العلاقات السورية-الروسيةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العلاقات السورية الروسية تحديث 24 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العلاقات السورية الروسية

———————————–

 موسكو ودمشق: عودة النقاط العسكرية واستئناف التسليح/ محمد كساح

الاثنين 2025/11/24

تشهد العلاقات الروسية – السورية تحولاً كبيراً يتمثل بالانتقال من الاحتكار الواسع إلى دور الضامن الأمني في الجنوب السوري. ورغم أن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” لن يعرقل استئناف وصول السلاح الروسي إلى البلاد، إلا أنه يساهم في تقليص هوامش التحركات الروسية، خصوصاً في ظل توجه الحكومة السورية نحو إعادة تقييم العلاقة مع موسكو ضمن سياسة التوازن التي تنتهجها دمشق.

القواعد الروسية جنوباً

وفي هذا السياق، أكد مصدر عامل بوزارة الدفاع السورية لـ”المدن” أن التفاهمات التي تم التوصل إليها مع الروس في أثناء عملية ردع العدوان تتضمن خطين عريضين هما: الحفاظ على مصالح روسيا في حميميم وميناء طرطوس، إضافة لاستئناف موسكو تزويد الجيش السوري الجديد بالسلاح والمعدات الحربية.

ويعتبر المحلل السياسي المقرب من موسكو رامي الشاعر أن الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما سبقها وتلاها من زيارات لوفود روسية وسورية، بمثابة دليل ساطع على رغبة الطرفين في تطوير علاقات التعاون في جميع المجالات، خصوصاً العسكرية.

ويضيف في حديث لـ”المدن” أن القيادة الحالية برئاسة الشرع تتطلع إلى استئناف روسيا تزويد الجيش السوري بالسلاح وبكل ما يحتاجه من تقنيات فنية وعسكرية، إضافة إلى التدريبات الميدانية لاستعادة الجيش السوري كفاءته.

وفي السياق، أكدت روسيا لدمشق أنها ملتزمة بتوفير كل ما تحتاجه سوريا وبشكل فوري لحماية سيادتها، بحسب الشاعر، الذي أضاف أن روسيا تتفهم صعوبات المرحلة الحالية، وتتفهم ضرورة قيام دمشق بتكثيف الاتصالات مع كافة دول العالم وأهمها واشنطن لدورها الأساسي في إمكانية إلغاء كافة العقوبات الاقتصادية، والتي تعيق بشكل جدي بدء التعافي الاقتصادي لسوريا.

ويؤكد الشاعر أنه تم التنسيق بين وزارتي الدفاع في البلدين على زيادة نقاط المراقبة الروسية وتفعيل وتوزيع عمل الدوريات على الحدود الفاصلة بين سوريا وإسرائيل، لافتاً إلى أن عمليات التواصل والعلاقات العسكرية لم تتوقف مع القيادة الجديدة في سوريا دون أي انقطاع حتى لساعة واحدة. ويشير إلى أن موسكو لمست جدية دمشق في العمل على تجاوز الأزمات وتحسين أوضاع الشعب السوري ووحدة الأراضي السورية وعودة سيادتها الكاملة على كامل أراضيها.

تقليص هامش التحركات

ويحمل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ارتباطات أمنية ولوجستية واستراتيجية، ما يعني تقليص هوامش التحركات الروسية في سوريا بالدرجة الأولى، خصوصاً أن العلاقة بين موسكو ودمشق تندرج ضمن الأطر السياسية العامة وليس التفصيلية، الأمر الذي يعني أن دمشق ستحافظ على العقود الروسية المبرمة مسبقاً، لكن ذلك لن يمنح روسيا حرية مطلقة في سماء وأرض سوريا، وفقاً لحديث الأكاديمي والكاتب الصحفي الدكتور أحمد الكناني لـ”المدن”.

ورغم تقليص النفوذ الروسي الذي تحفزه حالة الانفتاح السوري على الغرب، إلا أن موسكو ستلعب دور الضامن الأمني في الجنوب. ويرجح الكناني عودة النشاط الروسي على الحدود مع إسرائيل خصوصاً في ظل العلاقة الموثوقة بين موسكو وتل أبيب التي كرسها “اتفاق جاسم” في العام 2018. ومن هذا المنطلق تحقق روسيا التطلعات الدولية بملء الفراغ الأمني في الجنوب السوري لاسيما مع وصول المفاوضات حول الاتفاقية الأمنية إلى طريق مسدود.

من جانب آخر، يلفت الكناني إلى أن دمشق ستحافظ على عقودها المبرمة مع روسيا، المتعلقة بالتسليح والإمداد الصاروخي، طالما أن الانضمام إلى التحالف الدولي لا يزال ضمن المنحى السياسي، أما في حال تحول هذا الانخراط إلى الشكل الأمني والعسكري فيمكن أن نشهد حينها تحولاً في التسليح نحو المعسكر الغربي.

سلاح التحالف سري

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور باسل أورفلي أن القيادة السورية ارتأت ضرورة الاستفادة من روسيا كقوة عظمى لها صوت دائم في مجلس الأمن ويمكن أن تساهم في تحييد سوريا عن العبث بالاستقرار الداخلي، مؤكداً في حديث لـ”المدن” أن العلاقة السورية الروسية لن تتطور أكثر من ذلك، لأن انضمام سوريا للتحالف الدولي جاء كإعلان عن هوية سوريا السياسية الجديدة.

ويوضح أنه بإمكان سوريا إقامة علاقات عادية مع موسكو والحفاظ على قواعدها وتعديل أدوارها ومهامها وفترات وجودها خلال فترة انتقالية تتراوح بين 5 وحتى 10 سنوات، يتم خلالها تغيير تسليح الجيش السوري والعقيدة القتالية من شرقي (روسي) إلى سلاح غربي.

وحول إمكانية أن تلعب موسكو دور الضامن في الجنوب السوري، يرى أورفلي أن كل الأطراف لا تمانع وجوداً رمزياً لقوات شرطة عسكرية روسية تدعم عمل قوات الاندوف، ولكن الضامن الحقيقي لأي اتفاق أمني بين سوريا واسرائيل ستكون الولايات المتحدة وليس روسيا.

أما بخصوص توجه سوريا نحو السلاح الغربي كنتيجة طبيعية لانضمامها للتحالف، فيلفت إلى أن الجيش السوري بحاجة أكثر لتأهيل وتدريب وغربلة وصياغة عقيدة قتالية وهو يضم مقاتلين غير سوريين لا يرتاح الخارج لهم، بينما تتطلب عملية الانضمام للتحالف جهوداً كبيرة لتأهيله بعكس وحدات منتقاة من قوات وزارة الداخلية والاستخبارات. وبسبب التعاون الاستخباراتي مع التحالف، فان تلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وأجهزة الاتصالات ستكون غربية ولا يمكن أن يطلع عليها الروس.

المدن

——————————-

 توافقات دولية تعيد للدور الروسي فاعليته في الملف السوري.. ما التهديدات المحتملة؟

2025.11.23

أجرى وفد عسكري روسي في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري جولة في محافظة القنيطرة جنوب سوريا، وهذه التحركات الميدانية هي الأولى من نوعها بعد سقوط نظام الأسد، حيث جرت الزيارة برفقة وفد من وزارة الدفاع السورية، مع ترجيحات أن تكون استكشافية بهدف دراسة إمكانية نشر نقاط للشرطة العسكرية الروسية في المنطقة.

بالتوازي مع هذا التطور شهدت قاعدة حميميم تلقي شحنات من التجهيزات اللوجستية بعد فترة من الشكوك حول مصير القواعد الروسية إثر سقوط نظام الأسد.

تفاهمات سورية روسية

وفقا لمصادر دبلوماسية مطلعة في العاصمة الروسية موسكو، فإن اللقاءات المتكررة بين الوفود العسكرية والأمنية الروسية والسورية نتج عنها عقد تفاهمات بين الجانبين، ومن المنتظر أن تقدم روسيا للجيش السوري بعض التجهيزات، وتوفير تدريبات له.

ومن المحتمل أن تساهم روسيا في ملف جنوب سوريا تحديداً، نظراً لامتلاكها اتصالات سابقة مع إسرائيل عندما كانت تنتشر في المنطقة زمن نظام الأسد، بالإضافة إلى امتلاكها قنوات تواصل مع شخصيات فاعلة في محافظة السويداء.

أيضاً، ستتكفل روسيا بإعادة تأهيل بعض منظومات الدفاع الموجودة بحوزة الجيش السوري، وتحتاج إلى عمليات صيانة وقطع الغيار، والأمر ذاته ينطبق على سلاح المدرعات.

بالمقابل، ستحتفظ روسيا بنقاط له بحرية وجوية ولكن وفق ضوابط جديدة، واستخدامات محددة، وبالتفاهم مع الجانب السوري.

توافقات دولية تعيد للدور الروسي فاعليته في الملف السوري

تشير المعطيات إلى أن عودة روسيا بفاعلية إلى المشهد السوري يتم بناء على توافقات مع أطراف دولية عديدة.

رشحت في وقت سابق معلومات عن جولات تفاوض سرية بين روسيا والولايات المتحدة من أجل استكمال التفاهمات حول خطة إنهاء الحرب في أوكرانيا، وفيما يبدو فإن واشنطن مستعدة للضغط على كييف من أجل تقديم تنازلات وهذا ما أكدته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أشار إلى أن أوكرانيا ستخسر المزيد من الأراضي في وقت قريب، بالمقابل تحدث الرئيس الأوكرانية زيلينكسي عن المفاضلة التي أمام بلاده بين خسارة شريك رئيسي في إشارة للولايات المتحدة، أو كرامتها الوطنية.

من المرجح أن إدارة ترمب لا تمانع أيضاً تقديم بعض التنازلات لروسيا في الملف السوري أيضاً، وعدم ممانعة عودة دورها ولكن ضمن حدود وضوابط، فمن ناحية تقديم الإدارة الأميركية المزيد من بوادر حسن النية لروسيا من أجل إنجاح خطة السلام، مما سيتيح لأميركا التركيز على أولوية مواجهة الصين وتحييد مختلف الدول عن التحالف معها، كما أن إسرائيل عبرت في وقت سابق عن رغبتها بمساهمة روسيا في مراقبة الأوضاع في الجنوب السوري، وعلى الأرجح فإن تل أبيب مارست دوراً في إقناع واشنطن بإتاحة المجال أمام استمرار الدور الروسي في سوريا.

على الأغلب فإن الدول الإقليمية المؤثرة في الملف السوري على غرار تركيا والسعودية لا تمانع الدور الروسي نظراً للتوافق بينهم على مبدأ وحدة الأراضي السورية، خاصة حال نتج عن الانتشار الروسي جنوب سوريا وقف الانتهاكات الإسرائيلي، مما يعزز الاستقرار في سوريا.

التهديدات المحتملة لعودة الدور الروسي

على الرغم من المكاسب الآنية التي قد تحققها الحكومة السورية من عودة الدور الروسي، والمتمثلة بالحصول على بعض التجهيزات العسكرية والعمل على تقليص التهديدات الإسرائيلية، لكن الدور الروسي ينطوي على تهديدات محتملة، التي قد تصل إلى العمل مستقبلاً على تغيير نظام الحكم في سوريا.

أقامت روسيا علاقات قوية مع المؤسسة العسكرية السورية على مدار عقود طويلة قبل سقوط نظام الأسد، ولا تزال إلى يومنا هذا تحتوي المئات من الضباط السابقين في قواعدها في القامشلي السورية، أو الخادم الليبية، وبالتالي من غير المستبعد أن تستثمر دورها في تقديم تدريبات للجيش السوري من أجل الدفع باتجاه هيكلة المؤسسة العسكرية بالطريقة التي تعيد النفوذ الروسي الكبير تدريجياً إلى سوريا، خاصة وأن الأوساط السيادية الروسية مقتنعة بأن الحكومة الحالية في سوريا أقرب إلى الغرب، بل بعض الجهات داخل المؤسسات الروسية تصف الحكومة بأنها صنيعة بريطانية.

وسبق أن دعمت روسيا عام 2021 انقلاباً عسكرياً في مالي، نفذه ضباط تلقوا تدريبات من الجانب الروسي، وبعدها تحولت مالي إلى ساحة نفوذ روسية كبيرة.

تلفزيون سوريا

————————

اختبار العلاقات الدولية: سوريا بين النفوذ العسكري الروسي والبوابة الاقتصادية الأميركية/ أغيد حجازي

23 نوفمبر 2025

تشهد سوريا مرحلة إعادة تشكّل في علاقاتها الإقليمية والدولية بعد المتغيرات السياسية التي رافقت سقوط النظام السابق. ومع الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، برزت مؤشرات على تحوّل في مقاربة دمشق تجاه مراكز النفوذ الدولي، بما يعيد فتح النقاش حول طبيعة التحالفات المقبلة واتجاهات السياسة السورية خلال المرحلة الانتقالية. ويأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه أهمية الاعتبارات الاقتصادية داخل القرار السياسي السوري، وسط محاولات لإعادة تقييم موقع البلاد بين موسكو وواشنطن، وانتقال النقاش من مستوى النفوذ العسكري إلى الملفات الاقتصادية والاستثمارية التي تزداد حضورًا في الخطاب الرسمي السوري.

الانفتاح على واشنطن

تُجمع التحليلات على أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض شكّلت لحظة مفصلية في العلاقات السورية ــ الأميركية، لكنها – وفق قراءات الخبراء – ما تزال في دائرة الاختبار، ولا يمكن اعتبارها نقطة تحوّل حاسمة قبل اتضاح مسارها العملي على الأرض.

في هذا الإطار يرى الباحث الاقتصادي محمد علبي أن مشهد زيارة الشرع إلى البيت الأبيض لم يكن حدثًا عاديًا في سجلّ العلاقات السورية الأميركية، إذ وجد السوريون أنفسهم بعد عقدين من الحرب والعزلة والعقوبات أمام عناوين تتحدث عن “مرحلة جديدة” وانفتاح أميركي محتمل واستثمارات مفترضة قد تعيد للبلاد وجهها الاقتصادي المفقود. لكنه استدرك بأن القراءة الهادئة لما جرى تشير إلى أن التطورات الحاصلة أقرب إلى “إعادة تموضع حذرة” منها إلى تحول جذري، وأن شعار “الانتقال من ساحات الصراع إلى ساحات الاستثمار” ما زال أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع ملموس.

وأشار علبي إلى أن رمزية الصورة في البيت الأبيض، رغم أهميتها، لا تكفي لتغيير البنية المعقدة للعلاقات الثنائية التي شكّلتها العقوبات الأميركية طوال عقود. ورأى أن تعليق واشنطن جزئيًا للعقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لمدة 180 يومًا يشبه “اختبار نوايا” أكثر منه تحولًا جذريًا، مؤكدًا أن الإدارة الأميركية لا تراهن على دمشق بقدر ما تراقب سلوكها، وتختبر مدى استعدادها لتقديم تنازلات سياسية أو ضبط السلوك الاقتصادي والمالي قبل السماح لها بالعودة إلى النظام المالي الدولي.

ويتقاطع الخبير الاقتصادي عامر شهدا مع هذا الطرح من زاوية أخرى، إذ يشير إلى أن تحديد موقع سوريا الجديد يبدأ من سؤال تاريخي: من ينتصر في النهاية، النفوذ العسكري أم النفوذ الاقتصادي؟ ويرى شهدا أن التجربة العالمية تُظهر بوضوح أن القوة الاقتصادية هي التي تنتج النفوذ السياسي، وليس العكس.

ويضيف أن الدول التي تمتلك اقتصادًا ضعيفًا تفقد قدرتها على الفعل السياسي، وأن أي إعادة تموضع حقيقية تتطلب قاعدة اقتصادية متماسكة، لأن الاقتصاد هو الذي يتيح للدولة الدخول بثقة إلى ساحات السياسة الدولية.

بين طموحات الاستثمار وواقع الاقتصاد السوري

يضع التباين بين الطموحات السياسية والحقائق الاقتصادية سوريا أمام اختبار صعب؛ إذ تتقاطع ملاحظات الضيفين حول هشاشة البنية الاقتصادية وضرورات الإصلاح العميق لجذب استثمارات حقيقية.

يرى علبي أن القيادة السورية تبدو “متعطشة لكسر طوق العزلة”، إلى حدّ المبالغة في تصوير الانفتاح القادم بوصفه بداية لعصر استثماري جديد. غير أن الواقع ـ برأيه ـ يروي قصة أخرى: أمن هش، ناتج قومي ضعيف، قضاء تجاري غائب، رقابة شبه معدومة، فساد يعيد إنتاج نفسه، وبنية تشريعية مهترئة. ويشير إلى أن هذه التحديات تجعل البيئة الاستثمارية غير قادرة على استقبال رؤوس أموال كبيرة، مهما حملت الزيارات الدبلوماسية من وعود.

ويضيف أن التحول الجيو اقتصادي المتمثل في الانتقال من الحضور الروسي العسكري إلى ما يُسمّى بالنفوذ الأميركي الاقتصادي لا يزال بعيدًا عن التحقق؛ فروسيا ما تزال تمتلك نفوذًا صلبًا في ملفات الغذاء والطاقة والتسليح، وهو نفوذ لا يمكن تجاوزه بسرعة، خاصة مع انخفاض الإنتاج المحلي من الحبوب والقمح إلى مستويات خطيرة.

وفي المقابل، يربط شهدا بين الاقتصاد والاستقرار السياسي والاجتماعي، معتبرًا أن الاستثمار هو المدخل الطبيعي لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعي، لأنه يخلق تبادلًا للأفكار واندماجًا للمجتمعات. ويرى أن الخيار الاقتصادي هو الطريق الصحيح لسوريا، وهو خيار لا بد منه لتجاوز آثار الحروب.

ويرفض شهدا فكرة “النفوذ الاقتصادي الأميركي” كما تتردد في النقاشات العامة، موضحًا أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على الاندماج وتبادل المصالح لا على السيطرة، وأن لا دولة – مهما كانت قوتها – تستطيع أن تفرض نفوذًا اقتصاديًا مطلقًا على دولة أخرى في عالم تتداخل فيه الأسواق.

ملفات حيوية وتوازن يفرض نفسه

مع تحرك دمشق نحو واشنطن، تبرز الحاجة إلى قراءة موقع موسكو ضمن المعادلة الجديدة. وهنا يتقاطع الخبيران على أن الوجود الروسي ما يزال عنصرًا ثابتًا، وإن بدرجات مختلفة من التأثير.

يوضح علبي أن روسيا تتمتع بموطئ قدم راسخ في الملفات الأكثر حساسية: الطاقة، الحبوب، التسليح. ويؤكد أن هذه القطاعات تمنح موسكو نفوذًا يصعب تجاوزه سريعًا. ومن ثمّ، فإن أي تقارب مع واشنطن لن يكون على حساب موسكو، بل ضمن عملية توازن دقيقة.

أما شهدا فيرى أن الحديث عن انتقال نفوذ من روسيا إلى الولايات المتحدة غير دقيق، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد قائمًا على منطق الهيمنة، بل على منطق التداخل. ويشير إلى أن اندماج الاقتصادات لا يسمح بتغوّل دولة على أخرى، وأن ما يحدث اليوم هو تبادل مصالح لا يتناقض مع استمرار الدور الروسي في سوريا.

توازن هش ينتظر جوابًا سوريًا

في نهاية المشهد، تتقارب قراءتا علبي وشهدا عند نقطة مركزية: سوريا اليوم ليست أمام انتقال محسوم، بل أمام مرحلة اختبار شديد الحساسية.

يقول علبي إن المشهد الحالي هو “مرحلة اختبار متبادلة”: واشنطن تراقب، ودمشق تحاول، والرياض تهيئ الطريق، وتل أبيب وموسكو تتابعان بحذر. ويرى أن نجاح سوريا مرتبط بقدرتها على تنفيذ إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي، لأن الوعود وحدها لا تكفي. ويحذر من أن التوازن الذي يُحتفى به اليوم بوصفه براغماتيًا قد يتحول إلى خيار بالغ الخطورة في حال لم يُدار بعقلانية وشفافية.

أما شهدا فيختم بأن الاندماج الاقتصادي هو الطريق الوحيد لصياغة مستقبل مستقر، وأن التعاون الدولي لا يمكن أن ينجح دون اقتصاد قوي وشفاف. ويرى أن قدرة سوريا على الاستفادة من اللحظة السياسية الراهنة مرهونة بقدرتها على بناء اقتصاد قادر على دعم انتقال سياسي مستدام.

الترا سوريا

——————————

ما وراء الزيارات المكوكية للدبلوماسية السورية/ محمد ديب بظت

من الشرق إلى الغرب

نشطت الدبلوماسية السورية خلال الأشهر الأخيرة، عبر سلسلة من الزيارات نحو عواصم متباعدة في مصالحها واصطفافاتها، بدءًا من موسكو مرورًا بواشنطن ولندن وصولًا إلى بكين.

ورغم اختلاف الدوافع والنتائج بين كل محطة، فإن المسار العام يعكس محاولة واضحة من دمشق لإعادة تشكيل موقعها الخارجي بعد سنوات من الانغلاق والضغط الدولي، والاستفادة من اللحظة السياسية الجديدة لبناء شبكة علاقات أوسع.

عودة البوابة الروسية

زار الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، العاصمة الروسية موسكو، في 15 من تشرين الأول الماضي، في خطوة حملت دلالات رمزية وسياسية واضحة.

الزيارة الأولى للشرع إلى روسيا بعد تسلّم السلطة، توجه رسالة مفادها أن العلاقة مع روسيا لا تزال محط اهتمام السياسة الخارجية السورية، خصوصًا في المجالين الأمني والعسكري، حيث حافظت موسكو طوال السنوات الماضية على دور مباشر في تشكيل بنية المؤسسة العسكرية وإدارة التوازنات في الجنوب السوري.

وبينما لم تخرج الزيارة عن إطار التأكيد على الشراكة والعلاقات المتبادلة، فإن التوقيت يشير إلى رغبة دمشق في تثبيت تفاهماتها القديمة قبل الانطلاق نحو مساحات جديدة مع الغرب، وهذا التمسك بالمحور الروسي يأتي من قناعة سوريا بأنه لا يوجد بديل واقعي للدور العسكري والأمني الذي تؤديه موسكو في المدى المنظور، سواء فيما يتعلق بإعادة بناء المؤسسة العسكرية أو بإدارة الملف الحساس المتعلق بتنسيق خطوط الاشتباك في الجنوب.

واشنطن.. التحول الكبير

التحول الأبرز جاء في 10 من تشرين الثاني الحالي، حين زار الشرع واشنطن وعقد لقاء مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ركّز على ملفات مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي.

أعقب اللقاء الإعلان عن انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهي خطوة وصفتها واشنطن بأنها “محورية” نحو إغلاق ملف المقاتلين الأجانب.

بالنسبة لدمشق، يمثل هذا الانضمام دخولًا مباشرًا إلى منظومة أمنية دولية كانت غائبة عنها لسنوات، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى التعاون السوري من زاوية مكافحة الإرهاب وفرض الاستقرار الإقليمي، مع بقاء المقاربة الأمريكية تجاه سوريا خاضعة بشكل واضح لاعتبارات إسرائيلية.

بعد أيام قليلة من زيارة واشنطن، أعادت سوريا فتح سفارتها في لندن، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى المملكة المتحدة بدعوة رسمية، كما سبقت هذه الخطوة إشارة بريطانية مهمة تمثلت في رفع العقوبات عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب.

وتأتي هذه التطورات ضمن مسار غربي، يتمثل في الانفتاح على الحكومة السورية الجديدة، لكن ضمن شروط متغيرة وقابلة للتراجع، فمن الممكن أن يكون “الرضا الغربي” تجاه دمشق ليس ثابتًا، وقد يتأثر بعوامل تتعلق بإسرائيل ومكافحة الإرهاب.

بكين.. تعاون أمني واقتصادي

في 17 من تشرين الثاني الحالي، اختتمت التحركات بزيارة الشيباني إلى الصين، حيث أصدر الجانبان بيانًا مشتركًا أكد تطوير العلاقات الثنائية والتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى التعاون التنموي.

ورغم أن بكين تقدم نفسها كشريك اقتصادي في المقام الأول، فإن وجود ملف المقاتلين الإيغور، الذين شارك بعضهم في القتال خلال سنوات الحرب، يبقى حاضرًا في خلفية أي نقاش ثنائي.

الصين، وفق محللين، لا تطلب تسليم مقاتلين، لكنها حريصة على ضمان عدم تحول سوريا إلى منصة لنشاط مجموعات قد تراها تهديدًا، فيما ترى دمشق في بكين بوابة للحصول على دعم سياسي واقتصادي داخل المؤسسات الدولية.

انفتاح محسوب

يرى الباحث السياسي محمد الجابي، أن ما يجري اليوم لا يمثل انقلابًا سياسيًا ولا انسلاخًا عن المحور الشرقي، بل هو تعبير عن سياسة بقاء براغماتية تهدف إلى توسيع هامش الخيارات بعد سنوات طويلة من العزلة.

وقال الجابي، في حديث إلى عنب بلدي، إن دمشق تعمل على فتح مساحات اقتصادية وأمنية تساعدها على إعادة بناء الدولة، عبر شبكة علاقات متعددة الاتجاهات تحقق هدفًا داخليًا يتعلق بإعادة الإعمار وترميم المؤسسة الأمنية، وآخر خارجي يهدف إلى استعادة القدرة على الحوار مع مختلف القوى ومنع هيمنة طرف واحد على القرار السوري.

وأضاف أن التنسيق مع الولايات المتحدة يجري اليوم عبر “بوابة التخلص من الشر”، في إشارة إلى محاولة تخفيف العقوبات وفتح ممرات اقتصادية، دون التعويل على واشنطن كضامن مستقر أو شريك يمكن الركون إليه.

وبحسب الجابي، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من السياسة الخارجية السورية تبني ما يسميه “الحياد الذكي”، أي تجنب الاصطفاف الحاد مع أي محور، والعمل على إعادة تموضع مدروس على الخارطة الدولية، هذا الحياد، كما يرى، ضرورة عملية لمرحلة انتقالية حساسة.

تعتمد سوريا اليوم على موازنة قوى مدروسة، لا رغبة في الانضمام إلى محور جديد، بل للسعي إلى شروط تفاوض أفضل، وأكد الجابي أن روسيا تبقى “الفاعل الأنسب” لدعم سوريا في المجال العسكري والأمني، سواء عبر قدرتها على التأثير الميداني أو عبر إدارة العلاقة المعقدة مع إسرائيل في الجنوب.

ويرى أن عدم وجود بديل واقعي للدور الروسي يجعل العلاقة بين البلدين ركنًا ثابتًا، وهو ما يعكسه استمرار الزيارات العسكرية المتبادلة.

أما بالنسبة للصين، فيعتبر الجابي أن حضورها اقتصادي وسياسي أكثر منه أمنيًا، وأن ملف الإيغور يمثل أحد الهواجس الأساسية لديها، لكنه يشدد على أن العلاقة مع بكين تبقى أقرب إلى التعاون الاقتصادي منها إلى التحالف العسكري، مع حرص دمشق على عدم خلق احتكاك مع الغرب والقوى الإقليمية الأخرى.

وحول قدرة سوريا اليوم على أن تكون “لاعبًا متعدد الأقطاب”، قال الجابي، إن ذلك صحيح نظريًا، لكنه محدود عمليًا بسبب ضعف الموارد وتراجع القدرات، ما يجعل هذا التعدد “انفتاحًا محسوبًا” وليس قدرة كاملة على صناعة التوازنات.

وفي الجنوب السوري، يرى الجابي أن الحكومة السورية تتجه إلى ترتيبات تستند إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1973 باعتباره المرجعية الأوضح لضمان الحد الأدنى من الاستقرار، في ظل عجز سوريا عن الدخول في مواجهة مفتوحة، مؤكدًا أن دمشق تراهن على شبكة علاقات دولية تمنع إسرائيل من استغلال هشاشة المرحلة الانتقالية.

ديناميكية جديدة

أما الصحفي والكاتب السياسي رائد محمود فيرى أن النظر إلى تحركات سوريا باعتبارها محاولة “موازنة بين القوى الكبرى”، هو تبسيط غير دقيق، فبرأيه، ما يحدث منذ كانون الأول 2024، هو ديناميكية سياسية جديدة داخل سوريا نفسها، في لحظة تحاول فيها السلطة الحالية استكشاف نفسها في الحكم، بينما تحاول القوى الدولية استكشافها كذلك.

وقال محمود، خلال حديث إلى عنب بلدي، إن الزيارات إلى الولايات المتحدة والعواصم الغربية منحت القيادة الجديدة قدرًا من الشرعية السياسية، وإن أهميتها لا تتعلق فقط برفع العقوبات المحتمل، بل بما حصلت عليه تلك الدول من مقابل، كما أن الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش خبر مهم جدًا، وأن الحديث عن “السيادة” في سوريا ينبغي إعادة النظر فيه ضمن هذه الديناميكية الجديدة.

ومع ذلك، يحذر محمود من الانخداع بفكرة انضمام سوريا إلى “الحلف الغربي”، إذ يرى أن الأنظمة الغربية تحتاج وقتًا أطول لاستيعاب شكل سوريا الجديدة، معتبرًا أن العلاقة مع الولايات المتحدة “متعبة وصعبة” لأنها تمر عبر مرحلتين هما المصالح الإسرائيلية ومكافحة الإرهاب، ما يعني أن “الرضى الأمريكي” قابل للتغير السريع.

كما شدد على أهمية استمرار الدعم العربي والتركي، معتبرًا أنه عنصر حاسم في المرحلة المقبلة، أكثر من الانفتاح الغربي وحده.

وفيما يتعلق بروسيا، يعتقد محمود أن الزيارات إليها “بالغة الأهمية” لبناء تفاهمات حول القواعد العسكرية والعلاقات التجارية، لكنه يرى أن نفوذ موسكو الحقيقي على الأرض تراجع، وأن هذا الواقع قد يقود إلى إعادة تفاوض حول طبيعة العلاقة مستقبلًا، خاصة إذا لم يستمر الغرب في غض الطرف عن الدور الروسي.

وحول الصين، يصف محمود الزيارة بأنها “محاولة فهم واستكشاف”، مؤكدًا أن بكين لا تطلب تسليم مقاتلي الإيغور، لكنها تريد ضمان عدم تحول سوريا إلى منصة لأي تهديد، وفي هذا السياق فإن دمشق تطمح من بكين وروسيا إلى التعامل معها كدولة “عادية” داخل النظام الدولي، لا كملف استثنائي.

وفي ظل المعطيات، تكشف التحركات السورية الأخيرة عن سياسة خارجية جديدة تعتمد على الانفتاح المدروس على مختلف القوى الدولية، دون الخروج من المظلة التقليدية للعلاقة مع موسكو.

وبينما تحاول دمشق الاستفادة من اللحظة السياسية لإعادة التموضع، تبقى قدرتها على صناعة التوازنات رهنًا بمواردها المحدودة وبمدى تجاوب القوى الدولية مع مشروع الانتقال الجاري داخل البلاد.

——————–

 القوات الروسية تتحضر لإعادة التموضع في 9 نقاط جنوب سوريا

الخميس 2025/11/20

بدأت روسيا خطوات عملية لإعادة تموضع قواتها في جنوبي سوريا، عبر إعادة إنشاء مواقع عسكرية في محافظة القنيطرة عند الحدود مع الجولان المحتل، وفق ما كشف عنه تقرير لموقع ” ذا كريدل”.

لا دور للأتراك في الجنوب

ونقل الموقع عن مصادر، أن الخطوة الروسية جاءت بعد جولة ميدانية واسعة أجراها وفد عسكري روسي رفيع في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، في جنوب سوريا، موضحاً أن الوفد ضم ضباطاً من القيادات العسكرية الروسية العاملة في سوريا، وفريق من وزارة الدفاع السورية، لكنه لم يضم أي ممثلين من الجانب التركي.

وأوضحت المصادر أن الوفد زار نقاطاً عسكرية سبق أن انسحبت منها موسكو خلال المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فيما أرجعت غياب أنقرة إلى رغبة روسية في حصر ملف الجنوب بقنوات التنسيق المباشر بين موسكو ودمشق فقط.

ووفق التقرير، فقد شملت جولة الوفد الروسي والسوري عدداً من المواقع التي نشرت فيها روسيا قوات الشرطة العسكرية في العام 2018، عقب اتفاقات تسوية أُبرمت مع فصائل كانت تابعة لتنظيم “هيئة تحرير الشام”. وكانت نقطة تلول الحمر قرب خط وقف إطلاق النار لعام 1973، والتي تُعد من أكثر النقاط حساسية لمهام الرصد والمراقبة باتجاه الجولان المحتل، من أبرز المواقع التي زارها الوفد.

مركز لوجستي

وأكد التقرير أن القيادة الروسية قررت إعادة نشر قواتها في 9 مواقع ضمن ريفي القنيطرة ودرعا، وهي ذات النقاط التي انسحبت منها بعد سقوط نظام الأسد، مضيفاً أن الوفد أبقى مركزاً لوجستياً دائماً في القنيطرة عقب انتهاء الجولة، مهمته تقييم الاحتياجات الهندسية والتقنية، ورفع تقارير حول متطلبات إعادة تشغيل هذه المواقع، بما يشمل تأهيل البنى التحتية وخطوط الإمداد.

ولفت إلى أن التحرك الروسي يأتي بعد سلسلة خطوات مشتركة بين موسكو ودمشق، منها وصول وفد كبير من وزارة الدفاع الروسية إلى العاصمة قبل أيام، واتصال هاتفي جرى بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى موسكو، في 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ووفق تقديرات الموقع، فإن الجنوب السوري كان محوراً أساسياً في هذه الاتصالات، بينما من المتوقع أن تبدأ الخطوات التنفيذية لإعادة الانتشار خلال الأسابيع المقبلة، مع إعلان متدرج عن إعادة فتح النقاط قبل نهاية العام الجاري.

الدور الإسرائيلي

وأوضح الموقع أن العودة الروسية إلى القنيطرة، تأتي في سياق إعادة ترتيب النفوذ العسكري في سوريا، خصوصاً على الحدود الجنوبية، لمنع أي فراغ قد تستغله أطراف محلية أو إقليمية، وذلك في وقت تسعى فيه موسكو، إلى حماية وجودها الاستراتيجي في سوريا، ولا سيما قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية على الساحل السوري.

وتشير تقارير غربية إلى أن إسرائيل تدفع في اتجاه إبقاء الحضور الروسي داخل سوريا، لاعتبارات تتعلق بموازنة النفوذ التركي، إذ سبق أن كشفت وكالة “رويترز” أن إسرائيل “تضغط على الولايات المتحدة لإبقاء سوريا ضعيفة ولا مركزية، وللسماح لروسيا بالحفاظ على قواعدها هناك”.

والاثنين الماضي، قالت وزارة الدفاع السورية إن وفداً عسكرياً مشتركاً من سوريا وروسيا، أجرى جولة ميدانية شملت عدداً من النقاط والمواقع العسكرية في الجنوب السوري. وأضافت الوزارة أن الجولة تهدف إلى الاطلاع على الواقع الميداني في إطار التعاون القائم بين الجانبين”.

المدن

———————————-

في عهد الحكومة الجديدة… العلاقة الروسية – السورية تحميها المصالح

روسيا تعود إلى سوريا عبر بوابة الجنوب مع إسرائيل

دمشق: سعاد جرَوس

20 نوفمبر 2025 م

شهدت العاصمتان موسكو ودمشق زيارات لوفود عسكرية رفيعة بين البلدين، وبالتزامن مع أنباء عن تعثر المفاوضات السورية – الإسرائيلية بشأن اتفاقية أمنية، قام وفد عسكري روسي بزيارة غير عادية إلى مناطق جنوب سوريا، ما أثار التساؤل حول الدور الممكن لروسيا أن تلعبه في سوريا الجديدة، ومصير قواعدها العسكرية في ظل تعزيز الدعم الأميركي لدمشق.

وتشير التسريبات إلى قرب إعادة روسيا تفعيل نقاط انتشار شرطتها العسكرية جنوب سوريا، لتكون حاجزاً بين القوات الإسرائيلية والسورية، وذلك ضمن توافق دولي وإقليمي.

واجتمع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة مع وفد روسي رفيع المستوى برئاسة نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف، الأحد، وقالت وزارة الدفاع إن الاجتماع بحث «مجالات التعاون العسكري، وتعزيز آليات التنسيق بما يخدم المصالح المشتركة وسبل التنفيذ العملي لمجالات التعاون الثنائي الواعدة بين سوريا وروسيا»، مؤكدة أن هذه «العلاقات بالغة الأهمية، وتشهد تطوراً ملحوظاً».

كما زار الوفد الروسي جنوب سوريا، وجال في مواقع النقاط العسكرية الروسية التي كانت في تلك المناطق قبل الإطاحة بنظام الأسد، وذلك فيما كشف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن مساعي تركيا «لحل الأزمة السورية بطريقة نادرة تاريخياً»، وفق ما نقلته قناة «هابر». وقال فيدان إن بلاده تعمل على «ضمان عدم تهديد إسرائيل لسوريا، مع احترام سيادتها».

الباحث في الشؤون العسكرية السورية، رشيد حوراني، يرى أن إسرائيل «تقف مندهشة أمام الدعم الدولي والإقليمي الواسع للحكومة السورية، لذلك تتجه إلى تكثير عدد الضامنين لتحميلهم مسؤولية أي تجاوز قد تقوم به حكومة دمشق ضدها، وبالتالي تكبيلها من خلال كثرة الضامنين».

وتابع أن روسيا لعبت دوراً مهماً فترة النظام السابق في ضبط التحركات ضد إسرائيل انطلاقاً من جنوب سوريا، وأنشأت العديد من النقاط لمراقبة نشاط الميليشيات الإيرانية، وأبرمت أيضاً، بتوافق ضمني غير معلن مع أميركا، اتفاقية التسوية بين المعارضة والنظام آنذاك. كما عقدت اجتماعاً أمنياً في القدس إلى جانب كل من إسرائيل وأميركا، كان أبرز مخرجاته الاتفاق على ألا تشكل سوريا منطلقاً لتهديد أمن إسرائيل القومي».

وأضاف حوراني أنه «اليوم، ونظراً لقدرة روسيا على التأثير في الجانب الإسرائيلي، فعلى الأرجح أن تركيا لعبت دوراً في الدفع بالعلاقات الروسية مع سوريا لتطمين إسرائيل، في الوقت الذي تكون فيه حاضرة هي أيضاً. مع العلم أن إسرائيل طالبت روسيا منذ أن بدأ الدور التركي بالنمو في سوريا بعد سقوط النظام، أن تعمل على موازنته أو الحد منه، وألا تسمح له بأن يكون مؤثراً في سوريا».

ومن جهة موازنة هذه الصيغة للدور الروسي مع التركي في ظل تعزيز الدعم الأميركي لسوريا بعد انضمامها للتحالف الدولي في مكافحة الإرهاب، قال الباحث حوراني إنه «يمكن التوصل إلى صيغة للوجود العسكري الروسي في حال تعارض مع الدعم الأميركي للدولة السورية»، موضحاً: «على سبيل المثال، كان هناك تنسيق أميركي – روسي خلال وجود النظام السابق بما يخص الطلعات الجوية للطرفين في الأجواء السورية، كما كان هناك تنسيق بينهما فيما يتعلق بأمن إسرائيل وعدم تهديدها انطلاقاً من سوريا».

إلا أن الباحث السياسي عباس شريفة، رأى أن الوجود العسكري الروسي في سوريا ضعيف أساساً، وسيضعف أمام الدعم الأميركي للدولة السورية، «بسبب الضعف الروسي النوعي التكنولوجي العسكري»، وأن الاتفاقيات العسكرية السورية – الروسية يعاد النظر فيها، وقد تتحول القواعد الروسية إلى مراكز للنشاط الإنساني أكثر منها للنشاط العسكري.

ويتفق مع هذا الرأي إلى حد ما الباحث المتخصص بالشؤون الروسية، د. محمود حمزة، الذي يشير إلى طروحات لتحويل قاعدتي حميميم وطرطوس العسكريتين الروسيتين، إلى «قواعد مدنية تحت إشراف سوري – روسي مشترك، تكون مركز دعم إنساني واقتصادي يساهم في إعادة الإعمار».

واعتبر د. حمزة أن هذا الأمر وارد، «إلا إذا جرى الاتفاق مع الجانب الروسي لأداء دور مراقب في جنوب سوريا، يفيد في التعامل مع إسرائيل، أو دور مساعد في مناطق الفرات والجزيرة، لتحجيم قوات (قسد)، بشكل موازٍ للدعم الأميركي».

ورجح حمزة أن تكون تلك المسائل قد جرت مناقشتها خلال تبادل زيارات الوفود العسكرية بين موسكو ودمشق.

ولفت إلى أنه وعلى الرغم من عدم وجود تسريبات عن تلك الاجتماعات، فإن طبيعة الوفود والعدد الكبير للضباط الذي حضر الاجتماعات المشتركة، يشيران إلى أن «نقاشات تفصيلية كثيرة جرت تتعلق بمجالات التعاون التقني العسكري».

وحسب رأي الباحث د. محمود حمزة، فإن روسيا «تريد أن تعيد علاقتها مع سوريا بشكل تدريجي، وهذا يحتاج إلى وقت، خاصة مع وجود ملفات سورية – روسية كثيرة تحتاج لإعادة تدقيق وضبط»، لافتاً إلى غياب الانسجام الاستراتيجي بين روسيا وسوريا، «وإنما هناك حديث عن تبادل مصالح، وبالفعل هناك مصالح مشتركة، لكن العلاقات لن تعود استراتيجية كما كانت».

الشرق الأوسط

————————————

دمشق وموسكو تعيدان رسم المشهد العسكري في الجنوب

دمشق- في الوقت الذي أعلنت فيه هيئة البث الإسرائيلية تجميد المفاوضات الإسرائيلية السورية بشكل كامل بسبب رفض تل أبيب توقيع اتفاق أمني جزئي يتضمن الانسحاب من جنوب سوريا كثفت دمشق وموسكو تعاونهما العسكري بشكل لافت، حيث أجرى وفد مشترك سوري روسي جولة ميدانية واسعة شملت نقاطا ومواقع عسكرية في جنوب سوريا.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية عن اجتماع ضم مسؤولين عسكريين سوريين وروسا في العاصمة دمشق تناول مجالات التعاون العسكري بين دمشق وموسكو، في لقاء هو الثاني من نوعه منذ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا.

بحث آليات التنسيق

وقالت وزارة الدفاع السورية إن الوزير مرهف أبو قصرة استقبل في دمشق وفدا روسيا رفيع المستوى برئاسة يونس بك يفكيروف نائب وزير الدفاع الروسي.

وأضافت الوزارة أن اللقاء “بحث مجالات التعاون العسكري وتعزيز آليات التنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويواكب تطلعات البلدين”.

ويأتي اللقاء بعد نحو 3 أسابيع على زيارة أجراها أبو قصرة إلى موسكو التقى خلالها نظيره الروسي أندريه بيلوسوف، وكان الأول من نوعه بعد الزيارة التي أجراها الرئيس السوري إلى روسيا.

وكشف مصدر عسكري سوري رفيع المستوى عن تفاصيل زيارة الوفد العسكري الروسي الأخيرة إلى سوريا، مؤكدا في حديثه للجزيرة نت أنها جاءت بناء على طلب رسمي من الحكومة السورية الجديدة وشملت مناطق جنوب سوريا.

وأوضح المصدر أن الوفد الروسي ترأسه نائب وزير الدفاع الروسي، وضم خبراء عسكريين متخصصين على مستوى عال، بهدف أساسي هو استعادة جاهزية عدد من منظومات الأسلحة والعتاد الروسي الصنع الذي تعرّض للتخريب المتعمد والعبث خلال الأيام الأولى لسقوط النظام السابق، وكذلك أثناء هجمات فلول النظام على المستودعات والمواقع العسكرية.

وأشار إلى أن الزيارة تضمنت إجراء مسح ميداني شامل لتقييم مستوى التسليح الحالي في الجيش السوري بمختلف تشكيلاته، وهدفت أيضا إلى دراسة الاحتياجات الفعلية من الأسلحة والمعدات الجديدة التي طلبت دمشق توريدها من موسكو، وذلك للتحضير لتحديد دقيق لكميات وأنواع هذه الإمدادات في المستقبل القريب.

وأضاف المصدر أن الوفد الروسي يضم أيضا خبراء في الإنشاءات المدنية والهندسة العسكرية، لتقييم الاحتياجات اللازمة لإعادة تأهيل وتعسكر القطعات والثكنات العسكرية السورية التي تضررت خلال السنوات الماضية والأحداث الأخيرة.

وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أجرى الشرع زيارة على رأس وفد حكومي سوري إلى موسكو التقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أول زيارة يجريها الرئيس السوري إلى روسيا منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

القواعد الروسية

ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن مصادر سورية أن الوفد السوري -الذي وصل إلى روسيا- سعى للحصول على ضمانات من موسكو بعدم تسليح فلول النظام البائد.

وأكد المحلل السياسي رامي الشاعر المقرب من دوائر صنع القرار في روسيا أن التنسيق العسكري بين روسيا وسوريا لن يتوقف أبدا، مشددا في حديثه للجزيرة نت على عمق الثقة المتبادلة بين القيادتين في دمشق وموسكو.

وقال الشاعر إن “القيادة السورية الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تقدّر عاليا الدور الروسي على مدى العقد الأخير في الحفاظ على التهدئة ومنع الصدامات الكبرى، كما تقدّر الدعم الروسي الحاسم الذي ساهم في انتقال السلطة سلميا مع الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها”.

وبيّن أن اللقاءات العسكرية الأخيرة تؤكد اهتمام بوتين والشرع بتطوير العلاقات في كافة المجالات، وأن نقاط المراقبة والدوريات الروسية على خطوط الفصل مع إسرائيل ستستمر بالتنسيق الكامل مع القيادة السورية.

وبشأن الجولان، شدد الشاعر على وجود “ثقة عميقة” في الموقف الروسي المبدئي الداعي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل، مضيفا أن أي استقرار أو تسوية مع إسرائيل مستحيلة دون عودة الجولان وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وأن هذا موقف سوري روسي لا مساومة فيه.

واعتبر أن تجميد إسرائيل المفاوضات “لا قيمة له”، وسوريا لن تتنازل عن شبر واحد، والتنسيق السوري الروسي سيتعزز في ظل التوجه الدولي نحو نظام متعدد المراكز تبرز فيه قوة تجمعات مثل شنغهاي وبريكس.

عودة رمزية

بدوره، كشف الخبير العسكري العقيد مصطفى الفرحات أن أي عودة للقوات الروسية ستكون “رمزية ومحدودة جدا” (عشرات من أفراد الشرطة العسكرية كمراقبين فقط) بهدف ضبط الحدود مع إسرائيل وليس استعادة النفوذ السابق.

وقال الفرحات في حديثه للجزيرة نت إن “روسيا تربطها بسوريا علاقات تاريخية عميقة، وأكثر من 90% من التسليح السوري روسي الأصل، لكن بعد الثورة تغيرت المعادلة، وسوريا الجديدة تسعى لتهدئة الأوضاع مع الجميع باستثناء إيران التي انحسر دورها التخريبي إلى غير رجعة”.

كما أكد أن روسيا ستحتفظ بقاعدتي حميميم وطرطوس لكن وفق شروط جديدة تماما مع إعادة نظر شاملة في الاتفاقيات السابقة الإذعانية، ودمشق لن تسمح بعودة النفوذ الروسي الواسع، لكنها لن تقطع العلاقة كليا لأن موسكو لا تزال تملك تأثيرا أمنيا.

وحذر الفرحات من مليشيات في الجنوب تابعة لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تتلقى دعما إسرائيليا مباشرا، وختم بأن العودة الروسية الرمزية ستساعد في تثبيت الأمن وكبح التجاوزات الإسرائيلية، وأن سوريا الجديدة تتبّع سياسة توازن دقيقة، لكنها تميل بوضوح نحو الغرب وتهدف إلى بناء دولة مستقرة دون الانجرار لأي محور.

المصدر: الجزيرة

————————————-

جزيرة أرواد و”الاحتلال الروسي الناعم” لسوريا: اللغة والصيد بالديناميت!/ بشرى الزعبي

18.11.2025

الصيد بالديناميت هدّد السواحل السورية لسنوات طويلة، بل ساهم في انخفاض أعداد  الأسماك والكائنات البحرية كــ”اللقز البحري”. يخبرنا عاطف الفحل ابن “الريّس” (صيّاد وبحّار من أرواد)، أن الجنود الروس “فرضوا أتاوات تصل إلى مئة دولار للسماح لسكّان الجزيرة بالصيد”، ويضيف: “أحياناً كانو يسرقون ما نصطاده”.

في ربيع عام 2015، بدأت روسيا تدخّلها العسكري المباشر في سوريا تحت عنوان عريض هو “مكافحة الإرهاب”، بهدف “توليد حالة من الرعب والإرهاب في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري، وإنهاء جميع أشكال المعارضة ودفعها إلى التسليم والاستسلام”. عشر سنوات مرت على هذا التاريخ، نراها اليوم عبر تبادل الوفود العسكرية بين موسكو ودمشق، وزيارة الشرع نفسه قبلها إلى العاصمة الروسية للقاء فلاديمير بوتين.

لكنّ روسيا لم تكتفِ بالقواعد العسكريّة للجنود والمدرّعات، ولم يكتفِ الطيران الروسي بفرض سيادته على السماء، بل فتح الطريق أمام “احتلال ناعم” تسلّل ببطء إلى سوريا، تتّضح معالمه في مدينة  اللاذقية وطرطوس، التي تحوي قاعدة بحرية روسية (أو نقطة دعم فنّي)، وجزيرة أرواد، الجزيرة الوحيدة المأهولة في سوريا التي تبعد 3 كيلومترات عن طرطوس.

“رعاية أسدية” للحضور الروسي

بعيداً عن أخبار قصص الحبّ الروسية- السورية في قاعدة حميميم، بدأت وزارة التربية السورية منذ العام 2014، تدريس اللغة الروسية كلغة ثانية إلى جانب الفرنسية والإنكليزية في المدارس السورية بشكل عامّ، وفي المناطق الساحلية تحديداً.

إذ أفاد موجّه اللغة الروسية في محافظة طرطوس كامل الحاج لـ”درج”، بأن “طرطوس كانت من أوائل المحافظات التي تبنّت تعليم اللغة الروسية ولاقت رواجاً لافتاً فيها”.

كما أشارت أرقام وزارة تربية نظام الأسد في عام 2021، إلى أن نحو 31 ألف طالب، في 217 مدرسة موزّعة على 12 محافظة، يدرسون اليوم اللغة الروسية، بإشراف 190 معلّماً، معظمهم تلقّى تدريباً أو بعثة في روسيا نفسها.

اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، أسئلة كثيرة حول التعليم في سوريا ما زالت تثير الجدل، آخرها مثلاً وجود 8 آلاف طالب وطالبة يدرسون اللغة الروسية في محافظة طرطوس حسب كامل الحاج، الذي يخبر “درج” أنه منذ سقوط بشّار الأسد، ليس لديهم “أيّ تعليمات عن مصير اللغة الروسية إلا قرار تقليص عدد الساعات، إذ كان طلاب مرحلة البكالوريا القسم العلمي يتلقّون 4 ساعات أسبوعياً، وبعد تعليمات الوزارة، تقلّصت إلى ساعتين فقط، أما القسم الأدبي، فقلّصت الساعات من 5 إلى 2 أيضاً، ناهيك بقلّة عدد المدرّسين، إذ “هرب” 12 مدرّساً روسياً بعد سقوط النظام”.

لم يكن التغلغل اللغوي معزولاً عن سياق سياسي أوسع، إذ وقّعت روسيا في عام 2017 اتّفاقاً يسمح لها بتوسيع قاعدتها في ميناء طرطوس لمدّة 49 عاماً قابلة للتمديد 25 عاماً إضافياً، وكانت تدرك أن النفوذ العسكري الذي حقّق لها مكاسب جيوسياسية لا يكفي وحده.

“روسنة” سوريا عبر التعليم تكشفه الأرقام والأخبار المتنوّعة، ففي عام 2014 افتُتح قسم الأدب الروسي في جامعة دمشق، وفي عام 2019 افتُتحت مراكز لتعليم اللغة الروسية، وبعد مرور 10 أعوام على تعليم اللغة الروسية في سوريا أي في عام 2014، طُرح كتاب جديد، ووصل عدد الطلاب في المدارس الرسمية، إلى نحو 40 ألف طالب. واللافت أن المنهج الجديد سيدرّس بشكل تجريبي في محافظات دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية والسويداء ودرعا، أي في “سوريا المفيدة!”.

الإقبال على اللغة الروسية تكشفه تفاصيل يحكيها الطلاب في الصفوف، فمع الوقت، تحوّلت هذه “الاختيارية” بين اللغات، إلى خيار وحيد تقريباً. تقول سيرين .م (اسم مستعار)، فتاة عشرينية من سكّان طرطوس: “اخترت اللغة الروسية لأن كلّ زملائي اختاروها، وبقيت وحيدة في صفوف اللغة الفرنسية، فلم يبقَ لي خيار آخر”، في حين ترى هلا.ر (اسم مستعار) التي تعمل معلّمة في مدرسة محمّد علي مصطفى، أن هناك إقبالاً كبيراً على اللغة الروسية كونها “أسهل وتسمح للطلاب بالحصول على درجات أعلى من اللغة الفرنسية”.

تعلّم اللغة الروسية في سوريا، رافقته وعود بتأمين فرص عمل لمُتقنيها، كما كان الحال بالنسبة إلى المعلّمة هلا.ن، التي تُدرّس اللغة الروسية منذ أربع سنوات، وحصلت على شهادتها من جامعة دمشق في عام 2019، وتشير إلى أن هذه اللغة تسمح لها بالحصول على فرصة عمل، وترى أنه بالرغم من عدم تلقّيها أيّ تعليمات حكومية في ما يتعلّق بمصير اللغة الروسية “إلا أن اللغة ستستمرّ بسبب العلاقات الروسية السورية التي تجدّدت، خصوصاً بعد زيارة الشرع موسكو في 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي”.

مستقبل تعليم اللغة الروسية في سوريا بعد سقوط الأسد ما زال غامضاً، لكنّه مثلاً أُلغي في جزيرة أرواد وفي مناطق أخرى، ولكن ليس في كلّ المدارس، لم نستطع  الحصول على إجابة رسمية من وزارة التربية بخصوص مصير اللغة الروسية، على الرغم من اتّصالات عدة ومجموعة من الأسئلة المكتوبة المرسلة إلى المكتب الإعلامي في الوزارة.

جزيرة أرواد بلا روسيا!

يوم سقوط النظام، تراجعت القوّات الروسية إلى قواعدها، يومها شاهد أحمد بصو (47 عاماً)، أحد سكّان جزيرة أرواد، خروج الجنود من الجزيرة. بصو، الذي يعمل مهندس ميكانيك وصيّاد سمك، يشير إلى ما هو أبعد من الأثر الثقافي لـ”التدخّل” الروسي في الجزيرة، الذي يتمثّل بتعليم الأطفال اللغة، إذ يخبرنا أن الروس استخدموا الصيد بالمتفجرات كأداة لـ”محاربتهم بمصدر رزقهم”، الأمر ذاته يشير إليه أحمد فحل (81 عاماً) الملقّب بـ”الريّس” ويعمل صيّاداً وغواصاً.

يقول “الريّس” لـ”درج”: “نهبوا البحر، 5 أو 6 أطنان باليوم من المتفجرات لحد سقوط النظام، وأنت قاعد بالجزيرة بتسمع صوت المتفجرات. لأنو كانوا يفجروا وما حدا يحكي معن. المتفجرات كانت تستخدم من 70 سنة، ولكن بالأزمة زادت. كانوا يستخدموا المتفجرات بمنطقة اسمها المنطار والحميدية”.

نتيجة هذا “الأسلوب” حسب شهادات الصيّادين، لم يعد الصيّادون في الجزيرة قادرين على “العمل” قرب بيوتهم وفي “مياههم”، وأصبحوا مضطرّين لكسب الرزق أن يبحروا مسافات طويلة وبعيدة عن الشاطئ لتأمين قوت عائلاتهم ورزقهم.

يضيف “الريّس”: “هلا بندخل 100 دولار عن طريق 15 كيلو سمك، وفي بالقارب 5 لـ6 صيادين وبندفع 25 دولار لـ20 لتر بنزين القارب، الدخل الضعيف مقارنة بالماضي كتير قليل لأن الدنيا غلا، الانتقال عالصيد ما عاد يكفي!”.

الصورة ( أحمد فحل “الريّس”- تصوير  Héloïse Blondel)

الصيد بالديناميت هدّد السواحل السورية لسنوات طويلة، بل ساهم في انخفاض أعداد  الأسماك والكائنات البحرية كــ”اللقز البحري”. يخبرنا عاطف الفحل ابن “الريّس” (صيّاد وبحّار من أرواد)، أن الجنود الروس “فرضوا أتاوات تصل إلى مئة دولار للسماح لسكّان الجزيرة بالصيد”، ويضيف: “أحياناً كانو يسرقون ما نصطاده”.

ويكمل “الريّس” حديثه: “ممنوع كسح ابني (طلعو معي عالصيد) لانو هن (الروس) اللي كانوا يرموا المتفجرات وممنوعين نحن نروح للأماكن اللي فيها ثروة سمكية. هن اللي اصطادوها بالمتفجرات وهن يجوا يخلصونا السمكات. الروس منعونا من  الجزر اللي اسمها الحباس وأبو علي والمخروط، لأن فيهم الثروة السمكية واللي بدو يروح الأمن يدفعنا مية دولار ولرئيس ميناء أرواد تحديدا. والمتفجرات كانت بشكل لا يوصف”، ويتابع مستحضراً الماضي أن “صيّادي “الزيرة”، كما يطلق عليها سكّانها، كانوا يصطادون ما بين أربعين وخمسين كيلوغراماً يومياً من السمك قبل العام 2011،  لكنّهم اليوم يعودون بعد ثماني ساعات بما لا يتجاوز خمسة عشر كيلوغراماً، يتقاسمونها في ما بينهم.  يتنهد “الريس”ويردف: “من 2010  حتى 2012 كان السمك معبا الدنيا يعني قد هلأ أربع خمس مرات، وبالأول ما كان في جهد، هلأ في جهد، بالأول يغيب الصياد 3 أو 4 ساعات يجيب كمية محترمة، هلأ بيطلع من المسا للصبح وما بجيب ربع الكمية، هلأ بيطلعو قبل المغرب من هون بيرموا صنانريهن، وقبل العشرة الصبح بيرجعوا والكمية قليلة، بالأول كانو يطلعوا السمك بالسحاحير، وهلأ بيطلعوها بكياس النايلون”.

التعليم في سوريا و”الأثر الروسي”

ملفّ التعليم في سوريا واحد من الملفّات الشائكة، يبدأ باختلاف المناهج بين مناطق سيطرة “قسد” والحكومة الجديدة، مروراً بتغيير أسماء المدارس، انتهاءً بالتعديلات على المناهج الدراسية التي أثارت موجة انتقادات كبيرة، لكنّ ملفّ اللغة الروسية في المدارس وما يحمله من إشكاليّات تتعلّق بالتاريخ الوطني والهويّة السورية ما زال غامضاً، ففي العام الدراسي (2025-2026) توجّه حوالى 4 ملايين طالب إلى مقاعد الدراسة،  و”الأثر” الروسي في هذه العمليّة غير واضح، لا على مستوى “السردية الوطنية الجديدة”، ولا على مستوى الأطفال الذين تعلّموا الروسية، هذا الملفّ الشائك إشكالي،  خصوصاً أن  روسيا استخدمت حقّ النقض “الفيتو” 18 عشر مرّة في مجلس الأمن، 4 مرّات قبل التدخّل العسكري في سوريا و14 بعدها، دفاعاً عن النظام السوري.

بعد سقوط النظام، لم يتمّ التعامل مع روسيا كدولة شاركت في قتل السوريين، وقصف مخيّمات ومزارع في إدلب، المحافظة التي كان “يقيم” فيها رئيس المرحلة الانتقالية الحالية أحمد الشرع، الذي زار روسيا وشدّد على العلاقات التاريخية بين البلدين، ونظرية “الدرج” وصعوده للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي “يستضيف” بشّار الأسد كلاجئ إنساني، ولن يسلّمه إلى القضاء السوري أو الدولي.

علاقات روسيا وسوريا قديمة لا يمكن إنكارها، لكن ألا ينبغي أن يكون هناك نوع من الحساب للمتضرّرين والضحايا، على الأقلّ في الأماكن التي قصفتها روسيا؟

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى