أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

هل يُصنع “مستبدّ” جديد في سوريا؟/ نجيب جورج عوض

24.11.2025

ما يجري في سوريا منذ عام تقريباً، هو عمليّة صناعة”غربية” و”إقليمية” لسيّد جديد قادر على ضبط الحدود ولو بالقوّة، وتُعيد إنتاج “حكم” استبدادي بأدوات بشرية جديدة. بدل إبقاء الأسد وفريقه، وبدل التفكير بإعادته إلى المشهد، يتمّ حالياً خلق “سيّد” جديد ليحكم منظومة قديمة لم تتبدّل، أي لمتابعة تشغيل الماكينة التي قرّرتها أميركا وإسرائيل وبريطانيا لسوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، وما زالت تعتقد بجدواها وضرورة الحفاظ عليها.

هناك شريحة وازنة من الجمهور السوري، ومن مختلف الأطياف والخلفيات تجهد في الدفاع عن سياسات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وحكمه، وتُمعن في تبجيله، بل وصول البعض إلى حدّ وضعه في مصاف “القداسة”، من خلال ربطه عائلياً بسلالة النبي محمّد. هذه الشريحة تجتهد في تبرير ارتكابات شخصيّات محسوبة على الشرع وفسادها، بل الدفاع عنها وشيطنة كلّ من يسلط الضوء عليها أو ينتقدها وتكفيره، والتنمّر عليه أو عليها بكلّ الوسائل والطرق.

 لا ينقص تلك الشريحة المذكورة الذكاء والبصيرة والإدراك، كي ترى كلّ تلك الجوانب السلبية الفادحة في أداء الشرع وفريقه، وهي تدرك تماماً ما يجري على الأرض في سوريا على مدار كلّ يوم. إلا أن ما يجعلها تتعامى كلّياً وعمداً عمّا تراه، ويدفعها للدفاع والنصرة المحمومتين تجاه الحكم الحالي في سوريا، هو سبب واحد: خوف مبين ومقيم، يقارب الفوبيا السيكولوجية العصابية، من أن يقوم ملّاك أسهم سوريا والشرق الأوسط بإعادة بشّار الأسد إلى السلطة من جديد.

من يتتبّع الاستراتيجيات السياسية التي تعتمدها الدول القابضة على مصير المنطقة، أو “المالكة” أسهم الشرق الأوسط حالياً، يدرك سذاجة هذا الخوف وعصابيته، وعدم واقعية هذا الاحتمال الواضحة. ففي حقيقة الأمر، ما قرّرت هذه الدول أن تفعله في سوريا لا يكمن في إعادة بشّار الأسد إلى السلطة، بل في خيار استراتيجي آخر، تنصيب سيّد “مستبدّ” جديد في سوريا القادمة.

“السيّد” الذي اختير من “أعلى”

تاريخ الاستبداد والأنظمة القمعية الديكتاتورية في التاريخ المعاصر، يقول لنا إن المستبدّين وصلوا إلى سدّة السلطة والحكم من قلب الحاضنة الشعبية للأمم، التي انتموا إليها وانحدروا منها. فهم إمّا وصلوا إلى الحكم من خلال ثورات شعبية، وإما من خلال انقلابات عسكرية، وإما من خلال انقلابات سياسية مدنية أو صراعات حزبية أو تبدّلات انتخابية. أي أنهم جاءوا من قلب الكيان الشعبي الجمهوري في بلد بعينه، وبفضل قوى داخلية من بنية الشارع الجماهيري وطبيعته، والمجال العامّ الخاصّ بهذه الأمّة أو هذا البلد (بزغوا من الأسفل). هكذا وصل حافظ الأسد إلى سدّة السلطة كمستبدّ وديكتاتور في تاريخ سوريا الحديث.

الأمر ذاته مع صدّام حسين، ومعمّر القذافي، هؤلاء وصلوا إلى الحكم من قلب تركيبة صراع النفوذ والقوى ومعادلتهما، كمكوِّنين للمشهد السياسي الداخلي لبلادهم، من خلال لعبة صراع وتنافس سلطوي ذي طبيعة حزبية وعسكرية وشعبية معيّنة. وطبعاً، حظي كلّ واحد منهم في البداية، أثناء عمليّة استيلائه على السلطة، على غطاء غربي من ملّاك الشرق الأوسط، الذين قدّموا الدعم والتغطية الدولية والشرعية أمام المجتمع الدولي كي يوجَدَ ويحكم.

قدّمت لنا الشهور الإحدى عشرة الأخيرة من تاريخ سوريا، نموذجاً جديداً لصناعة “السيّد -sovereign”، لم نشهده من قبل، إذ  قرّرت الدول المالكة للشرق الأوسط، ألا تكتفي بتقديم غطاء الشرعية والدعم الدولي الدبلوماسي لحكم “هيئة تحرير الشام” سابقاً، وقائدها أبو محمد الجولاني سابقاً، فما شهدناه ونشهد إرهاصاته وصيرورته المستمّرة اليوم، هو قرار (أميركي إسرائيلي بريطاني) واضح وحاسم بالتدخّل المباشر والمعلن في المشهد السوري وتقرير مساره، بل والإشراف المباشر واليومي على تنفيذ عمليّة خلق خيار بديل في المشهد السوري (فُرض من أعلى)، وهذا ما يفسّر “التعاون” المستمرّ بين الشرع مع “الضيوف” البريطانيين والأميركيين الذين زاروا إدلب في السنوات السابقة.

إن شخصيّة السلطة التي تحكم سوريا وصورتها، هي صناعة غربية دولية من ألف هويّتها إلى ياء أدائها في السلطة. مع أحمد الشرع ومنظومة حكم الهيئة، لا نشهد ولادة “سيّد” من قلب الشعب، ولا خلق ديكتاتورية جديدة بإرهاصات صراعات داخلية، أو بقوّة جماهيرية أو ثورية أو حزبية أو سياسية داخلية. ما نشهده هو ولادة من صناعة الخارج، وخلق حاكم تمّ إنتاج شخصيّته وصورته وأجندة عمله، وتوصيف وظيفته وأسلوب حكمه وممارسات جهازه الحاكم كلّها، في معامل المخابرات والإعلام، وخلق الأفكار الغربية والدولية بامتياز، إلى حدّ تصريح المبعوث الأميركي توم باراك، علناً، بأن الشرع يمثّل “قيادة رائعة تأتي مرّة واحدة في الحياة”!

هناك العديد من المعطيات التي تكشف أن عمليّة خلق “سيّد” جديد، هو ما يُمارَس في سوريا اليوم، وهذا يجري أمام أعين السوريين المفتوحة، وعلى قارعة سذاجة البعض السياسية ورهابهم السيكولوجي، ويمكن تلخيص هذه “الأدوات” بالتالي:

الاستعراض البصري

أوّل أدوات صناعة المستبدّ الجديد، هو ظاهرة الإفراط المحموم بخلق مشهديات بصرية إعلامية مدروسة ومصنَّعَة بنوع من المحاكاة الببغائية والميكانيكية، للعبة المشهدية البصرية التي اعتدنا أن نشهدها، تمارس مؤخراً في الشارع السياسي الأميركي. اللعبة المشهدية الإعلامية نفسها تمارس اليوم لمصلحة صورة رئيس السلطة في سوريا. فهي تقدّمه لنا على أنه البطل المحرّر المؤمن النظيف والمخلص، بل والرياضي وقاهر قلوب النساء، وصمّام أمان السوريين الذي يحتضن الجميع، والمتحرّر قياساً على باقي أفراد هيئته، والاستراتيجي المحنّك الذي لا يشقّ له غبار.

لدينا آلة سمعية- بصرية تردّد أن الشرع هو العبقري، الذي يعلّم قيادات العالم دروساً في السياسة بخطاباته وتصريحاته ومواقفه، هي نفس المشهدية البصرية التي لطالما غسلت بها أجهزة الإعلام والصحافة والثقافة في سوريا، عقول السوريين حول حافظ وبشّار الأسد، وهي وسيلة معروفة في عالم السياسة وليست بالجديدة: كلّ المستبدّين تصنع صورتهم آلة إعلامية محترفة بالكذب والتزييف والخداع.

“السيّد” هو الرجل الوحيد الصالح!

أداة أخرى لصناعة المستبدّ الجديد في سوريا وتكرار سيناريو “بشّار الأسد”، هو تقديم الشرع على أنه رجل محاربة الفساد والإصلاح في سوريا. خرجت ملامح إعادة التأهيل مؤخّراً بسيناريو أن الرئيس يحارب الفساد، وأنه يبدأ حتى من أهل بيته، فيغلق مصالح أخيه شخصياً، لأنه يرى فيها شبهات فساد واستغلال للسلطة، وهو يلوم ويعنّف قيادات من هيئته على ترفهم وبذخهم، فيطلب منهم تسليم مفاتيح سيّاراتهم.

كلّ هذا في مشهدية ملحمية سالت لها دموع جمهور “الهيئة”، ورفرفت لها شغاف قلوب السوريين المرتعبين من عودة الأسد، حبّاً وهياماً وتقديساً لشخص البطل النظيف والمُصلح. التهى الجمهور المذكور بالمشهدية البصرية عن ملاحظة أن المستبدّ الجديد، سبق له أن شكّل هيئات تدير منظومة الفساد الجديد في سوريا، وتسيطر عليها كلّياً من وراء الستارة، وأن الفساد الحقيقي ما زال فادحاً ومبيّناً على المستوى البنيوي التأسيسي، والبنية التحتية الناظمة للشبكة المالية والاقتصادية الوطنية برمّتها.

 المشهدية البطولية نفسها لمحاربة الفساد تمّ توظيفها في عهد الأسد كذلك، بحيث اعتاد السوريون على خطاب أن حافظ الأسد متقشّف وزاهد، وأنه يحارب الفساد في الدولة بلا هوادة، والمشهدية نفسها رافقت خلق شخصيّة المستبدّ في حالة بشّار وريث الأسد الأب كذلك. واليوم نشهدها في سيناريو خلق مستبدّ “بشّاري” جديد في المشهد السوري، بل المفارقة أن بعض فاسدي الأسد عادوا إلى “أعمالهم” في عهد الشرع، بعد أن قاموا بـ”تسوية أوضاعهم”، ونقصد هنا، محمّد حمشو وآخرين.

“محاربة الإرهاب”

أداة أخرى من أدوات صناعة المستبدّ الجديد في المشهد السوري، هي المسرحية الجديدة جدّاً عن قيام قوّات الأمن والسلطة بـ”محاربة الإرهاب”، ومداهمة أوكار لـ”داعش” في سوريا، والانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده أميركا للحرب ضدّ “داعش”.

من يجري تقديمه بأنه يجهد لـ”محاربة الإرهاب”، هو نفسه لديه سجلّ حافل في عمليّات الإرهاب في كلّ من العراق وسوريا. وإن غضضنا النظر عن ضحايا “جبهة النصرة” و”هيئة تحرير الشام” قبل سقوط النظام، فقد لطّخت الشهور الماضية يديه بدماء سوريين جدد في كلّ من الساحل السوري والسويداء، انتهاكات وجرائم وثّقت بتقارير حقوقية ودولية، وصفت الانتهاكات في الساحل السوري بأنها “ترقى إلى جرائم حرب”، أما مجازر السويداء فوُصفت بـ”انتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان”. وحسب تعبير ديانا سمعان الباحثة المعنيّة بشؤون سوريا في منظّمة العفو الدولية، أن “الإفلات من العقاب شجّع القوّات الحكومية والقوّات التابعة لها على القتل بدون خشية المساءلة”.

سيناريو محاربة الإرهاب ومداهمة أوكار “داعش” بصورة هزلية في بعض الأحيان، ليس سوى شذرات مشهدية بصرية إعلامية، وهي الاستراتيجية المشهدية نفسها المستخدمة في صناعة المستبدّين في سوريا، وقد نجحت في الماضي، فلماذا لا يتمّ توظيفها اليوم كذلك؟

“حزب الرئيس” والتوازنات الدولية

ما يجري في سوريا منذ عام تقريباً، هو عمليّة صناعة”غربية” و”إقليمية” لسيّد جديد قادر على ضبط الحدود ولو بالقوّة، وتُعيد إنتاج “حكم” استبدادي بأدوات بشرية جديدة. بدل إبقاء الأسد وفريقه، وبدل التفكير بإعادته إلى المشهد، يتمّ حالياً خلق “سيّد” جديد ليحكم منظومة قديمة لم تتبدّل، أي لمتابعة تشغيل الماكينة التي قرّرتها أميركا وإسرائيل وبريطانيا لسوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، وما زالت تعتقد بجدواها وضرورة الحفاظ عليها.

في السنوات الماضية، كنّا نسمع من صنّاع الأفكار في المشهد الأميركي أن الولايات المتّحدة تريد الإبقاء على منظومة الديكتاتورية في سوريا، وأنها لا تُمانع من تغيير أشخاصها وطاقمها البشري. في حين أننا كنّا نسمع من صنّاع الأفكار في الفضاء الإسرائيلي بأن إسرائيل تريد الحفاظ على المنظومة وعلى الفريق الذي يديرها. تغيّرت المعطيات والظروف على الأرض، واقترب الإسرائيلي في تفكيره من الأميركي، فتمّ التخلّص من بشّار الأسد وفريقه واستبداله بأحمد الشرع وفريقه، من خلال فرضهم من الخارج وبقوّة وقرار دولي علني ومعلن ولا تستّر عليه.

واليوم، يتمّ تأهيل الشرع وفريقه ليلعب دور السيّد الجديد الذي انتشرت أنباء (ربما لجسّ النبض) عن سعيه لتأسيس حزب جديد، راح جمهوره يسمّيه منذ هذه اللحظة “حزب الرئيس” أي “الحزب الحاكم”، الذي يغذّيه خزّان شعبي اسمه “بني أميّة”، هو جمهور المستبدّ الجديد الذي يتولّى عنه مهمّة ترويع الشعب، وتكميم الأفواه، وتعميم الخوف، وتهديد الحريات، والوصاية والرقابة على الأفكار والآراء والممارسات في الشارع.

وقريباً، وبعد أن يوقّع الشرع على “اتّفاق” مع إسرائيل، بعد أن تمّ نزع اسمه واسم فريقه عن لائحة الإرهاب الدولية، ورُفع التجميد عن أصوله المالية في تركيا، التي راكمها وجماعته أثناء سنين “جبهة النصرة” و”هيئة تحرير الشام”، ستكتمل تفاصيل سيناريو تعويمه الدولي، وإعطاء منظومته الغطاء الشرعي الدولي. وبهذا تكتمل عمليّة إعادة وجود الاستبداد في سوريا وتجديده وفق سيناريو ملّاك الشرق الأوسط واستراتيجيتهم المُقرّرين لسوريا للخمسين سنة المقبلة.

نحن أمام سيناريو إنتاج “سيّد” جديد ضمن بنية تحتية للفساد والاستبداد لم تتغيّر، ورثها الشرع عن الأسد، سيناريو يرى في الشرع حسب توم باراك “قيادة تأتي مرّة واحدة في العمر… مرّة واحدة كلّ 100 عام”، السؤال هو: ما هو العمر الافتراضي المُقرَّر لهذا السيناريو من قِبل صنَّاعه؟

الجواب سيعتمد على مدى براعة أحمد الشرع و”فريقه”، وأهليته في تنفيذ أجندة عمله ودوره الوظيفي الذي تمّت صناعته للعبه (ضمان أمن إسرائيل ومحاربة داعش). إن نجح في تقديم استبداده/ حكمه بطريقة تضمن استكانة السوريين إلى ما اعتادوا عليه دون سواه من العيش في كنف الهيمنة، فقد يعطي لهذا الاستبداد الجديد أن يدوم لخمسين عاماً مقبلة.

 ولكن، إن لم يعرف الشرع كيف يدير التناقضات والصراعات الداخلية في قلب الهيئة وأقطابها ومصالح ربابنتها، فقد لا يتجاوز دوره المرحلة الانتقالية أو الخمس سنوات على أبعد تقدير، ليتمّ استبداله وصناعة آخر ليحلّ محلّه، يتابع تشغيل الماكينة التي لم تقرّر الدول المالكة للشرق الأوسط تغييرها أو التخلّص منها بعد.

 درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى