تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تحولات الغضب: بحثاً عن تَصوُّر عالمٍ سوري ثلاثي الأبعاد/ فارس البحرة

12-11-2025

        يدور في الأوساط الثقافية السورية حوار، يتسم بدرجات متباينة من البعد والقرب في مواقف أطرافه المختلفة من الحكومة المؤقتة. ففي الحوارات التي يمكن متابعتها على منصات البودكاست، وأصداء هذه الحوارات وبذور إلهامها في المقالات المكتوبة، وبدرجة أقل في منشورات منصات التواصل (حيث المشاتمة ليست استثناء) أصوات حقيقية تتبادل آراء تؤمن بها، أو تعتقد على الأقل بأنها الأقرب إلى الصواب. وحتى إن تردّد حال السوريين في بلدهم والنقاش الدائر بينهم مختلف كثيراً عن الحال الذي قد نتصوره بالاستناد إلى ما يُنشر في شبكة الإنترنت، ولا سيما أن نسبة الناشطين على النت ممّن يُقيمون خارج سوريا لا يُستهان بها، فلا يقتضي ذلك بالضرورة تقليل أهمية ما يُنشر. فمع أن القول اللاتيني القديم: «ما لم يوثّق لا وجود له في العالم» قد يبدو بيروقراطياً صادماً، لكنه يبقى مع ذلك جديراً بالتأمّل.

        إن تغاضينا عن مفردات التخوين والشتائم والإقصاء والتعميم، وضربنا صفحاً عن مهاترات مواقع التواصل، وركّزنا على الحوارات التي يُصغي فيها الطرفان لبعضهما البعض، أو يطمحان لذلك على الأقل، وبشيء من التسامح مع حالات الانزلاق إلى حوار الطرشان، التي يستظهر فيها كل طرف المونولوج المحفوظ من قبله، وتملؤه الغيرة على حجته أن تؤثّر فيها الحجة المقابلة، فإننا بعد كل ذلك نواجه مشهداً تفاعلياً ديناميكياً، وليس مبالغة القول أننا أمام مقدمة حوار مجتمعي حقيقيّ، ربّما يختبره السوريون لأول مرة. إذ يتجادل مع بعضهم البعض حتى أولئك الذين كانوا حتى الأمس يعتقدون أنفسهم منخرطين في جبهة واحدة. قد يؤسَف طبعاً لهذا التحوّل، وقد يُرى فيه من وجهة نظر أخرى جانب صحيّ واعد. 

        تلفت النظر المواجهات بين ممثلي الرأي المعارض بشدة للحكومة المؤقتة، والرأي الأكثر اعتدالاً تجاهها. يدعو الأكثر تطرفاً في معارضة الحكومة إلى مقاطعتها، يعتبرونها إرهابية بالمطلق، فاشية ربما، لا يجوز تصديق أيٍّ ادعاءات لها بغير ذلك، وإسقاطها أولوية. ولولا أن أغلب أصحاب هذه الأصوات من العلمانيين المتشدّدين، لأفتوا بحرمة الاتصال بها. عدا عن موقف تطهّري ساخط وساخر، ولا يخلو من عنصرية أحياناً، هم لا يقدمون بدائل واقعية عمّا يمكن أن يكون عليه سبيل خروج سوريا من ورطتها «الداعشية» المزعومة، بل قد لا يبدو هذا الأمر من أولوياتهم. يستطرد بعضهم في التفلسف بعيداً حول معنى «الواقعية»، وإن كان من وجود فعليّ للواقع خارج النص؟ بينما يكتفي آخرون بإدانة كل ما تقوم به الحكومة أو تصرّح به والتهكّم عليه، وشيطنة من لا يحذو حذوهم. يميلون لمقايسة مواقفهم من الحكومة المؤقتة بالمواقف من نظام الأسد، واعتبار الإشارة إلى تباين الظرفين ضرباً من تهرّب من مواجهات مستحقّة، وأن ليس لمقاطعة النظام السابق دون الحكومة المؤقتة (وهما في زعم أغلبهم متطابقان) سوى الأسباب الطائفية. ويجمع المنضوين في هذه المجموعة الاستناد إلى الغضب، كما لو كان منطلقاً فكرياً يُستعان به في تأديب الجماهير.

