التشاركية السياسية في سوريا.. ضرورات المرحلة وإشكالات التطبيق/ عمار عبد اللطيف

التشاركية السياسية على المحك.. هل تنجح سوريا في عبور أخطر منعطف؟
2025-11-24
شكّلت المشاركة السياسية في إدارة الدولة السورية بعد سقوط النظام إحدى أبرز متطلبات المرحلة الانتقالية في البلاد، مع ازدياد الحاجة إلى شراكة حقيقية بين مختلف القوى والمكونات لتجاوز التبعات التي خلفها نظام الحكم الأحادي في إدارة البلاد.
ومع تصاعد التحديات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، لا سيما في السويداء والساحل السوري، برزت أهمية تبني نهج تشاركي يضمن بناء دولة مستقرة، ويعيد الثقة بين المجتمع والسلطة عبر إشراك المواطنين في صناعة القرار، بعيداً عن احتكار السلطة أو الهيمنة الفئوية.
ورغم تشكيل حكومة انتقالية على أساس “تكنوقراط” بحسب ما أُعلن عنه، فإن الانتقادات طالت آلية التعيينات، وغياب الرؤية المتوازنة في توزيع الصلاحيات، خاصة مع استمرار سيطرة فاعلين غير حكوميين على بعض الملفات السيادية.
وتحتاج سوريا اليوم إلى الانتقال من منطق “الثورة” إلى منطق “الدولة” وهذا ما كرر الحديث عنه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أكثر من مناسبة، ويأتي ذلك عبر العمل على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تحت سلطة وطنية شرعية، وإطلاق عملية إصلاح دستوري وتشريعي واسعة تضمن التوازن بين المركز والأطراف.
ويقول الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، إن المرحلة الحالية التي تعيشها سوريا فرضت نفسها ضمن تحرك إقليمي ودولي لمعالجة الأزمات التي عادت لتضرب بنية المجتمع والدولة السورية.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن الاضطرابات الأمنية التي ترافقت مع أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا وصولاً إلى السويداء أدت إلى شروخ عميقة بين بعض المكونات والحكومة السورية، وأوصلت الأمور إلى طريق شبه مسدود نتيجة للتدخل الإسرائيلي وأقلمة ملف السويداء لصالح أجندات خارجية.
توتر مضبوط باتفاق مارس
يشير خليفة إلى أن شمال وشرق البلاد يشهد أيضاً توتراً مضبوطاً باتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي الموقع بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي، برعاية أميركية ومتابعة فرنسية، وهو ما يسهم في احتواء بعض مصادر التوتر بشكل مرحلي، لكنه لا يلغي الحاجة إلى حل شامل.
ويؤكد، أن استقرار أي نظام جمهوري يتطلب شرعية سياسية وشعبية، لا تُكتسب إلا عبر توافق وطني أو انتخابات حقيقية تفضي إلى وصول رئيس منتخب، أو برلمان يمثّل تطلعات الناخبين في تحسين ظروفهم الحياتية، وأن السلطة الحالية ربما لا تملك رؤية متكاملة، لكنها تسعى لوضع محددات لبناء توافق وطني يمكن أن يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويبيّن، أنه بعد أحداث السويداء التي حملت رسالة واضحة برفض التهميش والاحتكار السياسي، باتت الحاجة إلى تشاركية حقيقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وأن تلك الأحداث كشفت عن عمق الهوّة بين المجتمع والمنظومة الحاكمة، ورفض المكوّنات السورية الاستمرار في موقع المتفرج أو الضحية.
ويلفت خليفة إلى ضرورة الاعتراف بوجود تحديات كبيرة داخلية وخارجية، فمحلياً هناك تيارات متشددة ترفض الانخراط في أي مشروع وطني شامل، وخارجياً هناك قوى إقليمية تفرض مصالحها وفق رؤاها الخاصة، متجاهلة المصالح الوطنية السورية، وأن بعض المسؤولين الإسرائيليين باتوا يتصرفون كأوصياء على الدروز في السويداء، وهو ما يشكل مساساً بالسيادة الوطنية.
ويرى خليفة أن وجود المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك، يحمل أهمية خاصة في نقل وجهة نظر الإدارة الأميركية إلى دمشق، والعمل على إنهاء النزاعات الداخلية تمهيداً للانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن هذه المرحلة تشمل محاربة الإرهاب، والتوصل إلى اتفاق حول ملف المقاتلين الأجانب، ثم وضع خارطة طريق للمشاركة السياسية وصناعة القرار الوطني بشكل تشاركي قائم على أسس التعايش الطوعي وليس الفزعات أو الإكراه.
وفي الثالث عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إن السوريين يريدون حكومة وطنية تمثّل كل مكونات المجتمع السوري ويشعرون معها بالأمان، مضيفاً أنه “سيتم تمثيل كل عنصر من عناصر المجتمع السوري في الحكومة السورية”، وأن “الولايات المتحدة تريد إعطاء الحكومة الانتقالية فرصة للنجاح، حتى لا يكون البديل هو الحرب الأهلية”.
وتابع: “لنفترض أن مشروع هذه الحكومة فشل، إما لأنهم أفشلوه أو لأنها ببساطة لم تنجح، حينها ستزلق سوريا إلى حرب أهلية شاملة”، مشيراً إلى أن “واشنطن مهتمة بمنح الحكومة السورية فرصة للنجاح في إعادة إعمار البلاد، لأنه بخلاف ذلك ستتحول سوريا إلى مساحة غير قابلة للحكم، ومنصة للمنظمات الإرهابية والعناصر الخطيرة الأخرى بالمنطقة”.
التشاركية من مسؤولية الحكومة
يقول الدكتور خالد العزي، أستاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، إن الحكومة السورية معنية بتوسيع المشاركة من خلال إشراك النخب السورية من جميع المكونات، إلا أن التوزيع الديموغرافي لا يسمح بأن تحتل هذه المكونات نصف الحكومة.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن التمثيل السني يجب أن يكون الأكثر تنوعاً في أي حكومة مستقبلية، وأنه عند إقرار العملية الدستورية ستصبح المشاركة ضرورية لكل المكونات، وخصوصاً للمكون السني الذي يشكل الأكثرية في البلاد، وأن التمثيل اليوم يجب أن يكون على أساس المواطنة وليس “مذهبياً”، وأن مفاهيم الأكثرية والأقلية الطائفية قد تجاوزها الزمن.
ويؤكد العزي أن الحديث عن “شراكة شكلية” لن يحل الأزمة السياسية في سوريا، بل المطلوب هو معالجة جذرية، تبدأ بنزع مفهوم “الأقليات” الذي استخدمه النظام السابق كأداة لتأمين سيطرته على الأغلبية، وأن التشارك الحقيقي يكمن في رؤيا المستقبل والإنتاج الوطني، كما حدث في بداية الثورة السورية حين تضافر الجميع لإسقاط نظام الأسد، يجب أن يستمر اليوم لبناء سوريا الجديدة.
ويشير، إلى وجود عقبات عديدة، منها الانفصال القومي والإثني، والعلاقة بإيران وتدخلاتها، والمحاولات الإسرائيلية للتلاعب بالاستقرار السوري، إضافة إلى التطرف السني الذي لا يزال يتعامل بردة فعل على عقود من القمع، وأن عودة سوريا إلى محيطها الخارجي ودورها الإقليمي، وإعادة الإعمار، وعودة رؤوس الأموال والعمالة الماهرة، كلها خطوات ضرورية لضمان تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة.
ويقول إن الدور الغربي مهم لحماية سوريا من الأطماع الروسية والإيرانية والإسرائيلية، لكنه ليس كافياً إذا لم تعمل سوريا على بناء دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية نفسها وضمان رفاهية مواطنيها، وأن عودة اللاجئين، خصوصاً أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال، ضرورية لإعادة بناء الصناعات والسياحة والتنمية المحلية.
ويشير العزي إلى أن المشاركة الحقيقية ليست في المناصب بحد ذاتها، بل في توزيع التنمية والثروة، بحيث يسهم كل إقليم في بناء اقتصاد وطني متكامل، ويضرب مثالاً بمناطق الساحل والجزيرة وحوران وحلب، التي ترى دوراً مختلفاً لكل منها في إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي، من السياحة والثروات الباطنية إلى السلة الغذائية والتجارة الخارجية.
ويختتم قائلاً إن الحكومة الانتقالية اليوم هي الخطوة الأولى نحو بناء دولة تعتمد على الأحزاب القوية والبرامج التنموية وليس على الولاءات الطائفية، وأن الحكومات تتغير ولكن المواطن والدولة هما الثابتان، وأن الحقوق يجب أن تُضمن للمواطن لا للمذهب، تماماً كما يحدث في الدول الديموقراطية مثل فرنسا وألمانيا.
+963



