ثماني كيلومترات في حلب: تأمل بين المكتبات حول التصميم الحَضَري/ رافاييل لايساندر

14-11-2025
حملت خطة جودي، حال عودتها إلى حلب، علامات حماقة جميلة: أن تزور أربع مكتبات على قدميها عبر مسافة 8 كم، وساعتين من المشي وفق تقدير خرائط غوغل.
قضت جودي حياتها العملية في رسم مدن لم تكن موجودة بعد، تستحضرها من الفراغ الأبيض لأوراق الرسم والضوء المزرق لشاشات الكمبيوتر. ارتفعت المباني بأمرها، وانحنت المعادن بخيالها. لكن شيئاً ما قد ساء في عملية الانتقال بين الرسم والواقع. بدت المباني التي ساهمت في إنشائها رائعة من بعد: هندسة أنيقة، وتدفقات فعّالة، ومساحات صُوّرت بشكل جميل للمجلات التي احتفت بأعمالها. أمّا من مستوى الشارع، فكانت تبدو وكأنها عِقاب. بدأت تشك في أن مهنتها علّمتها كل شيء عن الفضاء ولا شيء عن المكان، كل شيء عن الحركة ولا شيء عن السكون.
لكن الطريق أمامها اليوم سيأخذها عبر قواعد المدن العميقة، عبر السؤال الذي يُطارد كل مُتجوّل في المدينة: ما الذي يجعل شارعاً مثل تقسيم في إسطنبول مكاناً نتوق لزيارته مجدداً، بينما تُشعر طرق دبي السريعة بين المولات الفارهة بانقباض مساحات إدوارد هوبر؟ هل تُمثل هندسة سنغافورة والخليج اللامعة طموحنا حقاً، أم تحذيراً مُزيّناً بزيّ التقدم؟
ترتدي جودي، في يوم حزيران (يونيو) ملتهب، ملابس مناسبة أكثر لمؤتمر عن ميتافيزيقا الفضاء منها إلى رحلة حج حضرية، وتحمل أغراضها الكثيرة في حقيبة ظهر، وتنتعل حذاء أوكسفورد مخصص للقاعات المفروشة بالسجاد بدلاً من المهمة قُبالتها. مع ذلك، كانت متحمسة للمشي.
حلب القديمة
تشعر جودي بالضآلة لوقوفها عند قاعدة القلعة المهولة، وبالضخامة لأنها بمجرد إشرافها من أسوار القلعة، تمتد المدينة بأكملها في الأسفل كلوحة دوائر كهربائية معقدة بشكل لا يُصدق.
بدأت المدينة، كمعظم المستوطنات القديمة، بطموحات عقلانية لمخططي المدن الهلنستيين الذين وضعوا شبكتهم الأنيقة: 550 متراً من الشمال إلى الجنوب، و870 متراً من الشرق إلى الغرب، بكل الثقة الهندسية التي آمن بها أولئك الذين اعتقدوا أنه يمكن حل المدن بالعقل المحض كنظريات رياضية. ولكن بعد ذلك، حدث شيء جميل: الزمن. ذلك النوع من الزمن العضوي الذي يسمح للمكان بالتعرف على نفسه، واكتشاف ما يناسب سكانه، عبر قرون من الاستخدام اليومي. ما تعلمته المدينة، شارعاً تلو الآخر، وعقداً تلو الآخر، هو أن هذا الشارع الواسع والعقلاني، ذلك الحلم الحداثي بحرية الحركة ووضوح الرؤية، يُفضي في الواقع إلى نمط حياةٍ مُوحش. وهكذا بدأت المدينة بتقسيم نفسها. حدث نوع من التطور الحضري؛ إدراك تدريجي بأن البشر، على عكس مبادئ التخطيط المُجردة، يُفضلون أن تبدو مدنهم أشبه بغرف معيشة منها إلى ممرات طرق سريعة.
أول ما يلفت انتباه جودي عند نزولها إلى أزقة المدينة القديمة، ليس التاريخ أو العمارة ولا حتى ما تُشدد عليه كُتيبات أدلة السفر، وإنما درجة الحرارة. ففي لحظة، تضربها شمس سورية حارقة تُحوّل فروة الرأس إلى فرن تنور، وفي اللحظة التالية تجد نفسها تسير عبر ما يُشبه نظام تكييف هواء من العصور الوسطى، يعمل بكفاءة تفوق كل ما يتعلق بالمبردات وفواتير الكهرباء الشهرية.
«يشبه الأمر دخول كهف»، تقول جودي، وهي تخلع نظارتها الشمسية وتدخل أول ممر ضيق، حيث تتقارب المباني لدرجة أنك تكاد تصافح شخصاً يشرب القهوة على شباك المبنى المقابل. «إلا أن الكهوف لا تضم هذا العدد الكبير من بائعي التحف». يبلغ عرض الزقاق حوالي 4 أمتار في أوسع نقطة، بجدران ترتفع طابقين أو ثلاثة على كلا الجانبين مُشكّلةً ما يُطلق عليه المهندسون المعماريون «تأثير الوادي» وما يُطلق عليه الناس العاديون «راحةً مباركةً من الشمس». تبدو كتل الحجر الجيري، التي صقلتها القرون حتى غدت ملساء، وكأنها تُنفث برودةً كنوعٍ من مُكيفات الهواء الجيولوجية التي تعمل بالفيزياء بدلاً من الكهرباء.
لم يبنِ الحلبيون القدامى هذه الأزقة ضيقةً لمجرد أنها غير مكلفة أو لضيق المساحة. بل بنوها ضيقةً لأنهم أدركوا مبدأً في الديناميكا الحرارية غاب عنّا في اندفاعنا لبناء مدنٍ تبدو رائعةً في الصور الجوية. ما يعنيه، وما يتضح بعد خمس دقائق من التجوال في هذه الأزقة، أن المدينة القديمة تعمل وفق منطق بيئي وكأنه نظام تبريد ضخم موزع، ينجح بطريقة ما في خفض درجة الحرارة ما يقارب عشر درجات مئوية دون حرق قطرة وقود أحفوري واحدة.
دخول سوق المدينة يشبه عبور بوابة إلى عالمٍ يحكمه منطق معماري خاص به. تمر تحت أقواس ضخمة مرصعة بالحديد، ونقوش لأسماء لا نعرفها إلا من كتب السير، وأقبية حجرية يقف أصحابها كحراس في محاريب مربعة منحوتة من الجدران. هنا تتحول التجارة إلى مسرح، حيث يجلس التاجر متربعاً بين بضاعته بينما يتفاوض الزبائن من الممر الضيق في الخارج، والمعاملة برمتها تشبه محادثة بين مُعترفٍ وتائب.
تمر جودي في هذه المتاهة التجارية بالجوامع والتكيات، وتلحظ اشتراك الدكاكين مع المنازل بجدار خلفي خرقه البعض لسرعة التنقل. ويحترق قلبها على مصير الخانات، تلك المباني المهيبة التي كانت تؤوي التجار من جميع أنحاء العالم. يُظهر خان الوزير، الذي بُني عام 1 1682، بوابته الجميلة المُتعاقبة بين الحجر الأسود والأبيض، وألواحه المنحوتة، في إيحاء بأن التجارة جديرة بالفخامة المعمارية.
شعرت جودي، وهي تخرج من حضن المدينة القديمة العتيق والبارد وتصل عبر طرق فرعية إلى ساعة باب الفرج، بالانتقال العنيف إلى منطقة الأعمال المركزية، كنوع من صدمة مكانية. صدمها الهواء بقوة الصيف السوري الكاملة والخالصة، صدمة حرارية جعلت حذاء أكسفورد، الذي كان مصدر إزعاج هادئ حتى وقت قريب، يشعرها الآن وكأنها رُفعت فلقة.
العَبّارة
بحلول الوقت الذي وصلت فيه جودي إلى مكتبة الزهراء في العَبّارة كانت قد بدأت بالفعل بتطوير ما أسمته «فن المناورة». وتعني أن المشاة في حلب، والذين اعتادوا في السنوات الأخيرة على المشي بدلاً من المواصلات المكلفة والمزدحمة والرديئة، لا يمشون بقدر ما كانوا يتجنبون باستمرار. يناورون الحفر، يتجنبون المهملات أو حاويات القمامة التي تقطع الرصيف فجأة، يتجنبون المتحرشين، يناورون الدراجات النارية التي تقفز على الأرصفة كسمكةٍ تقفز على اليابسة، يتجنبون السيارات المركونة على الأرصفة، يتجنبون الزمن نفسه – الزمن على شكل هواءٍ مُكثّفٍ بالهموم اليومية والإسفلت البيروقراطي الذي يفكر فقط بالسيارات.
التفكير في المدن هو التفكير في السلطة: من يتحرك، وكيف يتحرك؟ وما الذي يدّعي الأسبقية في تصميم الفضاء الحضري؟ لعقود، خضعنا لطغيان احتلال السيارات الشمولي لشوارعنا. تسيطر السيارة في معظم المدن على الطريق وعلى التصور لما يمكن أن تكون عليه الشوارع. ونظّمنا حياتنا الجماعية حول حركة الصناديق المعدنية، تاركين الأجساد البشرية محصورة في أرصفة ضيقة، وطيف الوجود الاجتماعي بأكمله مُقيد في الهوامش بعد استيفاء مطالبات السيارة الإمبريالية.
ولكن هنا، في العبّارة، حدث شيءٌ ملهم وغير متوقع.
بدلاً من توسعة الشارع، أي بدلاً من فتحه كجرح ليسمح بتدفق السيارات، خاطوه. مُنعت السيارات من الدخول إلى تقاطع العبارة، وظهرت المقاعد بدلاً عنها. وزُرعت أشياء خضراء للجلوس بجانبها. وعاد الحمالون وأصحاب عربات الجر للظهور. وأمكن للمشاة التلكؤ والتفرج بهدوء من دون الخوف من سيارة تصيبهم. هذا التلكؤ ليس مجرد ترف في المصطلحات الحضرية، بل ميتافيزيقيا. لأن التلكؤ يعني الاعتراف بأن الشارع ليس فقط للعبور، بل موقع ذو معنى محتمل.
سارت جودي هنا بشكل مختلف. خطواتها أخف وأقل تعجلاً.
يُمثل رد برشلونة المعروف بـ «الكتل السكنية الكبرى» أو «superilles» شيئاً مشابهاً للعَبارة ولكن أكثر طموحاً. يعمل هذا المفهوم، الذي طوره سلفادور رويدا من خلال بساطة أنيقة: إغلاق تسع مربعات سكنية أمام حركة السيارات، وحصرها بمحيط الكتلة السكنية. والهدف هو الاعتراف بأن المشاة ليسوا بقايا ما قبل التاريخ تُنتزع من الأسفلت، بل هم أبطال الحكاية المدنية، ومن يستحق التخطيط.
قد يرفض النقاد هذا باعتباره رومانسية أوروبية، لا تنطبق على موارد الواقع السوري المحدودة. إلا أن برشلونة خصصت لخطة عام 2014 مبلغ 20 مليون يورو للمرحلة الأولى من التنفيذ، وهو مبلغ زهيد لاستعادة الشوارع من سيطرة السيارات. لا يتطلب النموذج استثماراً ضخماً في البنية التحتية، ولا هدماً، ولا عقود بناء. إذ يعمل من خلال قيود استراتيجية بدلاً من إضافات مُكلفة. تَعِد خطة برشلونة بتغيير جذري: إلغاء ركن السيارات على الأرصفة، وخفض السرعة إلى 10 كيلومترات في الساعة، وتحويل الشوارع الداخلية إلى أماكن «للألعاب والرياضة والأنشطة الثقافية، مثل السينما في الهواء الطلق» 2 .
تُشير عبارة سينما في الشوارع العَبّارة بحد ذاتها إلى ضخامة طموح برشلونة في إدارة حركة المرور بكفاءة أكبر، وفي تصور الشوارع كمسارات للثقافة الإنسانية بدلاً من تدفق السيارات.
تعثر جودي في المكتبة على لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر للحلبي ميخائيل الصقال، وتقرأ قوله قبل قرنٍ وربع: «أما طرقكم القديمة المبلطة التي تعثرون فيها لضيقها فهي خير لكم من طرقكم العريضة الحديثة غير المبلطة التي نحسبها مفاوز يثور غبارها عليكم وأنتم تتنزهون. فتعودون إلى أماكنكم وقد امتلأت منه أجوافكم فتعرضون عن الطعام ولا تقبلون».
ساحة سعدالله الجابري
عادت جودي إلى حلب منذ ثمانٍ وأربعين ساعة فقط. لقد أمضت خمس سنوات في دبي وأربعاً في تورنتو – تسع سنوات من الطرق السريعة الشاسعة ومراكز التسوق المكيفة والأبراج المتناثرة – مدينتان مبهرتان باتساعها، لكن المشي فيهما يشعر بانقباض التيه في الصحراء.
يكشف تشريح أي مساحة حضرية آسرة عن خصائص مشتركة، تُشكّل مبادئ توجيهية لمهندسي تجربتنا الجماعية. وأهمها الاحتواء الذي يتطلب تخيّل الشوارع والساحات كـ«غرف عامة». والغرفة، بحكم تعريفها، تتطلب جدراناً. ويُشير أحد المقاييس الشائعة إلى أن نسبة عرض الشارع إلى ارتفاع المبنى يجب ألا تزيد عن 3 إلى 1 للطرق الرئيسية، و6 إلى 1 للساحات. غالباً ما تتوافق الشوارع في البندقية وأمستردام وحتى ساحة الحطب القريبة مع هذا النظام الهادئ؛ بينما لا تتوافق نظيراتها المهجورة في تكساس وكاليفورنيا مع ذلك بوضوح.
الشعور بالاحتواء داخل «غرفة عامة» مميزة أمرٌ أساسي لتحديد الطابع الفريد للمنطقة، وتمييزها عن الامتداد العمراني غير المتبلور. فحيثما يحجب العرض الجدران المعمارية، يجب أن تتدخل الطبيعة عبر صفوف من أشجارٍ تُشكّل أغصانها سقفاً حياً، مُحوّلةً شوارع مثل ممشى الفلاسفة في كايوتو إلى سلسلة من الغرف الحميمة والجذابة. أو الإبداع البشري، كما نرى في ساحة السوق في زغرب، حيث تتداخل مجموعة من المظلات المتطابقة لتُشكّل سقفاً مؤقتاً نابضاً بالحياة. في المقابل، تُذيب السهول الشاسعة للمولات بمواقف سياراتها كل الحدود. هنا، لا بداية ولا نهاية واضحة للمكان؛ بحر متواصل من الأسفلت والرداءة. مركز تجاري لا يمكن تمييزه عن آخر، تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، ومع ذلك يتطابقان في انعدامهما العميق للمكان. إن مجرد الوقوف في موقف سيارات كهذا هو مواجهة فراغ وجودي، مشهد بلا حياة بفعل طغيان السيارة. سجن بصري لا يعرض سوى بقايا الإهمال.
تحاول جودي عبور الطريق على طرفي الساحة، لكن لا يبدو أن السيارات تود إعطاءها دوراً. فتهرول بينها بطريقة خطرة وتكاد تختنق برائحة العوادم.
تُفكر في نموذج خليجي آخر مخالف للنموذج «الأميركي» الشائع، مثل منطقة مشيرب في قطر، ومدينة السلطان هيثم في عُمان، واللتين تَعِدان بنظام تكنولوجي ضخم يزيد من جودة الهواء ويضبط حركة المرور، ولكنه أيضاً يستفيد من التصميم المعماري لخلق مساحات ظليلة تستثمر الأشجار وتوزيع المباني وطرق المشاة لخلق تفاعل اجتماعي دون الحاجة لمصادر مضرة بالبيئة.
الجميلية
صار الألم في قدمَيْ جودي لا يُحتمل، لذلك دخلت أول محل أحذية رأته واشترت حذاءً رياضياً مريحاً، ثم أكملت نحو مكتبة أهل الفكر، التي لا تتذكرها كمبنى فحسب، بل كمفهوم – في مكان ما خلف عربة الإكسبرس، بجانب الرجل الذي لطالما صرخ يبيع الجوارب، في مكان ما قُرب الرصيف المختفي.
هذا الجزء الأخير ليس استعارة. لا تختفي الأرصفة في الجميلية بشكل دراماتيكي، ولا دفعة واحدة كحافة جرف أو حفرة في منطقة حرب، بل بالتراكم: بسطات تنبت كأشنات عنيدة، وسلال عرض تخترق مساحة المشاة، وعربات خضار تتفشى فوق ما كان (ويجب أن يكون) ملكاً عاماً، رويداً رويداً تُدرك أنك غادرت الرصيف، وتجد نفسك تمشي في الشارع بجوار السيارات.
لا يقتصر التصميم الحضري الجيد على مكان حركة الجسم فحسب، بل على الشعور به أثناء الحركة. إنه الفرق بين مدينةٍ تمر بها ومدينةٍ تُقرّ بمرورك. الرصيف الجيد يقول: «أنت تنتمي إلى هنا». والرصيف المسروق يقول: «تدبّر أمرك».
وفي الجميلية، يكتفي المشاة بنوعٍ من التفاوض المُستمر: يتجنّبون سراويل الجينز المُعلّقة، ويمرّون بصعوبةٍ بين صناديق البصل، ويتجنبون أكبال الكهرباء وأحضان الباعة. العمارة هنا ليست مبانٍ، بل هي أذرع الناس.
وصف منظرو الحضر (جان جيل، ويليام هـ. وايت، جين جاكوبس، وآخرون) 3 هذه الظاهرة الحضرية بوضوح: لا يبدأ موت الحياة العامة بالعنف، بل برصيف رديء. حيث يكون السطح متشققاً، والواجهات عمياء، وحيث لا شيء يدعو للتوقف أو التحديق أو الوقوف أو الكلام، لا يُصبح المارة مواطنين بل هاربين.
وهذه، بالطبع، مأساة الجميلية الحقيقية. ليست الفوضى العارمة. وإنما فقدان السكون. لا مكان للإبطاء، والتفرج، والتفكير، والثرثرة. الأنشطة الاختيارية التي تجعل المدن مدناً – الجلوس، والتنزه، والدردشة، والمشاهدة، والتواجد في الأماكن العامة دون غرض تجاري – حُظرت بصمت، لا بفعل مرسوم، وإنما بسبب فشل في التصميم.
تُفكر جودي في أروقة بولونيا. في مقاهي فيينا. في درج إسطنبول الأوروبية. أماكن تتناغم فيها العمارة مع المشي. المشي هو أن تكون جزءاً من شيءٍ ما. هنا، على النقيض من ذلك، يبدو المشي فعل مقاومة.
تصل إلى المكتبة. لا تزال مكتبة، لكنها أيضاً مخزن، مكان للاستراحة، ذكرى ملفوفة بالبلاستيك. تنزل الدرج متجنبة دلواً من ماء المنظفات.
الجامعة والفرقان
تتجه جودي نحو شارع الرازي، الذي كان يوماً ما – هو وشارع فيصل – طريقاً ذا اتجاهين بمنصف عريض تملؤه الأشجار. وتصل مكتبة سعيد، بعد صعود منهك وعدة محاولات خطرة لقطع الشوارع. كانت المحافظة في يوم من الأيام مكاناً للفخر- حيث المنازل واسعة وهادئة، والأمسيات رائقة وطويلة. ذلك النوع من الأماكن حيث النوافذ مزينة بالدانتيل وللناس جيران.
تتطلب الحياة الحضرية، كما اتضح، أكثر من الحجر والمكانة الاجتماعية. لا يدعو الشارع إلى أي من الأشياء التي تجعل الشوارع مهمة. لا نشاط اختياري. لا سبب للتوقف. إنه مكان للعبور- بسرعة، بقلق، وبلا هوية – كغرفة انتظار لا تريد أن تعلق فيها.
تطلبُ من صاحبة المكتبة استخدام الحمام لأنها لم تجد أي حمامات عمومية أثناء مسيرها، في تناقض مؤلم مع مشروع حمامات طوكيو كما شاهدته في فيلم أيام مثالية مؤخراً.
تشعر بالأسى على انطفاء بريق المكتبة في عتمة انقطاع الكهرباء. تغادر. في طريقها للخروج، تُصدر سيارة صوت بوقها بعنف بالقرب منها، وليس نحوها، وهو أسوأ. يُذكرها هذا بأن مشيها غير مسموح به هنا. غير متوقع. إنه، بمفهوم مدني غريب، غير قانوني.
من المحافظة، تشق جودي طريقها حول سور الحرم الجامعي الطويل، حيث يتدفق منها الطلاب في موجات، كلٌّ منهم يحمل حقائبه وهواتفه وديوناً مستقبلية، ثم تدخل حي الفرقان. من هنا تبدأ أحياء حلب «الحديثة».
عند تأسيس الجامعة لم يحط بها أي مراكز خدمات أو مطاعم لخدمة السكن الجامعي، وطلبة الكليات. وصُمم حي الفرقان المجاور خصيصاً للحياة السكنية الهادئة.
إلا أن أصحاب العقارات وجدوا فرصة تجارية لم يفكر بها مصممو المدينة، فبُنيت الدكاكين على المساحات الفاصلة بين المباني للتهوية. وبُترت الحدائق واستُبدلت بواجهات زجاجية. وما بدأ بمتجر قرطاسية ومكتبة للجامعيين تحول إلى بنوك، ومحلات ملابس، وسوبر ماركت، ومتجر للسجائر، ومحل لبيع فساتين الزفاف.
بدأ الحي بهذا التحول نتيجة الحاجة «للتكامل»؛ حاجة الناس، وطلاب الجامعة، لخدمة احتياجاتهم دون الحاجة لهدر ساعة في المواصلات، وذات الأمر حصل في حي الموكامبو أيضاً.
لكن جودي تشعر أنه ليس تكاملاً، وإنما غزو. غزو رأس المال لتعظيم الإيجار في كل شقٍّ مُتاح. ما كان من المفترض أن يكون حياً سكنياً راقياً، صار ممراً مُربحاً.
ولأن هذا «التكامل» حصل غصباً لا تصميماً، فإن النشاط موجود – الحياة، التدفق، التنوع – لكن الشكل مفقود. والشكل، في المصطلحات الحضرية، هو القدر. بدونه – بدون إيقاع، وتفاعل، وتوقف – تصبح الحركة معاملاتية، لا اجتماعية. يمر الناس، لكنهم لا يلتقون. يتسوقون، لكنهم لا يتحدثون. يمشون، لكنهم لا يُبصرون.
لا يوجد هنا هيكل حضري يستوعب ثقل التفاعل البشري العفوي. لا ظلّ لأخذ نفس تحته. لا مقاعد للانتظار. لا واجهات تقول: اقتربوا. تنظر جودي إلى المباني. كل «الأبجورات» مغلقة. تبدو المباني وكأنها تلقت تعليمات بعدم الاختلاط بالمشاة. ويتحرك المشاة كالسيل كما لو أنهم فهموا الرسالة.
يمكن أن نجد عبقرية التكامل بالعودة إلى حلب القديمة. اندمجت الأسواق مباشرةً في النسيج السكني والديني للمدينة. لم يكن من الممكن فصل التجارة عن المجتمع، ولا استخلاص النشاط الاقتصادي من شبكة العلاقات الأوسع التي تُمكّن المدينة من العمل. يقع المسجد الجامع الكبير في قلب السوق، وكذلك المكتبات والمدارس والتكيات. بتصميم مُقدر له – أو بالأحرى، بتصميم عضوي ينشأ عندما تُتاح للمدينة فرصة اكتشاف ما يُجدي نفعاً عبر قرون من الاستخدام اليومي.
وما نجح هو ذلك النوع من الكثافة الغنية الدقيقة التي تنبع من اختلاط أنواع مختلفة من الناس الذين يقومون بأنشطة مُختلفة على مقربة من بعضهم البعض. ضمّت الأسواق 56 سوقاً مُتخصصاً، يُركّز كل منها على حرف مُحدّدة – توابل هنا، منسوجات هناك، أعمال معدنية في حيّ آخر، لكن جميعها مُرتبطة بتدفق مُستمرّ لحركة المشاة، مما جعل النظام بأكمله ينبض بالحياة. هذا ما نسيه المخططون المعاصرون إلى حد كبير، بقوانينهم الخاصة بتقسيم المناطق ودراساتهم لتدفقات المرور: أن أكثر المساحات الحضرية حيوية هي التي تدعم فيها الأنشطة المختلفة بعضها بعضاً وتحفز بعضها البعض. في الأسواق القديمة، قد تبدأ بالبحث عن كف مريم وتنتهي في محادثة سياسية مع تاجر قماش.
تصل إلى محطتها الأخيرة؛ مكتبة المنار للكتب الإنكليزية، محصورة بشكل غريب بين سوبر ماركت ومحل مفروشات. تدخلها بدافع الولاء. وربما الحزن. الكتب بداخلها قليلة لشح الطلب، وهنالك تخفيضات على كتب العمارة وتاريخ حلب. تُجري محادثة مع البائعة الودودة دوماً. ثم تغادر.
في الخارج، تهدر دراجة نارية لتوصيل الطلبات. ينتهي الرصيف بسلسلة معدنية لحجز موقف. السماء بيضاء من شدة الحرارة. تُعدّل حزام حقيبتها، وتبدأ بالسير مجدداً؛ لا للأمام وإنما للداخل، نحو الأفكار التي يسمح بها المشي، والتي تحاول مدن كهذه جاهدةً كبتّها.
استغرقت رحلتها خمس ساعات بدلاً من ساعتين، وحذائين، ولترين من الماء، وإدراكاً لحماقة قضاء العمر في تصميم المدن دون المرور بها حقاً، وبناء المدن من أجل الصور بدلاً من معجزة الحركة البشرية اليومية.
****
أُنتِجت هذه المادة ضمن «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية».
الأكاديمية برنامج دراسي مكثف مدّته عام، يُشجّع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة، وتشرف عليه «فبراير» – شبكة المؤسسات الإعلامية العربية المستقلة.
يتضمّن البرنامج محاضرات في الكتابة الإبداعية والأدب والتاريخ والسياسة والعلوم النسوية والأنثروبولوجيا والثقافة البصرية والسمعية والنقد الفني وقواعد الصحافة، والصحافة الاستقصائية وصحافية البيانات، بالإضافة إلى فترة تدريب في مؤسسات صحافية.
1.[1] Mansel, P. (2016). Aleppo: The Rise and Fall of Syria’s Great Merchant City. I.B.Tauris & Co. Ltd.
2.[2] https://citiesofthefuture.eu/superblocks-barcelona-answer-to-car-centric-city/
3.[3] Jacobs, J. (1961). The death and life of great American cities. Random House. Gehl, J. (2011). Life between buildings: Using public space. Island Press
موقع الجمهورية