        ورغم الانغلاق النخبوي الذي يبدو واعياً ومقصوداً، ربما تكون المجموعة أعلاه أكثر انسجاماً مع نفسها من المجموعة المعارضة الأخرى، التي تشترك معها بالموقف الناقد جذرياً للحكومة المؤقتة والمعادي بالمطلق لها، مع اختلاف في نقطة جوهرية، هي نفي الرغبة في إسقاط هذه الحكومة، أو في الدعوة إلى ذلك. ولكن دون أن نجد في ما يتداولونه من حجج أثراً لطرح إيجابي، يتسق مع هذا التحفّظ، أو يُفسّره. فبمقابل النزعة البنيوية ـ إن جاز لنا التعبير ـ للمجموعة السابقة، نجد أن هذه المجموعة أقرب إلى تداول مفردات الواقع، فهم يذهبون إلى أنه ما من سبب غير الاستبداد، يُفسر لجوء السلطة في المرحلة المؤقتة إلى شخصيات مجرّبة من قبلها، فما من تهديد أمني خارجي ولا داخلي يُذكر، إلا ما تَتَسبَّبُ به الحكومة نفسها بسوء سياساتها. فلا احتمالات انقلابية ولا مخاطر تقسيم أو تفكّك لحمة وطنية لولا هذه السياسات. ينفون أن يكون لهذه الحكومة مشروع وطني فعلي، عدا عن الادعاءات اللفظية. ويرون أن دأبها بث السموم الطائفية، لتغطية فشلها السياسي. حلولها الاقتصادية زائفة أو مخيبة للآمال، وينسحب ذلك على حلولها العسكرية، ومقارباتها لمسألتي السلام والعلاقة مع الكيان الصهيوني. هي في نظرهم ليست أكثر من مشروع دولة استبدادية، يحكمها فرد، وتعمل كسابقتها على مراكمة الثروة والسلطة، في أيدي حفنة من العائلات المنتمية إلى لون طائفيّ بعينه. فلا يبدو مفهوماً لمَ قد يُردف أصحاب هذا الخطاب، بأنهم بعد كل ذلك، لا يريدون لهذه الحكومة المؤقتة أن تسقط، طالما هي بهذا المقدار من السوء؟ وإن لم تكن كذلك، فلمَ لا تجري الإشارة إلى احتمال النجاة النسبي الكامن فيها، الذي يجعل عبور البلد إلى برّ الأمان أكثر ترجيحاً في بقائها؟ لمَ لا يهتمون أن يكونوا مفهومين؟ ربما يكون الجواب على هذه الأسئلة، كما على غيرها: الغضب، الغضب حجةً، والغضب قبالة المطالبة بالحجة.

        في المنقلب الآخر نجد مجموعة متوافقة مع جميع مواقف الحكومة المؤقتة، تُبرّر كل تصرفاتها كونها ببساطة صادرة عنها، وتكاد تنفي عنها الخطأ حتى عندما يعترف به رجالها. هذه المجموعة لا تدخل في قراءتنا هنا، كونها بلا رأي تقريباً. فانصهارُها في السلطة يجعلها بلا مسافة تمايز عنها، ومُمثلو هذه المجموعة أقرب إلى الناطقين الإعلاميين والمروجين للسياسة الحكومية، ما يُخفض من القيمة الحوارية لآرائهم.

        أمّا المجموعة الأخيرة فهي الأقل صخباً والأكثر واقعية، تُحافظ على مسافة نقدية من السلطة تسمح لها بإدانة المجازر والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها، كما بالشفافية والمشاركة في مشروع بناء الدولة. لكنها تحاول في الوقت نفسه تجاوز الانفعالات الحادة، وتشييد مبنى فكري غير منفصل عن الواقع، وتمتين أرض الحوار، وبناء جسور بين الأطراف المختلفة، وتقريب وجهات النظر. ما زالت هذه المجموعة في طور التكون البطيء، نظراً لطبيعة طروحها المركّبة، والقائمة على تجاوز الأفكار المُسبقة والوصفات الجاهزة، التي ينطلق منها كل من المعارضين الجذرِيين، والموالين المتطابقين مع الحكومة. ونظراً لتعرّضها كذلك لغير قليل من الهجوم والسخط والاتهام بالتطبيل والتكويع والخيانة والطائفية، مما يجعل الكثيرين يترددون قبل الإعلان عن قربهم منها، أو يفضلون التكتم عن ذلك حتى. إذ تمثّل هذه المجموعة شَقّاً في وحدة الصفّ المعارض، بل والموالي أيضاً. لكن العنف الأكبر توجهه إليها الفئات المعارضة جذرياً للحكومة الحالية، كونها كثيراً ما تتقاطع معها في الانحدار من الأوساط المعارضة للنظام السابق، وكون النزعة الوسطية تشكّل خرقاً للحالة القطبية، فتَضع المعارضين الجذريِّين بمواجهة الاستحقاق بتفسير مواقفهم، وطرحِ حجج وبدائلَ واقعية، مما من شأنه أن يُهّدد مصداقية الغضب، ناهيك عن الشتائم والتنمّر والتهكّم والتعالي، بوصفها مرجعيات قائمة بذاتها لا تحتاج لتفسيرات إضافية. حتى الآن يتسبب ميلُ هذه المجموعة نحو تفكيك الارتياب المتبادل وبناء الثقة، إلى عكس المرجوّ منه في الأوساط المُثقفة على الأقل، وإلى إثارة الكثير من الغضب والارتياب النخبويَّين. ربما من الأفضل لها ألا تستنفدَ قواها في هذه القطاعات، وتهتمّ أكثر بمدّ جسور تجاه فئات أوسع من الناس.

        وتطرح هذه المرحلة مفاهيم مستجدّة في العلاقة بين النخب وعموم الناس، كانت قد هجعت في السنوات السابقة لسقوط النظام. فعلى سبيل المثال نجد تحالفاتٍ وتفاهماتٍ بين مجموعات، توجّهُ إلى الحكومة المؤقتة تهمة سرقة الثورة، وتوجّه إلى الداعين إلى الاعتدال بالعلاقة معها تهمة هدر دم الشهداء، وبين مجموعات أخرى لا ترى في الداعين إلى بناء الجسور مع السلطة، سوى عيّنة من صهارة غير متمايزة، من «الجموع» المفتونة بالشعارات الشعبوية، ومروّجي النزعة الأموية، ومنكري المجازر، أو الداعين إليها، أو المرتاحين لوقوعها. وكثيراً ما تتّصل هذه الرؤية مع نزعة تطعن بالتجربة الثورية، وتدعو إلى مراجعتها، بوصفها ليست أكثر من فورة بدافع طائفي معادٍ للأقليات. حتى أننا قد نجد عند شخص واحد موقفاً مزدوجاً في الوقت نفسه: الاتهام بسرقة الثورة (الشعبية) والتفريط بتضحياتها من جهة، مع اختزال الشعب بكونه غوغاء شعبوية بدوافع طائفية من الجهة الأخرى! 

        تحتاج ولادة الصوت الثالث إلى كثير من الصبر والأناة والمراجعات، إضافة إلى الإيمان بهذه الرسالة، والقدرة على تصوّر عالم ثلاثي الأبعاد، يتّسع لتبادل الرأي، وتتجسّد فيه الأفكار، دون أن تختزل في «نحن وهم»، «الكل أو لا شيء». وفي المقابل نجد نزعة نكوصية قوية، تحاول حصر الحوار في عالم ثنائي نقيّ، لا يعترف بالحلول الهجينة. من اللافت أن جزءاً مهماً ومرتفع الصوت من المصطفين ضد هذه الولادة دعاة ديمقراطية، لكنهم لا يتعاملون معها بوصفها وسيلة لتداول الآراء والسلطات، بل وثناً معبوداً، ينبغي على الجميع أن يتخلوا عن تنوعهم واختلافهم ليدينوا به.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى