هل تُحقّق دمجاً فعلياً أم تبقى اتفاقاً هشّاً؟ وإذا فشلت عند أوّل عثرة، فربما تعود الدولة إلى تضاريس الأزمات والصراع مجدداً.ً

هذه اللحظة الشفّافة لا تهبّ هدايا بلا مقابل، فالشرعية الوطنية التي تحتاجها السلطة الانتقالية لا تُمنح هبة، بل تُنتزع. وإذا كانت الانتخابات البرلمانية خطوة مهمة فهي خطوة ناقصة، فثلث المقاعد تُعيّن مباشرة من الرئيس الانتقالي، والأصوات تنتخب عبر هيئات إقليمية بدل التصويت الشعبي المباشر في غالبية المناطق. وهنا يظهر التحدي الحقيقي؛ إذا أبصرت السلطة أن التمثيل الفعلي لا يعتمد على التعيين أو تصفية الخصوم إنما على مشاركة الناس في القرار، فإنّ الهمسة تتحول إلى فعل، أما إذا غلبت مصالحها الذاتية على التضمين الشامل فستبقى هيبة الهمسة مهدورة.

تمثّل العدالة الانتقالية التي أُطلقت عام 2025 حجر الزاوية في هذا المشروع، إذ اُنشئت هيئة لتقصي الحقائق ومعالجة الانتهاكات الماضية ولكن حتى اليوم، الانتقادات تُوجّه إلى ضيق نطاق التحقيق وتركيزه على جرائم النظام القديم من دون شمول كل الأطراف التي نزعت إلى العنف خلال العقد الأخير. هذا القصور يُخشى أن يُضعف الثقة ويُثير إدانة الذين يُعاقبون فقط من جهة ويُرخّي التوازن في حال أن طرفاً كبيراً لم يُحاسب. فكيف تُبنى سورية جديدة إذا لم تُرفع الأثقال عن رقبة الحقّ والمُساءلة؟

إن ما يشي بالعزم ليس فقط ما أعلنتهُ المؤسسات بل بكيف تُدار التحولات في الشارع وفي المحافظات النائية، في الهامش والداخل. النازح الذي يعود إلى أراضٍ ما زالت مفخّخة بالألغام لا يشعر بالأمان بل بالخطر. الأهالي ممن ينتظرون إجابة من الهيئة الوطنية للمفقودين لا يرضون بمجرد وعود. هؤلاء هم من يقيسون صدقية الهمسة إن لم تكن ملموسة في الحياة اليومية ستنهار أمام فضاء الخيبة.

لا يقلّ المشهد الخارجي تعقيداً عن الداخل، ما زالت تركيا تذكّر قوات سوريا الديمقراطية بضرورة التخلي عن أيّ طموحات انفصالية، بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار، بينما تراقب القوى الدولية ترتيب المشهد السوري وتفكر فيمن سيشارك ومن سيعارض. ليس كافياً أن تُعلن دمشق عن الانسجام الوطني لأن التحدي الحقيقي يكمن في كيفَ ستفرضه في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية التي لا تزال ترى سورية ميداناً للتأثير والمنافسة. وفي مارس/ آذار 2025، وقّعت السلطة الانتقالية اتفاقاً مبدئياً لدمج مؤسسات SDF ضمن الدولة، إلا أن السيطرة الفعلية في بعض المناطق بقيت خارج نطاق الدولة. استمرار هذا الترتيب بلا وضوح يعزز الشكوك، فالاعتراف بالتنوع لا يكفي؛ إن رفض الدمج الفعلي يعني رفضاً ضمنياً لمبدأ الوطن الموحد، ويضعف أي محاولة حقيقية لإعادة بناء الدولة على أسس عادلة.

نحنُ الآن أمام خيار. أن تكون تلك الهمسة بداية أو أن تبقى صدى في هواء الفضاء؛ إن وُظّفت برؤية شمولية، شفافية، مشاركة فعلية ومحاسبة حقيقية فقد تُكتب لسورية صفحة جديدة بلا عودة إلى التشرذم، أمّا إن غلبت المصالح الضيقة والجهوية فستغفو الهمسة وتلفظها الريح.

ليست سورية في حاجة إلى شعارات السلام، بل إلى السلام الذي يُعاش في المؤسسات، في الحكم، في العدالة في إعادة البناء وفي حقوق المواطنين. وإذا كان بوش قد أُخبر بهمس فإنّ دمشق قد تلقّت همسات في كواليس مسرح التغيير. فلتكن معالم المرحلة مقروءة في كل بيت. في كل قرية. في عقل كل إنسان سورّي الهوية والمواطنة، فليكن هذا المشروع مشروع الجميع.. لا مشروع أولئك الذين يديرونه من الوراء.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى