الخلاص الفردي في سوريا.. من الدولة الأبوية إلى الفردانية القسرية/ وفاء علوش

2025.11.23
لم يشهد المجتمع السوري في خلال العقود الماضية تحوّلاً اجتماعيًا وفكريًا بحجم التحول الذي فرضته الحرب، فالتغير الذي أصاب الهوية الفردية والاجتماعية لم يكن مجرد اهتزاز في العلاقات أو تبدّل في أولويات الناس، بل كان تشكُّلاً جديداً لمعنى الوجود اليومي نفسه، ومعنى البقاء وكيفيته.
ولعلّ أبرز ما ظهر في هذا التحول هو انتقال السوريين من عقلية تعتمد على الدولة والجماعة بوصفهما مصدراً للأمان والاستقرار، إلى عقلية تعتمد على الذات بوصفها خيار وحيد للخلاص، أي إلى ما يمكن الاصطلاح عليه بـ “الفردانية القسرية”.
لم يكن هذا النوع من الفردانية خياراً ولم يولد من رغبة فكرية، ولا من انفتاح ثقافي، ولا حتى من تطوّر طبيعي في المجتمع كما حدث في مراحل معينة من تاريخ أوروبا أو أميركا، لقد جاء بشكل قسري عنيف ومفاجئ؛ لقد برز نتيجة لانهيار الدولة، ولتفكك المجتمع، ولتجربة الحرب التي فرضت على كل فرد أن يسعى للبقاء وحده، حتى عندما كان يعيش بين الآخرين.
كانت سوريا قبل زلزال الثورة الذي غيّر كل شيء تعيش نموذج “الدولة الأبوية”، حيث تُقدّم السلطة نفسها بوصفها الراعي الأول والأخير لحياة المواطنين، في ذلك الحين لم تكن الدولة مجرد مؤسسة سياسية، بل كانت أشبه بمرجعية وجودية فهي متحكمة في كل شيء؛ وهي التي تمنح الأمن، وتوزع الوظائف، وتحدد المسارات، وتشكّل صورة الفرد في داخل المجتمع.
لقد اتصفت العلاقة بين الفرد والدولة بأنها شاقولية تماماً: فالدولة أعلى درجة من المواطن وهي تعرف وتقرر، والفرد يتلقى وينفّذ، وفي ظل هذا النموذج، تراجعت أهمية الابتكار والمبادرات المستقلة، وتقلصت قدرة المجتمع المدني على التطور، وتحوّل الاعتماد على الدولة إلى سلوك ثقافي ثابت.
وبذلك يمكن القول أن الثقة التي كانت تدّعيها الحكومة ويتوهم المواطن وجودها كانت ثقة مفروضة، قائمة على غياب البدائل أكثر مما هي قائمة على اقتناع حقيقي، ومالبث أن سقط هذا الإطار بسرعة بمجرد اشتعال الحرب، تاركاً السوريين أمام واقع جديد تماماً.
مع اشتداد الحرب، لم تتراجع الدولة فقط، بل تراجعت أيضًا المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكّل عماد الحياة السورية لعقود، مثل العائلة: بسبب النزوح، والجوار: وذلك بسبب تمزق النسيج الاجتماعي واعتبار الآخر المختلف مصدر خطر، وبدأت قواعد مختلفة تتبدى وتتضح في العلاقات، وتشكلت خطوط تماس نفسية قبل أن تكون جغرافية ليواجه السوري حقيقة وحدته في وجه متغيرات وظروف لم يعتدها.
لا يمكننا البتّ بسوء فكرة الفردانية أو جودتها، فالحالة التي يعيشها السوريون اليوم ليست تحرّراً من الجماعة، ولا تحقيقاً للذات، ولا تأكيداً للحقوق الفردية، بل هي فردانية ناتجة عن انهيار كل ما كان يُفترض أن يُقدّم للفرد الدعم أو الحماية.
لقد وجد السوري نفسه فجأة مسؤولًا عن، أمنه الشخصي، رزقه اليومي، عمله وتعليم أبنائه، علاجه وتأمين الدواء، دعمه النفسي، حمايته من الخوف، اتخاذ قرارات مصيرية وهو أمر كان نتيجة طبيعية لهشاشة العلاقة بين المواطن ودولته.
أرخى هذا التحول بظلاله على حياة السوريين بشكل كبير فقد نشأت شبكات اجتماعية جديدة، ليست مبنية على القرابة، بل على تشابه التجربة وطبيعة الرحلة، فالناجون يميلون إلى بعضهم، واللاجئون يميلون إلى بعضهم، والعاملون في مجالات اقتصادية جديدة كوّنوا روابط بديلة، لكن هذه الروابط على الرغم من أهميتها، تبقى هشة محكومة بتقلّبات الحياة وبالخوف الدائم من المستقبل.
ضمن كل ما سبق، كان فقدان الثقة أخطر ما خلّفته الحرب، ليس لأنه يُعطّل العلاقات فقط، بل لأنه يمنع المجتمع من إعادة البناء، ولم يعد ذلك حالة مؤقتة، لقد أصبح بنية نفسية، وشعوراً عاماً في كل علاقة اجتماعية، وبات السوريون اليوم يعيشون في وطن يتشكّل من دوائر صغيرة، تتخللها مستويات مختلفة من الحذر، بعد أن انكسرت العلاقات التي كانت توفّر الطمأنينة.
يفسر هذا طبيعة العلاقة المعقدة بين السوريين، ذلك أن كل جماعة تحمل سرديتها الخاصة عن الألم وعن الآخر، كما أن كل مجموعة تشكّلت خلال الحرب ترى نفسها الطرف المتضرر، وترى الآخر باشتباه دائم، من تعاون مع السلطة، من صمت، من استفاد من الحرب، من هاجر وترك، من عاد، من بقي، لقد صنعت كل هذه القصص ذاكرة متصدعة، يصعب معها استعادة الثقة بسهولة.
أما فيما يخص الدولة بوصفها الأب الراعي، فقد اتسع الشرخ أكثر، وتحولت الدولة إلى طرف من أطراف الحرب، فلم تعد دولة جامعة، بل دولة واقفة فوق ركام الثقة، لا يثق الناس بقوانينها، ولا بخدماتها، ولا بوعودها، ولا بقدرتها على إعادة بناء شيء.
يعيش السوريون اليوم حالة لايقين عميقة فقد خسروا ثقتهم بالدولة ومؤسساتها وبعضهم بالبعض الآخر، وضمن هذا وذاك يبدو شكل المستقبل ضبابياً يسهل فيه تقاذف الاتهامات وتكون محاولة الهروب والنجاة هي الممكن الوحيد.
ينبغي هنا التمييز بين الفردانية القسرية في سوريا والفردانية التي نقرأ عنها في النظريات الغربية، ففي الغرب، جاءت الفردانية مع التنوير، مع صعود حقوق الإنسان، مع الثورة الصناعية، ومع فكرة أن الإنسان يمتلك حق تقرير مصيره من دون تدخل من أحد، تمخضت عن ذلك الفردانية بوصفها خيار فكري وجزء من تطور المجتمع، أما في سوريا، فالفردانية ليست حرية، إنها مسار إجباري، وهي محاولة يائسة للبحث عن مساحة آمنة في عالم فقد فيه الإنسان كل شيء تقريبًا.
لا يسعى الفرد السوري للتمرد على الجماعة، بل يبحث عن جماعة لم تعد موجودة، إنه لا يريد التحرر من الدولة، بل يريد دولة يمكن الوثوق بها، لا يريد أن يكون وحده، لكنه مضطر أن يكون كذلك، وهذا بحد ذاته السبب الرئيسي لحالات الحنين التي يعيشها السوريون لسنوات ما قبل الثورة، فهو في حقيقة الأمر ليس حنيناً لحقبة معينة، بقدر ما هو رغبة باستعادة المنطقة الآمنة التي كان السوريون يقيمون فيها من دون خوف من المستقبل ولكن من دون بذل عناء التفكير به أيضاً.
ومن هنا فالتصرف السليم لا ينطلق من تحميل الآخرـــــــ أيّاً كان الآخر ــــــ مسؤولية ما حدث، بل من الممكن أن يحدث التحول المُراد بطرح السؤال الصحيح وهو: هل يمكن للسوريين العودة إلى نمط اجتماعي يعيد التوازن بين الفرد والجماعة؟هل يمكن للثقة أن تُعاد؟ هل يمكن بناء عقد اجتماعي جديد؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضاً، لأن عودة الثقة تحتاج إلى: دولة محايدة، عادلة، شفافة، اقتصاد مستقر يقلّل من صعوبة الحياة المعيشية، مع إطلاق مبادرات مجتمعية تعيد ترميم الروابط، ومحاولة خلق سردية وطنية جامعة لا تقصي أحداً، بوجود مساحة عامة آمنة يمكن للناس أن يعبروا فيها عن أنفسهم من دون خوف، في هذا المحور قد يكون الشتات السوري قادراً على لعب دور مهم، فالسوريون في الخارج يعيشون مفاهيم مختلفة للدولة وللعلاقة بين الفرد والمجتمع، يمتلكون خبرة جديدة، وقد ينقلونها يومًا إلى الداخل.
من نافل القول أن الفردانية التي يعيشها السوريون اليوم ليست مرحلة نهائية، بل فصل مؤلم في تاريخ البلاد، لقد تحمّل الفرد أعباء أكبر من قدرته، لكن على الرغم من كل ذلك، ربما تكون هذه الفردانية القسرية، بكل وجعها، خطوة نحو ولادة مجتمع جديد يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة والدولة بطريقة أكثر عدلاً وإنصافاً.
في سنوات الحرب، كان الخلاص الفردي هو قارب النجاة الوحيد حين غرقت كل الرؤى الجماعية، فقد انهارت المشاريع السياسية وتشظت الجماعات والأطر التنظيمية التي كان يُفترض أن تقود المجتمع نحو حماية مشتركة، وفشلت في احتواء الناس أو منع سقوطهم، وفي تلك اللحظة، وجد السوري نفسه وحيداً، فصار الاعتماد على الذات هو الاستجابة الطبيعية الوحيدة أمام فوضى لا يمكن ضبطها.
لكن هذا الخلاص الفردي الذي كان ضرورة للبقاء، يمكن أن يتحوّل في زمن النهضة إلى عقبة حقيقية أمام ولادة مشاريع جماعية جديدة، فالفرد الذي تعلّم النجاة وحده، يجد صعوبة في تسليم جزء من مصيره إلى مشروع أوسع، أو الثقة بخطة تتجاوز حاجات يومه المباشر، وهكذا يصبح إرث الفردانية القسرية—الذي أنقذ الناس في زمن الانهيار—ثِقلاً يمنعهم من الاندماج في رؤية وطنية شاملة في زمن البناء، ما لم تُصمّم هذه المشاريع بطريقة تعيد الثقة وتُظهر للفرد أن قوته الحقيقية لن تتحقق إلا داخل جماعة تستعيد قدرتها على العمل.



