زيارة أحمد الشرع لواشنطن الناجحة -مقالات، تحليلات وتقارير- عن هذه الزيارة التاريخية تحديث 24 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق ورفعها
————————————
تحديث 24 تشرين الثاني 2025
—————————
تقرير: انضمام سوريا إلى التحالف ضد “داعش”.. آفاق واسعة ومخاطر عميقة
24 نوفمبر 2025
تمثّل تحركات واشنطن الأخيرة تجاه دمشق نقطة تحول مفصلية في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، إذ يرى “المجلس الأطلسي” أن مجموعة القرارات المتتابعة من إعادة الانخراط الدبلوماسي، وتخفيف القيود الاقتصادية، إلى دمج سوريا في جهود مكافحة الإرهاب، تعكس مقاربة أميركية جديدة تهدف إلى إعادة بناء شراكة استراتيجية مع الدولة السورية، وتعزيز استقرارها ودورها الإقليمي.
يشير “المجلس الأطلسي” في مقدمة تقريره إلى أنه في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، قام الرئيس أحمد الشرع بزيارة تاريخية إلى واشنطن، ليصبح أول زعيم سوري يلتقي رئيسًا أميركيًا في البيت الأبيض منذ استقلال البلاد قبل نحو ثمانية عقود. واعتبر المجلس أن الزيارة مثّلت أبرز قرارات السياسة العديدة التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الشهر لتعزيز التزام واشنطن بدعم الشرع في مساعيه لإعادة تأهيل سوريا وإعادة بنائها.
ولفت “المجلس الأطلسي” إلى أن هذه القرارات الرئيسية شملت شطب الشرع من قائمة الإرهاب العالمي، وتجديد تعليق عقوبات “قانون قيصر” للمساعدة في تحفيز الاستثمارات، والسماح لسوريا بإعادة فتح سفارتها في واشنطن “لممارسة دورها الدبلوماسي بحرية كاملة على الأراضي الأميركية”، كما أشار وزير الخارجية ماركو روبيو. وتعليقًا على ذلك، يقول المجلس إن هاتين الزيارتين لفتتين هامتين، واستراتيجية تُبرز موقف الولايات المتحدة من مستقبل سوريا.
ولم يحضر الشرع اجتماع البيت الأبيض خالي الوفاض، إذ بحسب “المجلس الأطلسي”، بعد يوم واحد من زيارة الشرع، أعلنت السفارة الأميركية في دمشق أن سوريا أصبحت العضو الـ90 في التحالف الدولي لهزيمة “داعش”. ولفت المجلس إلى أن هذا تحول كبير في تحالف سوريا الإقليمي والدولي، وهو تحالف كان راسخًا في دوائر النفوذ الروسية والإيرانية في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، إلى موقعها الحالي في المدار الإقليمي لحلفاء الناتو وأعضاء مجلس التعاون الخليجي.
وبينما بدأ التنسيق الأميركي السوري ضد “داعش” بعد سقوط الأسد بفترة وجيزة، بالتعاون الوثيق مع الدول المجاورة، بما في ذلك الأردن والعراق ولبنان، فإن هذه المشاركة الرسمية تؤكد استعداد دمشق والتزامها بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتعزيز أمنها، وتعزيز مصالح واشنطن في مكافحة الإرهاب في المنطقة.
ووفقًا لـ”المجلس الأطلسي”، فإن انضمام سوريا إلى التحالف يُمثل فرصًا متعددة الأوجه، فضلًا عن تحديات رئيسية ومخاطر كامنة، لا سيما بالنظر إلى الخلفية الجهادية للشرع كزعيم لـ”جبهة النصرة”، التي كانت فرع “تنظيم القاعدة” في سوريا في وقت سابق من الحرب في البلاد.
التأييد الإقليمي والفرص الناشئة
يرى “المجلس الأطلسي” أن هذه الفرص تشمل إمكانية زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دمشق وواشنطن. كما يعني ذلك تعزيز التنسيق العسكري وتعميق التعاون الإقليمي في الحرب ضد “داعش” والجماعات المتطرفة الأخرى التي تعيد تأسيس نفسها في سوريا. كما يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية تدفقات المقاتلين الأجانب وتتبع الأموال، بالإضافة إلى حملات التضليل الإعلامي، وفقًا لدبلوماسيين أميركيين سابقين مطلعين على عمل التحالف تحدثوا للمجلس.
وأكد دبلوماسيون من كل من الأردن والعراق لـ”المجلس الأطلسي” أن انضمام سوريا إلى التحالف خطوة بناءة وإيجابية نحو تعزيز مصالحهم الأمنية الوطنية، مع توطيد علاقات عمّان وبغداد مع دمشق. وتُعد هذه أولوية مهمة، لا سيما بالنسبة للعراق، نظرًا لماضي الشرع في البلاد خلال الاحتلال الأميركي الذي بدأ عام 2003. ووفقًا لمصادر دبلوماسية للمؤلفين، تبادل البلدان معلومات استخباراتية حول إحدى مؤامرتي “داعش” لاغتيال الشرع، والتي أعلنت عنها الحكومة السورية في أعقاب زيارته التاريخية للولايات المتحدة.
وبحسب “المجلس الأطلسي”، فقد رحّب أعضاء مجلس التعاون الخليجي بانضمام سوريا إلى التحالف ضد “داعش”، وأضاف أن من وجهة نظر دول الخليج العربية، يُمثل ظهور “داعش” من جديد تحديًا دائمًا، لذا فإن انضمام سوريا إلى التحالف أمرٌ أساسي للحد من التهديد الذي تُشكله الجماعة الإرهابية.
وقد لعبت دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصةً السعودية وقطر، دورًا هامًا في إقناع إدارة ترامب بالنظر إلى الشرع كشريك شرعي وموثوق. ووفقًا للتقرير ذاته، من دون دعم وتعاون خارجيين مُستدامين، يخشى المسؤولون في جميع أنحاء مجلس التعاون الخليجي من أن الدولة السورية قد تكون أضعف من أن تُحكم بفعالية، مما يُؤدي إلى فراغات في السلطة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة مثل “داعش”.
ويبيّن “المجلس الأطلسي” في هذا السياق، أن قرار سوريا بالانضمام إلى التحالف يتماشى مع وجهة نظر دول الخليج القائلة بأن تعميق التفاعل الدولي مع دمشق أمرٌ ضروري لمواجهة تحديات البلاد، بما في ذلك التهديد المُتجدد الذي يُشكله “داعش” في سوريا.
ويوضح “المجلس الأطلسي” أن هذا التعاون الأمني المُعزز يُشجع أيضًا على إعادة فتح طرق التجارة والعبور، ما يُفيد الاقتصاد السوري من خلال زيادة التعهدات الاستثمارية التي تتجاوز تلك التي تم الحصول عليها بالفعل من أعضاء رئيسيين في مجلس التعاون الخليجي.
ووفقًا للتقرير ذاته، علاوة على ذلك، يُمكن لأموال الاستقرار التابعة للتحالف، والمُقدمة عبر الأمم المتحدة أو الهيئات الإقليمية، أن تدعم بشكل غير مباشر إعادة الإعمار في المناطق المُحررة سابقًا من “داعش”، إذا وُجدت آليات الرقابة المناسبة. كما يُشرف التحالف على المساعدات الإنسانية والتنموية للمناطق المتضررة من “داعش”.
تعقيدات وتناقضات ومخاطر الشراكة
ترتبط هذه الفرص أيضًا بتعقيدات، كما يشير “المجلس الأطلسي”، فالشراكة مع حكومة لا تزال، بدرجات متفاوتة، مثيرة للجدل سياسيًا وأيديولوجيًا على الصعيد المحلي في سوريا تُمثل مخاطر محتملة، لا سيما بالنظر إلى تاريخ الشرع.
ويُسهم هذا التاريخ في تردد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الاندماج في الدولة السورية، كما يشير “المجلس الأطلسي”؛ وينقل بعض الدبلوماسيين في واشنطن أن هذا يُمثل فرصة لدفع “قسد” لتسريع اندماجها في سوريا الجديدة. ويعتقد محللون سياسيون آخرون أن انضمام سوريا يُقوّض دور “قسد” في التحالف.
ومع ذلك، من وجهة نظر الحلفاء الرئيسيين في المنطقة، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، فإن سوريا موحدة أمرٌ أساسي، وبالتالي، ينبغي إعطاء الأولوية للعمل على اندماج “قسد” مع دمشق.
ويتوقف “المجلس الأطلسي” في التقرير عند ردود فعل الميليشيات الإسلامية المتحالفة مع “داعش”، والتي تعتبر الشرع “كافرًا”. ويرى أنها تُشكّل خطرًا كبيرًا، وهو خطر يُدركه الشرع. ويلفت إلى أن من الإجراءات الاستباقية والمناسبة التي اتُخذت الأسبوع الماضي، الفتوى التي أصدرها، عبد الله المحيسني، مؤيدًا قرار سوريا الانضمام إلى التحالف لهزيمة “داعش”، التي وصفها بالخوارج. وأكدت الفتوى أن وجود التحالف الدولي يستلزم “تنظيم الوضع وضبط الأمور بما يضمن وحدة القرار والسيادة، حتى تستقر أحوال الدولة الجديدة، ولا يُستخدم تهديد داعش ذريعةً لمزيد من التدخلات أو الانتهاكات”.
وأضاف “المجلس الأطلسي” أن التحديات الرئيسية الأخرى تشمل النفوذ المستمر لبعض الميليشيات الموالية للحكومة في سوريا، والتي يبدو أن بعضها مرتبط أيديولوجيًا بمنظمات إرهابية عالمية محددة، بالإضافة إلى الهشاشة النسبية للسلطة السياسية في دمشق والمشهد الأمني الأوسع.
وأعاد التقرير التذكير بأن فصائل مسلحة تابعة لوزارة الدفاع، مثل “لواء السلطان سليمان شاه” وفرقة “الحمزات”، تورطت في مجازر طائفية طالت العلويين على طول الساحل في آذار/مارس الماضي. ورأى “المجلس الأطلسي” أن هذه الأفعال تُلقي بظلال من الشك على حكمة التعامل مع حكومة دمشق الجديدة كشريك موثوق في الحرب ضد “داعش”.
وتعليقًا على ذلك، يقول “المجلس الأطلسي” أن هذه المخاوف تزيد من تفاقم أن جهاديين أجانب من الصين وغرب البلقان وشمال القوقاز وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي الأوسع يشغلون الآن مناصب في جهاز الدولة، فيما لا تزال خلفياتهم وانتماءاتهم وولاءاتهم النهائية غامضة، ما يزيد من تعقيد الصورة بالنسبة لحكومة الشرع.
ويبقى أن نرى كيف ستبدو عضوية سوريا في الائتلاف، الذي لا يزال يعمل دون ميثاق رسمي، وفقًا لجيم جيفري، المبعوث الرئاسي الخاص السابق لواشنطن إلى الائتلاف خلال إدارة ترامب الأولى. وكما أوضح جيفري لـ”المجلس الأطلسي”، فإن العضوية النشطة في الائتلاف تشمل ركيزتين: العسكرية والدبلوماسية. يُعيّن معظم الأعضاء ممثلًا عسكريًا للتحالف، وهو ما لم تُسمِّه سوريا بعد. وفي المقابل، تُشكّل اجتماعات وزراء الخارجية الدورية الوظيفة الرئيسية للركيزة الدبلوماسية للتحالف، والتي يُمكن لسوريا المشاركة فيها بكل تأكيد.
وأشار جيفري إلى أن “انضمام سوريا إلى التحالف رمزي إلى حد كبير في الوقت الحالي، إذ من غير المرجح أن تُساهم مالياً أو تُقدّم قوات”. ومع ذلك، يُضيف لـ”المجلس الأطلسي” أن الشرع و”زملاءه مُلِمّون بمحاربة داعش”، ويمكنهم أن يكونوا بنّاءين في العمليات المُستقبلية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعة الإرهابية.
ووفقًا للمصادر الخليجية التي تحدثت لـ”المجلس الأطلسي”، فإن انضمام سوريا إلى التحالف يُضفي طابعًا رسميًا على علاقة بدأت خلال عهد الأسد عندما كانت “هيئة تحرير الشام” هي الحكومة الفعلية في إدلب، وتعاونت مع التحالف في وقت نجحت فيه الهيئة في طرد عناصر “القاعدة” و”داعش” من المحافظة.
وختم “المجلس الأطلسي” تقريره مشيرًا إلى أن انضمام سوريا إلى التحالف يُمثّل فرصةً لتعاون أعمق مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ومع ذلك، فإن التحديات التي تُشكّلها الميليشيات الطائفية والمقاتلون الأجانب المُتغلغلون داخل الدولة تُؤكّد مدى هشاشة هذه الشراكة وشروطها. وفي نهاية المطاف، لن يعتمد نجاح عضوية سوريا في التحالف على الرمزية فحسب، بل على قدرة دمشق على إظهار التزام ثابت وموثوق بمحاربة “داعش”، مع العمل في الوقت نفسه على استقرار مؤسساتها السياسية والأمنية المتصدعة. كما ينبغي على شركاء سوريا الاستراتيجيين في المنطقة والعالم دعم جهودها في تعميق مشاركتها مع التحالف للقضاء على خطر الإرهاب نهائيًا.
الترا سوريا
————————–
=====================
تحديث 23 تشرين الثاني 2025
—————————
اختبار العلاقات الدولية: سوريا بين النفوذ العسكري الروسي والبوابة الاقتصادية الأميركية/ أغيد حجازي
23 نوفمبر 2025
تشهد سوريا مرحلة إعادة تشكّل في علاقاتها الإقليمية والدولية بعد المتغيرات السياسية التي رافقت سقوط النظام السابق. ومع الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن، برزت مؤشرات على تحوّل في مقاربة دمشق تجاه مراكز النفوذ الدولي، بما يعيد فتح النقاش حول طبيعة التحالفات المقبلة واتجاهات السياسة السورية خلال المرحلة الانتقالية. ويأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه أهمية الاعتبارات الاقتصادية داخل القرار السياسي السوري، وسط محاولات لإعادة تقييم موقع البلاد بين موسكو وواشنطن، وانتقال النقاش من مستوى النفوذ العسكري إلى الملفات الاقتصادية والاستثمارية التي تزداد حضورًا في الخطاب الرسمي السوري.
الانفتاح على واشنطن
تُجمع التحليلات على أن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض شكّلت لحظة مفصلية في العلاقات السورية ــ الأميركية، لكنها – وفق قراءات الخبراء – ما تزال في دائرة الاختبار، ولا يمكن اعتبارها نقطة تحوّل حاسمة قبل اتضاح مسارها العملي على الأرض.
في هذا الإطار يرى الباحث الاقتصادي محمد علبي أن مشهد زيارة الشرع إلى البيت الأبيض لم يكن حدثًا عاديًا في سجلّ العلاقات السورية الأميركية، إذ وجد السوريون أنفسهم بعد عقدين من الحرب والعزلة والعقوبات أمام عناوين تتحدث عن “مرحلة جديدة” وانفتاح أميركي محتمل واستثمارات مفترضة قد تعيد للبلاد وجهها الاقتصادي المفقود. لكنه استدرك بأن القراءة الهادئة لما جرى تشير إلى أن التطورات الحاصلة أقرب إلى “إعادة تموضع حذرة” منها إلى تحول جذري، وأن شعار “الانتقال من ساحات الصراع إلى ساحات الاستثمار” ما زال أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع ملموس.
وأشار علبي إلى أن رمزية الصورة في البيت الأبيض، رغم أهميتها، لا تكفي لتغيير البنية المعقدة للعلاقات الثنائية التي شكّلتها العقوبات الأميركية طوال عقود. ورأى أن تعليق واشنطن جزئيًا للعقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لمدة 180 يومًا يشبه “اختبار نوايا” أكثر منه تحولًا جذريًا، مؤكدًا أن الإدارة الأميركية لا تراهن على دمشق بقدر ما تراقب سلوكها، وتختبر مدى استعدادها لتقديم تنازلات سياسية أو ضبط السلوك الاقتصادي والمالي قبل السماح لها بالعودة إلى النظام المالي الدولي.
ويتقاطع الخبير الاقتصادي عامر شهدا مع هذا الطرح من زاوية أخرى، إذ يشير إلى أن تحديد موقع سوريا الجديد يبدأ من سؤال تاريخي: من ينتصر في النهاية، النفوذ العسكري أم النفوذ الاقتصادي؟ ويرى شهدا أن التجربة العالمية تُظهر بوضوح أن القوة الاقتصادية هي التي تنتج النفوذ السياسي، وليس العكس.
ويضيف أن الدول التي تمتلك اقتصادًا ضعيفًا تفقد قدرتها على الفعل السياسي، وأن أي إعادة تموضع حقيقية تتطلب قاعدة اقتصادية متماسكة، لأن الاقتصاد هو الذي يتيح للدولة الدخول بثقة إلى ساحات السياسة الدولية.
بين طموحات الاستثمار وواقع الاقتصاد السوري
يضع التباين بين الطموحات السياسية والحقائق الاقتصادية سوريا أمام اختبار صعب؛ إذ تتقاطع ملاحظات الضيفين حول هشاشة البنية الاقتصادية وضرورات الإصلاح العميق لجذب استثمارات حقيقية.
يرى علبي أن القيادة السورية تبدو “متعطشة لكسر طوق العزلة”، إلى حدّ المبالغة في تصوير الانفتاح القادم بوصفه بداية لعصر استثماري جديد. غير أن الواقع ـ برأيه ـ يروي قصة أخرى: أمن هش، ناتج قومي ضعيف، قضاء تجاري غائب، رقابة شبه معدومة، فساد يعيد إنتاج نفسه، وبنية تشريعية مهترئة. ويشير إلى أن هذه التحديات تجعل البيئة الاستثمارية غير قادرة على استقبال رؤوس أموال كبيرة، مهما حملت الزيارات الدبلوماسية من وعود.
ويضيف أن التحول الجيو اقتصادي المتمثل في الانتقال من الحضور الروسي العسكري إلى ما يُسمّى بالنفوذ الأميركي الاقتصادي لا يزال بعيدًا عن التحقق؛ فروسيا ما تزال تمتلك نفوذًا صلبًا في ملفات الغذاء والطاقة والتسليح، وهو نفوذ لا يمكن تجاوزه بسرعة، خاصة مع انخفاض الإنتاج المحلي من الحبوب والقمح إلى مستويات خطيرة.
وفي المقابل، يربط شهدا بين الاقتصاد والاستقرار السياسي والاجتماعي، معتبرًا أن الاستثمار هو المدخل الطبيعي لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعي، لأنه يخلق تبادلًا للأفكار واندماجًا للمجتمعات. ويرى أن الخيار الاقتصادي هو الطريق الصحيح لسوريا، وهو خيار لا بد منه لتجاوز آثار الحروب.
ويرفض شهدا فكرة “النفوذ الاقتصادي الأميركي” كما تتردد في النقاشات العامة، موضحًا أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على الاندماج وتبادل المصالح لا على السيطرة، وأن لا دولة – مهما كانت قوتها – تستطيع أن تفرض نفوذًا اقتصاديًا مطلقًا على دولة أخرى في عالم تتداخل فيه الأسواق.
ملفات حيوية وتوازن يفرض نفسه
مع تحرك دمشق نحو واشنطن، تبرز الحاجة إلى قراءة موقع موسكو ضمن المعادلة الجديدة. وهنا يتقاطع الخبيران على أن الوجود الروسي ما يزال عنصرًا ثابتًا، وإن بدرجات مختلفة من التأثير.
يوضح علبي أن روسيا تتمتع بموطئ قدم راسخ في الملفات الأكثر حساسية: الطاقة، الحبوب، التسليح. ويؤكد أن هذه القطاعات تمنح موسكو نفوذًا يصعب تجاوزه سريعًا. ومن ثمّ، فإن أي تقارب مع واشنطن لن يكون على حساب موسكو، بل ضمن عملية توازن دقيقة.
أما شهدا فيرى أن الحديث عن انتقال نفوذ من روسيا إلى الولايات المتحدة غير دقيق، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد قائمًا على منطق الهيمنة، بل على منطق التداخل. ويشير إلى أن اندماج الاقتصادات لا يسمح بتغوّل دولة على أخرى، وأن ما يحدث اليوم هو تبادل مصالح لا يتناقض مع استمرار الدور الروسي في سوريا.
توازن هش ينتظر جوابًا سوريًا
في نهاية المشهد، تتقارب قراءتا علبي وشهدا عند نقطة مركزية: سوريا اليوم ليست أمام انتقال محسوم، بل أمام مرحلة اختبار شديد الحساسية.
يقول علبي إن المشهد الحالي هو “مرحلة اختبار متبادلة”: واشنطن تراقب، ودمشق تحاول، والرياض تهيئ الطريق، وتل أبيب وموسكو تتابعان بحذر. ويرى أن نجاح سوريا مرتبط بقدرتها على تنفيذ إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي، لأن الوعود وحدها لا تكفي. ويحذر من أن التوازن الذي يُحتفى به اليوم بوصفه براغماتيًا قد يتحول إلى خيار بالغ الخطورة في حال لم يُدار بعقلانية وشفافية.
أما شهدا فيختم بأن الاندماج الاقتصادي هو الطريق الوحيد لصياغة مستقبل مستقر، وأن التعاون الدولي لا يمكن أن ينجح دون اقتصاد قوي وشفاف. ويرى أن قدرة سوريا على الاستفادة من اللحظة السياسية الراهنة مرهونة بقدرتها على بناء اقتصاد قادر على دعم انتقال سياسي مستدام.
الترا سوريا
———————-
====================
تحديث 21 تشرين الثاني 2025
——————————–
سوريا واستعادة التموضع الأميركي في الشرق الأوسط/ جمال الشوفي
2025.11.21
لا تكاد تهدأ السياسية الأميركية في متابعة الملفات العالمية واحدة تلو الأخرى، وعين سياستها الخارجية لا يتبدل عن تثبيت مكانتها العالمية المنفردة في القمة العالمية، أو على أقل تقدير البحث عن استدامة المسافة بينها وبين خصومها الدوليين المفترضين. فهي مرة تهادن وتسابق قطباً اقتصادياً وتقنياً كالصين، وفي أخرى تجري مفاوضات ماراثونية مع قطب عائد للساحة الدولية عسكرياً وجيوبوليتيكياً كروسيا سواء في ملف أوكرانيا في قلب أوروبا أو سوريا قبلها واليوم في قلب الشرق الأوسط، وفي مرات أخرى تناور اقتصادياً ودبلوماسياً بملفات عديدة أوروبية وأفريقية.
والملاحظ أنها في جميع ملفاتها في العقدين الماضيين بعد غزوة العراق عام 2003، تحاول تجنب الدخول في معترك عسكري واضح المعالم وتتجنبه قدر الإمكان. فقد انسحبت من العراق نهاية الـ 2011، وتراجعت عن قيادة التحالف الدولي ضد ليبيا في ذات الوقت، مع دعم لاحق جزئي لبعض القوات هناك. بالمقابل قادت التحالف الدولي ضد “داعش” في سوريا والعراق، مترافق مع إيلاء الروس شبه الكامل للانفراد بالملف السوري بنسبة 90% كما عبر عنها ترامب لبوتين في لقاء هيليسينكي 2019 والاكتفاء بتموضعها العسكري في قاعدة التنف الحدودية وبعض المواقع في شمال شرقي سوريا.
اليوم بعد خروج روسيا وإيران من المعادلة السورية، تعود أميركا للشرق الأوسط من جديد وبثقل دولي ديبلوماسي واضح المعالم. فهي، وبرعاية سياسة ترامب الداعية للحلول السلمية في المنطقة:
أشرفت بشكل مباشر على اتفاق الهدنة في غزة وإيقاف الحرب فيها وفرض معادلة سلام جديدة في غزة بعد حرب دامت سنتين.
العودة المعلنة للملف السوري سواء من خلال البدء برفع العقوبات منتصف أيار عن سوريا بدعم وتمهيد مباشر من السعودية وتجميد عقوبات قيصر لستة أشهر مع تقديم الدعم الكامل للسلطة السورية. كما وتتابع سياستها الخارجية التعامل مع الملف السوري بزخم واضح منذ تموز الماضي في الجنوب السوري في السويداء وانعكاساته على الاستقرار في المنطقة.
تحركات مبعوثها الدولي توماس باراك ومساعديه وقيامه بحركة مكوكية بين عواصم دول المنطقة بشكل كثيف بين أنقرة وعمان والقدس ودمشق. الأمر الذي يعكس الاهتمام الأمريكي في المنطقة من جديد واستمالتها لسوريا بحيث تكون قاطرة الاستقرار والاستثمار في الشرق الأوسط برعاية أميركية. فلأول مرة في تاريخ سوريا الحديث ترشح سوريا لأن تكون في دائرة الملعب الأميركي مباشرة خاصة بعد دخولها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
متابعة ممارسة سياسة الشد والجذب مع المتحرك الإسرائيلي في المنطقة، وتدخلها المباشر في جميع الملفات التي يصر على افتعالها سواء في لبنان أو سوريا، والعمل على إيجاد تفاهمات تركية إسرائيلية في استقرار المعادلة الشرق الأوسط ومنع عودة إيران لها.
أميركا تعمل وتريد تركيز وتثبيت نفوذها في الشرق الأوسط مشروطة بالاستقرار والاستثمار الاقتصادي، وليس فقط، بل استفرادها في هذا الموقع العالمي العام على نقاط تقاطع خطوط الطاقة والغاز والتجارة البرية، وسوريا هي نقطة ارتكازها. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، فأمام أميركا وسوريا ملفات عدة تطلب الكثير من الشروط المسبقة، الأمر الذي دعا ترامب للتعبير أن موقفه من سوريا هو موقف اختبار في قدرتها على التعامل مع الملف الأمني بالداخل السوري. وذلك سواء في ضبط السلاح المنفلت، أو التعامل مع الخلايا المتطرفة الإرهابية والمجندين الأجانب، وعدم السماح لعودة حزب الله وحماس للعمل من داخل سوريا، وإنهاء ملف الجنوب السوري كاملاً، والتمسك بوحدة سوريا ومنع أية مشاريع لتقسيمها. بالمقابل تقوم أميركا بضمان ولجم التعنت الإسرائيلي ومحاولاته العبث العسكري والأمني على الحدود السورية، وعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الدولية السابقة ومحاولة فرض شروط أمنية وعسكرية جديدة على خارطة واتفاقية 1974، فيما تسعى أميركا لفرض اتفاق أمني سوري إسرائيلي قد يكون مقدمة لاتفاق سلام دائم. بالمقابل فكل من تركيا والخليج العربي أكثر تمسكاً بالاستقرار في سوريا، وأكثر دعماً للجهود الأميركية في ذلك، وبوابتهم لهذا الموقع كانت الأردن. وهنا تبرز الأدوار المفصلية التي تقوم بها الإدارة الأميركية في إعادة تموضعها الدولي في الشرق الأوسط من البوابة السورية، فهي:
تعمل على كسب جميع أطراف الصراع في بوتقة واحدة تحت عنوان واضح: استبعاد الحرب وفرض شروط السلام، فهي تغض الطرف عن أي اتفاق سوري روسي خاص بقاعدتي حميميم وطرطوس وإمكانية عودة الروس للجنوب السوري مرة أخرى، وترشح وتدعم الأردن لتنفيذ خارطة الطريق الخاصة بالجنوب السوري، مع استمرارها بضبط هدنة غزة ولجم إسرائيل في تحركاتها العسكرية.
تعمل باتساع واضح على إقامة اتفاق شراكة طويل الأمد مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز موقعها الدولي وفق رؤية السعودية لعام 2030 وعنوانها الأبرز الانفتاح والاقتصاد والاستثمار ومحاربة التطرف والإرهاب.
العمل على ضبط المعادلات العسكرية في الجنوب السوري أو شمال شرق الفرات، ومحاولة استمالة جميع الأطراف، خاصة “قسد”، لمعاهدات التهدئة والوصول لتفاهمات آنية تفضي للاستقرار التدريجي ومنع أي تصعيد عسكري.
تثبيت التفاهمات البينية الثنائية والعامة مع كل من أنقرة وموسكو والقدس وعمان، وذلك لتجنب أية صدامات عسكرية محتملة، خاصة بين سوريا وإسرائيل، ما قد يرجح عودة الروس للمنطقة الجنوبية كقوات فصل بينهما، تسهم في حل معادلة الجنوب السوري في السويداء المستعصية لليوم.
لكن ماذا ستستفيد أميركا من كل هذا؟
لقد حددت الخارجية الأميركية في العام 2014 ما بدا أنه خطتها الاستراتيجية لمواجهة التمدد الجيوبولتيكي متعدد الأطراف المتمثل بالصين وروسيا وإيران خاصة في الشرق الأوسط، وبدأت العمل من وقتها على وضع خططها الاستراتيجية لهكذا تحديات. وتابعتها لاحقاً بما عرف بـ”خطة سلام من أجل سوريا” عبر مركز راند الأميركي عام 2015، واليوم تحصد نتائجها واحدة تلو الأخرى. فإيران خرجت من المعادلة كلياً، وروسيا تبحث عن أي اتفاق يفضي لحل موقعة أوكرانيا واستنزافها فيها، والصين تجد أن بوابة الشرق الأوسط توصد أمامها من خلال التموضع الأميركي المباشر فيها. وبالضرورة ستكون أميركا قد نجحت بإدارة خيوط اللعبة الجيوبولتيكية في استعادة موقعها المتقدم عالمياً من خلال سوريا في الشرق الأوسط، وإمساكها بخطوط الطاقة والغاز والتجارة البرية العالمية وملفات إعادة الإعمار السورية الضخمة، ويبدو أن الصفقة ضخمة يسيل لها لعاب ترامب الاستثماري. فهل يمكن للسوريين اليوم سلطة انتقالية وشعب أن يدركوا أهمية موقعهم هذا وما ترمي له أميركا؟ وبالضرورة هل يمتلكون القدرة على العمل على معاملات الاستقرار المحلي وضرورة حل الأزمات الداخلية والصراعات المتتالية التي نجمت عن سوء إدارة الملفات الأمنية في الداخل السوري؟ وهذا ما على الجميع إعادة التفكير به بجدية ومسؤولية سواء في رأس هرم السلطة الانتقالية أو أطرافها المتنازعة معها، فسوريا في مرحلة اختبار فعلية كما أوضحها ترامب فإما أن تنجح أو ستكون عواقب الفشل قاسية وجسيمة مرة أخرى..
————————
3 سيناريوهات تحدد مصير “قانون قيصر” في الكونغرس الأميركي
تعتبر التحركات الجارية في أروقة الكونغرس الأميركي بشأن قانون قيصر نقطة تحول محتملة في العلاقات مع سوريا، حيث تشهد واشنطن جدلا تشريعيا مكثفا بين مؤيدين ومعارضين لإلغاء القانون، الذي فرض عقوبات اقتصادية قاسية طوال السنوات الماضية.
وترك القانون آثارا مدمرة على الاقتصاد السوري، إذ منع تدفق الاستثمارات الدولية والعربية، وحظر تقديم المساعدات الإنسانية، وأعاق عمليات إعادة الإعمار.
و”قيصر” هو الاسم المستعار للمصور السابق في الشرطة العسكرية السورية فريد المذهان، الذي انشق عن نظام بشار الأسد عام 2013، حاملا معه 55 ألف صورة تظهر التعذيب والانتهاكات في السجون السورية.
وحصر برنامج “سيناريوهات” مستقبل هذا القانون في 3 سيناريوهات تتراوح بين:
الإلغاء الكامل غير المشروط بحلول نهاية العام الجاري.
الاستمرار في تمديد المهلة كل 6 أشهر (تمديد مؤقت).
اعتماد صيغة تعديلية تفرض شروطا مرتبطة بآليات عودة فورية للعقوبات (تعديل مشروط).
وفي هذا السياق، كشف رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم استمرار المفاوضات المكثفة مع أعضاء الكونغرس لضمان إلغاء القانون غير المشروط.
ووفق غانم، هناك تحالف داعم للإلغاء بين أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكنه أبرز عقبة رئيسية تمثلت برئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس بريان ماست الذي “يعارض إلغاء القانون”، مشيرا إلى أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ساهمت في كسر بعض الحواجز.
ويصر المعارضون على تضمين 12 شرطا و”آلية عودة فورية” للعقوبات في حال عدم الالتزام، بينما يرفض الفريق السوري الأميركي هذه الصيغة بشكل قاطع، مؤكدا أنها لن تسمح بتدفق الاستثمارات المطلوبة.
من جهته، رجّح الباحث بمركز الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز ستيفن هايدمان استمرار سياسة التمديد المؤقت للعقوبات، لافتا إلى أن التعليق الجزئي للعقوبات لمدة 180 يوما إضافية يبدو الخيار الأكثر احتمالا في المدى المنظور.
ويستند هايدمان في ذلك إلى العوامل الإقليمية المؤثرة، ودور الدول المجاورة في الضغط على واشنطن، وكذلك تأثير المواقف العربية والإسلامية على القرار الأميركي النهائي بشأن مصير العقوبات.
جدوى التمديدات المؤقتة
أما الكاتب والباحث السياسي كمال عبده فأظهر التشاؤم من جدوى سياسة التمديدات المؤقتة، مؤكدا أنها لم تحقق أي تحسن ملموس في الواقع المعيشي للسوريين، وشدد على أن الإلغاء الكامل غير المشروط هو الذي سيسمح ببدء التعافي الاقتصادي الحقيقي.
وأشار عبده إلى الجوانب الاجتماعية للأزمة، لافتا إلى تأثير العقوبات على النظام التعليمي والخدمي، وكذلك على الطبقة المتوسطة والشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا في المجتمع السوري.
وبشأن الدور الإسرائيلي في تحديد مصير العقوبات، رأى عبده أن الملف أصبح أداة ضغط لتحقيق مطالب تل أبيب، بينما نفى هايدمان أن تكون إسرائيل هي المحرك الوحيد للسياسة الأميركية.
وحسب هايدمان، فإن هناك بعض الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية، مثل معالجة ملف أحداث السويداء ومحاسبة المتورطين، معتبرا أنها مؤشرات قد تساعد في بناء قناعة لدى الكونغرس بجدوى رفع العقوبات.
وكان نواب أميركيون قد قدموا مشروع قانون باسم قيصر عام 2016، بهدف “وقف قتل الشعب السوري بالجملة، وتشجيع التوصل إلى تسوية سلمية عبر التفاوض، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان السوري على جرائمهم”.
وبعد مناقشات، أقر الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ القانون في ديسمبر/كانون الأول 2019، ووقع عليه الرئيس الأميركي كجزء من قانون ميزانية الدفاع لعام 2020.
كان الرئيس ترامب قد وقّع في يونيو/حزيران الماضي أمرا تنفيذيا ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سوريا لمنحها “فرصة للازدهار”.
المصدر: الجزيرة
——————————-
أشرس معارضي رفع “قيصر” عن سوريا.. يتراجع لكن بشروط
أعلن النائب الجمهوري برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، الخميس، أنه سيؤيد إلغاء العقوبات الواسعة المفروضة على سوريا، لكنه طالب بإضافة نصوص تفرض عقوبات جديدة في حال فشل الحكومة السورية الانتقالية في تلبية شروط محددة.
وقال ماست لصحيفة “ذا هيل” إن موقفه لا يتعارض مع إدارة ترامب، التي تؤيد إلغاءً كاملاً للعقوبات، موضحاً أن الرئيس يملك فقط سلطة تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر في كل مرة.
وأضاف: “نعم لإلغاء كامل، لكن مع آلية — أو بالأحرى موقف — يسمح بإعادة فرض العقوبات إذا لم تُستوفَ مجموعة من الشروط. الإلغاء سيظل كاملاً”.
ويمشي ماست على “خط رفيع” في دعمه لرفع العقوبات الشاملة المعروفة باسم “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”، مع اشتراطه وضع “معايير” يجب على دمشق الالتزام بها لتفادي عودة العقوبات، وهو ما يتوقع أن يثير اعتراضات من مؤيدي الإلغاء الكامل الذين يرون أن مجرد التهديد بإعادتها سيضر بجهود إعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا دولياً.
وأكد ماست أنه يجري “محادثات يومية” مع البيت الأبيض حول الملف، في وقت يدفع فيه ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، وحلفاؤهما في الكونغرس، إضافة إلى ناشطين في المجتمع المدني، نحو الإلغاء الكامل.
وقال ترامب بعد لقائه الشرع في زيارة تاريخية للبيت الأبيض هذا الشهر: “إنه قائد قوي للغاية… يأتي من مكان صعب. رجل قوي، وأنا أحبه”.
وأضاف: “علاقتي جيدة جداً مع الرئيس الجديد في سوريا، وسنفعل كل ما بوسعنا لإنجاح سوريا”.
ويُنظر إلى نظام العقوبات السابق باعتباره أحد أكثر أنظمة العقوبات صرامة، إذ قيّد التعاملات المالية مع حكومة الأسد، وفرض عقوبات على أي دولة أو جهة تتعامل مع دمشق، على خلفية انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وعمليات قتل واعتقال ممنهج.
ومنذ إطاحة الأسد، كسب الشرع دعماً إقليمياً واسعاً. وقال ترامب خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواشنطن هذا الأسبوع: “رفعنا العقوبات بناء على طلب ولي العهد”، مضيفاً أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طلب منه الأمر نفسه، قائلاً: “إن لم ترفعوا العقوبات فلن يكون أمام سوريا أي فرصة”.
ويرى مؤيدو الإلغاء الكامل أن عدم رفع العقوبات بصورة نهائية سيجعل الشركات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة مترددين في الاستثمار في سوريا، خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية في أي لحظة، كما يحذرون من أن عقوبات “قيصر” أعاقت الجهود لمعرفة مصير الأميركيين المختفين في سوريا.
——————————-
بشرط يتيح إعادة فرضها.. براين ماست يدعم رفع كامل العقوبات عن سوريا
2025.11.21
قال النائب الجمهوري براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، لصحيفة ذا هيل يوم الخميس، إنه سيدعم إلغاء العقوبات الشاملة على سوريا، لكنه يريد صياغة تفرض عقوبات إذا فشلت حكومة دمشق في تحقيق شروط معينة.
وأكد ماست للصحيفة
أنّ موقفه لا يصطدم برغبة الرئيس دونالد ترمب الذي يدفع باتجاه إلغاء العقوبات بالكامل، موضحاً أن الرئيس يملك حالياً سلطة تعليق العقوبات لستة أشهر فقط في كل مرة، بينما يسعى الكونغرس إلى صيغة دائمة داخل قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA).
وأشار ماست إلى أنه يجري محادثات يومياً مع البيت الأبيض، في محاولة للتوفيق بين دعوات الإلغاء الكامل ومخاوف فئات سياسية ترى أن إسقاط العقوبات بدون ضوابط يعرّض الالتزامات السورية الجديدة للاهتزاز.
خلافات صامتة
وتقول الصحيفة إن ماست يمشي على خط دقيق، إذ يمنح ضوءاً أخضر لرفع العقوبات الشاملة المنصوص عليها في قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، لكنه يدعو في الوقت نفسه إلى وجود شروط لاحقة، وهو طرح بدأ يثير اعتراضات بين مؤيدي الإلغاء الذين يخشون أن مجرد التهديد بإعادة فرض العقوبات قد يضعف فرص إعادة إعمار سوريا واستعادة اقتصادها.
ويرى هؤلاء أن التردد الأميركي، أو احتمال التراجع عن الإلغاء، قد يجعل الشركات الأميركية والدول المتحالفة مع واشنطن مترددة في الاستثمار داخل سوريا، وأن استمرار منظومة قيصر يعرقل حتى عمليات البحث عن مصير الأميركيين المختفين خلال سنوات الصراع.
ترمب يدعم رفع كامل العقوبات عن سوريا
تبنى ترمب موقفاً داعماً لإلغاء العقوبات بالكامل، بعد الإطاحة بنظام الأسد، ونسّق مع الرئيس الشرع وحلفائه في الكونغرس ومجموعة من الناشطين المدنيين لدفع القرار إلى الأمام.
وخلال زيارة الشرع إلى البيت الأبيض -التي جرت بمعظمها خلف أبواب مغلقة- أشاد ترامب بـ”صلابته” واعتبره “قائداً قوياً” يسعى إلى إعادة بناء سوريا. وأضاف: “سنتصرف بكل ما نملك لضمان نجاح سوريا”، مؤكداً وجود “انسجام” كامل بينه وبين الرئيس السوري.
وتعزّزت موجة الدعم لرفع العقوبات بعد دخول الحلفاء الإقليميين على خط الضغط، إذ قال ترمب إنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب منه مباشرة إلغاء العقوبات، كما أبلغه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن سوريا لن تملك أي فرصة طالما بقيت العقوبات مفروضة. وسبق لترمب أن أعلن أنّه استجاب لضغط القيادتين السعودية والتركية، معتبراً أنّ النتائج “حتى الآن جيدة”.
—————————
من التصعيد إلى التراجع: خريطة مواقف اللوبيات الأميركية بعد زيارة الشرع/ أحمد الكناني
21 نوفمبر 2025
شكلت زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أهمية استراتيجية وسياسية في العلاقات السورية الأميركية، والتي بدأت تتصاعد منذ إعلان الرئيس ترامب رفع العقوبات عن سوريا في الـ 13 من أيار/ مايو 2025، وما تبع ذلك من خطوات سياسية واقتصادية اتخذتها العديد من الدول لصالح دمشق، على خلفية القرار الأميركي.
وعلى الرغم من الأهداف المعلنة لزيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، وخصوصية الملفات التي جرى بحثها، إلا أن الثقل الحقيقي للزيارة تمثل في محاولة يجريها الرئيس الشرع بنفسه لرفع العقوبات عن سوريا، لا سيما وأنه التقى برايان ماست رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، أحد أبرز معرقلي رفع عقوبات “قيصر” عن سوريا. ويرى محللون أن هذه المحاولة تكتسب أهمية كبيرة لا سيما في ظل وجود لوبيات سوريّة وإسرائيلية عديدة معارضة.
مناخ الأميركي
تعتقد د. عزة عبد الحق، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP) أن الرئيس الشرع حقق مناخًا إيجابيًا في العلاقات السورية الأميركية خلال زيارته لواشنطن، سواء في الملفات السياسية بانضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي، وتركيز التعاون على منع عودة الجماعات الإرهابية، وإدارة السجون التي تحتفظ بها قوات سوريا الديمقراطية الكردية، أو الملفات الاقتصادية من خلال الضغط تجاه رفع العقوبات.
العضو الاستشاري في (SAAPP) أشارت إلى أن الثقل الاقتصادي في الزيارة تكلل بإعلان وزارة الخزانة الأميركية تمديد تعليق تنفيذ عقوبات قيصر لمدة 180 يومًا إضافيًا مع إمكانية إزالة كاملة إذا استمرت حكومة الشرع في الالتزامات الأمنية، إضافة إلى لقاء هام أجراه الرئيس السوري مع مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، مما يعكس دعمًا أميركيا لإعادة الإعمار والاقتصاد، وجذب الاستثمارات خاصة من دول الخليج.
من جانبه، يرى السياسي والإعلامي السوري الأميركي أيمن عبد النور أن الزيارة حققت أهدافها بالنسبة لأميركا، والتي باتت لها اليد العليا في القرار السوري من بين حلفاء دمشق، إضافة إلى أن الانضمام لقوات التحالف سيكون له أثره في إعادة أميركا لترتيب ملفات الجيش وهيكليته، وتدريب قواته الأمنية والعسكرية كما فعلت في لبنان، وعليه باتت واشنطن أكثر قربًا من الأحداث الداخلية السورية.
اللوبي المعارض
تنوه د. عبد الحق بأن اللوبي المعارض للحكومة السورية بدأ بالتقلص تدريجيًا، والتخفيف من حدة تصريحاته بعد زيارة الرئيس الشرع، إذ شكل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، والعمل على حماية الأقليات ركيزة رئيسية لسد الذرائع المتعلقة بالإرهاب، خاصة بوجود رعاية أميركية لهذا المسار، والذي يرفض أيضًا الأصوات المطالبة بالتقسيم والانفصال.
تضيف د. عبد الحق بأن أحد أبرز الاجتماعات السياسية التي أجراها الرئيس الشرع كانت مع عضو مجلس النواب لولاية فلوريدا برايان ماست، صاحب الثقل في مجلس النواب، والمعارض لرفع العقوبات، والمتصلب في موقفه، حيث تركزت أسئلته للرئيس الشرع في مسائل متعلقة بمستقبل سوريا خالية من الإرهاب، وهو ما أجاب عليه الرئيس الشرع بشفافية، ولوحظ أن مواقف ماست بدأت تلين شيئًا فشيئًا تجاه رفع العقوبات، وبشكل يتوازى بنفس الوقت مع رغبة الرئيس ترامب.
يشير السياسي والإعلامي عبد النور إلى نقاشات موسعة جرت بين الرئيس الشرع، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي “ماست” حيث قدمت دمشق إحاطة شاملة لكافة التساؤلات الأميركية، بما في ذلك ملف الأقليات، وضرورة رفع العقوبات لنهوض سوريا اقتصاديًا، وتجنيب البلاد من الانهيار والتقسيم، لافتًا إلى أن الرئيس الشرع استحضر الحالة اللبنانية والعراقية كنماذج غير قابلة للتطبيق في سوريا، مؤكدًا على وحدة بلاده بدون محاصصة.
مجلس النواب
بحسب عبد النور، كونت اللقاءات التي أجراها الرئيس الشرع في واشنطن مع رئيسي وأعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب، وأعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، توجهات سياسية عامة تساهم بشكل مباشر في التصويت لرفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل، وهو ما تم استقراؤه خلال الاجتماعات المكثفة مع الأطراف المعنية.
من جانبها د. عبد الحق أكدت بأن زيارة الشرع إلى واشنطن شكلت منعطفًا جديدًا لتغيير سياسات مجلس النواب الأميركي تجاه سوريا، إذ تعدت الزيارة إطار الدبلوماسية إلى إطار الاستراتيجية. وبحسب عبد الحق، جرى تقديم مشروع قانون S. 3172والذي يهدف الى إلغاء قانون مساءلة سوريا لعام ٢٠٠٣، وقانون حقوق الإنسان السوري لعام ٢٠١٢، بهدف دعم الانتقال السياسي والاقتصادي في سوريا وتجاوز العقوبات، لافتة إلى وجود توجه اقتصادي أميركي للاستثمار وإعادة البناء، ما ينعكس على تسريع العجلة التشريعية.
——————————-
برايان ماست: دعم مشروط لرفع عقوبات “قيصر” عن سوريا وتحذير من إعادة فرضها
21 نوفمبر 2025
أكد النائب الجمهوري ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، برايان ماست، أنه سيدعم التوجّه لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، لكنه في المقابل أشار إلى أنه يريد إعداد صياغة تُعيد فرض العقوبات في حال عدم استيفاء الحكومة المؤقتة في دمشق شروطًا مُحددة.
وقال زعيم الأعلبية الجمهورية في مجلس النواب ماست في تصريح نقلته صحيفة “ذا هيل” الأميركية إن موقفه لا يُعارض إدارة ترامب، التي تُؤيد الإلغاء الكامل، لكنه أضاف مستدركًا أن إلغاء العقوبات بالكامل يحتاج “وضع آليات”، لافتًا إلى “ضرورة إعادة فرض العقوبات في حال عدم استيفاء عدد من الشروط”.
وبحسب “ذا هيل”، فإن ماست يسير بخطى ثابتة في إعطاء الضوء الأخضر لرفع عقوبات “قانون قيصر” المفروضة على سوريا، كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني. ورجّحت الصحيفة أن تلقى دعواته لوضع “شروط” لم يُسمّها، والتي يجب على سوريا استيفاؤها لتجنب فرض عقوبات جديدة، معارضة من مؤيدي الإلغاء.
ويجري مجلسا النواب والشيوخ مفاوضاتٍ مُكثّفة لدعم مسودة قانون تفويض الدفاع الوطني بنهاية يوم الجمعة، بهدف إجراء تصويت على إلغاء العقوبات في الأسبوع الأول من كانون الأول/ديسمبر المقبل. وقال ماست، الذي برز كأحد المعارضين الرئيسيين لإلغاء العقوبات بالكامل، إنه يُجري محادثات “متبادلة يوميًا” مع البيت الأبيض.
ووفقًا لـ”ذا هيل”، في حال عدم إلغاء العقوبات بالكامل، يقول مؤيدو سوريا إن الشركات الأميركية أو الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة ستحجم عن الاستثمار في سوريا خوفًا من انتهاك العقوبات الأميركية في أي لحظة. كما أعرب المدافعون عن قلقهم من أن “قانون قيصر” جعلت من الصعب معرفة مصير الأميركيين المختفين في سوريا.
لكن معارضي الإلغاء الكامل، أو أولئك الذين يدعون إلى وضع الشروط أو المخاطرة بالعقوبات، كما قال الشرع، الذي كان إرهابياً سابقاً، لا يمكن الوثوق بهم بشكل كامل في الوفاء بالتزاماتهم بشأن حماية الأقليات ومكافحة الإرهاب والالتزام بالتوصل إلى السلام مع إسرائيل.
وكانت وزارات الخارجية والتجارة والخزانة الأميركية قد أعلنت في بيان مشترك، تعليق العمل بالعقوبات المفروضة على سوريا بموجب ما يُعرف بقانون “قيصر” لمدة 180 يومًا، والذي جاء عقب اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب بنظيره الشرع في البيت الأبيض مؤخرًا.
وبموجب هذا القرار، سيُسمح بنقل معظم السلع الأميركية المنشأ للاستخدام المدني، بالإضافة إلى البرمجيات والتكنولوجيا، إلى سوريا أو داخلها دون الحاجة إلى ترخيص مسبق.
وجاء في البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى دعم “سوريا مستقرة وموحدة وسلمية”، مؤكدًا أن رفع هذه القيود يندرج في إطار دفع جهود إعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين ومكافحة الإرهاب.
وأوضح البيان أن الإدارة الأميركية تتبنى سياسات جديدة لتشجيع الشركات والبنوك الأميركية والمجتمع الدولي والشركاء الإقليميين على المشاركة في دعم استقرار سوريا. كما ذكر أن الرئيس دونالد ترامب ينفذ بذلك وعده بمنح سوريا “فرصة للعظمة” ولإعادة الإعمار عبر رفع هذه العقوبات.
—————————
العطر الذي أثار قلق إسرائيل.. رسائل نتنياهو من المنطقة منزوعة السلاح
21 نوفمبر 2025
قالت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية إن الزيارة التي أجراها رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى المناطق التي احتلتها إسرائيل في جنوب سوريا أواخر العام الماضي، كان الهدف منها توجيه رسالة مباشرة إلى الحكومة السورية أولًا، ومن ثم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان.
وأوضحت الصحيفة العبرية أن زيارة نتنياهو جاءت بعد موافقة هيئة المحكمة على إلغاء يوم مرافعات كامل مطلع الأسبوع، لتمكينه من القيام بهذه الجولة المتلفزة في الجولان المحتل. ورافق نتنياهو في زيارته كل من وزير الأمن يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زمير، ورئيس جهاز الأمن الداخلي ديفيد زيني، بالإضافة إلى وزير الخارجية جدعون ساعر.
ولفتت “يديعوت أحرنوت” إلى أن ارتداء نتنياهو للخوذة والسترة الواقية للرصاص كان بهدف التأكيد على بقاء جيش الاحتلال في المواقع التسعة التي احتلها في جنوب سوريا، بالإضافة إلى قمة جبل الشيخ، التي تُستخدم لرصد وتوفير معلومات استخباراتية حول محيط دمشق.
ووفقًا لـ”يديعوت أحرنوت”، فإن إسرائيل ستواصل احتلال هذه المواقع إلى أن تستجيب الحكومة السورية لمطالب إسرائيل الأمنية، وهي: إنشاء منطقة منزوعة السلاح من دمشق جنوبًا حتى الحدود الأردنية، وشرقًا حتى عمق 30 كيلومترًا في حوران، بالإضافة إلى منع تواجد الأسلحة الثقيلة وقوات الحكومة السورية أو الميليشيات الجهادية المحلية أو المجموعات الشيعية المدعومة من إيران.
وأشارت الصحيفة العبرية إلى أن حكومة الاحتلال تطالب بالحفاظ على وجود دائم في قمة جبل الشيخ، بالإضافة إلى فتح ممر بري من الجولان المحتل إلى محافظة السويداء، ليُستخدم في إيصال مساعدات من إسرائيل إلى الدروز مع تعهّد الحكومة السورية بعدم “إزعاجهم” وحمايتهم عند الضرورة، رغم الخلافات السياسية مع قياداتهم.
وأضافت الصحيفة العبرية أن المفاوضات بين الحكومة السورية وإسرائيل التي جرت خلال الأشهر الماضية، كان الهدف منها انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي التي احتلها أواخر العام الماضي، وذلك بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1974، بالإضافة إلى كسب تأييد إدارة الرئيس ترامب، الذي يريد إظهار أن الرئيس أحمد الشرع لم يعد جهاديًا.
وذكرت “يديعوت أحرنوت” أن المفاوضات بين الحكومة السورية وإسرائيل تعثرت بعد طلب الشرع – بدعم أميركي غير معلن – انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها أواخر العام الماضي، بالإضافة إلى وقت الضربات الجوية التي تستهدف الأراضي السورية، ورفض فتح ممر بري بين السويداء والجولان المحتل، وهو ما اعتبره نتنياهو مطلبًا ملحًّا، وربما أيضًا جزءًا من حساباته الانتخابية.
وبحسب “يديعوت أحرنوت”، فإن ترامب أعرب عن رغبته بانضمام سوريا إلى “اتفاقيات إبراهام”، لكن الشرع أكد مسبقًا أن ذلك غير وارد قبل انسحاب إسرائيل الكامل من المناطق التي احتلتها بعد كانون الأول/ديسمبر 2024.
وبحسب التقرير، لم يبدِ ترامب إصرارًا على الأمر، واكتفت واشنطن بالسعي لهندسة اتفاق أمني بين الطرفين، لكن فشل المفاوضات صعّد التوتر.
الإشارة التي أثارت القلق في تل أبيب
تشير الصحيفة العبرية في تقريرها إلى أن السبب المباشر للجولة المتلفزة التي أجراها نتنياهو إلى داخل الأراضي السورية المحتلة، كان الرد على مظاهر الود التي أبداها ترامب تجاه الشرع خلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، لافتةً إلى تلقي حكومة الاحتلال إشارات “إنذار” بعدما قام ترامب برشّ عطره الخاص على الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني. وتشير المصادر إلى أن المخاوف الإسرائيلية تمثّلت في احتمال أن تتحول هذه المجاملات العلنية إلى دعم أميركي صريح لمطالب الشرع، بما في ذلك تجاه إسرائيل.
وزعمت الصحيفة العبرية أن نتنياهو – الذي يحاول تجنب أي خلاف مع ترامب بسبب حساسية الملفات التي تخضع للنفوذ الأميركي (غزة، لبنان، إيران) – لم يكن قادرًا على إطلاق تصريحات متحدية، فجرى اللجوء بدلًا من ذلك إلى “رسالة ميدانية” عبر الزيارة وإظهار الحضور الأمني –السياسي في منطقة الفصل.
الردّ السوري والتصعيد في الأمم المتحدة
وبحسب التقرير، التقط الشرع الإشارة سريعًا، وأصدرت الخارجية السورية بيانًا غاضبًا وصفت فيه زيارة نتنياهو بأنها “غير شرعية” وتشكل “انتهاكًا خطيرًا لسيادة سوريا ومحاولة لفرض واقع جديد”، مطالبة بانسحاب إسرائيل من “الأراضي السورية”.
وعلى إثر الطلب السوري، عقد مجلس الأمن جلسة خاصة شهدت مواجهة بين المندوب الإسرائيلي داني دانون والمندوب السوري إبراهيم علبي، حيث قال دانون: “لا دليل على أن سوريا فتحت صفحة جديدة”، فرد علبي قائًلا: “أثبتنا ذلك للسوريين والمنطقة وحلفائنا، فهل تفعل إسرائيل الشيء نفسه؟”.
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الزيارة قائلًا: “هذه الزيارة العلنية مقلقة للغاية”، ودعا إسرائيل إلى احترام اتفاق عام 1974. كما دعت الخارجية الفرنسية إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجولان السوري، مؤكدة أن على إسرائيل “احترام الأراضي السورية”، بينما التزمت الولايات المتحدة الصمت.
الترا سوريا
—————————–
======================
تحديث 20 تشرين الثاني 2025
———————————-
سورية في الحلف الغربي… ماذا بعد؟/ رانيا مصطفى
20 نوفمبر 2025
انضمت سورية رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. ولكن التعاون في ملفِّ محاربة تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة، بين هيئة تحرير الشام والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ليس جديداً، بدأ في 2016، حسب ما أفادت به صحيفة نيويورك تايمز. ورغم نفي الحكومة السورية صحة ذلك، إلّا أن حوادث لاحقة تشهد تعاوناً استخباراتياً بين الهيئة خلال سنوات حكمها في إدلب قبل سقوط نظام الأسد، خصوصاً في استهداف عناصر التنظيمين، وفي مقدمتهم أبو بكر البغدادي في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2019. هندست واشنطن هذا الانضمام، ضمن سياسة جديدة للمنطقة تخصّ مصالح الرئيس ترامب في تحقيق استقرار وسلام، وإن كانا هشَّين، بدأ في غزة ثم سورية ولبنان والسودان وليبيا، مراهِنةً على دعمٍ رمزي مطلق للحكم الجديد، بدا واضحاً في المديح المطَّرِد على لسان ترامب لشخص الرئيس أحمد الشرع، وتبادل هدايا شخصية خلال زيارة الشرع المفاجئة البيت الأبيض، مقابل تقديم تنازلات كبيرة، وفي مقدمها العلاقة مع دولة الاحتلال، وقد بدأت بالفعل اللقاءات المباشرة في أعلى المستويات الدبلوماسية بين الطرفين، فيما بدا أنه تسويقٌ للحكم الجديد، وضمن صفقة رابحة يراهن عليها ترامب لإقناع المعترضين والمتردّدين في الكونغرس أو الدولة العميقة، من أجل النزول عند رغبة ترامب في رفع عقوبات قانون قيصر نهائياً. وعلى هذا، قادت واشنطن مسار إصدار القانون الأممي أخيراً بشأن سورية 2799، وشطب اسمي الرئيس أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من القوائم السوداء، على أن يخضع مجمل المسار السياسي السوري للمراقبة الأممية وتحت الفصل السابع.
تتعرّض الإدارة السورية الجديدة، بشخصيَّاتها وماضيها الجهادي المثقل بالعقوبات الدولية، لابتزاز كبير من رجل البيت الأبيض، المولَع بالصفقات، لإعطائها دعماً رمزياً في هذه المرحلة يساعدُها في التغلب على التحدّيات الداخلية، خصوصاً أمام خصومها ومنافسيها من قوى الأمر الواقع في السويداء وشرق الفرات، والمحاولات المستمرّة لتشكيل ما سمّي “تحالف أقليات” وبمشاركة قوى سياسية من الساحل أو من فلول نظام الأسد، وكذلك أخذت سلطة الشرع دفعةً معنوية كبيرة لضبط الفصائل الموالية لها. وبالتالي، يراهن ترامب على قدرة الشرع على إعادة تشكيل حكم مركزي، ولكن طيِّعٌ بيده، وهو يستغلّ ماضي الجماعة من جهة، والتقارير الحقوقية المتواترة حول الانتهاكات التي وصلت إلى توصيفها بمجازر حرب خلال الحملات الأمنية في الساحل والسويداء، لإبقاء سلطة الشرع تسير ضمن الأجندتين الأميركية والدولية، خصوصاً ما يتعلّق بمنع عودة النفوذ الإيراني إلى سورية، ومحاربة حزب الله والحرس الثوري، إضافة إلى تنظيم داعش، حسب ما صرّح به المبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك.
حاولت القوات السورية الجديدة ضبط الحدود السورية اللبنانية، منذ بداية العام، لمنع وصول الأسلحة إلى حزب الله؛ وهو أيضاً هدفٌ أمني سوري لمنع تحرّك وصول الدعم من أطراف لبنانية إلى خلايا محتملة لفلول نظام الأسد. وفي ملف محاربة داعش، نشطت وزارة الداخلية بشكل مفاجئٍ، قبيل زيارة الشرع البيت الأبيض، في 61 مداهمة لخلايا التنظيم، اعتقلت خلالها 71 شخصاً، حسب تصريحاتٍ حكومية. وبعد التغييرات الأمنية الكبيرة التي حصلت بعد انهيار نظام الأسد، زاد نشاط التنظيم ضمن خلايا صغيرة وعمليات محدودة، وضمن استراتيجية “الخمول المرن” والصمود والتعطيل من دون السيطرة على الأرض، حسب وصف باحثي معهد الشرق الأوسط في واشنطن، مع اختراق صفوف قوات الأمن بالتجنيد والتجسس، وتسويق نفسه قادراً على تحقيق العدالة للسوريين، حيث يبلغ عدد المقاتلين الفاعلين داخل الأراضي السورية بين 2500-3000.
من الواضح أن شكل التعاون بين دمشق والتحالف الدولي سياسي واستخباراتي، وأنّ الانتقال إلى المستوى العسكري يتطلَّب قدرة الإدارة الجديدة على إنشاء منظومة عسكرية رسمية مركزية وهرمية، وهذه مهمّة تحول دون تحقيقها مصاعب كثيرة، في مقدّمتها تحدّي إعادة مأسسة الجيش من فصائل ومليشيات، ومنها هيئة تحرير الشام، وكيفية التوفيق بين العمل ضمن أجندة التحالف الدولي وضمان ولاء هذا الجيش المطلق لحكم الشرع الساعي بوضوح إلى ترسيخ حكم الفرد؛ حيث تعاني مؤسسة الجيش من خلافات إيديولوجية بلغت أوجها في ارتباك شرعيي السلطة في إفتاء زيارة الشرع البيت الأبيض وانضمامه إلى التحالف الدولي. أما عودة ضباطٍ منشقين إلى الجيش، فهي رمزية، ولا يبدو أن لهم دوراً في تشكيل الجيش الجديد، فيما يتم تداول تدريب عشرات الضباط في تركيا والسعودية، في خطوة تطرح تساؤلاً حول إمكانية تأهيل مقاتلين ضمن فصائل، وهم من خلفيات مدنية، كما تطرح تساؤلاً حول العقيدة القتالية للجيش الجديد.
دعا الشرع الولايات المتحدة إلى الإشراف على عملية الاندماج المتعثِّرة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما زالت الأخيرة معتمَدة من التحالف الدولي لقتال “داعش”، وتشرف على مخيمات تضمُّ قرابة 45 ألفاً من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، وتتلقّى الدعم العسكري والأموال والتدريبات، ورغم رغبة واشنطن في دمجها بالحكومة المركزية، إلا أنَّه من الصعب التخلي عنها ككتلة صلبة اعتادت العمل تحت كنف التحالف. وهناك جيش سورية الحرة، الذي كان يعمل ضمن الفرقة 70 التابعة لوزارة الدفاع السورية، ثم أصبح تابعاً للداخلية تحت مظلة “فرع أمن البادية”، وقد امتدَّ نفوذه ليلة سقوط نظام الأسد ليشمل تدمر والضمير، وهو يتلقى دعماً ورواتب وتدريبات من الولايات المتحدة، وما زال معتمَداً من التحالف الدولي. هذا يعني أن انضمام “جيش سوريا الحرّة”، وكذلك سيكون انضمام “قسد” تحت المظلة الحكومية شكليّاً في هذه المرحلة، وبما يتلاقى مع الرغبة الأميركية في تخفيض حضورها العسكري البشري في المنطقة، والاعتماد على قوّات محلية. فيما ستبقى عملية الدمج الحقيقية مرهونة بما سيقوم به الشرع وإدارته من خطوات فعلية باتجاه توحيد الجيش، وتشاركية أوسع في السياسة والاقتصاد، ومصالحة مع السويداء، وإيقاف الانتهاكات ضد العلويين في الساحل ووسط سورية، ولا يبدو أن حكومة الشرع قادرة على تحقيق ذلك كله في المديين المنظور والمتوسط.
زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان واشنطن تزامنا مع زيارة الشرع البيت الأبيض، بدعوة من براك؛ هذا يطمئن تركيا، ويخفّف التوتر بينها وبين كل من “قسد” ودولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد يُسمح لتركيا بترسيخ نفوذها في المناطق الشمالية، وأن تؤدّي دوراً داعماً لحكومة الشرع، ومضبوطاً أميركياً، ولإبعادها عن روسيا، وعدم السماح للأخيرة بعلاقات قوية مع الإدارة الجديدة تتجاوز الحفاظ على قواعدها العسكرية في الساحل السوري. بالتالي الدور الأميركي هو ضبط الأطراف المتدخلة في سورية، وتطويع السلطة الجديدة للعمل ضمن مصالح واشنطن. وهنا يأتي ما نشرته “رويترز” عن إشاعة تأسيس قاعدة عسكرية أميركية قرب دمشق جنوباً، بما يحقق عدة أهداف، منها أمن إسرائيل، والإشراف على أن تكون المنطقة الجنوبية منزوعة السلاح، وتقديم ضمانات أميركية لدولة الاحتلال بأن سورية لن تشكل تهديداً، ومن الممكن توقيع اتفاق أمني أو سلام أو حتى تطبيع، يتم فيه التخلي عن الجولان السوري لمصلحة الكيان المحتل.
وفي النهاية، المسار السياسي والأمني الذي تسلكه الإدارة الجديدة، بالحصول على شرعية غربية/ أميركية، عبر تقديم تنازلات غير محدودة، مع إهمال ترتيب البيت الداخلي وحاجاته الوطنية، لن يقود إلى استقرار، بل إلى مزيد من التدهور الداخلي، وبالتالي مزيد من الابتزاز السياسي وتقديم التنازلات.
العربي الجديد
—————————–
لقاء ترمب-الشرع…. تحوّل مفصلي في السياسة الدولية/ عمر اونهون
الشرع رجل برغماتي، وقد أدرك أهمية العلاقات العامة
آخر تحديث 20 نوفمبر 2025
شكّلت استضافة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأحمد الشرع، رئيس سوريا، في البيت الأبيض في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني، حدثا مفصليا هو الأول من نوعه على الإطلاق.
وقد أبدى ترمب حفاوة لافتة تجاه الشرع في مكتبه، تخللتها لحظات طريفة من تبادل الهدايا، وزيّن اللقاء بعبارة “رجل قوي في جوار صعب”، وهي عبارة اعتاد أن يخص بها زعماء أجانب يكنّ لهم إعجابا، وإن لم يكن بالضرورة محبة، من بينهم شي جينبينغ، بوتين، أردوغان، وأوربان.
الشرع، الذي كان حتى وقت قريب مدرجا على قائمة أخطر المطلوبين للولايات المتحدة، مع مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله، بات اليوم وجها جديدا.
ومع أن بعض المخاوف، ولا سيما ما يتعلق بمعاملة الأقليات في سوريا، مثل الأكراد والعلويين والدروز لا تزال قائمة، فإن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وضعا جانبا ماضيه الجهادي، ومنحاه رصيدا سياسيا للمضي قدما في بناء نظام جديد لسوريا جديدة.
الشرع رجل برغماتي، وقد أدرك أهمية العلاقات العامة كما يتضح من الحملات الأخيرة ضد خلايا “داعش” في أنحاء البلاد ومن مظاهر التعايش والتسامح تجاه المسيحيين السوريين، ومن لقاءاته مع يهود سوريا.
أما النتيجة الأبرز للقاء ترمب والشرع، فكانت إعلان سوريا انضمامها إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”. وكان إدماج الأكراد السوريين في النظام الجديد من أبرز القضايا المطروحة، ومن المتوقع أن تستأنف دمشق وقوات سوريا الديمقراطية محادثاتهما الأسبوع المقبل.
وفي ملف العقوبات، تحقق بعض التقدم، لكن “قانون قيصر” لا بد من إلغائه بالكامل، وهي عملية ينبغي أن تمر عبر الكونغرس.
كما ناقش الزعيمان إمكانية توقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. وقد جدد الشرع تأكيد رغبة سوريا في إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل، وكشف علنا عن محادثات جارية معها، لكنه أشار إلى أن توقيع اتفاق غير ممكن في ظل توسع الاحتلال الإسرائيلي ليشمل كامل الجولان، بل وتوغله في أراض سورية إضافية. وقد وعدت الولايات المتحدة، كما يقال، بإيجاد مخرج لهذه المعضلة.
ومن بين المواضيع الأخرى التي نوقشت، مستقبل النظام الإداري في سوريا وقضية استخدام وتوزيع الموارد النفطية. فقد باتت “قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب” تسيطر على معظم حقول النفط في البلاد، فيما تحرم دمشق من مصدر دخل بالغ الأهمية لإعادة الإعمار، يقدر بنحو 216 مليار دولار وفق أكثر التقديرات تحفظا، بحسب أحدث تقارير البنك الدولي.
المفاجأة الكبرى في زيارة واشنطن كانت حضور هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي. فتركيا تعد من أبرز اللاعبين في الأزمة السورية منذ بدايتها، ولها كلمة مؤثرة في مستقبل هذا البلد. ولم يكن وجود فيدان في واشنطن مصادفة، بل جاء بدعوة من الولايات المتحدة. وقد شارك فيدان في جزء من اللقاء بين ترمب والشرع.
ثم اجتمع لاحقا مع وزير الخارجية الأميركي روبيو، ووزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، إلى جانب المبعوثين الخاصين ستيف ويتكوف وتوم باراك. كما انضم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى الاجتماع في مرحلة ما.
إن لتركيا مصالح وهواجس عديدة في سوريا، تتصدرها المسألة الكردية. فهي تسعى إلى القضاء على إرهاب “حزب العمال الكردستاني” داخل حدودها، وفي الوقت نفسه تعمل على قيام نظام في سوريا يحد من التهديدات التي تمثلها “وحدات حماية الشعب”، الفرع السوري للحزب. وقد شهدت العلاقات التركية-الأميركية خلافات حادة حول هذه المسألة، لا سيما خلال إدارة بايدن، إذ كانت واشنطن تصر على أن “وحدات حماية الشعب” ليست امتدادا لـ”حزب العمال الكردستاني”، وتعاملت مع المخاوف التركية بقدر من الفتور.
أما الرئيس الأميركي الحالي، فله علاقة طيبة مع أردوغان، ويريد لتركيا أن تضطلع بدور محوري في سوريا، شرط أن يتماشى ذلك مع المصالح الأميركية. وقد عدل ترامب سياسة بلاده تجاه “قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب”، لكن من الصعب القول إن هناك تحولا جذريا. ما يبدو أنه يسعى إليه هو إضفاء الشرعية على هذه القوات من خلال دمجها في الجيش السوري.
ويرى كثيرون أن حضور هاكان فيدان إلى واشنطن يعكس قيام طاولة ثلاثية تجمع تركيا والولايات المتحدة وسوريا لإيجاد حلول. ومن خلال مناصب المسؤولين المشاركين، وبالمنطق البسيط، يتضح أن هذه الطاولة تضم أيضا “وحدات حماية الشعب” وإسرائيل، وإن لم تكن حاضرة علنا، لأسباب مفهومة.
وقد أكد هذا الطرح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، السفير توم باراك، الذي صرح عبر حسابه على منصة “إكس” قائلا: “في الجلسة الثلاثية المحورية التي جمعت وزير الخارجية روبيو، والوزير هاكان فيدان، والوزير أسعد الشيباني، رسمنا ملامح المرحلة المقبلة من الإطار الأميركي-التركي-السوري: دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في البنية الاقتصادية والدفاعية والمدنية الجديدة لسوريا، وإعادة تعريف العلاقات التركية-السورية-الإسرائيلية، وتعزيز التفاهم الذي يشكل أساس وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس”.
ويرى بعض المراقبين في دعوة فيدان مؤشرا على رغبة واشنطن في ضمان عدم عرقلة تركيا للمسار، بل انخراطها فيه.
أما الأكراد في سوريا، الذين كانوا يُعتبرون لعقود تهديدا أمنيا، فقد تعرضوا للقمع في عهد الأسد، ولم يمنح كثير منهم بطاقات هوية، وحرم عدد كبير منهم من الجنسية. وقد شكلت الأزمة السورية التي اندلعت عام 2011 فرصة لهم، فتنظموا سياسيا وعسكريا، ومنذ عام 2014 دخلت الولايات المتحدة على الخط، فدربت وجهزت ووسعت “قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب”.
ومنذ بداية الأزمة وسقوط نظام الأسد، أعلنت هذه القوات أنها لن تتخلى عن مكاسبها، وأن لا عودة إلى ما قبل 2011. وربما بدافع من الواقعية السياسية أكثر منه موقفا مبدئيا، يؤكد الأكراد أنهم لا يسعون إلى تفكيك سوريا، بل إلى تحقيق مطالبهم ضمن إطار وحدة الأراضي السورية، وفق مفهوم يسمونه “الوحدة الديمقراطية”.
ويصر الأكراد على إقامة نظام إداري لا مركزي، وعلى الاحتفاظ بقواتهم المسلحة، فضلا عن مطالبتهم بحصة عادلة من عائدات النفط. وعقب لقاء ترمب والشرع في واشنطن، نشر القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي رسالة عبر حسابه على وسائل التواصل، شكر فيها الرئيس ترمب، وأشار إلى مكالمة هاتفية ممتازة أجراها مع توم باراك حول نتائج الاجتماع في البيت الأبيض. وأكد عبدي التزام قواته بتسريع عملية الاندماج في الدولة السورية.
المباحاثات بين دمشق وأكراد سوريا
أفادت مصادر متعددة، من بينها الإدارة الأميركية ودمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب”، أن الطرفين سيعقدان اجتماعا في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، تحت إشراف ورعاية أميركية.
وفي تصريح لصحيفة كردية، أشار صالح مسلم، القيادي البارز في “حزب الاتحاد الديمقراطي”، إلى أن مشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في اجتماعات واشنطن يمكن تفسيرها على أنها قبول تركي باتفاق العاشر من مارس/آذار والمسار الذي تلاه.
ورغم أن التطورات تبدو وكأنها تؤكد تفسير صالح مسلم، فإنها لا تتماشى مع الموقف التركي المعلن حتى الآن، والذي يتمثل في ضرورة تفكيك “حزب العمال الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب”، وطي صفحتيهما نهائيا.
ولم يصدر بعد قرار نهائي أو بيان رسمي، لكن المباحثات بين دمشق والأكراد تتجه نحو صيغة تتضمن ما يلي:
– انضمام “وحدات قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب” إلى الجيش السوري، على شكل فرقة أو فرقتين، ولواءين.
– نشر هذه الوحدات في المناطق الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” في شمال شرق وشرق سوريا.
– تخصيص وحدة واحدة على الأقل لمكافحة الإرهاب في جميع أنحاء البلاد عند الحاجة.
– إدراج عدد من القيادات العليا في “قوات سوريا الديمقراطية”/”وحدات حماية الشعب” ضمن الصفوف القيادية العليا في وزارة الدفاع السورية.
وتتعارض هذه الصيغة، التي تتيح لتلك القوات الاحتفاظ بتشكيلاتها المسلحة وقياداتها وسلاحها، مع الموقف التركي ومطالبه، إذ إنها لا تعني تفكيك القوات، بل منحها وضعا قانونيا داخل الدولة السورية ومؤسساتها الدفاعية، وبالتالي إضفاء الشرعية عليها.
وفوق ذلك، تبرز قضية عناصر “حزب العمال الكردستاني” في تركيا وشمال العراق. فبحسب تقرير لوكالة “رويترز” الأسبوع الماضي، تعمل تركيا على إبرام اتفاق يسمح بعودة نحو ثمانية آلاف عنصر من الحزب من مخابئهم في شمال العراق، وهو ما يرتبط ارتباطا وثيقا بسوريا، إذ من المتوقع أن يفضل بعضهم الانتقال إليها، ما قد يعزز صفوف “وحدات حماية الشعب”.
وقد أثبتت الأزمة السورية منذ عام 2011 أن ما يحدث في سوريا لا يبقى فيها. وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لتركيا، التي تخوض مسارا معقدا للغاية في ما يسمى “عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني”، الذي يطلق عليه أيضا اسم “مشروع الوحدة الوطنية والأخوة”، تجنبا لإثارة قلق وغضب الأتراك الذين يشعرون أصلا بالانزعاج والقلق.
وربما لهذا السبب، رغم ابتساماته في واشنطن، وجه فيدان تحذيرا خلال لقائه مع الصحافة، عندما صرح بأن عدم إدارة المشكلات في شمال وشمال شرق وجنوب سوريا بشكل سليم، قد يهدد وحدة الأراضي السورية ويؤدي إلى مزيد من التفكك.
ولكن سوريا لم تكن الملف الوحيد الذي ناقشه فيدان مع نظيره الأميركي، إذ أشار إلى أنهم أجروا محادثات معمقة حول قضايا أخرى، من بينها الملف الفلسطيني، لا سيما وقف إطلاق النار في غزة، وملف الحرب الروسية–الأوكرانية، والعقوبات على النفط الروسي، وقضايا إيران.
ويكتسب وقف إطلاق النار في غزة أهمية خاصة، إذ إنه يرتبط أيضا بسوريا وبالعلاقات التركية–الإسرائيلية. ومنذ اندلاع الحرب في غزة، وقفت تركيا بقوة إلى جانب الفلسطينيين، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في علاقاتها مع إسرائيل.
وقد أعلنت تركيا، بصفتها من أبرز داعمي خطة السلام التي طرحها الرئيس ترمب، استعدادها للعب دور في العملية، بما في ذلك إرسال قوات للمساهمة في قوة الاستقرار، لكن إسرائيل عبرت عن رفضها، ووجه وزير خارجيتها كاتس انتقادات للرئيس أردوغان، مستشهدا بعلاقاته مع حركة “حماس”.
وبديهي أن احتمال وقوع مواجهة بين تركيا وإسرائيل في سوريا يثير قلقا لدى الولايات المتحدة، التي تسعى إلى منع الأمور من الانزلاق نحو الأسوأ.
المجلة
———————————-
الجغرافيا إذ تترك مقعد المتفرج: سوريا الجديدة مثالاً/ وائل مرزا
كأن الأرض التي اسمها سوريا لم تكن يوماً طيّعة في يد التاريخ. كأنها كانت دائماً جغرافيا ذات رأي، وموقعاً له طقسه الخاص في الحسابات والخرائط.
كأنها وُلدت لتكون فاعلة في قلب التاريخ، لا شاهدة عليه فقط. فمنذ آلاف السنين، والجغرافيا السورية ليست خلفيةً للأحداث بقدر كونها صانعةً لها.
لكن هذه الجغرافيا العريقة، التي وُلدت من التقاء البحار بالصحارى، ومن عبور الأنبياء والجيوش والأفكار، وجدت نفسها، طوال أكثر من خمسة عقود، تُدار كما تُدار حظيرة. وتُختزل كما تُختزل مزرعةٌ في دفتر الديون.
وإذ يفتح السوريون عيونهم اليوم على كمون بلدهم، فإنهم يدركون أن ما فعله نظاما الأسد، الأب والابن، بهذا البلد العظيم، يتجاوز حدود الجريمة السياسية إلى ما يُشبه الإبادة المعنوية لشعبٍ ومكان. فخلال أكثر من خمسين عاماً، تحوّلت سوريا من دولةٍ حيوية ذات موقعٍ إقليمي مركزي، إلى كيانٍ مدجّن، خائف، مكبّل بإرادة أمنية عمياء، فاقدٍ لهويته السياسية والاقتصادية والثقافية. وبالحصيلة، اختُزل الوطن كله في شخصٍ واحد، وتحوّلت الدولة إلى جهاز مخابرات، والمجتمع إلى ملف، والناس إلى أرقامٍ في دفاتر التقارير.
لكنّ التاريخ، على قسوته، لا يحكم بالإعدام على الأوطان، بل يُبقي فيها جمرةً كامنة لا تنطفئ، تنتظر من ينفخ فيها بحكمةٍ وإرادة. وهكذا، وفيما كانت المنطقة تتغير بعنف، والخرائط فيها تتشظى، والأمل يُعدّ من ضروب الخيال، بدأت تتشكل بهدوءٍ غريب، ملامح خروج سوريٍ من ركام الهزيمة. لم يحصل ذلك بشعارات، ولا بخطاباتٍ نارية، وإنما ببداية تفكيرٍ عقلانيٍ منظم، تنبّه إلى أن المكان لا يعود إلى أصحابه بالضجيج، وإنما بالهندسة البطيئة الدقيقة. وإلى أن من خسر نصف قرنٍ بالدم، لا بد أن يبدأ استعادة ما تبقى منه بالعقل.
وها نحن، في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، بعد أقل من عامٍ على التحرير، نرى كيف تقف سوريا فعلياً على أعتاب مرحلة استراتيجية جديدة، يتقاطع فيها الداخل مع الإقليم، وتتقاطع فيها التحولات السياسية مع فرص التنمية، ضمن مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، ولكنه يفتح، لأول مرة منذ أكثر من عقد ونصف، كوةً حقيقية في جدار الانسداد.
ليس سراً، هنا، أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن مثّلت منعطفاً تاريخياً في مسار سوريا الحديث. فبهذه الخطوة الرمزية ـ الاستراتيجية، يبدو واضحاً أن سوريا الجديدة قد خرجت فعلياً من عنق الزجاجة الاستراتيجية، ومن حالة المراوحة الإقليمية والدولية، وأنها لم تدخل فقط عملياً في مرحلة إعادة التموضع، وبشكلٍ متميز، ضمن النظام الدولي. وإنما انتقلت، في دورها السياسي، من موقع الدفاع إلى موقع الفعل والتأثير. ففي النظام الدولي، لا يمكن النظر إلى عبور رئيس دولة كانت تحت العقوبات والمقاطعة إلى البيت الأبيض على أنه مجرد إشارة رمزية، وإنما هو تغيير في قواعد الاشتباك الجيوسياسي، وإعادة إدماج في معادلة القرار الدولي. أما الحديث المتصاعد عن احتمال قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بزيارة إلى دمشق في المرحلة القادمة، فلن تكون فقط، في حال حصولها، قمة السُّريالية في المشهد السوري، وإنما ستكون إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، تُرسم فيها خطوط الشرق الأوسط المقبل بمقاييس مختلفة تماماً. وتصاحبها رسالةٌ لا لبس فيها للعالم أجمع بأن التموضع الدولي لسوريا قد أُعيدت صياغته بالكامل.
لكن الأهم من الحدث هو إدراك سياقه العميق. فمن المعروف في نظريات الشرعية السياسية أن تحقيق مثل هذا الإنجاز في العلاقة مع القوى العظمى يُعيد تشكيل البيئة السياسية الداخلية بشكل مباشر، لأنه يخلق إطاراً دولياً حامياً لأي تحولٍ تنموي حقيقي. فالاقتصاد لا يتحرّك في العدم، والاستثمار لا يأتي إلى فراغ سياسي أو إلى حالة عزلة دبلوماسية.
ولهذا، فإن الحراك الدبلوماسي السوري غير المسبوق منذ لحظة إعلان التحرير لا يمكن أن يُقرأ من زاوية استعراضية كما يروّج البعض، وإنما يجب النظر إليه كأداة استراتيجية في سياسات القوة الناعمة وإعادة صياغة العلاقة مع البيئة الدولية بما يخدم الاستقرار الداخلي. ومن الخطأ الاستراتيجي الاستمرار في اجترار النظرة الطفولية التي ترى أن «الزيارات الخارجية لا تفيد الداخل»، أو أنها مجرد تضييع وقت. فالعكس تماماً هو الصحيح. بمعنى أنه لا تنمية دون شرعية دولية، ولا شرعية دون تسويات، ولا تسويات دون دبلوماسية نشطة وشجاعة ومتماسكة.
ما يُعزز هذه القراءة هو المعطيات المتوافرة حول تفاصيل الزيارة نفسها، وما جرى فيها من اتفاقات ثنائية وثلاثية. فإلى جانب اللقاء التاريخي بين الرئيس الشرع ونظيره الأمريكي، شهدت الزيارة انضمام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مفاوضات ثلاثية، ما يشير إلى عمق البعد الإقليمي للترتيبات الجارية. ثم جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، في توقيت حساس، لتضع اللمسات النهائية على الملف الإقليمي الذي تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتبرز فيه سوريا كبلد ارتكاز أساسي. ومن بين ما يُتوقّع أن يُعلن عنه خلال احتفالات يوم النصر في الثامن من ديسمبر القادم، رفع نهائي وكلي للعقوبات المفروضة على سوريا، وبدء تنفيذ عدد من الاتفاقات الاستثمارية الضخمة في البنية التحتية والطاقة، إلى جانب مشاريع إصلاح هيكلي في القطاعات المالية والإدارية. وهذا كله يندرج في الإطار الذي حددته القيادة السورية بوضوح، حين أكدت أن عام 2026 سيكون عام الانطلاقة الجذرية لعملية التنمية الاقتصادية والسياسية.
غير أن هذا التحول الخارجي، رغم زخمه التاريخي، يضع على عاتق الدولة السورية تحديات داخلية من نوع جديد. ويتمثل التحدي الأول، وربما الأهم، في ضرورة تبني تفكير سياسي مبتكر خارج الأطر التقليدية، يُرسّخ مسارين شديدي الحساسية: مسار المشاركة السياسية، ومسار تعزيز الوحدة الوطنية. في المسار الأول، لن يكون مقبولاً بعد اليوم الاكتفاء باختيار النخب الإدارية والسياسية إما على أساس «الكفاءة» دون اعتبار للثقة والانتماء الوطني، أو على أساس «الثقة» وحدها دون نظر إلى الكفاءة. فقد أثبتت التجربة أن غياب أحد العنصرين يؤدي إلى كوارث إدارية وسياسية، ويُهدر فرص البناء الفعلي. المطلوب الآن، إذاً، هو إعادة صياغة منهجية اختيار الكوادر في الدولة، وفق معادلة دقيقة توازن بين الولاء الوطني والجدارة التقنية، بعيداً عن المحسوبيات من جهة، وعن العفوية من جهة أخرى.
أما في المسار الثاني، فإن اللحظة السياسية تتطلب إبداع سياسات متقدمة لترسيخ الوحدة الوطنية، لا تكون على مستوى الشعارات، وإنما عبر آليات تنفيذية تراعي حساسيات المكونات المجتمعية كافة، وتُزيل الرواسب التي خلفتها سنوات الحرب والصراع والتجييش المتبادل. وهنا، لا يمكن للدولة وحدها أن تقوم بهذه المهمة، فالمجتمع المدني مدعو إلى لعب دور مركزي فيها، لكنه سيواجه تحديات كبيرة ومزدوجة في هذا الإطار.
ففيما يخص المشاركة السياسية، سيكون من غير الواقعي أن تتوقع منظمات المجتمع المدني أن المرحلة المقبلة ستُدار وفق النموذج الديمقراطي الكلاسيكي السائد في العالم الغربي، بكل مؤسساته وآلياته. ذلك أنه لا النظام الإقليمي يرغب في هذا النموذج، ولا النظام الدولي يضعه اليوم على أجندته، كما أن البنية المجتمعية والسياسية السورية لم تُستكمل بعد لتتحمّل صدمة معادلة «الأكثرية» و«الأقلية» وما قد تفرزه من استقطابات مدمّرة. والقوى الحداثية والعلمانية والليبرالية في المجتمع المدني مدعوةٌ، قبل غيرها، إلى مراجعة عميقة في هذا السياق، لأنها إن استعجلت المطلب الديمقراطي بمعناه الكامل، قد تجد نفسها وجهاً لوجه مع واقع لا يرحم، وقد تنتهي إلى الإقصاء أو التهميش، أو على الأقل إلى خسارة قواعدها الاجتماعية! ولهذا فإن التنمية السياسية في هذه المرحلة ينبغي أن تُستثمر في إعادة تعريف الناس بالسياسة، وتوسيع قاعدة الفاعلين السياسيين، من خلال التدريب، والتثقيف، وبناء المبادرات، وتدعيم الخطاب المدني، دون استعجال الصيغ الانتخابية أو الحزبية.
أما فيما يتعلق بمسار ترسيخ الوحدة الوطنية، فإن التحدي الأكبر سيواجه المجتمع المدني في قدرته على تقديم سياسات ومبادرات تستند إلى فهم عميق للواقع السوري، دون الانزلاق إلى انتقاء مكونات بعينها لتُعطى الأولوية في العمل، تحت شعارات المظلومية أو الخصوصية الثقافية أو التمييز الإيجابي. فمثل هذه المقاربات، وإن كانت تبدو عادلة ظاهرياً، غالباً ما تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام، وتفكيك المشترك الوطني، بدل ترسيخه. والمطلوب اليوم هو بناء سردية وطنية جديدة، لا تلغي أحداً ولا تقدّس أحداً، وإنما تعترف بالتنوع وتؤطره في مشروع دولةٍ واحدة، عادلة، وفاعلة.
إن لحظة الثامن من ديسمبر لن تكون مجرد ذكرى احتفال رمزي، وإنما هي إعلان بداية رسمية لمرحلة جديدة في تاريخ سوريا. وما تعيشه سوريا اليوم ليس نهاية صراع، وإنما بداية مرحلة تأسيس. مرحلة تتطلب وعياً مركباً، لا شعارات عاطفية. وتستدعي جيلاً من الفاعلين السياسيين والمدنيين يُدركون أن بناء الدول لا يكون بـ«المنشور» و«البيان»، وإنما بتراكم الخبرة، والاعتراف بالواقع، وتوسيع دوائر البدائل والخيارات.
لقد خرجت سوريا الجديدة من عنق الزجاجة، نعم. لكن التحدي الحقيقي هو أن لا تعود إليه مرة أخرى بعد كل تلك التضحيات.
كاتب سوري
القدس العربي
———————————-
تحديات كبيرة سبقت زيارة الشرع إلى واشنطن/ موفق نيربية
18 – نوفمبر – 2025
لم يجد روجر كوهين أحد الكُتّاب في “نيويورك تايمز”، أفضل من قرية باريشا في شمال سوريا، للكتابة حول زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن. أجرى مقابلة سريعة مع أحد مزارعي الزيتون، وهو يسكن البيت المجاور للبيت الذي شهد العملية الأمريكية المهمة عام 2019، في الفترة الأولى لرئاسة ترامب، واستعاد معه دقائق تلك الليلة الرهيبة. عنون مقالته لاحقاً: “قرية سورية، وطريق طويل إلى واشنطن”.
وورد فيها أنّ الرئيس ترامب قال: (لقد مات مثل الكلب)، في تعبير عن هوسه طوال فترة ولايته الأولى بالقضاء على البغدادي. “في ذلك الوقت، على بعد 25 ميلاً فقط جنوباً في مدينة إدلب، كان أحد مساعدي البغدادي السابقين، الذي عرفه في العراق، قد رسخ نفسه كزعيم محلي للمقاومة ضد نظام سوريا القمعي (السابق). بعد أن كلفه البغدادي بتوسيع تنظيم “القاعدة” في سوريا، انفصل عنه حوالي عام 2013، وبدأ تدريجياً، متقلباً بين التسامح والوحشية، في اتباع مسار أكثر اعتدالاً منذ عام 2016″.
استَشْهد كوهين برندا سليم الباحثة في معهد السياسة الخارجية التابع لجامعة جونز هوبكنز، التي قالت: “إنه تحول مذهل في الأحداث، عندما تفكر في أن ترامب قتل رئيس السيد الشرع ومعلمه السابق، البغدادي”. وأضافت: “قصة الشرع لم تُكتب بعد. لقد جلب الأمل، ولكن هل سيصبح قمعياً؟”. وقد أشارت مقالة “نيويورك تايمز” بدورها إلى “أن رحلة السيد الشرع من جهادي عاقد العزم على قتل الجنود الأمريكيين في العراق، إلى زعيم اليوم اللبق والأنيق والمتصالح، الذي يجذب إليه الدول في جميع أنحاء العالم، رحلة عظيمة لدرجة أن الأسئلة تُطرح حتماً حول مدى اكتمال هذا التحول حقاً”. استنتج كوهين كذلك أن السوريين- مثل جار البغدادي، الذي تناول طعاماً محلّياً لديه – أحسّوا بالحرّية وبأنّ عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن صدورهم، بعد سنوات طويلة قاسية من الحرب. وقال إن ذلك الجار أجابه عندما سأله عن رأيه بالتحالف السريع التطوّر بين الرئيس وترامب، بأنّه “لا يريد أن يُعتقل إذا أجاب إجابة خاطئة”. “اعتقال من قبل مَن؟” “السيّد ترامب!”. استنتج كوهين عندها أن حسّ الفكاهة يعود إلى سوريا. وتابع مقالته بوصف العملية، والراية البيضاء الكبيرة الخاصة بهيئة تحرير الشام على مدخل إدلب. ثم أشار إلى أن الرئيس الجديد “أكثر دراية بالأنظمة الاستبدادية منه بتقاسم السلطة”، وليس من الواضح أيّ اتجاه سياسي سيسلكه، على الرغم من كون مستوى الحرية في بلاده، مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل أحد عشر شهرا يُثير دهشة أمثال مزارع باريشا. أورد الكاتب أيضاً أن “السيد الشرع، بعد تخليه عن الفكر الجهادي، تعاون مع الولايات المتحدة في تقديم معلومات استخباراتية أدت إلى ملاحقة قادة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في محيط إدلب، وفقا لسفير غربي في دمشق، طلب عدم الكشف عن هويته، تماشيا مع الأعراف الدبلوماسية”. وبالفعل، تحتاج الزيارة إلى خلوة حتى ينظر المرء فيها، من دون أخطاء. رغم ذلك نتابع!
في استطلاع لبعض كبار المعلّقين الاختصاصيين، أجراه معهد راند للأمن القومي بعد سقوط الأسد بقليل، قالت آن ماري ديلي، الخبيرة الاستراتيجية الجيوبوليتيكية، إنه “منذ اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011، اشتكت تركيا من أن حلف الناتو لم يُدرك على ما يبدو حجم التهديد الإرهابي الذي يواجهها. علاوة على ذلك، أدى دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية إلى توتر العلاقات بين البلدين. إن الوضع الراهن القلق في سوريا ينطوي على مخاطر وفرص في آن واحد؛ فالمخاطر تتمثل في إمكانية تحول سوريا إلى ملاذ آمن للإرهابيين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وعلى مقربة من حدود الناتو، أما الفرص فتكمن في تحسين علاقات الولايات المتحدة وحلف الناتو مع تركيا، والتعامل مع إيران من موقع قوة نسبية، وإعادة تقييم القوات والمهام العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. ينبغي على الولايات المتحدة العمل مع تركيا، ومن خلال حلف الناتو لتطوير نهج أكثر استدامة وطويل الأمد تجاه الشرق الأوسط، بدلاً من الاقتصار على مواجهة تهديدات محددة في أماكن معيّنة، دون مراعاة الشواغل الجيوسياسية الأوسع نطاقاً”. وقد انعكست فكرة إمكان “تحسين” العلاقات مع تركيا تلك، في حضور وزير خارجيتها حقان فيدان، واجتماعه مع وزير الخارجية السوري بوجود ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، أثناء الزيارة.
من الضروري هنا الإشارة إلى الحدث الذي سبق الزيارة بقليل، وكان شرطاً لازماً لها، وهو صدور قرار مجلس الأمن رقم 2799. وقد رفع ذلك القرار كما هو معروف اسمي الرئيس الشرع ووزير داخليّته من قوائم الإرهاب، وهذا ما كان يهمّ الزائر والمُزار بالتحديد، إلّا أن ذلك القرار في الواقع لم يصدر إلّا بعد معالجات أمّنت طريقه وسهّلته.
في نهاية “الحيثيات” أو المقدّمة التي هي جزء لا يتجزّأ من القرار، وقبل مادّتيه الوحيدتين، قيل بطريقة قاطعة: “وإذ يتصرّف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة”. وقد أثار ذلك جدلاً متناقضاً تماماً، قال أحد طرفيه بشكل عبثي إنه يشمل أولئك الذين لن يطبّقوا القرار ويحذفوا الاسمين من قوائم الإرهاب (مَن؟)، وقال الآخر إنه يغطّي جسم القرار كلّه كما كان يفعل مع أيّ قرار آخر، سواء صدر تحت الفصل السادس أو السابع.
لن يكون في الحسبان أن ذلك التهديد الضمني يعني المادّة التي تذكر الاسمين، ولا المادّة الثانية الشكليّة التي تقول إن المجلس” يقرّر أن يبقي المسألة في نظره الفعلي”… ولا يبقى إلّا ماورد في مقدّمة القرار نفسها. يتضمّن ذلك ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل (السويداء؟!)، ومكافحة الإرهاب بما يشمل المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتنظيم الدولة والقاعدة، “وما يرتبط بهما من جماعات ومؤسسات وكيانات”، وتلك الإشارة إلى المقاتلين الأجانب ثلاث مرات في جسم المقدّمة. نصّ أيضاً على حماية حقوق الإنسان لجميع السوريين “وسلامتهم وأمنهم”، ومكافحة المخدّرات، والنهوض بالعدالة الانتقالية- من كبوتها؟، إضافة إلى عملية سياسية شاملة يقودها السوريون ويمتلكون زمامها. “وإذ يتوقّع أن تفي الجمهورية العربية السورية بهذه الالتزامات المٌتعَهّد بها للشعب السوري بأسره بغضّ النظر عن العرق أو الدين”.
كان القرار قد أشار في مطلعه إلى المبادئ والأهداف الواردة في القرار 2254 لعام 2015، وذلك يقطع بأنّ ذلك القرار لم ينتهِ مع سقوط النظام، وفرار الطاغية كما يُقال من قبل الذين يدفعون بالسلطة الجديدة إلى ورطاتها لمصالحهم وأهوائهم الخاصة، بل إنّه ما زال يحوي في جسمه ومنطقه الأسس اللازمة للخروج الفعليّ من عنق الزجاجة السورية الخانق. رغم ذلك، يُسجّل للسلطة الجديدة ابتعادها النسبي عن قمع حرّية التعبير، الأمر الذي يبقى أساساً لاحتمالات إيجابية للتقدّم إلى الأمام بشكل صحيح. على الرغم من تباطؤ مسار العدالة الانتقالية ومأسستها، وعلى الرغم ممّا شاب العديد من الخطى التي كان يُفترض أن تكون إيجابيّة وفي وقتها، مثل فتح الأبواب للنشاط السياسي وتنظيم الأحزاب ومشاركة التيارات السياسية بالرأي، فيما اتُّخذ من قرارات وتدابير. يُضاف هنا أنّ يكون تشكيل هيئة تشريعية فعّالة حقيقية من دون تشويهات، أو ادّعاء بوجود انتخابات حقيقية يختار بها الشعب ممثّليه.
قال روبيو منذ يومين، إن سوريا “مهددة بحرب أهلية شاملة إذا فشلت الحكومة الحالية”، وقال مركز ألما الإسرائيلي إن “احتمال دخول سوريا في حالة فوضى واسعة، وتعزيز تنظيم داعش وتمدّده، ونشوب صراعات مسلّحة وشاملة متعدّدة، لا تشمل مناطق المكوّنات وحدها”، قد تكون من بين سيناريوهات اليوم التالي”.
ما زال العالم متردّداً في تقييم الوضع السوريّ، وما زال السوريّون أنفسهم يتوقون إلى الإحساس بأن أقدامهم تقف على بداية الطريق بثبات وثقة، على الرغم من تحقيق الخطوة التي كانت مستحيلة لعقود، وهي الخلاص من الطغيان الأسدي، الذي حملت السلطة الانتقالية شرفه.. لكنّها إذا بقيت عند عناوين الأحداث وسطوحها وحسب، ستعيد إدخال سوريا في الدوامة، وربّما بشكل أكثر خطورة.
كاتب سوري
القدس العربي
———————–
=======================
تحديث 18 تشرين الثاني 2025
———————————-
سوريا بعد قمة ترامب ـ الشرع/ بكر صدقي
تحديث 18 تشرين الثاني 2025
فصلت بين زيارتي الشرع إلى كل من موسكو وواشنطن مدة تقل عن شهر واحد. في الأولى بدا وكأنه يستأنف العلاقة التاريخية لـ«سوريا الأسد» مع موسكو، في حين بدت الثانية كما لو أن سوريا تعيد تموضعها بصورة تامة لتتحول إلى دولة حليفة لواشنطن من باب انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. لا يتعلق الأمر بإقامة علاقات متوازنة بين قطبي الحرب الباردة القديمة والمستجدة، بقدر ما يكشف ضعف سوريا التي تتجاذبها مراكز القوة الدولية من غير أن تحوز أي حصانة ذاتية من شأن امتلاكها أن تمنحها قدرة على المناورة وعلى فرض شيء من مصالحها الوطنية في العلاقات مع الدول القوية. ومرد هذا الضعف هو استعجال السلطة لنيل المزيد من الشرعية الدولية للاستقواء بها على الداخل الهش. منذ انتهاء زيارة واشنطن، وتلتها مباشرة زيارة وزير الخارجية إلى لندن، اندلعت اشتباكات «غامضة» (!) في محافظة السويداء الجريحة بين «فصائل خارجة على القانون» وقوات الأمن العام كما جاء في بيان وزارة الداخلية. هذا ما نقصده بالضبط حين نتحدث عن الاستقواء بالخارج على الداخل. مع العلم أن وقفاً لإطلاق النار كان قد تم بضمانة أمريكية أردنية منذ شهر تموز بما يعني وجوب الحفاظ على التوازن القائم هناك في الوقت الحالي، علماً بأن الحصار المفروض على المحافظة ما زال قائماً، وهو سبب دائم لتفجير الوضع.
على أن الاستقواء بالخارج على الداخل لن يأتي بالنتائج التي تريدها السلطة، أي إخضاع المكونات الوطنية التي لديها مشكلات مع السلطة المركزية بالقوة، بل هو وصفة لمزيد من التدخلات الخارجية التي لا قبل للسلطة بمواجهتها. وهكذا تصبح السلطة، ومعها البلاد، داخل دائرة مغلقة من موجات عنف تليها تدخلات دولية تليها إملاءات جديدة.
يصور الإعلام الموالي للسلطة دخولها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب كما لو كان مكسباً لها، وفي ظنها أن من شأن هذا الانضمام أن يضعف من وزن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو يدفع بالتحالف للاستغناء عن الأخيرة. في حين أن انضمام السلطة قد أثقل كاهلها بالتزامات لا قدرة لديها على الإيفاء بها. لخص المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك ما هو مطلوب من سلطة دمشق فقال إن عليها أن تحارب المجموعات المتطرفة في سوريا وحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني وحركة حماس جميعاً! في الوقت الذي كانت السلطة تأمل فيه أن تقوم واشنطن بالضغط على قسد لـ«الاندماج» في السلطة المركزية بشروط الأخيرة! علق قائد قوات قسد مظلوم عبدي على الاتصال التليفوني الذي تم بينه وبين براك، في أعقاب اجتماعات واشنطن، قائلاً إنها كانت مكالمة رائعة!
كان من مفاجآت قمة واشنطن حضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي شارك في جانب من اجتماع القمة، كما شارك في اجتماع عمل مع وزيري خارجية الولايات المتحدة وسلطة دمشق. قيل إن الاجتماع الثاني كانت مهمته إيجاد صيغة لإدماج قسد في السلطة المركزية، خرج بعده فيدان بتصريحات أكثر اعتدالاً مما اعتدنا منه بخصوص قسد. معنى ذلك أنه تم إقناع تركيا بأن تكون شريكة في إيجاد الحل الذي يرضي الطرفين السوريين بدلاً من لعب دور المعرقل للتفاهم بينهما كما كانت الحال في الأشهر السابقة.
حزمة العقوبات الأمريكية المسماة «قيصر» تم تعليقها لستة أشهر إضافية، على أن تكون بمثابة فترة اختبار لسلطة دمشق على طريق رفعها بصورة نهائية. نفهم أن تكون السلطة مستميتة من أجل رفع هذه العقوبات، فبقاء العقوبات عائق أمام أي بدء بتعاف اقتصادي وإعادة بناء. ولكن أن يكون الثمن دخولاً في التحالف الدولي واتفاق أمني مع إسرائيل واشتراطات أخرى لا تملك السلطة القدرة على تنفيذها، فهذا يدخل في باب المغامرة غير محسوبة العواقب. زيارة واشنطن، من هذا المنظور، شكلت نوعاً من فرجة إعلامية للسلطة بتكاليف باهظة جداً حتى لو اقتصرنا على مكاسب السلطة المفترضة فقط، بغض النظر عن المصالح الوطنية. بل إنه حتى في محاربة الإرهاب يبدو أن دور السلطة سيقتصر على جانب تقديم معلومات استخبارية للتحالف، دون مشاركة ميدانية، وهو دور لعبته قيادة هيئة تحرير الشام، على أي حال، منذ أيام إدلب، وليس جديداً عليها. يبدو من مخرجات اجتماعات واشنطن السورية أن المايسترو الأمريكي يعمل على نوع من تقسيم العمل، في محاربة الإرهاب، بين شريكين: قسد وسلطة دمشق، بخلاف ما كانت تأمله السلطة من «وكالة حصرية». أما بخصوص التكاليف المحتملة لمواجهة المجموعات الجهادية على السلطة، فلعل الهجوم بالصواريخ على حي المزة 86 في دمشق يشكل إشارة مبكرة إليها.
حين تركز اهتمام السلطة، منذ استيلائها على دمشق، على الانفتاح على الخارج في محاولة لنيل رضى مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين، مقابل الاستئثار بتشكيل السلطة ورفض التعاطي الإيجابي مع الداخل الوطني، باتت مرتهنة لتوازنات القوى بين مختلف اللاعبين، من غير أي حصانة في مواجهة الضغوط والإملاءات. وبعدما رفضت الالتزام بقرار مجلس الأمن 2254 الذي توافقت عليه جميع الدول المعنية في أعقاب سقوط نظام الأسد، بات عليها إرضاء واشنطن وموسكو، تل أبيب وأنقرة والدول العربية في الوقت نفسه. وفي الداخل: المنظمات الجهادية وقسد والدروز والعلويين وملايين السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، ومجموعات مافيوية من تركة نظام الأسد، جميعاً معاً!
بالنسبة للاعبين الإقليميين والدوليين، لا بأس من التعامل مع سوريا كحقل تجارب قد تنجح أو تفشل. أما السوريون فلا يملكون هذا الترف.
كاتب سوري
القدس العربي
—————————–
ما بعد واشنطن.. هل يكون كما قبلها؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.11.18
لا يبدو أن ما بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكون كما قبلها، على مستوى جميع الملفات السورية العالقة والمتعثرة.
لقد دخلت سوريا الجديدة ضمن مرحلة تاريخية مختلفة، تؤسس لعلاقات سورية–أميركية ذات أبعاد متنوعة تندرج في أتون الحالة الإقليمية السورية المنفتحة على الجميع، والتي ترسم ملامح انفتاحات سياسية واقتصادية بنهج مختلف وجديد. كما أن تأثيرات دخول سوريا ذاك الحلف الدولي لمكافحة الإرهاب الداعشي، سيكون لها ثقلها وحيثياتها على كثير من الملفات السورية التي ما زالت تراوح في المكان، ومن ثم تعيد إنتاج ذاتها من دون حل جدي ومرتقب.
لعلّ ملف شمال شرقي سوريا، وتعثر مفاوضات تطبيق اتفاق 10 آذار/مارس الموقَّع بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، سيكون الأقرب للاشتغال عليه، وإنفاذ كل ما سبق وتمنعت (قسد) عن تنفيذه سابقًا، وصولًا إلى اندماج كلي كامل وتام لقوات (قسد) الحالية في سياق مسارات الدولة الوطنية السورية ومؤسساتها العسكرية وكذلك المدنية، والمشاركة الواسعة ضمن انبثاقات تأسيس الدولة الوطنية السورية الجديدة. وهو ما سارع المبعوث الأميركي توماس براك للتأكيد عليه والإشارة إليه، مع اقتراب تطبيق كامل البنود الثمانية المتعلقة بالاندماج الحقيقي، وإنفاذ كل حيثيات ذلك وفق حالة توافق وطني سورية كاملة.
ويبدو أنه ما كان لـ(قسد) أن تندرج في هذا السياق التطبيقي، لولا أن نتائج زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن قد آتت أُكلها موضوعيًا، وتم البدء عمليًا بالضغط على تنظيم (قسد) من أجل تطبيقها، وهو ما أكده قبل ذلك أكثر من مسؤول أميركي، عندما كان الرئيس أحمد الشرع في واشنطن، من أن الأميركان يريدون إنجازًا وتطبيقًا لكل هذه الحركة الإيجابية التي تعامل بها الرئيسان في واشنطن، وأنه لا بدّ من أن تترك نتائج الزيارة السورية التاريخية لواشنطن انعكاساتها على مجمل القضايا الحاضرة في مستقبل سوريا، وبالتالي على وجودها الفاعل في المنطقة.
المسألة الكردية وإشكالية وجود ميليشيا (قسد) المتكئة على عوامل تكوّن وهيمنة داعش ومن ثم محاربتها، لم تعد موجودة، وبالتالي فالوجود العسكري لتنظيم (قسد) خارج إطار الدولة السورية لم يعد ضرورة ولا مبرر له أبدًا، خاصة بعد أن انضمت هذه الدولة السورية الجديدة بكليتها إلى التحالف الدولي الكبير، لتصبح الدولة التسعين فيه. ومن ثم فإن من يناهض ويحارب الإرهاب باتت الدولة السورية ووزارة دفاعها، وكل مكوناتها، ولم يعد من سبب لأن يبقى أي فصيل أو ميليشيا سورية خارج إطار الدولة بذريعة محاربة الإرهاب، عندما تكون دمشق كدولة هي المخوّلة بذلك. ويبدو أن (قسد) باتت مقتنعة إلى حد ما بأنه لا إمكانية لها للبقاء خارج الدولة السورية، ويُجرى البحث عن حلول موضوعية تمنع التقسيم، وتحدّ من تبعات وجود ميليشيا خارج وزارة الدفاع السورية، التي انضمت إليها سابقًا كل الفصائل العسكرية التي شاركت بالثورة السورية.
وبما أن نتائج زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن قد تركت انعكاساتها الإيجابية على عقبات الحل في شمال شرقي سوريا، فمن الطبيعي أيضًا أن تصل هذه الانعكاسات الإيجابية إلى مسامع حكمت الهجري ومجموعاته العسكرية، ولوجًا في الحل السياسي، وخروجًا من فكرة الانفصال المفترضة، والكفّ عن كل تلك التحرشات الأمنية والعسكرية بعناصر الأمن الداخلي السوري، وأيضًا إعادة التفكير والبحث عن آليات تنفيذية لاتفاق الشيباني–براك مع وزير الخارجية الأردني، الذي سبق وتم إعلانه منذ أشهر لكنه لم يُطبّق بعد.
لا بدّ أن تكون أجواء تطبيق الاتفاق قد أصبحت أفضل، وأن انعكاسات زيارة الشرع لواشنطن، وكذلك الإيجابية الأميركية في التعامل مع سوريا، لا يمكن إلا أن ترسل رسائل ما إلى حكمت الهجري ومجموعاته، وكذلك إلى كل من يلعب بورقة الأقليات في سوريا، وخاصة إسرائيل كلاعب تفتيتي واضح في الواقع السوري. ومن ثم فإن أهمية إعادة فتح باب الحوار الوطني السوري ما انفكت ضرورة حياتية لكل سوري، وإن أي تمنّع من قبل الحكومة، أو من بعض مكونات الشعب السوري، لن يكون في صالح الأوضاع السورية، ولا في صالح الوصول إلى حالة وحدة السوريين، ولا في صالح بناء سوريا الموحدة المستقرة.
ويبقى السؤال: هل ستترك هذه الزيارة لواشنطن آثارها الإيجابية على حالة التنمّر والعربدة الإسرائيلية في المنطقة؟ وهل ستتقدّم مسارات المفاوضات بين سوريا وإسرائيل نحو اتفاق أمني بين الطرفين، ينتهي بموجبه كل حالات التعدي على الأراضي السورية؟ ويُعاد تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك المنتهَك من قبل إسرائيل؟ أو يُعاد إنتاج اتفاق جديد قد يكون تحديثًا عمليًا لذاك الاتفاق، ومن ثم إعادة الاستقرار إلى المنطقة بكليتها، وليكون البناء في سوريا قادرًا على المضي في مساراته من دون منغصات كبرى، من قبل إسرائيل المعتدية دائمًا وأبدًا على جوارها العربي ومنه بالضرورة سوريا.
كثير من الملفات الداخلية والخارجية سوف تتأثر بنتائج الزيارة لواشنطن، وينتظر السوريون حلّ العديد من واقع وإشكالات ما زالت تقضّ مضجعهم، وتبعث أحيانًا على بعض اليأس، عندما يرى المواطن السوري البطء الكبير في إنجاز متطلبات الداخل وتخطيها، في حين هناك تسارع واضح على مستوى السياسة الخارجية. الوضع الداخلي يحتاج من الحكومة إلى التفاتات أكثر، وجدّية أكبر في التعاطي معه، وحالات البناء تكون صعبة في البداية، لكن عوامل نجاحها متوفرة بما آلت إليه نتائج العلاقات الخارجية السورية مع الدول الكبرى في الخارج، وكذلك المحيط العربي والإسلامي والفاعلين الدوليين.. وهو ما يفترض أن يلمسه المواطن السوري تسارعًا في حل إشكالاته الاقتصادية والمعيشية، التي باتت تؤرق حيوات الناس، وتدفعهم إلى مزيد من الخيبات، بعد أن تفاءلوا كثيرًا إبان انهيار نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو.
ما يتوقعه السوريون أن تنعكس زيارة الشرع واللقاء في واشنطن على أوضاعهم الداخلية والمعيشية خاصة، وعلى كل مفاصل حياتهم. وهذا ما نتوقعه من فعل حقيقي أصبح قريبًا جدًا من الواقعية السياسية المنتظرة، والتي ستنعكس بالضرورة على مجمل الوضع الخدمي والمعيشي للناس، وصولًا إلى العدالة الاجتماعية، ودولة المواطنة المبتغاة.
تلفزيون سوريا
————————–
في وهم الأميركي المخلّص/ حسام أبو حامد
18 نوفمبر 2025
في كل مرّة تُغلق فيها أبواب التغيير من الداخل، يبدو الاعتماد على قوى كُبرى، في مقدّمتها الولايات المتحدة، الملاذَ الأخير المعقول في الخيال السياسي للشعوب المُضطهَدة، قبل الوقوع في اليأس التام؛ قوة تقفز بالمظلات لإطاحة الطاغية، أو لحماية أقلية خائفة، أو لتفرض انتخابات مُؤجَّلة. لكن حين نغادر منطقة الرغبة لنقف في دائرة الخبرة والتاريخ، يتّضح أن السعر المدفوع غالباً يكون أعلى من الوعود، وأن “المخلّص” لا يهبط من السماء، بل يأتي من الباب الخلفي شريكاً في إعادة إنتاج أزمات جديدة (المسار الأميركي المستمرّ في العراق، وفنزويلا في الطريق؟). اعتمدت (وتعتمد) أنظمةٌ عربيةٌ على واشنطن للبقاء في قيد الحياة، قدّمت (وتقدّم) نفسها نظاماً “براغماتياً” في مكافحة الإرهاب، وحرسَ حدودٍ مطيعاً، وبوابةً جاهزةً لتطبيع العلاقات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل. هنا تلتقي المعارضة والسلطة في وهم “الأميركي المخلّص”.
في سورية ما بعد بشّار الأسد، تسلّم أحمد الشرع السلطة في بلد مُنهَك؛ أقليات مذعورة تخاف انتقاماً أو تكرار تجارب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وسواهما من تنظيمات جهادية، وأكثرية منهكة تحمل خليطاً من اليأس والغضب، لا تعرف ما إذا كانت قد خرجت منتصرةً أم مهزومة بعد تضحيات كبيرة في مواجهة نظام الأسد، لكنّها تشعر بأنها خرجت مكسورة. الشرع نفسه يحمل سيرة مُعقَّدة: مقاتل سابق صُنَّف في لوائح الإرهاب، تحوّل رئيساً انتقالياً برعاية تفاهمات إقليمية ودولية معقّدة. يجعل هذا علاقتَه بالأميركيين مزدوجةً: هم من اعتقلوه وحاربوه يوماً، ثمّ يُضطرّ للتعامل معهم بوصفهم اللاعب الأجدر بضبط إيقاع النظام الإقليمي المحيط بسورية. ومنذ تسلّم السلطة، وجد نفسه في مواجهة السؤال: هل يبني شرعيته على تفاهمات داخلية صعبة مع مكوّنات المجتمع السوري، أم على ضمانات خارجية سريعة من واشنطن؟
قد يبدو الرهان على أميركا، والتفاهم مع إسرائيل، رابحاً في المدى المنظور: رفع العقوبات، وموازنة النفوذَيْن التركي والروسي، وضوء أخضر لتدفّق الأموال الخليجية والغربية لإعادة الإعمار. لذلك يمضي الشرع متمسّكاً بمظلّة أميركية، مقابل تنازلات أمنية وسياسية في ملفّات متعدّدة. لكن هذه الاستراتيجية في المديَيْن المتوسّط والبعيد، ومهما بدت واقعيةً، قد تترك بصمتها على صورة سلطة الشرع في الداخل. فالمضي في استجداء إسرائيل ضماناً لرضا واشنطن يجعل السلطة في مخيال قطاعٍ واسعٍ من السوريين حارسَ حدود يضمن أمن الآخر لا بناء عقد اجتماعي داخلي جديد. وقد يسعى فلول النظام القديم إلى استعادة خطاب “الممانعة” وتوجيهه ضدّ السلطة الجديدة، وربّما سهّل ذلك على جماعات إسلامية متشدّدة أن تصوّر الرئيس الانتقالي عميلاً للغرب ولإسرائيل. أمّا القوى الوطنية الديمقراطية، التي كانت مستعدّةً لمنحه فرصةً، فستجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن الدفاع عن سلطة تضع مصير البلاد في يد عاصمة أجنبية؟
منتهى هذه الاستراتيجية أن تكرّس لدى الأقليات قناعةً بأن حمايتها تأتي من واشنطن وتل أبيب، لا من دستور وقضاء ومؤسّسات سورية، فتمضي (الأقليات) في ربط مصيرها بالعلاقة مع الخارج، لا بمصير العقد الاجتماعي مع الأكثريات. وحين ترى الأكثرية أن المعادلة ليست “حقوقاً متساوية”، بل “حماية طائفةٍ بمظلّة أجنبية”، فستَتغذَّى الكراهية بدل أن تتبدّد، ما يعوق بناء وطن مشترك… وهكذا، وكلّما تعاظم الرهان على الخارج، تآكلت القدرة على صنع تسوية داخلية حقيقية.
لا تقاس شرعية السلطة بأنها “أسقطت الطاغية” فقط، فمن دون عقد داخلي مكتوب ومقبول، تبقى أيُّ سلطة انتقالية مهدَّدةً بالانقلاب عليها عند أول أزمة. لإنقاذ ما يمكن (وما يجب إنقاذه) ينبغي بناء توازن حقيقي بين المكوّنات، تكون الأقليات فيه محميةً بالقانون والمؤسّسات لا بالاتصالات مع سفارات أجنبية، وتطمئن الأكثرية إلى أن حقوقها السياسية لا تُصادَر باسم حماية الأقليات، ولا باسم “الاستقرار”، ولا لـ”إرضاء المجتمع الدولي”.
ليس المطلوب قطع الجسور مع العالم، بل إدارة العلاقات الخارجية باسم السوريين لا باسم بقاء النظام. فحين تطلب دمشق الدعم أو الوساطة فعليها أن تفعل ذلك وفق استراتيجية وطنية معلنة وشفّافة، وأن تقول لـ”حلفائها” الخارجيين: “هذا ما يسمح به عقدنا الداخلي، وما توافق عليه السوريون”.
العربي الجديد
————————-
الشرع وترامب والعقدة الإسرائيلية/ حسين عبد العزيز
18 نوفمبر 2025
أن يوصف لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بالتاريخي، فهذا وصفٌ دقيق يعكس تحولاً استراتيجياً بالنسبة للدولتين معاً، بغض النظر عن فروق القوة والمكانة، إذ ستكون سورية أول مرة في تاريخها السياسي ضمن المعادلة الاستراتيجية الأميركية (من دون أن يعني هذا أن تصبح جزءا من الفلك الأميركي)، وستكون الولايات المتحدة أول مرة جزءاً من عملية تأهيل سورية وإعادة بنائها.
لم يطو اللقاء مرحلة التكهنات بشأن الموقف الأميركي الحقيقي والمستقبلي من سورية فحسب، بل طوى أيضا أية احتمالية محلية أو إقليمية لعرقلة سلطة الشرع في إعادة بناء سورية وتأهيلها داخليا وخارجيا: هكذا لوحظ توقف القصف الإسرائيلي منذ أشهر على سورية، وتوقف التوغلات الإسرائيلية البرّية الواسعة، باستثناء نقاط جغرافية في القنيطرة الحدودية.
وهكذا شهدنا اندفاعة في المفاوضات بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، على الرغم من العقبات التي لا تزال تعتري المفاوضات، وهكذا أيضا شهدنا إبرام حكومة الشرع تفاهمات اقتصادية مع دول عديدة في الشهرين السابقين. وأخيرا، إزالة مجلس الأمن العقوبات المفروضة على الرئيس الشرع، وإزالة وزارة الخزانة الأميركية اسمه من قائمة العقوبات، ثم تعليق العمل بقانون قيصر ستة أشهر، ثم انضمام سورية رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وعلى الرغم من أهمية ما تقدّم، التطور الأكثر أهمية هو ما لم يحدث في اللقاء كما كان متوقعا، وهو الإعلان عن اتفاق أو تفاهم ترعاه الولايات المتحدة بين سورية وإسرائيل. … وهنا، يمكن القول بكل حزم إن الشرع نجح نجاحاً كبيراً بفرض معادلة التمييز والفصل بين ما هو ثابت وما هو متغير، بين ما هو متقاطع مع الولايات المتحدة وما هو متباعد عنها.
لم ينجح الشرع في تثبيت معادلة الأرض مقابل السلام فقط، بل نجح أيضا في إفشال أي اتفاق أمني وفق الشروط الإسرائيلية.
وبالنسبة لاتفاقية السلام، أعلن الشرع بوضوح في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية عقب لقائه ترامب أن سورية لن تتفاوض حاليا للانضمام لاتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي فيما يعرف بـ “اتفاقات أبراهام” التي شملت الإمارات والمغرب والبحرين، لأن الوضع مختلف عن الدول الموقّعة، فلسورية حدود مع إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان منذ 1967.
وفقا لذلك، انضمام سورية لاتفاقات السلام مع إسرائيل مشروط بحل قضية الجولان المحتل، وهو ما عبر عنه الشرع في أغسطس/ آب الماضي، حين قال إن العلاقة مع إسرائيل تمر عبر عودة الجولان والالتزام باتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وأنه لن يتم بحث أي اتفاقية سلام قبل تنفيذ بنود هذا الاتفاق. وبالنسبة للاتفاق الأمني مع إسرائيل، نجح الشرع أيضاً في إفشال المخطّط الإسرائيلي بفصل الاتفاق الأمني عن اتفاق السلام النهائي، إذ قدّمت إسرائيل لسورية عرضا يقوم على جعل المنطقة الممتدة من جنوبي دمشق وحتى الحدود مع إسرائيل، منطقة منزوعة السلاح (الثقيل والمتوسط) مع بقاء نقاط عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، لا سيما في جبل الشيخ. فيما المقاربة التي قدّمها الشرع وحظيت بدعم أميركي، كما قال الشرع نفسه، تقوم على أن منطقة منزوعة السلاح يعني انعدام سيادة الدولة عليها، وبالتالي، ستكون منطقة مضطربة أمنيا حيث قد يستغلها بعضهم قاعدة لإطلاق هجمات على إسرائيل.
وعليه، الحل وفق مقاربة الشرع التي أعلنها في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية تقوم على انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر (2024)، قبل الحديث عن أي اتفاق بين الجانبين. … ربما يكون هذا السبب من بين أسباب أخرى ما جعل إزالة قانون قيصر مشروطا بمدة محددة، وربما يكون هو السبب أيضا في عدم إدراج زيارة الشرع للبيت الأبيض ضمن زيارة الدولة.
العربي الجديد
————————————
حراك دبلوماسي في دمشق.. لملاقاة زيارة ترامب في منتصف الطريق؟/ منصور حسين
الثلاثاء 2025/11/18
حطت في العاصمة السورية دمشق، صباح يوم الأحد، ثلاثة وفود دبلوماسية واستخباراتية رسمية تركية وروسية، إلى جانب وفد من ممثلي الكونغرس الأميركي، لبحث العديد من الملفات والقضايا السياسية والأمنية والعسكرية التي تأتي في سياق الحراك الداعم لاستقرار سوريا ودمجها في المجتمع الدولي.
ترامب في دمشق قريباً
وبينما يرجع كثيرون أسباب هذا الزخم في الحراك الدبلوماسي الذي تشهده دمشق، لزيارة الرئيس الشرع واشنطن ولقائه ترامب، تحدثت مصادر خاصة لـ”المدن” عن وجود تطورات في الملف السوري، دفعت العديد من الدول لزيارة سوريا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي يستعد الكونغرس فيها للتصويت على قرار إلغاء قانون العقوبات “قيصر”، إلى جانب استعجال الطرف الروسي تثبيت الاتفاقيات والتفاهمات التي وقعت مع الرئيس أحمد الشرع خلال زيارة الأخيرة إلى موسكو.
وبحسب معلومات “المدن” فإن لكل وفد أجنداته الخاصة والمختلفة عن الوفود الأخرى، حيث ركز وفد الكونغرس الأميركي الذي ضم أعضاءً من الجالية السورية في الولايات المتحدة، على مسار العدالة الانتقالية وعمل لجان التحقيق في أحداث السويداء والساحل السوري، باعتباره العقدة الأبرز التي تواجه الإدارة الأميركية لتمرير مشروع إلغاء قانون “قيصر”، إضافة إلى صياغة حزمة من الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية المهمة لمستقبل سوريا، جرى مناقشتها في قصر الشعب وسط دمشق.
لكن الطرح الأبرز والمفاجئ، بحسب مصادر متعددة لـ”المدن”، كان التطرق لإمكانية التحضير والترتيب لزيارة قصيرة للرئيس الأميركي إلى دمشق، ومناقشة الاستعدادات لهذه الزيارة ضمن جولته المرتقبة للعديد من دول المنطقة.
الانفتاح على العالم
كما تضمنت النقاشات ملفات عدة، بحسب المصادر، أهمها الحديث عن تفاهمات أمنية جديدة مع دول الإقليم، ومنها إسرائيل، والبحث عن صيغة ترتيبات عسكرية مباشرة وتطوير التعاون في هذا المجال بين دمشق وواشنطن وحلفائها، إلى جانب الاتفاقيات الاقتصادية التي تتضمن إعفاءات جمركية وضريبية على البضائع السورية، والعمل على تهيئة الظروف وترسيخ الاستقرار لإعادة دمج سوريا بالمجتمع الدولي، وفتح ممرات لدمجها بالمنظومة الاقتصادية العالمية.
وأشارت المصادر إلى أن بعض هذه التفاهمات “قد يعلن عنها بالتزامن مع زيارة الرئيس ترامب المرتقبة إلى دمشق، وتقديمها كجائزة وإعلاناً رسمياً بفتح صفحة جديدة من تاريخ سوريا”.
واعتبرت المصادر، أن زيارة وفد الكونغرس اللافتة “قد تكون الأهم في عمر سوريا الجديدة، إذ تحدد آلية انفتاح واشنطن على دمشق وإلغاء قانون قيصر بشكل نهائي، إلى جانب الملف الذي لا يقل أهمية بالنسبة إلى دمشق، متمثلاً بتسريع عملية اندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة، وآليات التعاون على المستوى العسكري والاستخباراتي”.
كما أشارت إلى أن الوفد الأميركي طلب اتخاذ خطوات فاعلة وحقيقية فيما يخص محاسبة مجرمي الانتهاكات والمتورطين في أحداث الساحل والسويداء، ودعم عمل المنظمات المدنية والمجتمع الأهلي ومشاركته في رسم السياسات الداخلية، وتعزيز حضور الأقليات، إلى جانب قضايا هدفها قراءة مدى مرونة السلطة الحالية وتقبلها للمتطلبات الغربية.
وشددت المصادر على أن الولايات المتحدة “عازمة على إنهاء جميع التحديات والقضايا التي تواجه الحكومة السورية بعد سقوط نظام الأسد البائد، قبل نهاية العام الجاري، تمهيداً لبدء العمل على نهضة سوريا الجديدة على مختلف المستويات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية، وجعل دمشق قادرة على أن تكون شريكاً هاماً للولايات المتحدة مستقبلاً، باعتبارها مفتاح ضمان استقرار المنطقة.
وفد روسي للإطمئنان
وبالتزامن مع وصول الوفد الأميركي، استقبل وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وفداً روسياً برئاسة نائب وزير الدفاع يونس بك يفكيروف، في مقر وزارة الدفاع وسط دمشق، بعد ظهر يوم الأحد.
فالوفد الروسي اللافت حضوره بعدد كبير، بحسب المصادر، لديه شكوك ومخاوف من تداعيات انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، حيث عبر الوفد عن قلقه من قدرة دمشق على تطبيق ما تم التوافق عليه في موسكو.
ومع ذلك، تؤكد المصادر، على أن مسار النقاشات وجلسات الاستقبال الأولية، حملت طابعاً ودياً، يدل على وجود تفاؤل كبير في تحقيق تقدم على مستوى الملفات المطروحة في الشأن السوري عموماً.
وكان الملف الأبرز ضمن جلسة النقاش، بحسب المصادر، “بالتوسع في الحديث عن تفاهمات انتشار قوات عسكرية روسية تحت غطاء دولي في الجنوب السوري، خاصة أجزاء محددة من ريف القنيطرة التي قد تكون أولى مراحل اختبار هذه الخطوة، قبل شمولها كامل خط وقف إطلاق النار، حيث أراد الوفد الروسي أن يقدم رسائل من خلال زخم حضوره، بقدرته على تولي مهام الانتشار في الجنوب كقوات فصل تقبلها تل أبيب” .
وتضيف المصادر أن “المناقشات والحوار شمل أيضاً مستقبل القواعد العسكرية الروسية على الساحل وتلك الموجودة في مطار القامشلي شرقاً، حيث يفترض أن يكون هناك تقدم على هذا المستوى”، إلى جانب الحديث عن إمكانية عودة افتتاح السفارة الروسية في دمشق، وملفات أخرى.
التوازنات الجديدة
الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، يرى أن تسارع الخطوات في الآونة الأخيرة بعد جمود استمر لشهور قليلة في الحالة السورية، بعد أزمة السويداء، يأتي نتيجة لقرب نهاية العام الأول على سقوط النظام، ومحاولة الأسرة الدولية مساعدة سوريا الجديدة على النهوض، بعد قطيعة طويلة.
لكن هذه المساعدة، تثير مخاوف كبيرة لدى السوريين، بحسب خليفة الذي يضيف “نخشى أن تصبح سوريا ورقة مساومة إقليمية ودولية، وهذا ما يحصل حتى اللحظة، لذا نرى توافد الوفود الأمنية إلى دمشق للسماع من سلطاتها كيفية موازنة انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ووجود قواعد روسية مطلة على ضفاف المتوسط، وطلب إسرائيل منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وهي ملفات متداخلة تضع السلطة الحالية وسط حقل من الألغام والمكائد التي تتطلب وعياً وإدراكاً استثنائياً لتجنبها وموازنتها، في ظل النمط السياسي البراغماتي الذي تتبناه دمشق اليوم”.
أما بخصوص التواجد التركي الدائم في دمشق، يوضح خليفة، أنه يأتي من “اعتبارها الضامن الرئيسي للمشهد الجديد، فهي مهتمة بالاطلاع على كل المستجدات الأمنية والسياسية، ونستطيع أن نرى بوادر اتفاق على غرار الاتحاد الأوروبي، بين سوريا وتركيا، وربما شمال العراق (من بين دول أخرى).
كما أشار خليفة إلى محاولات بعض الدول لتخريب عملية الانفتاح على سوريا ودعم استقرارها الداعي، على غرار ما حدث من محاولات إيرانية وإسرائيلية لتقسيم سوريا عبر صراع طائفي.
————————
هندسة الأمن على مفترق طرق: الانضمام للتحالف يعيد صياغة المعادلات في سوريا/ عزيز موسى
18 نوفمبر 2025
في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع عصف التحولات، يبرز إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في إطار” التعاون السياسي” بوصفه احتمالًا يعيد خلط الأوراق داخل المشهد الأمني السوري، فهذا الخيار لا يُقاس فقط بميزانه العسكري، بل بما يحمله من أثر على بنية التموضعات الأمنية التي ترسخت خلال أكثر من عقد من الزمن، والتي باتت تشكّل شبكات للنفوذ تتجاوز حدود المؤسسات الرسمية.
إن دخول دمشق في معادلة دولية بهذا الحجم لا يقتصر على تبادل معلومات أو تنسيق العمليات فحسب، بل يمتد إلى عمق المنظومة الأمنية والعسكرية، ومع الانخراط في تحالف واسع قد يمنح الدولة منفذًا للعودة إلى المشهد الدولي، فإنه في الوقت ذاته يضع الإدارة السورية أمام استحقاقات ثقيلة، من إعادة تعريف أدوار المؤسسات والأجهزة الأمنية، إلى مواجهة مقاومات وتصدعات داخل بنيتها الأمنية ذاتها.
تحوّل استراتيجي
يعكس انضمام سوريا إلى التحالف الدولي انتقالًا لافتًا نحو إعادة تموضع إقليمي ودولي، يقوم على براغماتية سياسية تسعى إلى تثبيت التحول في “بنية النظام السياسي”، واستثمار اللحظة لإعادة صياغة موقع دمشق داخل خريطة الجغرافيا السياسية. فالخطوة لا تبدو مجرد تعديل في اتجاه البوصلة، بل تحولًا بنيويًا بالانتقال من مظلة “النفوذ الروسي ــ الإيراني” إلى شراكة أكثر مباشرة وفاعلية مع الولايات المتحدة، بوصفها الطرف القائد للتحالف الدولي، وصاحبة التأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي.
في العمق يحاول هذا التموضع الجديد توسيع هامش الحركة السورية في لحظة تتشابك فيها المصالح الدولية على الأرض، عبر تنويع الشراكات الأمنية وتكثيفها، بما يسمح لدمشق بإعادة التوازن داخل بنية القرار الاستراتيجي، ومحاولة العودة إلى دائرة الفاعلين لا مجرد المتلقين لإيقاع الآخرين، ومن جهة أخرى يتقاطع ذلك مع مصلحة واشنطن التي تسعى إلى منع إحياء تنظيم “داعش” والحدّ من أي محاولة لإحياء النفوذ الإيراني أو تمدد المجموعات المرتبطة به داخل الساحة السورية، عبر مقاربة تعتمد على التعاون الأمني المباشر ورفع مستوى التنسيق العملياتي مع الإدارة السورية.
هذا الانضمام يفتح الباب أمام عملية إعادة هيكلة واسعة داخل وزارتي الدفاع والداخلية، بالاستفادة من خبرات قوات التحالف في مجال التدريب العملياتي، والتحليل الفني، وإدارة المواجهة مع التنظيمات عالية الخطورة، كما سينتج عنه فتح قنوات استخبارية أكثر انتظامًا ومأسسة لتبادل المعلومات، بما يعيد تشكيل البيئة الأمنية السورية على أسس أكثر انضباطًا وتحديثًا، ويمنح الإدارة السورية قدرًا إضافيًا من الشرعية الدولية وقدرة أكبر على إعادة التموضع ضمن الجهد العالمي لمكافحة الإرهاب.
الأثر الأعمق لهذا التحول يتمثل في إعادة تعريف “الخريطة الداخلية” للخصوم والحلفاء، فالفصائل التي بنت علاقتها مع الدولة على أساس الانضواء الشكلي تحت هيكلية وزارة الدفاع، واستفادت من هامش الحركة الواسع الذي وفرته سنوات الصراع، ستجد نفسها أمام معادلة مُربكة تهدد وجودها الفعلي، فالشراكة الجديدة مع التحالف الدولي تتطلب توحيد البنية العسكرية وإغلاق المسارات الرمادية التي عملت فيها هذه التشكيلات لسنوات، وهذا يعني أن “المرونة” السابقة التي سمحت لبعض الفصائل بالجمع بين الولاء الشكلي والمصالح المحلية، ستُستبدل بمنطق أكثر صرامة يقوم على مركزية القرار العسكري وخضوعه لمعايير دولية واضحة.
سوريا على حافة التصدعات الأمنية
انضمام دمشق للتحالف قد يحمل ارتدادات سلبية ترتبط في التأثير على البنية الهيكلية الخاصة بالجماعات والفصائل الجهادية المنضوية ضمن الهيكل الإداري لوزارة الدفاع، مما أظهر خلافات داخلية تتعلق “بالأوساط الجهادية” ذات الأفكار الصلبة، تنذر بحدوث تصدّعات وانقسامات ضمن البنى الأمنية المحلية نظرًا لتعدد الانتماءات الإيديولوجية، إضافة لإمكانية حصول تصعيد من خلال عمليات أمنية يقوم بها تنظيم “داعش” بعد أن أعاد بناء استراتيجيته للتركيز على المدن الرئيسية والعمل على تجنيد أفراد ممن يحملون إيديولوجيا راديكالية متطرفة للانضمام إلى صفوفه.
أما العقدة الأهم فتكمن في المقاتلين الأجانب الذين يتبعون “الجهادية المتشددة” ووجودهم ضمن “الفرقة 82” في وزارة الدفاع الذي يمثّل المظلة الأكبر لهم في ظل تخوّف من استقطابهم من قبل تنظيم “داعش” بما يدفع بدوره لحصول تمرّد ضمن البنى الأمنية يؤدي لاقتتال داخلي، قد يتطور باتجاه انفجار داخلي يتم استغلاله من أطراف متعددة، ولا سيما مع تأكيد قرار مجلس الأمن 2799 على التزام دمشق بتدابير مكافحة الإرهاب بما يشمل المقاتلين الأجانب وتنظيم “داعش” وكل ما يرتبط بها جماعات وأفراد وكيانات.
هذا الانقسام قد يدفع إلى تمردات موضعية، أو محاولات إثبات وجود عبر عمليات نوعية تستهدف الدولة أو حتى فصائل منافسة، في محاولة لفرض حضور رمزي بعد انحسار المساحة العملياتية المتاحة لها، كما سينتج إما مجموعات تنتهج التيار البراغماتي في السعي لإعادة التموضع وتجنّب الاستئصال، أو أخرى تتبع لتيار عقائدي أكثر تشددًا يرى الانضمام للتحالف خيانة لخطاب “القتال الوجودي”، بهذا تتحول الولاءات الأيديولوجية المتشددة إلى أفعال غير مركزية وغير قابلة للضبط، ما يزيد من هشاشة البيئة الأمنية.
تحديات ما بعد الانضمام
انخراط دمشق في التحالف الدولي لن يمر بلا استحقاقات داخلية، فالإدارة السورية ستواجه تحديًا مزدوجًا: إدارة شراكة عسكرية استخبارية مع قوى دولية، وفي الوقت نفسه احتواء ردود الفعل لدى بعض المجموعات التي كانت تعمل تحت تفاهمات غير معلنة معها، أو تلك التي كانت تستفيد من مناطق “الرمادية الأمنية”، أما على المستوى السياسي، فستجد الإدارة نفسها مطالبة بإعادة بناء الثقة المحلية، خصوصًا في الأرياف التي تعتمد على توازن دقيق بين الدولة والعشائر والفصائل، فكل خطوة باتجاه التحالف ستخلق هامش قلق إضافي تجاه مستقبل التسويات، وطبيعة إدارة المناطق الخارجة سابقًا عن السيطرة، كما سيُفرض تحسين بنيتها الإدارية والأمنية، لتتمكن من الاستجابة لمتطلبات “الشريك الدولي” في مكافحة الإرهاب، بما يشمل ضبط الحدود، ورفع مستوى التنسيق الداخلي، وبناء منظومات معلوماتية أكثر احترافية. وهذه جميعها تحديات تستنزف موارد محدودة أصلًا.
هذا يضع الفصائل والجماعات أمام خيارين، إمّا الاندماج الكامل داخل منظومة الدولة وفق معايير جديدة لا تتحمّل ازدواجية الولاء، أو مواجهة خطر التفكيك والتهميش وربما الدخول في صدامات أمنية إذا حاولت الحفاظ على مكاسبها السابقة، بهذا المعنى يشكّل الانضمام إلى التحالف الدولي ليس فقط نقطة تحوّل في سياسة دمشق الخارجية، بل اختبارًا داخليًا عميقًا لمدى قدرة الدولة على إعادة ترتيب البيت العسكري والأمني، وإدارة معادلات القوة المحلية بما يمنع التشظّي أو الانزلاق إلى مواجهات جانبية تعيق مشروع الاستقرار المأمول.
الترا سوريا
————————-
========================
تحديث 17 تشرين الثاني 2025
———————————-
الزيارة التي بدّلت قواعد اللعبة: سوريا تُعيد رسم اتجاهها/ خلدون الشريف
الاثنين 2025/11/17
في خطوة غير مسبوقة منذ نحو ثمانية عقود، دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض في زيارة حملت دلالات تتجاوز البروتوكول إلى إعادة تعريف موقع سوريا نفسها. فالعاصمة التي كانت طوال سنوات رمز الضغط والعقوبات، تحوّلت فجأة إلى البوابة التي تعلن عبرها دمشق عن بدايات عهد مختلف، عهد يحاول فيه الشرع إخراج بلاده من إرث التحالفات الثقيلة والحروب المتراكمة والانهيارات التي استنزفت المجتمع والدولة. لم يعد المشهد مقتصرًا على صورة رئيس سوري في المكتب البيضاوي؛ بل على سردية كاملة تقول إن سوريا الجديدة تريد أن تعيد صياغة موقعها الإقليمي والدولي وفق منطق البراغماتية والمصالح، لا وفق الشعارات التي كبّلتها عقودًا طويلة.
مشهد سياسي جديد: الشرع بين ماضي المقاتل ودور رجل الدولة
منذ لحظة وصوله إلى السلطة في أواخر 2024، تحرّك الشرع بخطىً محسوبة نحو إعادة وصل سوريا بالبيئة التي خرجت منها، وبالعالم الذي صارت خارجه. متَّنَ الربط مع تركيا، فتح قنوات مع الخليج ومصر، أعاد بلاده إلى الجامعة العربية، أطلق حوارًا تدريجيًا مع واشنطن، و زار موسكو. طرق الأبواب كافة، وفتح ما استطاع فتحه في سعي واضح إلى تحويل سوريا من ساحة إلى دولة تتعامل مع الجميع. ورَفْعُ اسم الشرع من لوائح العقوبات الدولية كان إشارة واضحة إلى أنّ القوى الكبرى مستعدة لاختبار هذه النسخة الجديدة من دمشق.
وفي مقابلته مع “واشنطن بوست”، بدا الشرع حريصًا على تقديم روايته الشخصية للتغيير. فهو لا يتبرأ من ماضيه كمقاتل، لكنه يعيد وصفه بصفته دفاعًا عن البلاد، لا مشروعًا للصدام. يقول إن الحرب غيّرت الجميع، بما فيهم هو، وإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل الدولة لا عقل البندقية. يحاول الشرع هنا تحويل ماضيه من تهمة إلى رأس مال سياسي: رجل يعرف كلفة النزاعات، ويعرف لماذا ينبغي أن تنتهي.
رمزية الانطلاق من واشنطن وتأسيس صفحة جديدة
حين يتحدث الشرع عن “قرن من الدم وسوء الفهم” بين واشنطن ودمشق، فهو لا يطلق توصيفًا تاريخيًا؛ بل يقدّم خريطة طريق. ذهب إلى البيت الأبيض ومعه رؤية لإعادة هيكلة الاقتصاد، مكافحة الفساد، وتعديل موقع سوريا في الإقليم. وخلال محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذهب مباشرة إلى جوهر الأزمة: العقوبات التي دمّرت حياة المدنيين وعطّلت أيّة إمكانية للنهوض. طلب رفعًا لها مقابل مسار تعاون واضح، وتحدّث عن شراكة اقتصادية حقيقية يمكن للشركات الأميركية أن تكون جزءًا منها، في تحول جذري عن خطاب “الاكتفاء الذاتي” و”اقتصاد المقاومة” الذي رافق سوريا لعقود.
المسار الدبلوماسي: توماس باراك وبناء الجسور
لم يكن هذا الانعطاف ناتج مصادفة. فقد نسج مبعوث الرئيس الأميركي، توماس باراك، شبكة اتصالات عميقة بين دمشق وواشنطن، من وقف العملية الإسرائيلية في السويداء، إلى ردم الفجوة بين دمشق وبيروت، وصولًا إلى الإشراف على المحادثات السرية ثم العلنية بين سوريا وإسرائيل. وصف باراك الزيارة بأنها “تحول حاسم في تاريخ الشرق الأوسط”، مؤكدًا أنّ الشرع هو أول رئيس سوري يدخل البيت الأبيض منذ 1946. والأهم أنه روى، بتفصيل لافت، التزام الشرع أمام ترامب بالانضمام إلى تحالف دحر داعش، واعتبر هذا القرار “ينقل سوريا من مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب”.
بلغة أخرى، واشنطن نفسها تقول إنها ترى في دمشق الجديدة شريكًا، لا خصمًا. وهذه المرة الأولى منذ نصف قرن التي يخرج فيها مثل هذا الكلام من داخل البيت الأبيض.
سوريا وإسرائيل: خفض التوتر لا التطبيع
في هذا المناخ، بدا طبيعيًا أن يُفتح الملف الأصعب: العلاقة مع إسرائيل. لكن الشرع كان واضحًا منذ البداية. ما يجري ليس سلامًا ولا تطبيعًا؛ بل ترتيبات تمنع حربًا جديدة. الاعتراف بإسرائيل غير مطروح، والشرعية تأتي فقط عبر حلّ عادل للفلسطينيين وتسوية واضحة للجولان. ومع ذلك، يتقدّم مسار باريس ببطء، وتتراكم العقبات، من إصرار إسرائيل على نقاط استراتيجية داخل سوريا، إلى طرحها ممرًا إنسانيًا نحو السويداء، في حين تتمسك دمشق بخطوط اتفاق 1974 وبسيادتها.
كما أنّ حملة الادعاءات الإسرائيلية الأخيرة حول تهريب الصواريخ إلى حزب الله تندرج ضمن محاولة تل أبيب إقناع واشنطن بأن دمشق لم تتغير، وأن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي يتممان بعضهما، وأن أفعال الشرع لا تتوافق وأفعاله كما لمح نتنياهو. لكن الرئيس السوري، إلى التراكمات الكبيرة السلبية بين إيران وحزب الله من جهة، وبينه وبين هيئة تحرير الشام وجمهور سوريا العريض من جهة أخرى، يدرك أنّ تحويل سوريا إلى ممر للسلاح كان الفخ الذي أسقط الأسد، وأنّ اللعب على الحدود اللبنانية السورية، قد يطيح مجمل مسار التحول الجاري.
شرق سوريا: العقدة الأخطر في التوازنات الجديدة
هنا يظهر التعقيد. فالشرق هو خطّ تماس المصالح المتضاربة: الأميركي موجود، وقسد تناور، وتركيا ترى أمنها على المحكّ، ودمشق تحاول استعادة مؤسساتها من دون تفجير مواجهة جديدة. اللقاء الثلاثي الذي جمع باراك وهاكان فيدان وأسعد الشيباني رسم ملامح مرحلة مقبلة: دمج قسد داخل الدولة السورية الجديدة، ضمن إطار أوسع يجد فيه كل طرف فرصة للحفاظ على مصالحه من دون خسائر كبرى. شرق سوريا سيبقى اختبارًا فعليًا لمدى قدرة الشرع على تثبيت مفهوم الدولة لا مفهوم المناطق.
أولويات الداخل: المصالحة وإعادة بناء الدولة
في الداخل، لا يخفي الشرع أنّ سوريا تحتاج إلى مصالحة تاريخية، تُخرج البلد من فكرة الانتقام إلى فكرة الدولة. يعمل على هذه الفكرة بصعوبة. فهو يريد عودة الأقليات التي غادرت خوفًا، يريد فرض الأمن حيثما يستطيع لإشعار الناس بالأمان، يَعِد بانتخابات في 2026 تحت إشراف قضائي كامل. وهي، إن حصلت كما يقول، ستكون أول اختبار لشرعية سياسية مختلفة، لا شرعية الأمر الواقع التي حكمت سوريا طويلًا.
الدعم السعودي… رافعة إقليمية للمرحلة الجديدة
منذ سقوط النظام السابق، تحرّكت السعودية بهدوء ولكن بثبات لدعم مسار الشرع. شجّعت واشنطن على الانفتاح على دمشق، جمعت ترامب والشرع على أرضها، وقدّمت ضمانات عربية ساهمت في تثبيت الزيارة إلى البيت الأبيض، وتستعد اليوم للدخول في مرحلة إعادة الإعمار عبر الطاقة والبنى التحتية والزراعة. بالنسبة للشرع، يشكّل هذا الدعم عنصرًا أساسيًا في بناء التوازنات الداخلية والإقليمية، وركيزة ضرورية لانتقال سوريا من اقتصاد محاصر إلى اقتصاد قابل للحياة.
وما قاله باراك عن “التحالف الموسّع” الذي يجمع السعودية وقطر وتركيا لدعم سوريا الجديدة، ليس وصفًا سياسيًا؛ بل اعترافًا بأنّ المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكّل تُعيد دمشق إلى قلب الترتيب الإقليمي.
لبنان خارج الخريطة… وسوريا تعود
على الضفة الأخرى، تبدو بيروت غائبة تمامًا عن هذه التحولات. ففي الوقت الذي تعيد فيه دمشق رسم خرائط الطاقة والتجارة والاتفاقات الأمنية، لا يجد لبنان لنفسه مكانًا داخل أي مسار جديد إلى الآن. ولا شك أن الاعتداءات الإسرائيلية اليومية من جهة كما الانقسام الداخلي الحاد من جهة أخرى، توحي أن البلد ما زال في الموقع الشديد الخطورة، يضاف إلى ذلك غياب الرؤية الحقيقية للإصلاح الفعلي كما غياب القدرة على استنباط مشروع مستقبلي جديد للبنان.
ومما لا شك فيه أن الحاجة باتت ملحة لإعادة صياغة العلاقة مع سوريا بعيدًا عن حساسيات الماضي، لأن المشهد الإقليمي قيد التشكل لا ينتظر أحدًا.
الرباعي الإقليمي قيد التشكل… سوريا داخل معادلة جديدة
في عمق هذه التحولات، يتشكل رباعي غير معلن يضم سوريا وتركيا والسعودية والولايات المتحدة. رباعي لا يجتمع حول رؤية واحدة، لكنه يتقاطع حول مصلحة مشتركة: منع انهيار سوريا وإعادة إدماجها في المعادلات الجديدة. تركيا تريد حدودًا مستقرة، السعودية تبحث عن إعادة توازن عربي، وتنفيذ رؤية 2030،الولايات المتحدة تريد شريكًا محرّرًا من نفوذ إيران، وسوريا تبحث عن فرصة للوقوف. وصف باراك هذا التقاطع بأنه “رؤية بدأت من رجل واحد وأصبحت اليوم رؤية مشتركة لكثيرين”، وهو توصيف دقيق لتحوّل لم يعد نظريًا ولا ظرفيًا.
مرحلة تُعاد كتابتها… ومسار محفوف بالأسئلة
لا تبدو زيارة الشرع إلى واشنطن مجرد بداية لمسار جديد؛ بل بداية لإعادة كتابة موقع سوريا في المشرق. يريد الرجل إخراج بلاده من إرث الحرب ومن أحادية التحالف، لكنه يصطدم بواقع داخلي هشّ، وإقليم مضطرب، وقوىً لا تزال تختبر نياته. التحوّل الجاري يحتاج إلى بيئة مستقرة يُفترض أن يوفرها الرباعي المتشكل حول سوريا، لكن إسرائيل تراقب هذا المسار بعين الشك وتحاول فرملته، وشرق سوريا ما يزال ساحة توازنات دقيقة، والمشهد اللبناني يزيد الضغط على دمشق بدلاً من أن يخففه.
يبقى قانون قيصر، كما قال باراك، العقدة الكبرى. إلغاؤه سيمنح سوريا فرصة حقيقية للانطلاق، أما بقاؤه فسيعيد تثقيل كل خطوة. وهكذا تقف دمشق اليوم أمام مفترق فريد: إمّا أن تثبّت موقعها الجديد داخل معادلة إقليمية ناشئة، وإمّا أن تقع في الفراغ الذي يبتلع الدول حين تُخطئ الحساب أو تتراجع اللحظة المناسبة.
في هذا التقاطع بين الفرص والمخاطر، يحاول الشرع هندسة انتقال صعب من سوريا المأزومة إلى سوريا الممكنة، في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط كلّه كأنه يعيد رسم خرائطه، ويختبر للمرة الأولى منذ عقود ما إذا كانت دمشق قادرة على أن تكون جزءًا من الحل، لا امتدادًا للأزمة.
————————————–
قمة الشرع – ترمب والاتجاهات الأميركية/ محمود علوش
2025.11.17
كان لقاء الرئيسين السوري أحمد الشرع والأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، يوم العاشر من شهر تشرين الثاني الجاري، حدثاً تاريخياً بكل المقاييس، سواء على مستوى الرمزية البالغة لوجود الشرع شخصياً في البيت الأبيض، وهو الذي كان مطارداً لسنوات طويلة من قبل الولايات المتحدة، أو على مستوى كونه أوّل رئيس سوري على الإطلاق يجري مثل هذه الزيارة الرسمية إلى واشنطن.
ولأنّ الحدث تاريخي، فإنّ البيانات الرسمية المقتضبة التي صدرت عن واشنطن ودمشق حول اللقاء لا تعكس، بطبيعة الحال، التفاصيل الدقيقة لهذا الحدث وفحوى كل ما دار فيه من نقاشات عميقة ومكثفة.
ففي مثل هذه الاجتماعات والزيارات النادرة جداً، غالباً ما يكون ما لا يُعلن أكثر أهمية وحساسية مما يُعلن، لكن اتجاهات السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد هذا اللقاء ستكشف تدريجياً ما لم يُعلن، وما إذا كانت الزيارة تمثل منعطفاً كبيراً جديداً في علاقة الولايات المتحدة بسوريا، وفي دورها الفعال في ثلاث قضايا حيوية تهم الشرع بشكل خاص، وهي: رفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل، لا سيما تلك المرتبطة بقانون قيصر، حل العقد المعقدة في ملف دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن الدولة السورية الجديدة، التعامل مع التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري.
قبل الخوض في دلالات هذا الانضمام وفوائده المتوقّعة على المدى الطويل، تظل هناك قضايا حساسة وسيادية تترتب عليه ولم تتضح معالمها بعد بشكل كامل، أبرزها ما يعنيه هذا الانضمام بالنسبة للنشاط والوجود العسكريين للتحالف داخل دولة أصبحت عضواً رسمياً فيه..
ومن الطبيعي تماماً أن يعلّق الشرع آمالاً عريضة على واشنطن في هذه القضايا، لأنّ ترامب يمتلك بالفعل مفاتيح الحلول الرئيسية فيها، فنفوذه القوي على الكونغرس لتمرير إلغاء قانون قيصر يظل عنصراً حاسماً في هذا الاتجاه، والتعليق الأميركي الجديد لعقوبات قيصر لـ6 أشهر إضافية لا يعني تقدماً جوهرياً أو تراجعاً ملحوظاً في السياسة الأميركية تجاه هذه القضية تحديداً، إذ إن هناك مسارين مترابطين يؤثران فيها ولم ينضجا بعد:
المسار التشريعي داخل الكونغرس.
المسار السياسي في العلاقة الثنائية بين واشنطن ودمشق.
وفي الملف الإسرائيلي، فإنّ ترمب هو الشخص الوحيد القادر على الضغط الفعال على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتغيير سلوكه في سوريا، ودفعه نحو الاتفاق مع الشرع على وضع جديد ومستقر.
علاوة على ذلك، فمن الواضح تماماً أن وجود رئيس مثل ترمب في البيت الأبيض فتح آفاقاً واسعة أمام دمشق وأنقرة في التعامل مع قضية “قسد”.
وهنا، يُعطي انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة “داعش” مؤشراً إيجابياً على تحوّل أميركي تدريجي في العلاقة مع “قسد”، رغم أن خطوة الانضمام كبيرة جداً وسيكون لها تداعيات واسعة تتجاوز ملف “قسد”، إلى تشكيل دور جديد وبارز لسوريا في السياسة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، وما يعنيه ذلك من تحوّل جوهري في شبكة تحالفات الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية.
لقد أصبحت سوريا شريكاً في التحالف الدولي، بعدما كانت خلال حقبة النظام السابق مجرّد ساحة لمشاريع دولية على أراضيها تحت غطاء مكافحة الإرهاب، والفوائد التي ستجنيها الولايات المتحدة من هذا الانضمام لا تقل أهمية عن تلك المتوقعة التي ستجنيها سوريا نفسها.
ومع ذلك، وقبل الخوض في دلالات هذا الانضمام وفوائده المتوقّعة على المدى الطويل، تظل هناك قضايا حساسة وسيادية تترتب عليه ولم تتضح معالمها بعد بشكل كامل، أبرزها ما يعنيه هذا الانضمام بالنسبة للنشاط والوجود العسكريين للتحالف داخل دولة أصبحت عضواً رسمياً فيه، والدور السيادي لسوريا في الإشراف على هذا الوجود والنشاط، وإعادة تنظيمه بما يتوافق مع الوضع السياسي والقانوني الجديد، وأخيراً، طبيعة علاقة التحالف بـ”قسد” في ضوء هذا التحوّل الاستراتيجي.
قبل تبلور إجابات واضحة وملزمة لهذه النقاط الجوهرية، يبقى من الصعب تقديم تقييم دقيق وشامل للفوائد الاستراتيجية والعملية التي ستجنيها سوريا من هذا الانضمام، لكنّه أحد نتائج زيارة الشرع لواشنطن على أية حال، وأي تقييم له ينبغي أن يأخذ هذا السياق السوري الأميركي بعين الاعتبار.
رغم ذلك، فإنّ تعاملات الدول فيما بينها، وتعاملاتها مع إدارة ترمب على وجه الخصوص، لا تخلو أبداً من التكاليف والمساومات المتبادلة، ففي ملف العقوبات، لا يخفي بعض المشرعين الأميركيين الإشارة الصريحة إلى علاقة سوريا بإسرائيل كعامل في تحديد موقفهم من إلغاء قانون قيصر داخل الكونغرس.
وهناك أيضاً مَن يطرح قضية ما يُسمى بحماية الأقليات وعلاقتها بالدولة، وهي قضية غالباً ما تكون ورقة استثمار مفيدة للدول للتدخل في شؤون دول أخرى والتأثير في سياستها الداخلية وحتى الخارجية.
وعلى أية حال، فإنّ الشرع يدرك جيداً أن ترمب لا يقدّم شيئاً بالمجان لسوريا، ولديه مصالح محددة فيها ومتطلبات واضحة منها، بعضها معلن وآخر سيظهر أكثر في المستقبل القريب.
هكذا هي طبيعة علاقات الدول ومصالحها المتبادلة، حتى الإيرانيون والروس لم يقدّما لـ”الأسد” شيئاً بالمجان، لكنه أعطاهما أكثر مما أخذ منهما، وما أخذه كان للبقاء في السلطة على حساب مصلحة سوريا العليا.
سيُعزّز الشرع حكمه بالعلاقة الاستراتيجية مع الأميركيين، لكنّه يتطلع إلى أن يأخذ من ترمب مفاتيح أبواب تحتاج سوريا فتحها بشكل عاجل -من إلغاء قانون قيصر إلى إعادة الإعمار الشامل والاندماج الكامل في النظام الدولي- وأخرى تحتاج غلقها الحاسم، من ملف “قسد” إلى مشاريع إفشال الدولة الوليدة وتهديد وحدة أراضي سوريا وسيادتها.
وأفضل ما قد يكون الرئيس الشرع قد حقّقه في زيارة البيت الأبيض هو الحصول على أكبر قدر ممكن من هذه المفاتيح الاستراتيجية والعودة بها إلى سوريا.
إن التفسيرات المبالغ فيها لشكليات استضافة ترمب للشرع، إيجاباً أو سلباً، يمكن أن تعطي بعض الانطباعات الأولية، لكنها تبقى مجرّد انطباعات محدودة القيمة السياسية الحقيقية، ولا تعزّز أو تضعف الهدف الأساسي للاستضافة.
أمّا عن الأهداف التي لا تقل أهمية لسوريا ومستقبلها، فتكمن في مخرجات الاجتماع الوزاري الثلاثي السوري الأميركي التركي، الذي عقد بالتوازي في واشنطن، والذي يعكس أولاً مدى الارتباط الوثيق بين السياستين الأميركية والتركية في سوريا، وثانياً أهمية تركيا الاستراتيجية لسوريا في تشكيل علاقتها الجديدة بواشنطن.
ولا يبدو مفاجئاً على أية حال أن يكون الأتراك حاضرون في زيارة الشرع للبيت الأبيض، قد لا نلحظ تحولات جوهرية وحادة في السياسة الأميركية تجاه سوريا في المستقبل المنظور، وقد يحدث جزء من هذه التحولات تدريجياً، لكن ذلك لا يضعف أبداً حقيقة أن زيارة الشرع للبيت الأبيض شكّلت منعطفاً حاسماً في العلاقات الأميركية السورية الجديدة، وفي التموضع الجديد لسوريا على الساحة الدولية، وكذلك في الدور الجديد للعلاقات الأميركية التركية الإسرائيلية في تشكيل مستقبل سوريا.
تلفزيون سوريا
———————————-
هل يلتقي ترامب والشرع ثانية.. جهود لترتيب زيارة إلى دمشق؟
الرياض- العربية.نت
16 نوفمبر ,2025
بعدما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقاءه، الأسبوع الماضي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع بالجيد جداً، أفادت أنباء عن احتمال زيارة ترامب إلى دمشق قريباً.
فقد انطلقت جهود سورية من أجل ترتيب زيارة للرئيس الأميركي إلى العاصمة السورية، وفق ما أفادت مجلة “المجلة”.
فيما أوضحت مراسلة العربية/الحدث أن ترامب قال مؤخرا إنه “سيتم الإعلان عن المزيد من الاتفاقيات، وإذا تم توقيع هذه الاتفاقيات فسيذهب ليعلن عنها من دمشق”.
“رجل قوي”
وكان الرئيسان اجتمعا، الاثنين الماضي، في البيت الأبيض، حيث أشاد ترامب بنظيره السوري، معتبراً أنه رجل قوي جداً، وقادر على إعادة إعمار بلاده التي دمرتها الحرب.
في حين شكلت تلك الزيارة التي وصفت بالتاريخية، أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال عام 1946، بعدما دخل الشرع مقر الأمم المتحدة في نيويورك بسبتمبر الماضي، ليكون أول رئيس سوري أيضاً يلقي خطابا أمام الجمعية العامة منذ عقود.
ومنذ سقوط النظام السوري السابق ولجوء رئيسه بشار الأسد إلى موسكو في الثامن من ديسمبر 2024، عمد الشرع الذي تسلم السلطة في البلاد إلى إعادة تعزيز العلاقات بين دمشق والدول العربية، وترميم علاقاتها مع الغرب أيضاً، لاسيما مع الولايات المتحدة، إذ التقى الشرع ترامب في الرياض بمايو الماضي، وكان أول لقاء بينهما، ثم التقيا لاحقا على هامش اجتماعات الأمم المتحدة بنيويورك، وآخرها في البيت الأبيض.
فيما حثت الإدارة الأميركية سوريا على إبرام اتفاق مع إسرائيل، حيث أجرى البلدان عدة جولات من المفاوضات في باكو وباريس برعاية أميركية، من أجل التوصل إلى حل وخفض التصعيد على الحدود، ليؤكد الرئيس السوري مؤخراً أن المحادثات مستمرة رغم العثرات وقطعت شوطاً جيداً.
—————————-
========================
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
———————————-
“تحول جذري” بين سوريا وأميركا بعد زيارة الشرع للبيت الأبيض/ تشارلز ليستر
فرصة سانحة
15 نوفمبر 2025
سجّل الرئيس السوري أحمد الشرع سابقة تاريخية هذا الأسبوع، حين أصبح أول زعيم سوري تطأ قدماه العاصمة الأميركية واشنطن، ويُستقبل رسميا في البيت الأبيض، للقاء رئيس الولايات المتحدة. وما زاد من فرادة الحدث أن الزيارة جاءت بعد أقل من عام على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، وأن الضيف كان فيما مضى أحد قادة تنظيم “القاعدة”.
وخلال زيارته التي امتدت يومين، التقى الرئيس الشرع نظيره الأميركي دونالد ترمب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، وعددا من قادة مجلسي الشيوخ والنواب، إلى جانب أكثر من ثلاثين من الرؤساء التنفيذيين وكبار مديري الشركات الأميركية.
منذ دخوله دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2024، حقق الرئيس الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني إنجازات لافتة على صعيد السياسة الخارجية. فقد أتاح التحول التاريخي في سوريا لهما فرصة استقبال وفود رسمية من أكثر من ثمانين دولة ومنظمة، متعددة الأطراف خلال أحد عشر شهرا فقط، في موجة انفتاح دبلوماسي غير مسبوقة في تاريخ الدول الخارجة من الحروب. ومع ذلك، لا يكاد يختلف اثنان على أن قرار الرئيس ترمب استقبال الرئيس الشرع في مايو/أيار 2025 يُعد الإنجاز الأهم على الإطلاق.
منذ اللقاء التاريخي الذي جمع الزعيمين في المملكة العربية السعودية في مايو، شهدت العلاقات السورية-الأميركية نموا متسارعا. ومع بدء إدارة ترمب برفع العقوبات وتجميد بعضها أواخر مايو، تدفّق الاهتمام الأميركي بالاستثمار في سوريا على نحو غير مسبوق. وتوافدت الوفود الأميركية إلى دمشق– من قطاع النفط والغاز إلى التكنولوجيا، والبناء، والخدمات اللوجستية، والنقل، والتمويل، لعقد اجتماعات مع الرئيس الشرع وأعضاء حكومته. وقد لعبت غرفة التجارة الأميركية والمجلس الأميركي– السوري للأعمال، الذي أنشئ حديثا، دورا محوريا في تسهيل اللقاءات والمباحثات الجادة.
تجري شركتا “شيفرون” و”كونوكو فيليبس” محادثات متقدمة مع وزارة الطاقة السورية، فيما عادت “ماستركارد” إلى السوق السورية، وتستعد “فيزا” للحاق بها. أما “غوغل” و”ميتا”، فقد شرعتا في التعاون مع وزارة الإعلام لمكافحة التضليل الإعلامي، في خطوة تعكس تحولا لافتا في طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وفي السياق ذاته، عرض وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار، رؤية حكومته لنظام مالي مستوحى من النموذج الأميركي، بينما زار كل من محافظ المصرف المركزي عبد القادر حصرية ووزير المالية محمد برنية واشنطن ونيويورك في مناسبات عدة خلال عام 2025 في إطار لقاءات رسمية. ولا شك في أن هذا التحول ذو دلالة بالغة بالنسبة لبلدٍ كان حتى الأمس القريب منغلقا على العالم ويعتمد نموذجا اقتصاديا اشتراكيا.
ومع ذلك، لا تزال العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” تشكّل عقبة رئيسة أمام ترجمة هذا الانفتاح إلى تحوّل استراتيجي فعلي. وقد أثار الرئيس الشرع هذه المسألة مباشرة مع الرئيس ترمب في المكتب البيضاوي، وتلقى وعدا بإلغاء القانون خلال هذا العام. ولتعزيز أجواء التفاهم، أعلن الرئيس الأميركي عن خفض الرسوم الجمركية المفروضة على سوريا من 41 في المئة إلى 10 في المئة.
وبعيدا عن الاقتصاد، شهدت العلاقات السورية–الأميركية تطورا أعمق في المجالين العسكري والاستخباري. فقد جرى أول اتصال مباشر بين القوات الأميركية ونظيرتها السورية الجديدة بعد خمسة أيام فقط من سقوط بشار الأسد في 13 ديسمبر، حين سلّم محمد قناطري، الذي كان حتى أيام قليلة أحد عناصر جهاز أمن “هيئة تحرير الشام”، مواطنا أميركيا كان محتجزا في أحد السجون السورية. ومنذ ذلك الحين، تولّى قناطري دورا بارزا في وزارة الخارجية، بصفته حلقة وصل أساسية مع المؤسسة العسكرية والاستخبارية الأميركية.
وتلى ذلك بعد أسبوع واحد، مشاركة قائد التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، اللواء كيفن ليهي، في أول وفد دبلوماسي أميركي يزور دمشق، ويلتقي الرئيس الشرع. ومنذ ذلك الحين، ترسّخت العلاقة الأمنية والاستخبارية بين البلدين، وأصبحت أكثر فاعلية على المستوى العملياتي، تُدار من دمشق عبر وزارة الداخلية بقيادة أنس خطاب، ومديرية المخابرات العامة التي يرأسها حسين سلامة. ويتحدث كلا المسؤولين بحماسة عن تعاونهما مع “الأصدقاء الأميركيين”، وهي نغمة يبادلهم إياها نظراؤهم الأميركيون الذين يصفون التنسيق المشترك بأنه “تحول نوعي”.
وقد بدأت بذور العمليات المشتركة في مايو، حين زوّدت واشنطن دمشق بحزمة معلومات استخبارية حول شبكة واسعة من الأنفاق والمستودعات، التي تضم أسلحة إيرانية يديرها زعيم قبلي نافذ قرب مدينة البوكمال شرق سوريا. وبعد أيام، شنّت قوات وزارة الداخلية السورية عملية خاطفة، سيطرت خلالها على الموقع بالكامل، وصادرت الأسلحة، وألقت القبض على جميع العناصر الإيرانية دون خسائر.
ووصف أحد المسؤولين الأميركيين العملية بأنها إجراء “مذهل” يفتح الباب أمام تعاون أمني غير مسبوق. وبالفعل، منذ ذلك الحين، تعمّق تبادل المعلومات الاستخبارية، وتدفّق عناصر من القوات الخاصة الأميركية إلى دمشق، وشاركت وحدات سورية في أربع عمليات مشتركة ضد أهداف مرتبطة بإرث إيران، وست عمليات ضد تنظيم “داعش”، أسفرت إحداها عن مقتل أرفع قائد للتنظيم كان لا يزال على الأراضي السورية.
ورغم النفي الرسمي، تجري حاليا جهود مشتركة لتحديد موقع مناسب لإنشاء مقر عمليات أميركي دائم في محيط دمشق بهدف تنسيق العمل الميداني على الأرض.
ولتكريس التقدم في العلاقات الأمنية، أعلنت سوريا انضمامها رسميا إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم “داعش”. لم يكن هذا القرار سهلا على الحكومة الانتقالية، إذ واجهت فيه تحديات داخلية وخارجية. فعلى الصعيد الشعبي، لا تزال شريحة واسعة من السوريين، تنظر بعين الريبة إلى الولايات المتحدة، فيما تبدي بعض الفصائل الجهادية الصغيرة، التي لم تُدمج بعد في المنظومة العسكرية الرسمية، حساسية بالغة تجاه هذا التقارب.
ويسود اعتقاد داخل أروقة الأمن والاستخبارات السورية، بأن هذا الانضمام قد يثير اضطرابات أمنية على المدى القصير، لكنه في الوقت ذاته يُعد فرصة سانحة لـ”تنظيف البيت من الداخل” عبر مواجهة العناصر الأكثر إشكالية وإعادة ضبط المشهد الأمني.
لا شك أن العلاقات السورية–الأميركية قد دخلت مرحلة تحوّل جذري منذ سقوط الأسد. ورغم التاريخ المثير للجدل للرئيس الشرع، فإن ما تتيحه سوريا الجديدة من فرص استراتيجية للاستقرار والانفتاح والاندماج الدولي، قد دفع عجلة التواصل وبناء الثقة وأرسى ملامح تحالف ناشئ.
ومع ذلك، لا تزال سوريا تقف على أرضية مهتزة، وإذا أرادت أن تواصل ترسيخ انتقالها السياسي وتوسيع نطاق السيطرة والتمثيل، فلا بد لاقتصادها من أن ينهض من جديد. وثمة عوامل كثيرة قد تسهم في ذلك، لكن العامل الأهم بلا منازع، يبقى إلغاء “قانون قيصر” في الكونغرس الأميركي، الذي إذا ما بقي ساريا، فإن مستقبل سوريا، ومعه الفرصة التاريخية التي يمثلها انفتاحها الجديد على العالم، عرضة لخطر مقيم لا يغادر عتبتها.
المجلة
————————————
سوريا من العتمة إلى النور/ عالية منصور
آخر تحديث 16 نوفمبر 2025
بعد عقود من وضع سوريا بالأسر لصالح مفاهيم بالية وشعارات لم يدفع ثمنها سوى السوريين دون أن تعود بالنفع على أحد سوى نظام الأسدين، تتجلى أهمية التحولات الكبيرة التي رافقت سقوط نظام بشار الأسد، تحولات تبدو بحجم التحولات التي مر بها أحمد الشرع نفسه في رحلته من إدلب إلى دمشق وصولا إلى الرياض وأنقرة وباريس وموسكو وواشنطن وغيرها وقريبا بكين ولندن.
في تعليقه على زيارة الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ذكر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك في بيان أن الزيارة تمثل نقطة تحول حاسمة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وفي “التحول الملحوظ الذي شهدته سوريا من العزلة إلى الشراكة”. كما أكد باراك في بيانه على ضرورة “الإلغاء الكامل لقانون قيصر لإعطاء سوريا فرصة حقيقية والسماح للشعب السوري وجيرانه الإقليميين ليس فقط بالبقاء، بل بالازدهار أيضا”.
رغم الانفتاح العربي والإقليمي والغربي على سوريا الجديدة، ورغم الخطوات التي تتخذها حكومة الشرع في الاتجاه الصحيح وليس آخرها الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، إلا أن العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لا تزال عائقا أمام قيام شراكة مستدامة في شتى المجالات الاقتصادية والتي على ما يبدو تأخذ الحيز الأكبر من اهتمام الشرع ولقاءاته ووزرائه في زياراتهم ولقاءاتهم مع المسؤولين العرب والأجانب.
ويبدو أن سوريا أمام أسابيع حاسمة تتعلق بالتصويت على إلغاء قانون قيصر، ولكن إن كنت من مؤيدي الشرع أو معارضيه لا يمكن إلا أن ترى أن حجم التغيرات التي حصلت في سوريا كبيرة وكان بعضها يبدو شبه مستحيل بالنسبة لكثيرين، على الصعيد الخارجي أن تسبق زيارة واشنطن ولقاء ترمب زيارة إلى موسكو التي لجأ إليها بشار الأسد والاستقبال اللافت الذي حظي به من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليس بالأمر الهامشي.
وصحيح أن بوتين شريك بالدم السوري، فكيف سيكون شريكا أو صديقا لسوريا ما بعد الأسد؟ يدرك الشرع أهمية العلاقات المتوزانة، هو لا ينتقل بسوريا من محور إلى محور بل يقوم بخطوات يرى أنها تصب في مصلحة سوريا المستقبل رغم الماضي الأليم جدا الذي جمع سوريا مع روسيا.
أن تأتي زيارة وزير الخارجية اليوم إلى الصين على أن يزورها الشرع في وقت لاحق أيضا ليس بالأمر العادي، في أقل من عام تمت زيارة أو الإعلان عن نية زيارة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
ما تشهده سوريا ليس فقط كتابة التاريخ بل صناعة المستقبل، وصناعة المستقبل الذي يليق بسوريا وتاريخها وموقعها، ولكن صناعة المستقبل لا تتم فقط بالانفتاح على الشرق والغرب ولكن بالانفتاح على السوريين أولا.
اليوم قبل الغد يجب استكمال المجلس التشريعي وانطلاق عجلة التشريعات والقوانين التي تحتاجها سوريا في رحلتها نحو المستقبل، نحتاج إلى تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين والقانونيين والبدء بكتابة دستور دائم للبلاد، سوريا تحتاج إلى أن ينغمس جميع أبنائها وينشغلوا في إعادة بنائها.
ما تحقق خلال الأشهر الأحد عشر الماضية يبدو كحلم ولكنه حقيقة، قبل 11 شهرا عدت إلى بيتي في طرطوس للمرة الأولى بعد غياب قسري لمدة 19 عاما، كان التيار الكهربائي متوفرا لمد 45 دقيقة كل 24 ساعة، اليوم أكتب من طرطوس وقد مر على وجودي فيها 20 ساعة كانت الكهرباء متوفرة طيلة الوقت، العودة حلم تحقق والكهرباء أيضا تحسنت، ولكن هذا لا يكفي، ما زال الكثير والكثير من العمل أمام السوريين إنجازه، وأقول السوريين وليس الحكومة فقط لأن الشراكة بإعادة بناء سوريا حق- وليس فقط واجب- للسوريين.
والعودة والكهرباء والبناء والانفتاح، ورغم أهمية كل بند من هذه البنود، فإن “العدالة” هي الأساس، مسار العدالة الانتقالية هو الأكثر أهمية، هو أساس المصالحة الوطنية المجتمعية وتحقيق الأمن، هو حق للضحايا وعائلاتهم، وهو ضرورة لمنع أي عابث من استغلال غياب العدالة لتحقيق غايات لا تصب في مصلحة سوريا ووحدتها.
المجلة
————————–
أحمد الشرع في زيارته للبيت الأبيض: استحضار الماضي القريب والتحذير من الوضع القائم/ عبد الحميد صيام
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي يوم 6 تشرين الثاني/نوفمبر القرار 2799 بشطب اسم الرئيس السوري أحمد الشرع من قائمة الأسماء المدرجة على قوائم الإرهاب هو ووزير داخليته أنس خطاب، رفع أي حرج أمام استقباله ضيفا رفيعا من قبل الدولة التي كانت وراء تصنيفه على القائمة ووضعت جائزة مقدارها عشرة ملايين دولار لمن يعتقله أو يسهل اعتقاله.
فقد استقبل البيت الأبيض يوم الإثنين الماضي العاشر من هذا الشهر، أول رئيس سوري في واشنطن منذ نحو 80 عامًا. ومع أن هذه الزيارة تعني تحسن العلاقات بين البلدين التي ظلت على مدى عقود طويلة متوترة، إلا أن تطبيع العلاقات التام ورفع العقوبات كاملة وإلغاء قانون قيصر ما زالت غير مكتملة. ورغم أن إدارة الشرع الجديدة تحاول تغيير الصورة النمطية لسوريا، وتقديم نفسها كحليفة محتملة للغرب ومهادنة للكيان الإسرائيلي رغم الاعتداءات المتكررة على سيادة سوريا، إلا أن قائمة المطلوبات من الرئيس لم تنته بعد، لكن التغيير بدأ ولا أعتقد أنه سيتوقف هنا. وكما كتب أستاذ العلوم السياسية مارك لينش في «فورين بوليسي»: «ترى واشنطن وحلفاؤها في المنطقة فرصة في ترسيخ مراجعة إيجابية للنظام الإقليمي من خلال دمج سوريا ما بعد الأسد بقوة في معسكرهم».
وحظيت الزيارة الرسمية بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الأمريكية. فقد نوهت الصحف المؤيدة لإدارة ترامب بالزيارة واعتبارها من الإنجازات التاريخية للرئيس، بينما أثارت كثير من الصحف ووسائل الإعلام مسائل تتعلق بحقوق الإنسان للأقليات والتاريخ الطويل للنزاعات في سوريا.
ويمكن أن نشير إلى أهم محاور التغطية الإعلامية للزيارة:
ركزت الـ«واشنطن بوست» و«رويترز» في تغطيتيهما على أن الزيارة تمثل عودة لسوريا إلى الساحة الدولية بعد غياب طويل، وأن هذه الزيارة للبيت الأبيض قد فتحت عهدا جديدا للعلاقات الأمريكية السورية. وأشارتا إلى أن رفع بعض العقوبات عن سوريا وتخفيف بعض بنود قانون قيصر ولو لمدة محدودة بانتظار قرار من الكونغرس، سيسهل عودة المستثمرين إلى سوريا وتسهيل المعاملات المالية والتجارية.
لكن «واشنطن بوست» في تحليلاتها أثارت مسألة حقوق الإنسان وحذرت من مسألة منح الشرعية بسرعة غير معهودة لشخص كان مرتبطا بتنظيم القاعدة.
أما مكافحة الإرهاب والأجندة الأمنية فقد رأت إدارة ترامب أن تتجاوز ذلك لأن التقاء المصالح ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» حجة مركزية لتقارب سريع، مع حديث عن انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة «داعش» أو الاتفاق على تعاون أمني أوسع يبرر هذا التقارب، حسب وكالة «رويترز».
الصحافة الاستقصائية وكتّاب الرأي (وأصوات منظمات حقوقية)، حذّرت من السرعة في منح شرعية لشخص كان مرتبطًا في مساره السابق بفصائل مسلحة، وسلّطت الضوء على انتهاكات محتملة ومسائل العدالة للمواطنين السوريين. فالتوازن بين المصلحة الأمنية والمساءلة كان موضوعًا بارزًا في تحليلات «واشنطن بوست».
ولاحظنا أن هناك انقساما في التغطية بشكل عام، فبعض من وسائل الإعلام المحافظة والمذيعين المؤيّدين للإدارة استعرضوا اللقاء كإنجاز دبلوماسي كبير (تركيز على الفوائد الجيوسياسية والاقتصادية)، بينما بعض المؤسسات التقليدية والانحيازات الليبرالية ركّزت أكثر على المخاطر الأخلاقية والسياسية للشرعية الدولية.
الإخبارية الأكثر تأثيرا شبكة CNN ذكرت في موقعها: «بعد أقل من عام على توليه السلطة بسرعة البرق، يُتوج الرئيس السوري تحوّله من جهادي إلى رجل دولة عالمي بزيارة تاريخية إلى البيت الأبيض، تُعبّر عن مدى تميّز القائد الشاب بقدر ما تُعبّر عن سعيه نحو إعادة صياغة المسار الدبلوماسي لبلاده. يُعدّ لقاء أحمد الشرع يوم الإثنين – وهي أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض – رحلته الخارجية العشرين منذ توليه رئاسة سوريا في كانون الثاني/يناير، وزيارته الثانية إلى الولايات المتحدة، بعد حضوره الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر الماضي. قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحافيين في المكتب البيضاوي عقب زيارة يوم الإثنين: إنه قائد قوي جدًا، مضيفًا: إنه قادم من بيئة صعبة للغاية، وهو رجل قوي. أنا معجب به، وأتفق معه… وسنبذل قصارى جهدنا لإنجاح سوريا».
رفع العقوبات عن سوريا
حين تنقل صحيفة «نيويورك تايمز» خبر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «رفع العقوبات عن سوريا» بعد استقباله الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض، فهي لا تكتفي بسرد حدث دبلوماسي، بل تنظّم مشهدًا دقيقًا من التأطير يجمع بين مفاهيم الخلاص السياسي والمخاطرة والمصلحة الأمريكية.
المقال الذي كتبه كلّ من كريستينا غولدباوم وزولان كانّو- يونغز (10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) يتحرك في مساحة وسطى بين الشك والتطبيع، مقدّمًا صعود الشرع من ماضيه المتمرّد إلى شرعية الرئاسة عبر إيقاع مدروس من المقارنة والانتقاء.
يفتتح المقال بتوصيف الشرع بأنه «قائد متمرّد سابق»، مع التذكير بأنه «كان قد أُدرج في السابق على قائمة الإرهاب الأمريكية». هذا التقديم المزدوج يصوغ زيارته كحالة إعادة تأهيل غير متوقّعة. غير أن البنية السردية ذاتها من «إرهابي» إلى «ضيف في البيت الأبيض» تؤدي وظيفة درامية تُوحي بالتحوّل الأخلاقي أو السياسي، بما يوازي إعادة تموضع واشنطن الاستراتيجية.
تصريح ترامب المقتبس «جميعنا مررنا بماضٍ صعب»، يعمل بلاغيًا كنوع من الغفران، إلا أن الصحافيين يمتنعان عن التعليق المباشر. وبدلًا من ذلك، يسمحان لتلك العبارة العفوية أن تتقاطع مع ثقل التحوّل السياسي، فينشأ شعور بالمسافة: القارئ يدرك حجم التطبيع، بينما الصحيفة تتفادى أي حكم تحريري مباشر.
يظهر التأطير كذلك عبر البنية البصرية والرمزية للسرد. فالكاتبان يشيران إلى أن الشرع «لم يُستقبل بالمراسم المعتادة» وأنه «دخل من باب جانبي»، هذا الاختيار التفصيلي يبني تردّدًا مقصودًا، اللقاء رسمي لكنه غير مُحتفى به بالكامل.
بهذه الصورة، تؤدي «نيويورك تايمز» إيماءة الحذر الصحافي التالي: «ترحيب مشوب بالريبة، والتقدّم يرافقه تذكير بعدم الثقة». كما أن الإشارة إلى أن «مسؤولًا في الإدارة» قد أدلى بالمعلومات «شريطة عدم الكشف عن هويته» تكشف بدورها عن تردّد مؤسساتي. فبينما القرار معلن، تبقى الثقة به خافتة ومحكومة بالتحفّظ.
ومع تطوّر السرد، يُعاد تقديم الشرع تدريجيًا بوصفه فاعلًا دوليًا. يسرد المقال زياراته إلى دول الخليج، والأمم المتحدة، وموسكو، والبرازيل، مصوّرًا إياه كزعيم نشط وبراغماتي. هذه المشاهد ترسم ملامح إعادة اندماج تدريجية في النظام الدولي. لكن المقال يوازن كل خطوة من هذه الخطوات بتذكير بماضي العنف والنزعة السلطوية و«النزعات الطائفية».
هذه المراوحة بين التطبيع والتحذير تنتج ما يمكن تسميته بـ«الشرعية المشروطة»: الشرع مفيد لواشنطن، لكنه لا يُؤتمن بالكامل.
حتى حين يَرِدُ ذكر كلفة إعادة إعمار سوريا، «216 مليار دولار»، يبقى التركيز على ما يعنيه ذلك بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، لا على تعافي سوريا نفسها.
اختبار للبراغماتية الأمريكية
تُقدِّم «نيويورك تايمز» الحدث كاختبار للبراغماتية الأمريكية أكثر منه لحظة تحوّل سوريا. فاهتمام ترامب بـ«جعل سوريا ناجحة» يصبح محور المقال، وكأن النجاح يُقاس بمدى توافقه مع أهداف واشنطن الإقليمية: مكافحة الإرهاب، الاستقرار، وإعادة الإدماج الاقتصادي تحت المراقبة الأمريكية. بهذا التأطير، تُعاد صياغة العلاقة: مصير سوريا يُروى من خلال استعداد أمريكا للغفران. تتحوّل القصة من حكاية تعافٍ سوري إلى مرونة السياسة الأمريكية حين تلوح الفرصة الجيوسياسية.
مع نهاية المقال، يُترك القارئ بانطباع مضبوط: الزيارة تاريخية لكنها ملتبسة، ذوبان جليد دبلوماسي ملفوف بغلالة من التردد الأخلاقي.
فالصحيفة لا تحتفل ولا تُدين، بل تنظّم التوتر من خلال البناء الموازي، والتفاصيل المتناقضة، والتناوب بين سرد الإصلاح وبقايا الشك، تُعلّم «نيويورك تايمز» قراءها كيف يشعرون: بالريبة، والفضول، وربما الاستسلام لواقعية اللحظة السياسية.
لقد منح ترامب سوريا إعفاءات واسعة من العقوبات، وحثّ الكونغرس على إلغاء قانون صدر عام 2019، وهو قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، والذي فرض أشد العقوبات على سوريا.
ويوم الاثنين، أصدر الرئيس تمديدًا لمدة 180 يومًا لإعفاء كان قد منحه أول مرة في أيار/مايو الماضي.
لا أعداء دائمين
تقدّم صحيفة «واشنطن بوست» زيارة الشرع بوصفها تحوّلًا دراماتيكيًا في العلاقات الأمريكية-السورية، مؤكِّدةً على الطابع التاريخي للقاء البيت الأبيض، وعلى ملف العقوبات أيضًا.
فعلى سبيل المثال، في مقال بعنوان «الشرع يصبح أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض بعد صعود غير متوقّع» في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، تفتتح الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى اعتقاله السابق على يد القوات الأمريكية، ثم ترسم تباينًا حادًّا بين ماضيه كمقاتل سابق ومكانته الجديدة كرئيس دولة وضيف في البيت الأبيض.
تستخدم الصحيفة لغة تُبرز رحلته الشخصية، من خلال عبارات مثل «الصعود غير المتوقّع» و«أول رئيس سوري يلتقي رئيسًا أمريكيًا في واشنطن» وتقدّم الحدث باعتباره منعطفًا مفصليًا في العلاقات الثنائية.
وفي تناولها لمسألة العقوبات، تستشهد بتقارير عن تصويت مجلس الأمن الدولي على رفع بعض العقوبات، ووصْف هذا التصويت بأنه «إشارة سياسية قوية تُقرّ بأن سوريا تدخل عهدًا جديدًا في ظلّ الشرع».
تجمع تغطية الصحيفة بين الأسلوب السردي-الإنساني والتحليل السياسي-الاستراتيجي؛ فهي تسرد سيرة الرجل الذي انتقل من مقاتل في صفوف المتمرّدين إلى دبلوماسي يرتدي البذلة الرسمية، وتربط بين هذا التحوّل وبين تخفيف العقوبات كجزء من إعادة التموضع السياسي الأوسع.
وفي المقال الافتتاحي المعنون «هذا الرجل يجسّد مبدأ ترامب: لا أعداء دائمين»، تستخدم الصحيفة لغة حافلة بالتفاصيل الشخصية، تصفه وهو يرتشف الإسبريسو مع الصحافيين، وتستعيد اسمه الحركي القديم، وتستعرض انتقاله من زرع العبوات الناسفة في العراق إلى ارتداء البذلات المفصّلة.
يقدّم هذا المقال تخفيف العقوبات ليس بوصفه خطوة إجرائية فحسب، بل كرمز لتحوّل في العقيدة الدبلوماسية الأمريكية.
وبصورة عامة، تمزج «واشنطن بوست» بين القصص الإنساني وتحوّل المقاتل السابق إلى رئيس دولة، والتقارير السياسية حول العقوبات، الاستراتيجية الأمريكية، والتداعيات الإقليمية. وتؤكد بشكل متواصل أن تخفيف العقوبات جزئي وليس شاملًا؛ إذ تشير المقالات إلى إعفاءات محدّدة فقط، بينما يظلّ قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين نافذًا، ويتطلّب أي تعديل جوهري عليه موافقة من الكونغرس.
في الختام يرى محللون أن الزيارة تعتبر تحولا في مواقف الإدارة الأمريكية نحو سوريا، حيث تحاول دمج النظام الانتقالي في سوريا في منظومة الاستقرار الأمني في المنطقة والذي يعني تكوين مجموعة دول حول إسرائيل تكون كلها في حالة سلام معها، وهو ما يبرر تحويل عدو سابق إلى شريك في المستقبل. صحيح هناك شكوك حول قدرة الشرع على السيطرة على الأوضاع في سوريا المقطعة بين عدة محاور نفوذ، إلا أن البيت الأبيض يعمل الآن وللشهور القادمة على التوصل لاتفاقات أمنية مع النظام السوري تبقي على وجود أمريكي دائم يكون الضامن لاستقرار البلاد وانتقالها نحو التطبيع الأمني مع الكيان الإسرائيلي.
القدس العربي
———————————-
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن: خطوة دبلوماسية تاريخية وسط تحديات داخلية وخارجية/ رائد صالحة
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
في خطوة تاريخية غير مسبوقة منذ استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الإثنين الماضي في البيت الأبيض، في لقاء استمر نحو ساعتين.
وتمثل هذه الزيارة أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ عقود، وتأتي في وقت يتسم بتحولات سياسية ودبلوماسية عميقة بعد رفع الإدارة الأمريكية للعقوبات والتصنيف الإرهابي عن الشرع، وهو قرار استثنائي يعكس تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
وقد وافقت إدارة ترامب على تعليق العمل بمعظم عقوبات «قانون قيصر» لمدة 180 يومًا، فيما تستعد سوريا للانضمام رسميًا إلى «التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش». وشهد اللقاء حضور كبار مستشاري ترامب في السياسة الخارجية، بمن فيهم نائب الرئيس دي. جيه فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين، ما يعكس أهمية هذه الزيارة رمزيًا واستراتيجيًا على حد سواء.
وقال محللون أمريكيون إن الاجتماع يمثل خطوة لتوطيد سلطة الشرع داخليًا، وإن الدعم العلني من ترامب يرسل رسالة لمنافسيه المحليين بتأييد واشنطن، لكنه شدد على ضرورة وضع معايير واضحة لضمان تحرك سوريا نحو الاستقرار وتجنب الانزلاق نحو الفوضى.
الباحثة أروى دامون لاحظت أن قضايا حساسة مثل دمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة، وملفات إسرائيلية لم تُناقش خلال الاجتماع، وهو ما قد يُفسّر على أنه تحرك تكتيكي لتفادي نسف الانفراجة الدبلوماسية. بينما رأى الباحث التركي عمر أوزكيزلجيك أن الزيارة تمثل «قفزة نوعية في مسار الشرعية الدولية لسوريا»، وأن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش يعزز موقعها الإقليمي، ويفتح المجال لترتيبات أمنية جديدة وفرص استثمارية لإعادة إعمار الاقتصاد السوري.
الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية
قبل ثلاثة أيام من اللقاء، أُزيل اسم الشرع من قائمة الإرهاب الأمريكية، وتم تمديد تجميد معظم عقوبات قانون قيصر لمدة 180 يومًا، رغم استمرار معارضة بعض أعضاء الكونغرس لتخفيف هذه العقوبات. وانضمت سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد داعش، لكن الاتفاق الحالي يقتصر على الجوانب السياسية دون الالتزامات العسكرية المباشرة، فيما لا تزال المفاوضات مستمرة مع القوات الكردية حول دمجها في الجيش السوري.
وقد حضر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في خطوة تعكس دور أنقرة في الضغط على دمشق لتسريع دمج القوات الكردية، مع خطط لاجتماع ثلاثي بين وزارات خارجية تركيا وسوريا والولايات المتحدة، يركز على الملف الكردي وتعزيز الاستقرار في شمال شرق سوريا.
تزامنت زيارة الشرع مع تصاعد الهجمات الإعلامية على منصات المعارضة وبعض وسائل الإعلام، حيث أعيدت روايات قديمة عن «الجهاد» واتهامات الإرهاب، مستهدفة التشكيك في قدرة الشرع على الانخراط الدبلوماسي واستغلال رفع العقوبات لدعم المعارضة.
وتشمل الجهات الدافعة لهذه الحملات قوى إقليمية تخشى فقدان نفوذها، والمعارضة التقليدية، وبعض الجماعات الجهادية. ويأتي توقيت هذه الهجمات بالتزامن مع فرص دمشق للانضمام للتحالف ضد داعش وتخفيف محتمل للعقوبات، ما يزيد من قلق خصومها ويضع الحكومة السورية أمام تحديات إعلامية وسياسية كبيرة.
وتظل عقوبات قانون قيصر الاقتصادية من أبرز التحديات أمام إعادة إعمار سوريا، إذ تمنع معظم الشركات الأجنبية من الاستثمار في البلاد. وعلى الرغم من تعليق العقوبات مؤقتًا، فإن أي رئيس أمريكي مستقبلي يمكن أن يعيد فرضها فورًا، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين.
كما يواجه ترامب تحديًا داخليًا، إذ يحتاج إلى إقناع الكونغرس، خصوصًا مجلس النواب، بمنح الشرع فرصة، رغم المخاوف المتعلقة بماضيه العسكري والجهادي. وبالرغم من ذلك، بدأت جهود ترامب تؤتي ثمارها بالفعل، حيث التقى الشرع بعضو مجلس النواب براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، ووصف اللقاء بأنه إيجابي وبنّاء، ما يعكس بداية لتقارب برلماني محتمل بشأن ملفات العقوبات.
في الملفات الاستراتيجية
تتشابك مصالح سوريا مع الولايات المتحدة بشكل أكبر منذ تولي الشرع الحكم، خاصة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي حاول اغتياله مرتين مؤخرًا. وأشار مسؤولون سوريون إلى استعداد الشرع لقبول استمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا لدعم جهود مكافحة الإرهاب، وربما نشر قوات أمريكية جديدة في قاعدة جوية بدمشق.
كما تمثّل العلاقة مع القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية) تحديًا استراتيجيًا آخر. فالتاريخ الطويل للشراكة الأمريكية-الكردية يشير إلى أن الأكراد غالبًا ما يُتركون بدون دعم، ما يجعل دمج هذه القوات في الجيش السوري ملفًا حساسًا، لكنه أصبح أكثر قابلية للحلّ بفضل الجهود الدبلوماسية المكثفة بين الشرع وموفد ترامب توم باراك. ويمثّل لقاء الشرع مع ترامب انتصارًا كبيرًا للرئيس السوري على المستوى الرمزي والسياسي. فالعلاقات الشخصية تحتلّ أهمية قصوى في السياسة الخارجية الأمريكية، ومعرفة الشرع وفريقه بأهمية حضوره إلى الولايات المتحدة ولقائه بترامب تمنحه نفوذًا كبيرًا في رسم مسار التعاون المستقبلي. كما يُعدّ الدعم العلني من الرئيس الأمريكي مؤشرًا واضحًا على قبول واشنطن بشرعية الشرع، بعد أن كان اسمه مصنفًا على قائمة الإرهاب قبل أيام قليلة فقط.
وقال محللون أمريكيون إن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع تشكّل نقطة تحوّل دبلوماسية مهمة، إذ تعكس توجه سوريا نحو إعادة إدماج تدريجي في الساحة الدولية، مع الحفاظ على دورها كشريك فاعل في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الإيراني.
ويعتمد نجاح المرحلة المقبلة على عدة عناصر رئيسية، أبرزها إدارة التحوّل السياسي داخليًا، من خلال ضمان استقرار مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة الشعب بالحكومة الجديدة. كما يتطلب مواجهة الضغوط الإعلامية بحكمة، إذ تعكس الهجمات الإعلامية خوف خصوم سوريا من نهاية العزلة وبداية حقبة جديدة تقوم على الواقعية السياسية والاعتراف الدولي. ومن ناحية أخرى، يشمل التركيز على الانخراط الاستراتيجي دوليًا تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وإيجاد صيغ تفاهم تضمن الاستقرار الإقليمي.
وفيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية، ورغم تعليق العقوبات مؤقتًا، يتعين على سوريا العمل على حلول اقتصادية داخلية لتعزيز الاستثمار وإعادة الإعمار، مع التركيز على جذب الاستثمارات الدولية وفق المعايير الأمريكية والدولية، لضمان دعم المرحلة الانتقالية واستدامتها.
وفي الختام، تمثل زيارة الشرع إلى واشنطن علامة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية-السورية، إذ تجمع بين البعد الرمزي والعملي في الوقت ذاته. هي خطوة نحو إعادة سوريا تدريجيًا إلى المجتمع الدولي، لكنها محفوفة بالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي ستحدد نجاح هذه المرحلة الجديدة في المنطقة.
إن قدرة سوريا على الاستفادة من هذه الفرصة ستتوقف على مهارات قيادتها في إدارة التوازن بين المطالب الداخلية والضغوط الخارجية، وبين المصالح الاستراتيجية والشراكات الدولية، مع الالتزام بمسار سياسي واضح يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل.
القدس العربي
——————————
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض: الاقتصاد يقود التحول السياسي في سوريا/ هبة محمد
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
شكّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض الأسبوع الفائت محطة حاسمة أعادت رسم ملامح الدور السوري إقليميا ودوليا. ورغم الطابع السياسي والعسكري الذي غلّف المشهد، إلا أن الهدف العميق للزيارة كان اقتصاديا بالدرجة الأولى، مع بروز رفع العقوبات الأمريكية، وخاصة قانون قيصر، كمدخل أساسي لإعادة إعمار سوريا ودمجها في الاقتصاد العالمي.
المبعوث الأمريكي إلى سوريا السفير توماس برّاك، وصف زيارة الرئيس السوري الشرع إلى البيت الأبيض بأنها «نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وفي التحول الملحوظ لسوريا من العزلة إلى الشراكة». مشيرا إلى أن الرئيس دونالد ترامب أعلن في 13 أيار/مايو رفع جميع العقوبات الأمريكية من أجل إعطاء سوريا فرصة، مؤكداً أن اللقاء بين ترامب والشرع كان «دافئًا وجوهريًّا، وشهد توافقًا على استبدال القطيعة بالمشاركة، وعلى إعطاء سوريا وشعبها فرصة حقيقية للتجديد».
توافق على تغيير قواعد اللعبة
ومع انطلاق اللقاء الرئاسي، برز اتفاق على استبدال القطيعة بالشراكة، وتعهد الشرع بالانضمام للتحالف الدولي ضد «داعش»، في خطوة اعتبرتها واشنطن انتقالاً لسوريا من «مصدر تهديد» إلى «شريك في مكافحة الإرهاب» حيث أكد توماس برّاك أن الرئيس الشرع تعهد بالانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، مشيرا إلى أن دمشق ستساعد بنشاط على مواجهة وتفكيك فلول «داعش والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله وغيرها من الشبكات الإرهابية» وفق قوله.
كما تحدث المبعوث الأمريكي عن جلسة ثلاثية جمعت وزيري الخارجية السوري والتركي إلى جانب الوزير الأمريكي ماركو روبيو، حيث رسمت ملامح المرحلة المقبلة من التعاون الثلاثي، بما يشمل إدماج قوات سوريا الديمقراطية في الهيكل الجديد للدولة السورية، وتعزيز التوافق الإقليمي حول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وقضايا الحدود اللبنانية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وصل يوم الأحد الفائت إلى واشنطن في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس سوري منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي.
ولفهم أعمق لمغزى الزيارة، يقول الكاتب السياسي–الاقتصادي طلال عبدالله جاسم السهو لـ«القدس العربي» إن الهدف الجوهري لزيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض «اقتصادي بامتياز»، موضحا أن سوريا لا يمكن أن تنهض دون إزالة العقوبات، وفي مقدمتها قانون قيصر.
وأضاف السهو: من خلال نظرة سريعة إلى تصريحات الرئيس الشرع ووزير خارجيته ووزراء الفريق الاقتصادي، المالية والاقتصاد وحاكم المصرف المركزي يتضح أن الاهتمام ينصب على جذب الاستثمارات للنهوض بالبلاد وتحريك العجلة الاقتصادية، التي ستكون الركيزة الأساسية في إعادة الإعمار، مشيرا إلى أن «زيارة الرئيس الشرع غلب عليها الطابع السياسي والعسكري، لكن الهدف الجوهري لها كان اقتصاديا بالدرجة الأولى. فبدون إزالة العقوبات، ولا سيما عقوبات قانون قيصر الصارمة، لا يمكن لعجلة الاقتصاد السوري أن تنطلق من جديد».
واعتبر المتحدث أن الحكومة السورية تبدو واضحة في موقفها بعدم الرغبة في الحصول على أي قروض، سواء من المؤسسات الدولية أو من الدول، كما أنها لا تعوّل كثيرا على المساعدات الدولية، وبما أن البلاد مدمّرة إلى حد مرعب، فإن الاستثمار في المرحلة الراهنة سيكون متركزا على مشاريع البنية التحتية والطاقة والأعمال الكبرى، وهي بطبيعتها استثمارات طويلة الأمد. مثل هذه المشاريع تحتاج إلى بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، مع ضمانات قانونية واقتصادية طويلة المدى، وهذان الشرطان لا يمكن تحقيقهما دون قرار أمريكي واضح.
فالبيئة القانونية الآمنة وفق رأيه: تتطلب رفع العقوبات وإلغاء قانون قيصر بطريقة تمنح المستثمرين الثقة بأن استثماراتهم لن تكون عرضة لخطر العقوبات الأمريكية أو تعطيل التمويل أو منع استيراد المستلزمات التكنولوجية الضرورية لأي تقدم في مجالات البنية التحتية.
ويرى المتحدث أن رفع القيود المالية والتجارية شرط أساسي لجذب رؤوس الأموال، خاصة أن الولايات المتحدة تتحكم في ثلث الأراضي السورية بما فيها الثروات النفطية والغازية، ما يجعل الاستثمار غير ممكن دون ضمانات أمريكية.
أما الأمن، فإن «الولايات المتحدة ما زالت تسيطر على نحو ثلث الأراضي السورية، وتتحكم بالثروات النفطية والغاز والمياه والسدود، فضلا عن وجودها العسكري ودعمها لقوات قسد، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار وامكانية اندلاع صراع جديد في أي وقت، حتى الدول الداعمة للإدارة السورية الجديدة مثل السعودية وقطر وتركيا، تحتاج إلى رفع الحظر الأمريكي على الاستثمار في سوريا. فما تزال البلاد تعاني من منع تدفق الأموال من الخارج، ومنع الحكومة من الوصول إلى منابع الثروات السورية التي يمكن أن تسهم سريعًا في تحريك عجلة الاقتصاد».
العقوبات…
المفتاح الحاسم
وتؤكد المؤشرات وجود اهتمام عربي وغربي واسع بالاستثمار في سوريا، غير أن الجميع ينتظر قرار الكونغرس بشأن قانون قيصر لفتح الباب أمام تدفق رؤوس الأموال، حيث وصف المتحدث إزالة العقوبات الأمريكية بأنها «المفتاح الحاسم»، وأضاف: إن الموقف الأمريكي هو العامل الحاسم في دخول الاستثمارات العربية وحتى الأوروبية بشكل جدي. وهناك بالفعل بدايات لمشاريع كبرى في مجالات الطاقة والموانئ والمطارات، إلى جانب قانون استثمار عصري مشجع، منسجم مع تطلعات المستثمرين السوريين والعرب والغربيين.
وأمام ما تقدم قال السهو: الرئيس الشرع وفريقه يبدون اهتماما خاصا بجلب استثمارات أمريكية كبرى إلى سوريا في مختلف القطاعات، لما تمثله من مكسب مزدوج، أولا، لإطلاق عجلة الاقتصاد السوري بشكل فعلي، وثانيا، لتشكيل عنصر ثقة وضمان لبقية المستثمرين، إذ إن دخول الشركات الأمريكية في شراكات مع نظيراتها السورية والعربية والأوروبية يعدّ عامل أمان ثابتا وموثوقا، كما أن شركات ألمانية وسعودية وقطرية وخليجية باتت قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاقيات كبرى، فيما بدأت شركات أخرى فعلا بتأسيس مكاتب لها وإرسال وفود استكشافية، إذ يلعب السوريون المغتربون دورا رياديا في هذه الجهود.
ومع إزالة دول أوروبية عديدة للعقوبات على سوريا، تبدو الأوضاع مهيأة لانطلاقة اقتصادية، إلا أن القرار الأمريكي يبقى الركيزة التي ستبنى عليها الاستثمارات الدولية.
وفي هذا الإطار يقول المتحدث: إن العديد من الدول الأوروبية والغربية أزالت العقوبات العامة والشخصية عن سوريا وقيادتها، وباتت الأوضاع في حالة جاهزية للانطلاق، في انتظار قرار الكونغرس الأمريكي برفع عقوبات قيصر، وما يتبعه من إجراءات تنفيذية من الإدارة الأمريكية، كما أن دعم واشنطن لرفع العقوبات الدولية عن الرئيس الشرع ووزير داخليته بعث برسائل إيجابية، وأعطى مؤشرات على بداية مرحلة جديدة، تعززها عودة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.
كما يشير إلى أن انفتاح دمشق على روسيا والصين بالتوازي مع الشركاء العرب والغربيين يعزز فرص بناء اقتصاد متنوع وقادر على استيعاب المشاريع العملاقة.
يطرح ملف إعادة الإعمار أسئلة جوهرية، في ظل حاجة سوريا إلى مئات المليارات، ووسط هواجس الفساد، واحتمالات تدخل «أثرياء الحرب» ممن قد يعطلون مشاريع الإصلاح، من سيموّله؟ كيف ستُدار هذه الأموال؟ وكيف ستُحمى من الفساد أو النزاعات السياسية؟
وأمام هذه الأسئلة يقول الكاتب السياسي الدكتور السهو: إن رغبة العديد من الدول والشركات العالمية في دخول السوق السورية تشير إلى أن هذا الملف قد يشهد حراكا متسارعا فور توافر المناخ السياسي والاقتصادي المناسب.
تحديات وإشكالات أمام إعادة الإعمار
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق إلى إعادة الإعمار لا يزال مليئا بالعقبات. تحدث الخبير السياسي الدكتور عبد الله جاسم السهو عن أهم تلك العقبات وعلى رأسها إيقاف إطلاق النار على امتداد الجغرافية السورية.
وقال: لا يمكن أن تبدأ عملية إعادة الإعمار فعلا قبل توقف الحرب في جميع المناطق السورية، وهو ما يتطلب توافقا إقليميا ودوليا حقيقيا، كما أن الفساد المتأصل في المؤسسات الاقتصادية الحكومية والذي تضاعف خلال سنوات الحرب يشكل عقبة كبرى أمام أي تمويل جاد. فالرشوة والمحسوبيات وغياب القوانين الصارمة تهدد بتحويل عملية الإعمار إلى فرصة جديدة للإثراء غير المشروع.
كما تطرق إلى «مقاومة أثرياء الحرب وتجارها، والفئات المستفيدة من استمرار الصراع، والذين يمتلكون نفوذًا ماليًا وعسكريًا واسعًا، تشكل خطرًا حقيقيًا على أي محاولة إصلاحية».
ومن هنا، يؤكد السهو أن إنجاح إعادة الإعمار يتطلب وقفاً شاملا لإطلاق النار وتوافقا إقليميا ودوليا يضمن استقرار البلاد.
ساعد الدعم السياسي من الرياض والدوحة وأنقرة، في تجاوز العقبات التشريعية الأمريكية ومنح دمشق «لحظة تحول تاريخية» وحول نجاح هذا اللقاء يقول الخبير السياسي والاقتصادي مصطفى السيد لـ«القدس العربي»: وضعت الروافع السياسية السعودية والقطرية والتركية ثقلها كاملا من أجل نجاح مهمة الرئيس الشرع في تذليل العقبات البيروقراطية والإجراءات التشريعية الأمريكية التي تحتاج دورة زمنية طويلة لإقرارها مما يتيح لنا القول إنها صنعت لحظة تاريخية حملت في طياتها امكانيات التحول الجذري للدور السوري المستقبلي بما يعزز رؤية السعودية 2030 ورؤية قطر التنموية والرؤية التركية في بناء منطقة ازدهار إقليمي مشترك. ووصف السيد اللقاء، بأنه ليس مجرد تبادل دبلوماسي روتيني، بل نقطة تحول استراتيجية تتجاوز الحدود السياسية لتمتد إلى الأبعاد الاقتصادية العميقة، إذ اللقاء الرئاسي يأتي بعد ستة أشهر من أول اتصال بين الرئيسين في الرياض ليعكس تحولا إيجابيا في السياسة الأمريكية تجاه دمشق، مدفوعا بمصالح أمنية واقتصادية متشابكة، ويفتح آفاقا واعدة لمستقبل الاقتصاد السوري المثقل بالحروب والعزلة.
ويشير السيد إلى أن الولايات المتحدة ترى في سوريا قوية ومستقرة شريكا أساسيا في مواجهة الإرهاب والمشروع الإيراني، وفي بناء فضاء اقتصادي ـ أمني يستند إلى رؤية السعودية وقطر وتركيا.
وقال المتحدث: الولايات المتحدة الأمريكية هي رابح أكبر في سوريا قوية، عازيا السبب إلى أن «سوريا قوية في التحالف العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب وتتطلب اقتصادا سوريا قويا يعزز لحظة التحول الإستراتيجي لسوريا التي تنتقل منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بأفق حركتها الاستراتيجية من حلقة الوسط القوي في بناء الهلال الفارسي الذي دمر اقتصاديات المنطقة وأوقف حركة النمو الاقتصادي واستهدف الثروة البشرية للعرب السنة في سوريا وكان الأطباء والمهندسون على رأس قائمة القتل التي استهدفتها قوات حزب الله اللبناني في سوريا والقوات الإيرانية في سوريا وقوات الميليشيات الشيعية التي غزت سوريا حماية لنظام الأسد إضافة إلى عمليات التغيير السكاني التي مارستها حكومات الأسدين».
وبرأي المتحدث أن «هذا الانتقال السياسي يحتاج إلى انعاش اقتصاد الشعب السوري الذي تم تدميره على يد أنصار المشروع الإيراني وبالتالي تعتبر مهمة إعادة المهجرين السوريين وإجراءات الانعاش الاقتصادي ومن ثم إطلاق عمليات إعادة الإعمار مسألة تتجاوز الحدود السياسية لتمتد إلى الأبعاد الاقتصادية العميقة في إعادة الحياة للاقتصاد السورية وعلى رأسها قطاعي الزراعة والصناعة».
أرقام انهيار الاقتصاد
تحت وطأة العقوبات، خسر الاقتصاد السوري أكثر من 80 في المئة من قيمته منذ 2011، مع تضخم يفوق 200 في المئة سنوياً وتراجع الليرة بنسبة تتجاوز 99 في المئة، ما يجعل إلغاء قانون قيصر شرطا للحياة الاقتصادية مجدداً.
وفي الإطار يقول السيد: من الناحية الاقتصادية، يمثل قانون قيصر ـ الذي أُقر في عام 2019 ودخل حيز التنفيذ في 2020 ـ أبرز التحديات التي تواجه الإنعاش الاقتصادي السوري، فالتشريع يفرض عقوبات صارمة على سوريا، وعلى أي كيان أو دولة تتعامل مع النظام السوري السابق، ما يشل تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعيق الوصول إلى الأسواق الدولية ويكبل حركة الصادرات والواردات السورية ويضع قيودا صارمة على أنظمة التحويلات البنكية ويضع أي شركة تتعامل مع سوريا موضع الشبهة.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن في الرياض أمام الأمير محمد بن سلمان تعليقا فوريا لمفاعيل قانون قيصر لمدة ستة أشهر وتم تجديد التعليق الرئاسي لمفاعيل القانون لستة أشهر إضافية خلال زيارة الرئيس الشرع الأخيرة لواشنطن.
أعلن ترامب تعليق مفاعيل قانون قيصر مؤقتا، إلى جانب رفع اسم الشرع من قوائم العقوبات، ما فتح نافذة لاستثمارات أمريكية قد ترتفع بنسبة 30 في المئة العام المقبل، كما قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار مجلس الأمن الدولي لرفع العقوبات عن الشرع ووزير داخليته مما يمهد لتخفيف الضغط الاقتصادي عن سوريا ويمنحها وفقا لتصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية «فرصة للتعافي» ما يعطي سوريا فرصة بناء دولة قوية، وهو ما يتطلب دمجها في التحالف الدولي لمكافحة داعش، كشرط أمني مقابل التقديمات الاقتصادية.
كما أكد الشرع خلال اللقاء على ضرورة رفع هذه الحواجز للسماح بتدفق الاستثمارات في قطاعات الطاقة والزراعة والبنية التحتية، حيث يُقدر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار.
آفاق ما بعد الزيارة: شريك موثوق وتحول رئاسي
ترى واشنطن في الشرع بحسب خبراء لـ«القدس العربي» شريكا يمكن الاعتماد عليه لمرحلة مكافحة الإرهاب، وهو «ما عزز الثقة الدولية وفتح الباب لعودة رؤوس الأموال الخليجية إلى السوق السوري».
ترامب، بدوره، أعرب عن دعمه لـ«جهود النهضة والاستثمار في سوريا»، مشدداً على أن الولايات المتحدة ترى في الاستقرار السوري مفتاحاً لمكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الإيراني والروسي.
هذا التوافق وفق الخبير السياسي مصطفى السيد «يعكس تحولاً في الرؤية الأمريكية، حيث يُعتبر الشرع ـ الذي تولى الرئاسة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد ـ شريكا موثوقا، خلافا للسابق، وأسفر اللقاء عن تطور فوري بإعلان وزارة الخزانة الأمريكية تعليقا جزئيا لعقوبات قيصر لمدة 180 يوما، مستثنيا المعاملات مع روسيا وإيران».
وأضاف: هذه الخطوة، التي طال انتظارها، تفتح باباً مشروطاً للتعافي، حيث يُتوقع زيادة الاستثمارات الأمريكية في الطاقة السورية بنسبة 30 في المئة خلال العام القادم، وفقا لتقديرات خبراء في صندوق النقد الدولي الذي التقى به الشرع مسبقا مما يعزز الثقة الإقليمية ويجذب رؤوس الأموال الخليجية.
القدس العربي
——————————–
الوجود الأمريكي في سوريا: بين مبررات «محاربة داعش» وألاعيب موازنة النفوذ الإقليمي/ منهل باريش
تحديث 16 تشرين الثاني 2025
أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك الخميس، ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن تعهد الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع بالانضمام رسميًا إلى «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، في خطوة وصفها دبلوماسيون غربيون بأنها تعيد واشنطن إلى قلب المعادلة السورية، لكن تحت عنوان مختلف هذه المرة.
هذا الإعلان يعكس تحولًا دراماتيكيًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ويثير أسئلة حول مدى صدق المبررات الأمريكية في المنطقة.
زيارة «تاريخية» ورسائل متعددة
جاء الإعلان بالتزامن مع زيارة وُصفت في واشنطن بـ «التاريخية»، بعد استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، كأول زيارة لرئيس سوري منذ الاستقلال عام 1946.
هذه الزيارة، التي استمرت لساعات، شملت مناقشات حول الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والتعاون الاقتصادي، والعقوبات المفروضة على سوريا.
وفي بيان مطوّل، قال السفير الأمريكي توماس باراك، الذي يشغل أيضًا منصب سفير أمريكا في تركيا، إن الزيارة تمثّل «نقطة تحول حاسمة» في مسار سوريا، مشيرًا إلى أن الشرع تعهد، بحضور كبار المسؤولين الأمريكيين، بالانضمام إلى «التحالف الدولي ضد داعش»، والتحول من «مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحته»، على حد وصفه.
هذا التعهد يأتي في سياق عمليات مشتركة حديثة أسفرت عن قتل 5 عناصر من «تنظيم الدولة» واعتقال 19 آخرين، ما يعزز الرواية الأمريكية حول استمرار التهديد.
باراك أكد أن دمشق ستعمل، وفق التفاهم الجديد، على «تفكيك بقايا داعش، والتعامل مع تهديدات الحرس الثوري الإيراني، وحماس، وحزب الله»، كما كشف عن إطار عمل ثلاثي أمريكي-تركي-سوري يتضمن دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في البنية الجديدة للدولة السورية، وإعادة تعريف العلاقات التركية-السورية-الإسرائيلية، وتعزيز التفاهمات حول غزة والحدود اللبنانية والسورية الجنوبية.
وفي موازاة ذلك، دعا السفير الكونغرس إلى الإلغاء الكامل لقانون قيصر، معتبرًا أن «إعطاء سوريا فرصة» يمر عبر تمكين الحكومة الجديدة من إعادة تشغيل الاقتصاد وفتح الباب أمام الاستثمارات الإقليمية، بما في ذلك مشاركة دول الخليج في إعادة الإعمار.
«محاربة داعش» أم إدارة التوازنات الإقليمية؟
رغم الطابع الاحتفالي الذي حاول باراك إضفاءه على الزيارة، يبقى السؤال المركزي: هل الوجود الأمريكي في سوريا لا يزال مدفوعًا حقًا بمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، أم أنه تحوّل عمليًا إلى أداة لإدارة النفوذ الإيراني والإسرائيلي والتركي في آن واحد؟ فأمريكا تدخل عامها السابع بعد إعلان هزيمة التنظيم عسكريًا عام 2019، إثر معركة الباغوز على ضفة نهر الفرات اليسرى، قرب نقطة التقاء الحدود السورية العراقية، لكنها تواصل التمسك برواية أن «الخطر لم ينتهِ بعد». ويجادل مسؤولون أمريكيون بأن الانسحاب الكامل سيمنح طهران وموسكو فرصة بسط نفوذ أكبر على الشرق السوري وموارده، خصوصًا حقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة، حيث تسيطر واشنطن على نحو 90 في المئة من إنتاج النفط السوري.
في المقابل، يرى مراقبون أن شعار «مكافحة الإرهاب» تحول إلى غطاء سياسي لإدامة وجود عسكري محدود ولكنه فاعل، يسمح لواشنطن بالتحكم بجزء من الموارد وبخريطة التحالفات في المشرق، من دون الانخراط في حرب شاملة أو مشروع احتلال مباشر.
هذا الوجود يساعد أيضًا في دعم الشركاء المحليين مثل «قسد»، ولكنه يحفز الحكومة السورية الانتقالية إلى تنفيذ 61 عملية أمنية مؤخرًا أدت إلى اعتقال 71 شخصًا مشتبهًا بصلتهم بـ«تنظيم الدولة» تزامنًا مع توجه الرئيس الشرع إلى واشنطن.
قواعد أمريكية في الشرق والبادية
تنتشر القوات الأمريكية اليوم، وعددها يقدّر بحوالي 900 إلى 1500 جندي، في ثلاث مناطق رئيسية: ريف الحسكة، وريف دير الزور الشرقي، ومنطقة التنف في البادية السورية على المثلث الحدودي مع الأردن والعراق. في شمال شرق سوريا، تُدار حقول مثل العمر وكونيكو بالشراكة مع «قسد»، ما يحرم دمشق من أهم مصادر العملة الصعبة ويضعف قدرتها على التعافي الاقتصادي، بينما تبرر واشنطن هذا الوجود بالحاجة إلى منع «عودة داعش» وتأمين الموارد بوجه «الشبكات غير الشرعية». هذه الحقول تنتج نحو 100 ألف برميل يوميًا على أعلى تقدير، وتُستخدم إيراداتها لدعم الإدارة المحلية في المناطق الكردية.
أما قاعدة التنف، فقد تحولت من نقطة أمامية لمحاربة التنظيم في البادية إلى عقدة استراتيجية في المواجهة مع إيران. فمن هناك تراقب واشنطن، حسب خبراء عسكريين، خطوط الإمداد البرية التي تربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت، وتمنع اكتمال «الممر البري» الذي يمنح طهران عمقًا لوجستيًا وعسكريًا متصاعدًا.
مع ذلك، تظهر من حين لآخر هجمات صاروخية أو تحركات لميليشيات موالية لإيران قرب مناطق النفوذ الأمريكي، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على فرض خطوط حمراء ثابتة في بيئة متغيرة وبدون غطاء دولي واضح. ورغم النفي السوري لإقامة قاعدة أمريكية في محيط دمشق، فإن خلطًا حاصلًا بين إنشاء نقطة إنذار مبكر أمريكية تخفف الاحتقان بين دمشق وتل أبيب وتسهل التوصل إلى «اتفاق أمني»، وبين إنشاء قاعدة أمريكية في ظل الانضمام لـ«التحالف الدولي لقتال داعش»، وهنا يرجح أن يكون أحد المطارات الواقع على تخوم البادية هو الهدف الأمريكي، لعدة اعتبارات، أولها أنها قواعد ضخمة وتأمينها أسهل من قواعد أخرى ملاصقة للقرى والبلدات في عدة مناطق سورية.
إسرائيل: حرب ظل مستمرة
رغم التدخل الإسرائيلي العنيف ضد دمشق، والذي بلغ ذروته في 16 تموز/يوليو حيث دمرت الطائرات الإسرائيلية كتلتين من أبنية وزارة الدفاع واستهدفت حرم قصر الشعب، مكان إقامة الشرع، فإن التدخل المباشر لواشنطن هو ما ردع نتنياهو من تصعيد أكبر.
إلى ذلك، يأتي التنسيق الأمني بين واشنطن وتل أبيب في سوريا، ضمن استراتيجية أوسع لـ«احتواء إيران» في المشرق العربي. هذا التنسيق يشمل تبادل معلومات استخباراتية ودعم لوجستي، ما يسمح لإسرائيل بتوجيه أكثر من 100 غارة جوية على أهداف إيرانية في سوريا خلال العام الماضي. في تل أبيب، قوبلت تصريحات باراك بترحيب مشروط. فإسرائيل ترى أن أي تقارب أمريكي-سوري يجب ألا يقيد حرية عملياتها العسكرية في الأجواء السورية، بل يمكن أن يشكل فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة في الجولان والجنوب السوري.
صحيفة «هآرتس» أشارت إلى أن هذا التحول قد يفتح نافذة لاتفاقات أمنية غير معلنة حول الحدود، خاصة مع مخاوف إسرائيلية من ترسانة حزب الله التي تعتمد على الدعم الإيراني عبر سوريا.
في أنقرة، أثارت الإشارة المتكررة في بيان باراك إلى «دور لقسد في الهيكل السوري الجديد» مخاوف إضافية. فتركيا تعتبر قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وتصنفها تنظيمًا إرهابيًا. وجدد وزير الخارجية التركي، حقان فيدان، تأكيد بلاده على أن «قتال داعش لا يجب أن يخفي خلفه مشاريع انفصالية»، في إشارة واضحة إلى رفض أنقرة لأي صيغة تمنح الإدارة الكردية شرعية دولية أو دورًا دستوريًا مستقلًا. تركيا، التي نفذت عمليات «غصن الزيتون» و«نبع السلام» للسيطرة على مناطق شمال سوريا، ترى في الوجود الأمريكي تهديدًا محتملًا لأمنها القومي، خاصة مع دعم واشنطن لـ «قسد».
القدس العربي
——————————-
سورية والعلاقة مع أميركا وإسرائيل/ فاطمة ياسين
16 نوفمبر 2025
من الخطأ قراءة التقارب السوري الأميركي بخلفية إسرائيلية، فمن الواضح أن الرئيس ترامب ينظر إلى سورية بعيون أميركية خالصة، وربما وضع مستشاروه أمامه خريطة جيوسياسية، مع مقاربة تاريخية توضح موقع سورية ووضعها ضمن الإقليم، ومدى أهمية هذا الموقع للسياسة الأميركية. وقد ظهر الاهتمام الأقصى عندما طفا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على السطح، وسيطر على مساحة كبيرة من التراب السوري، لم يتأخّر حينها ردّ أميركا التي شكلت تحالفاً دولياً واسعاً مع شراكات محلية للقضاء على التنظيم، ومنع تمدّده إلى الخارج. منذ تلك اللحظة، رغبت الولايات المتحدة في الوجود الملموس في سورية، فكونت عدة محطات عسكرية في الشمال وفي الجنوب الشرقي قرب الحدود الأردنية العراقية، واللافت أنها رفضت التسامح مع نظام الأسد بأية صورة، وأصرّت على تشديد العقوبات عليه حتى سقط نهائيّاً. وبعدها، لم تتحرّج الإدارة الأميركية من خلفية النظام الجديد، بل عملت بجد على التقرّب منه، وساهمت عالمياً في رسم صورة جديدة له، مختلفة عن النمط السابق المعروف عنه، وكان لقاء البيت الأبيض قبل أيام تتويجاً للجهود الأميركية، في محاولة التقارب مع سورية. وأتت هذه الجهود معزولة عن تداخل إسرائيل التي لم تُخفِ امتعاضها من حالة التقارب، واعتبرته، في بعض أوجهه، على حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة.
بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، أظهرت الولايات المتحدة اهتماماً بسورية، فدانت بشدة القصف الفرنسي دمشق عام 1945. وفي العام نفسه، دعمت الولايات المتحدة الجهود البريطانية لإنهاء الانتداب على سورية، وضغطت على فرنسا لسحب قواتها. واعترفت الولايات المتحدة بسورية دولةً مستقلة، فور الخروج الفرنسي، وعيّنت سفيراً لها في دمشق في السنة نفسها، وتعاملت معها دولةً لدولة، لكن حكام سورية منذ ما بعد الاستقلال، وجدوا في المعسكر الشرقي وجهةً أفضل لبناء العلاقات واستيراد المعدات والسلاح، قبل أن تغوص العلاقات السورية الأميركية في رمال متحرّكة مع تصاعد المد القومي والشيوعي وطغيان العداء لأميركا. ولأسباب أيديولوجية، توجّهت سورية نحو الاتحاد السوفييتي، بدعم من العسكر الذين سيطروا على الساحة السياسية السورية، وتراجعت العلاقات السورية الأميركية إلى الحضيض، وصولاً إلى القطع النهائي لها. اعتبر قادة سورية أن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة محرّمة، ونعتوا بأوصاف الرجعية كل من يُظهر موقفاً إيجابياً منها، فازدهرت العلاقات الإسرائيلية الأميركية، وأمعنت الولايات المتحدة في تعزيزها، باعتبار إسرائيل كانت موطئ القدم لها في المنطقة، في ظل إغلاق البوابة السورية بشكل محكم أمامها، وقد حاول الرؤساء الأميركان، الجمهوري منهم (نيكسون) والديمقراطي (كلينتون)، تحقيق اختراق للتقارب مع سورية من دون فائدة تُذكر، ما شكّل وضعاً استفادت منه إسرائيل إلى أقصى مدى ببقائها الحليف الأقرب للأميركان.
كان سوء العلاقة مع الولايات المتحدة وبالاً على سورية، فقد سقطت مرتفعات الجولان في حرب حزيران 1967، وحرصت إسرائيل على عدم سقوط نظام “البعث”، وكان بمقدورها التقدّم نحو دمشق، ولكنها وجدت في استمرار نظام كهذا فائدة أكبر من احتلال دمشق نفسها. وأُفشِل الهجوم المصري السوري على إسرائيل في 1973، وتحولت النتيجة إلى كارثة عسكرية حطّمت بشكل شبه كامل القوات البرّية السورية، لكن إسرائيل حرصت على إعطاء حافظ الأسد نصراً رمزياً بالموافقة على تراجع صغير في القنيطرة، ما منحه فرصة لرفع العلم السوري على بضع مبانٍ مدمّرة تراجعت عنها إسرائيل مقابل اتفاقية تُبعد القوات السورية عن الحدود، بما يسهّل إحكام السيطرة على الجولان.
أمام الرئيس أحمد الشرع اليوم فرصة تاريخية لتصحيح ثلاثة أرباع القرن من القطيعة مع الولايات المتحدة، ويمكنه أن يشيد علاقة متوازنة تستغل الحاجة إلى سورية مستقرّة، والبدء بإعادة إعمار موزون بالاستفادة من دعم أميركي، بما يدفع إلى تحقيق الأمن وإعادة السلم إلى المجتمع السوري الذي تمزّق بعد حرب الـ14 عاماً.
العربي الجديد
——————————-
الشرع في البيت الأبيض.. التداعيات على لبنان والتحديات داخل سوريا/ جاد يتيم
2025.11.16
دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض كأول سوري منذ الاستقلال عام 1946، في زيارة خاصة حملت دلالات خاصة وعميقة شكلاً ومضموناً. ففي الشكل، وعلى الرغم من اللغط حول دخوله من باب خاص، وليس من المدخل الرئيسي للبيت الأبيض، فذلك ليس رسالة سياسية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يبدو أنه تجمعه “كيمياء” خاصة مع الشرع، بل هو إجراء بروتوكولي حين تكون الزيارة لرئيس مرحلة انتقالية غير منتخب، فتكون عندها زيارة خاصة وليست زيارة دولة كي يستقبل الرئيس الأميركي زائره عند الباب الرئيسي.
لكن ما طغى في الشكل أيضاً، بعيداً عن فيديو “رش العطر”، هو تسريب فيديو لكرة السلة بين الشرع وقائد القيادة المركزية الوسطى الجنرال ديفيد كوبر، في إحدى القواعد العسكرية في واشنطن. رسالة لا لبس فيها: الشرع، ومعه سوريا الجديدة، بات جزءاً من الاستراتيجية الأمنية الأميركية في المنطقة، بل عماداً أساسياً فيها، ويحظى برعاية وعلاقات خاصة وليس مجرد شريك للتنسيق في الحرب على الإرهاب التي يقودها التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.
هذه الرسائل الشكلية لا تنفصل عن واحد من أبرز ما ناقشته الزيارة، بالإضافة إلى الملف الاقتصادي ورفع العقوبات، وهو الأمن. لا يطلب ترمب من الشرع في الوقت الحالي التزامات سياسية مع إسرائيل، بل ترتيبات أمنية، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب على الإرهاب التكفيري السني والشيعي، والذي تجلّى في انضمام سوريا إلى تحالف محاربة الإرهاب. وهذه الملفات ذات أهمية استراتيجية وترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، وبالتالي من الممكن أن تزيد تعقيدات العلاقات بين البلدين، بالإضافة إلى تأثيرها على الشرع داخل سوريا.
التأثير على لبنان
بالنسبة للبنان، فإن الترتيبات الأمنية مع إسرائيل، التي تعني حالياً منطقة خالية من السلاح الثقيل والوجود العسكري لمجموعات وزارة الدفاع السورية وصولاً إلى قطنا جنوبي دمشق، تعني أن الحدود اللبنانية الجنوبية الغربية وصولاً إلى تخوم البقاع الغربي تصبح “ساقطة” عسكرياً بيد إسرائيل إذا أرادت القيام بأي عملية عسكرية انطلاقاً من الحدود السورية. كما أن دلالات وقوع قطنا على خط واحد مع نهر الأولي على الساحل اللبناني ليست تفصيلاً، بحسب ما ستكشفه الترتيبات المطلوبة من لبنان في الفترة المقبلة.
أما بالنسبة للشق المتعلق بمحاربة المجموعات الإيرانية وعلى رأسها حزب الله، فذلك سيعني استمرار الحكم السوري الجديد بسياساته المتفقة مع هذا الهدف أساساً، مع تشديد إضافي قد ينعكس اشتباكات مع مجموعات لبنانية مدعومة من الحزب على الحدود اللبنانية الشمالية الشرقية. ويبقى مدى تفاقم هذه الاشتباكات رهنًا بالضبط السعودي الشديد للملف الحدودي بين لبنان وسوريا.
التأثير على الداخل السوري
بالنسبة للداخل السوري، فإن انخراط سوريا في الحرب على الإرهاب يضع الشرع في مواجهة مباشرة مع نوعين من المجموعات الراديكالية السنية:
المجموعة الأولى: وهي جماعات، غالبيتها أجنبية، كانت حتى شهور خلت حليفاً وثيقاً، وبقيت تتمتع بنوع من غضّ النظر والحرية بعد سقوط الأسد، من دون أن يسمح لها الشرع ببناء أي قدرات عسكرية أو التمتع بمناطق نفوذ أمني. هذه الجماعات ربما لن تنتظر الحرب عليها لتبدأ معركتها ضد الشرع، إذ إن التحول الكبير في العلاقة مع الولايات المتحدة وكذلك التفاوض المباشر مع إسرائيل أمر لا ترضى عنه، وقد تراه حجة لبدء معركة تحت عناوين براقة.
المجموعة الثانية: وهي المجموعات التي كان يقاتلها الشرع أصلاً منذ رفضه تشكيل تنظيم “داعش” عام 2013 وصولاً إلى إسقاط الأسد عام 2024، وهي تنظيمات ورثت عقيدة “داعش”، وأبرزها “جند الأقصى” و”حراس الدين”، وغيرها من القيادات الجهادية التي كانت مطلوبة دولياً وأبرزها “أبو جليبيب”.
لكن في حين أن المجموعات الأولى ستشكل تحدياً عسكرياً لن يكون من الصعب تجاوزه، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو الاحتماء في الجبال بين ريف إدلب الغربي واللاذقية، فإن محاربة “داعش” ستكون فرصة لإيجاد صيغة لانضمام “قسد” إلى وزارة الدفاع السورية من دون الاندماج الكلي أو الانتقال من مناطق انتشارها الحالية في شمال شرقي سوريا.
الأمر نفسه سينطبق على “جيش سوريا الحرة” المدرب أميركياً والمنتشر في البادية بالقرب من قاعدة التنف وقريباً من الحدود العراقية. فمحاربة “داعش” ستعني استغلال أكبر قدر ممكن من الخبرات القتالية لكل مجموعة في محاربة التنظيم الإرهابي. وهذا قد يشكل مخرجاً وحجة لإعلان “قسد” انضمامها إلى وزارة الدفاع مع بقائها في مراكزها حتى إتمام مهمة القضاء على “داعش”.
وهكذا ستكثف “قسد” حربها في الشمال الشرقي لسوريا، في حين سيكون الجهد الأساسي لـ”جيش سوريا الحرة” في البادية، وستتولى مجموعات “هيئة تحرير الشام” سابقاً – وتشكل نواة قوات وزارة الدفاع حالياً – القتال في إدلب، إلى جانب مهمة الحرب على ما تبقى من مجموعات مرتبطة بإيران بالقرب من الحدود العراقية في الشمال الشرقي السوري، وفي المنطقة بين ريف دير الزور الغربي والرقة. بالإضافة طبعاً إلى التضييق على أنشطة حزب الله اللبناني في سوريا لناحية التهريب ومحاولة إخراج ما تركه خلفه من سلاح وصواريخ في سوريا عند الهروب بعد سقوط الأسد.
نتحدث هنا عن تحول كبير نتيجة لزيارة الشرع إلى واشنطن ولقائه ترمب، يعيد تموضع سوريا استراتيجياً إلى جانب الولايات المتحدة والغرب، مع علاقات متينة مع تركيا والسعودية. لكن التحدي الأساسي هو تدعيم الحكم السوري الجديد باتجاه تحوّله من مشروع شخص إلى مشروع دولة، وربما يكون النهوض الاقتصادي باباً لذلك، خصوصاً أنه قد يشهد تحولاً كبيراً إذا ما قرر الكونغرس إلغاء “قانون قيصر”.
متطلبات الدولة كبيرة، تبدأ بحوار داخلي سوري لإرساء حكم ديمقراطي يضم الكفاءات والمجموعات المختلفة، بالإضافة إلى دستور يمثل مبادئ ثورة 2011 وعلى رأسها الحرية والكرامة، وبالتالي المواطنة. ولا يمكن تجاهل العقبات الداخلية الكبيرة أو الاعتقاد بأن تصفير المشكلات خارجياً يعني تصفيرها داخلياً… لوقت طويل.
تلفزيون سوريا
——————————-
واشنطن ودمشق: هل تعيد مقاربة الضرورة رسم صورة حكومة سوريا؟
الأحد 2025/11/16
في تصريحات لافتة، طرح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، مسألة “الحكومة السورية” على طاولة النقاش الدولي، مشيراً إلى نبرةً انتقالية: “نريد أن نعطي الحكومة السورية فرصة للنجاح، حتى لا يكون البديل الحرب الأهلية”، وفق تعبيره.
وأبرز ما في التصريحات هو تركيزها على مفاهيم مثل: التمثيل الوطني الكامل، شعور المواطنين بالأمان، ورفض استخدام الأراضي السورية كمنصة لاستهداف الجيران؛ أي إنها تُقدّم رؤيةً لسوريا جديدة، لا تُبنى على إرث النظام السابق؛ بل على توافق داخلي خارجي متوازن.
وقال روبيو في تصريحات له، عقب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، قبل أيام، إلى واشنطن: “نريد أن نعطي الحكومة السورية فرصة للنجاح حتى لا يكون البديل الحرب الأهلية، والحكومة السورية سيُمثّل فيها كل عنصر من عناصر المجتمع السوري، وما يريده السوريون إنشاء حكومة وطنية تمثل كل عناصر المجتمع السوري ويشعرون فيها بالأمان، لا يريد السوريون أن تكون بلادهم منصة لإطلاق الهجمات ضد جيرانهم ، نريد أن نعطي الحكومة السورية فرصة للنجاح حتى لا يكون البديل الحرب الأهلية”.
تعديل أم تغيير جذري؟
سؤالٌ مشروع يطرحه المشهد: هل نحن أمام تعديل حكومي داخل إطار القائم حاليًاً، أم أن الحديث يدور حول تشكيل حكومة جديدة برؤية أميركية؟
التصريح لا يُحدّد آلية التغيير، لكنه يُلمّح إلى أن واشنطن لا تراهن على استمرار الوضع الراهن كما هو، فالعبارة نريد أن نعطي الحكومة السورية فرصة” توحي بأن هناك حكومةً قائمة أو قيد التشكيل تراها واشنطن جديرةً بالاختبار، شرط أن تحقق مُعطيات محددة: التمثيل، الأمن، والحياد الإقليمي.
ووفق مراقبين، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستُفرِز رئيس وزراء أو تُحدّد أسماء، لكنها تُرسّخ معاييرَ سياسية وعملية يجب أن تتوافر في أيّة حكومة تطمح للاعتراف بها أو دعمها.
تمثيل كل عناصر المجتمع
تأكيد روبيو على أن “الحكومة الجديدة سيُمثّل فيها كل عنصر من عناصر المجتمع السوري” يبدو جذّاباً على الورق، لكنه يفتح ملفات عدة: من يُصنّف عناصر المجتمع؟ هل المقصود الطوائف؟ المناطق؟ التشكيلات السياسية؟
الواقع أن واشنطن لا تملك وحدها مفتاح الإجابة، لكنها تضع مبدأً توجيهيّاً: أي حكومة تُستبعد فئة بعينها: سواء من الأقليات أو من مختلف المكونات، ستُواجه بتشكيك في شرعيتها، داخليًّا وخارجيّاً.
اللافت هنا أن هذا الخطاب لا يشبه لغة التدخل القسري؛ بل يُشبه الشرطية الداعمة: نحن لسنا ضدكم، لكن شرطنا أن تبنوا حوكمة لا تُهمّش أحداً، وفق محللين.
إعادة ضبط شكل الحكومة ووظيفتها
وفي هذا الجانب، قال الباحث في مركز الحوار السوري، مجيب خطاب في حديثه لـِ “المدن”: “التصريحات الأميركية، وعلى رأسها كلام وزير الخارجية ماركو روبيو، لا تشير حتى الآن إلى رغبة في هندسة (تغيير كامل) للحكومة السورية، بقدر ما تشير إلى الدفع نحو إعادة ضبط شكل الحكومة ووظيفتها بما يسمح بقدر من التمثيل السياسي من دون المساس بالهياكل الأساسية للسلطة”.
وتابع: “ما يطرح عملياً هو صيغة (تعديل موسّع) أكثر منه (تغيير جذري)، بحيث تحافظ واشنطن على ما تعتبره استقراراً أمنياً يمنع الانزلاق إلى حرب أهلية، وفق تعبير الوزير، وفي المحصلة: لسنا أمام حكومة جديدة بالكامل؛ بل أمام (تطعيم حكومي) محسوب يضمن مصالح واشنطن ويقدّم للغرب صورة تقدّمية عن النظام”.
وفي رد على سؤال: هل ستكون الحكومة السورية المراد تشكيلها بطلب أمريكي تمثل كافة الأطياف السورية؟ أجاب: “واشنطن تتحدث عن (تمثيل) لكنها لا تتحدّث عن (شراكة فعلية)، فالتمثيل هنا يفهم في إطار توسيع دائرة الواجهة، وليس في إطار إعادة توزيع السلطة أو القرار، ويمكن أن تمنح بعض الأطياف رمزية سياسية ضمن الحكومة، من شخصيات محسوبة على المجتمع المدني، أو مكوّنات محلية، لكن دون أن يلامس ذلك البنية الصلبة للحكومة”.
واعتبر أن هذه التصريحات تعكس أن واشنطن باتت تنظر إلى سوريا كملف استقرار أكثر منه ملف تغيير، مشيراً إلى أن الرؤية الأميركية اليوم تقوم على 3 مرتكزات: منع الانهيار الأمني الذي قد يعيد إنتاج سيناريو 2012–2015، وإدارة النفوذ الدولي داخل سوريا، لا سيّما النفوذ الروسي والإيراني، من دون الدخول في مواجهة مباشرة، وإبقاء سوريا خارج معادلة التهديد الإقليمي (إسرائيل، الأردن، العراق).
ومن هنا، تفهم تصريحات روبيو على أنها محاولة لتسويق “براغماتية سياسية” تقول: دعوا الحكومة تتماسك، مع بعض التعديلات، كي لا تفتح البلاد على صراع أعمق، وفق خطاب.
كيف نقرأ الرؤية الأميركية اليوم؟
وحول ذلك، قال الأكاديمي والباحث السياسي، الدكتور عبد الرحمن الحاج، في حديثه لـِ “المدن” إن “تصريح ماركو روبيو مثير للاهتمام لأنه يبدو كأنه اتفاق أميركي في حين أنه يعكس رؤية الرئيس أحمد الشرع، ويشكل أحد المسائل الجوهرية في القرار الأممي السابق 2245، ولأن الحكومة الحالية نشأت في ظل وضع غير مستقر في محافظات الحسكة والدير والرقة حيث تسيطر قسد فإن تشكيل الحكومة عكس هذا الوضع، وبالتأكيد هناك تغييرات ستحصل في الحكومة إن حصلت تسوية مع ميليشيا قسد؛ أي باختصار فإن تصريح روبيو يتحدث عن وضع مستقبلي سمعه من الرئيس الشرع وليس طلباً أميركياً”.
وتابع: “الولايات المتحدة مهتمة بالاستقرار في سوريا، وتثبت هذا الاستقرار وتحويل سوريا كحليف جديد في المعسكر الغربي، وهذه المقاربة تنسجم مع مقاربة الدول الإقليمية ومع المصالح السورية كما يراها معظم السوريين”.
وختم بالقول: “انتهى محور المقاومة الذي عانى منه السوريون وانتهى معه عهد طويل من البحث عن علاقات مع أنظمة شريرة ودكتاتورية تمثل المعسكر الشرقي البائس، لا يريد السوريون العودة إلى هذه العلاقات الدولية مع أنظمة ميتة، السوريون يتطلعون إلى المستقبل، ولذلك يجدون في التحالف الغربي فرصة للعودة إلى العالم الطبيعي وإطلاق عجلة التنمية”.
ما المشترك بين واشنطن ودمشق اليوم؟
من وجهة نظر تحليلية، يمكن القول إن واشنطن تتخوف من أن تتحوّل سوريا مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي-دولي، أو ملاذاً لأطراف تهدّد حلفاءها.
وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة عزة عبد الحق، من التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، في حديثها لـِ “المدن”: “بعد النجاح الكبير الذي أحرزته الحكومة السورية في واشنطن على المستوى الدولي، ولأجل استمرار هذا النجاح، لابد للحكومة السورية من الاستمرار في العمل على المستوى الداخلي السوري أيضاً”.
وأضافت أن “رغبة الولايات المتحدة الأميركية، والتي عبر عنها الرئيس (دونالد) ترامب، هي بإنشاء شرق أوسطي جديد يعزز مصالح أميركا في المنطقة، وتكون فيه سوريا مستقرة آمنة وحليفاً قوياً ومركزاً للتجارة والاقتصاد، إلى جانب الاستمرار بحماية مصالح حلفائها في المنطقة والمساعدة في القضاء على الإرهاب”.
كما أن رغبة الولايات المتحدة هذه تتوافق كثيراً مع رغبة الشعب في الداخل والخارج أيضاً، وتتماشى مع تطلعاته التي لأجلها قد قامت ثورة الشعب السوري العظيم، ولأجلها قدّمت التضحيات الجسيمة، فبعد سنين من الثورة وصبر أبنائها ونضالهم ضد النظام البائد الذي فرق أبناء البلد الواحد على أساس الهوية والانتماء والدين والطائفة، وزرع الخوف في النفوس وفي كل بيت، وكبت الحرّيات، فقد آن الأوان اليوم بعد نجاح الثورة أن نعلن جميعاً انتماءنا للوطن الواحد، وأن نحيّد الاختلافات ونضعها جانباً لأجل غاية عظمى، وفق عبد الحق.
ورأت الدكتورة عبد الحق، أن استقرار سوريا ووحدة أراضيها والسعي لإنشاء نظام ديمقراطي بالاستعانة بالتجارب الدولية مع مراعاة الخصوصية السورية، بحيث يكفل تمثيل كل أبنائها في الحكومة مع اختلاف توجهاتهم الدينية والطائفية والسياسية، وضمان أمن البلاد وعدم تهديدها لأحد وعدم تهديدها من أحد، هو رغبة شعبية ملحة ومحقّة وضرورية ولابديل أو تنازل عنها، فما تريده أميركا لسوريا بالنهاية (لتحقيق مصالحها المختلفة في الشرق الأوسط) هو نفسه ما أراده ويريده الشعب السوري لسوريا ويتطلع إلى تحقيقه، وهو نفسه الأمر الذي ثار لأجله.
ولفتت إلى أن “تصريح روبيو يعكس أهمية استقرار سوريا لأميركا، وهو عندما يقول إن الشعب السوري يريد الاستقرار وأن يكون جميعه ممثلاً بالحكومة، ما هو إلا انعكاس لرغبة أميركا في حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة بتحقيق سوريا مستقرة وموحّدة للجميع، وقد صادف أن تقاطعت هذه المصالح مع مصالح الشعب السوري أيضاً، فسوريا مستقرة يعني عالماً مستقراً وآمناً، وسوريا مضطربة يسودها الفقر والجريمة والتقاتل الطائفي والديني سوف يجلب الخراب والدمار والإرهاب للمنطقة كلها والعالم”.
لا تأكيدات على تعديل حكومي قادم
وعلى الرغم من أنه لا تأكيدات بعد على تعديل حكومي قادم، ولكن يرى الكثير من المحللين السياسيين أن حكومة الرئيس أحمد الشرع أبدت نيتها في إشراك الجميع.
فعندما تشكلت الحكومة السورية في آذار/ مارس الماضي، انصبّت الجهود بالرغم من محدوديتها وتعقيد المرحلة الانتقالية وصعوباتها آنذاك على تنوعها وإشراك المرأة وإشراك الجميع.
وذكرت الدكتورة عبد الحق، أن “العيون الطامحة تتطلّع دوماً إلى وجود مشاركة أكبر للمرأة ومشاركة لجميع فئات المجتمع بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو الطائفية أو العرقية، كما تتطلع لوجود نظام ديمقراطي واسع وشامل يشارك الجميع فيه بالحكم واتخاذ القرارات”.
وكما قال المبعوث الأميركي للشرق الأوسط توم باراك: “سوريا بتنوع أبنائها تشكل فسيفساء من شعوب وأديان مختلفة تعيش معاً على أرض واحدة، يعانون العواصف نفسها ويسعون إلى السلام نفسه، وفي التفاعل الدقيق بينها يكمن التحدّي والوعد بتجديد المنطقة”.
وأشارت الدكتورة عبد الحق إلى أن “النظام البائد أعاد سوريا إلى حقبة ما قبل التاريخ، ونحن نريد لسوريا اليوم أن تنهض أولاً ثم تمشي ثم تجري لتواكب العالم والحضارات وتستفيد من أنجح التجارب الديمقراطية ثم تبني ما يناسبها”.
واشنطن ومبدأ “مقاربة الضرورة”
يجمع الطرفين اليوم ما يمكن تسميته بمقاربة الضرورة، وفق مراقبين؛ إذ إن الولايات المتحدة تريد استقراراً إقليمياً يمنع تمدّد الفوضى ويضبط حركة إيران، والحكومة السورية تريد شرعية دولية، وتخفيفاً تدريجياً للعزلة الاقتصادية والسياسية، وبالرغم من التناقض البنيوي بين الطرفين، إلا أن كليهما يلتقيان عند نقطة واحدة: الحفاظ على الوضع القائم مع تحسين شروطه، لا قلبه رأساً على عقب.
كما أن سوريا وأميركا اليوم يجتمعان على كره الإرهاب وحب الاستقرار ونشر السلام، ومصالح مشتركة متبادلة استراتيجية اقتصادية وسياسية، إضافة إلى أنهما يتشابهان باختلاف مكوناتها وشعوبها وألوانها وأديانها، وهم متساوون أمام القانون ويعيشون جميعاً تحت سقف الوطن الواحد، والذكاء يكمن في نقل بعض التجارب (الجيد منها) الديمقراطية وضمان الحريات والتعددية السياسية ومحاولة تطبيقها مع الحفاظ على خصوصية الوضع في سوريا، وفق المحللين.
المدن
———————————
فيدان يتحدث عن تفاصيل مشاركته باجتماعات واشنطن حول سورية/ محمد شيخ يوسف
11 نوفمبر 2025
قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إنه شارك في اجتماعات حول سورية مع نظرائه الأميركيين، فيما عقد اجتماعاً ثلاثياً جمعه مع نظيريه الأميركي مارك روبيو، والسوري أسعد الشيباني. وأدلى فيدان بتصريحات صحافية، أمس الاثنين، للإعلام الرسمي التركي على هامش زيارته المفاجئة والمتزامنة مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع للولايات المتحدة، وعقده لقاءً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وأضاف الوزير التركي في تصريحاته: “كيف يمكن إدارة المناطق المضطربة خاصة في جنوب وشمال سورية، وأماكن أخرى على نحوٍ أفضل؟ وكيف يمكن العمل على إلغاء قانون قيصر؟ هذه مواضيع أتيحت لنا الفرصة لبحثها بشكل مفصّل، وعرضنا وجهات نظرنا ومواقفنا حيالها”. وأشار إلى أنه تلقى دعوة من الولايات المتحدة للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والممبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، والسفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سورية توم برّاك، والعديد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض، وأن زيارته تزامنت مع زيارة الرئيس السوري.
ولفت إلى أن الشرع التقى ترامب وفريقه، وأنه دعي لحضور جزء من الاجتماع، فيما نقل فيدان تحيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتمنياته الطيبة لترامب، موضحاً أنه ناقش وجهات النظر التركية العامة بشأن سورية، وفرص التعاون مع الولايات المتحدة، مضيفاً أنه أتيحت له فرصة مناقشة العديد من القضايا المتعلقة بتنمية سورية ووحدتها وتضامنها وسلامها وأمنها الإقليمي. وكشف فيدان عن أنه عقد اجتماعاً لاحقاً مطوّلاً في البيت الأبيض مع روبيو والشيباني وويتكوف وبرّاك، مشيراً إلى أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس انضم أيضاً إلى الاجتماع، إذ جرى تبادل وجهات النظر.
ووصف فيدان نهج الإدارة الأميركية تجاه ملف سورية بأنه كان “بنّاء للغاية”، مضيفاً أن تركيا تنظر إليه بإيجابية، حيث علّقت الإدارة الأميركية عقوبات قانون قيصر على سورية لمدة ستة أشهر، و”من المهم إلغاء القانون تماماً”، مشيراً إلى أن التركيز منصب حالياً على ما يمكن فعله لرفع العقوبات تماماً لمساعدة الاقتصاد السوري على التعافي، وقال فيدان: “بما أن بعض الإعفاءات المحدودة مُنحت بصلاحيات رئاسية ممهدة الطريق لبعض الأنشطة الاقتصادية، فإن القانون بحاجة إلى إلغائه بالكامل، وإعادة إقراره من الكونغرس لإلغاء الحاجة إلى الإعفاءات الرئاسية، وكان من الضروري للغاية أن توافق الإدارة على هذا القرار وتقدم توصية الكونغرس، وأعتقد أن تصريحات الرئيس الشرع وتصريحاته هناك تحديداً، بالغة الأهمية في هذا الصدد”.
وأشار فيدان إلى أن الشرع التقى بأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، وشدد على أهمية التصويت على قانون قيصر، و”أنه إذا لم تجرِ إدارة المشاكل في سورية بحذر، فقد تشكل تهديداً لوحدة البلاد في الشمال والشمال الشرقي والجنوب، وقد تواجه البلاد مزيداً من التشرذم، ومن المهم بالتأكيد أن يفهم الأميركيون هذا، وأرى أنهم يدركون ذلك. من المهم للغاية أن يكون البلد موحداً بشكل كامل”.
فيدان بحث مواضيع غزة وملفات أخرى
وتطرق الوزير التركي إلى الملفات الأخرى التي تناولها في زيارته، منها أن تركيا مهتمة وأوليتها القصوى وقف الإبادة الجماعية في غزة، وقال في هذا الصّدد إنه أكمل اجتماعاته مع ويتكوف وبرّاك، وإنهما ناقشا بالتفصيل العديد من القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية، التي يتولى ويتكوف مسؤوليتها، بما في ذلك مشاكل وقف إطلاق النار المتفق عليه في غزة. وأفاد الوزير التركي بأنّ وقف إطلاق النار في غزة، والعملية الجارية بشأن مشروع القرار الذي يناقَش في مجلس الأمن بشأن القوة الدولية في غزة، “في غاية الأهمية”، مضيفاً أن مجموعة من الجهات الفاعلة ترى أن قراراً كهذا من مجلس الأمن ضروري لتنفيذ المراحل اللاحقة من اتفاق السلام الشامل المعلن.
وشدّد على “ضرورة تنفيذ جميع مراحل خطة السلام، بما يعود بالنفع على الجميع، ووقف الإبادة الجماعية، وبدء تقديم المساعدات الإنسانية، وهي أولوياتنا القصوى”، مشيراً إلى احتمال وجود اختلافات في المنهجية المتبعة في هذا الشأن، وأن أولوية تركيا هي صدور قرار من مجلس الأمن، وهناك مسودات عدّة أعربت أنقرة عن رأيها وتحفظاتها عليها، وأكد أن “العمل جارٍ على هذه القضية، وتوجد حالياً مسودة مقدَّمة وتقييماتنا مستمرة، ونتابع عن كثب ونعمل مع زملائنا، ونناقش الأمر مع شركائنا، واليوم أتيحت لنا الفرصة للتعبير عن آرائنا حول هذه القضية على مختلف المستويات”.
وأشار إلى أن ويتكوف استعرض أيضاً الملف الروسي الأوكراني، وأجرى مناقشات مطولة حول هذا الموضوع. وأوضح فيدان أنهما ناقشا ما يمكن فعله لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في هذه المرحلة الحرجة، وكيفية العمل مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضية، وأشار إلى أن الرئيس أردوغان لديه بعض الآراء حول هذا الموضوع، وأنّهما حددا بعض التقييمات والخطوات الواجب اتخاذها. وأشار فيدان أيضاً إلى أنهما قيّما موقف الولايات المتحدة من المفاوضات النووية الإيرانية، والخطوات اللازمة لاتخاذها من الآن وصاعداً، وتبادل وجهات النظر حول هذه القضايا وجرى إطلاع أردوغان على نتائج المناقشات.
——————————–
التحالف الجديد.. اعتراف أميركي يعيد رسم دور دمشق في المنطقة
l 14 نوفمبر 2025
سكاي نيوز عربية – أبوظبي
تشهد الساحة السورية تحولات استراتيجية نوعية بعد اعتراف أميركي صريح بالدور المحوري الذي أصبحت تلعبه سوريا في المنطقة.
فقد أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، أن الحكومة السورية ستتعاون في مواجهة الحرس الثوري الإيراني، وحركة حماس وحزب الله، بالإضافة إلى تنظيم داعش.
هذه التصريحات تشير إلى تحول سوريا من موقع المتهم بالإرهاب إلى شريك فاعل في مكافحة الإرهاب، لأول مرة منذ عقود، ما يعكس إعادة ترتيب للتوازنات الإقليمية بعد سنوات طويلة من الانخراط السوري ضمن المحور الإيراني.
جاءت هذه التطورات على خلفية زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، ما يعكس رغبة الولايات المتحدة في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية بما يضمن شراكات سياسية وأمنية جديدة، تشمل دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، وإعادة تعريف العلاقات التركية السورية الإسرائيلية بما يقلل الاحتكاك ويحول دون انفجار الجبهات، وفقا لتصريحات براك.
التحولات الأمنية
حسب براك، سوريا انتقلت من محور النزاعات الإقليمية والمسرح الدولي للتقاطعات المتشابكة إلى شريك محوري في مكافحة الإرهاب، حيث التزمت للمرة الأولى بمواجهة بقايا تنظيم داعش والمجموعات الإيرانية المسلحة، بما فيها فيلق القدس وحزب الله وأنصار الله
وأشار براك إلى أن هذا التحول يعكس انتقال سوريا من توجيه إقليمي إلى آخر، مع رسم خارطة نفوذ جديدة تقودها الدول الإقليمية ذاتها، بعيدًا عن الإملاءات الغربية، ويعد رفع العقوبات عن دمشق شرطا ضروريا لضمان استقرار الاقتصاد والقدرة على الشروع في أي مسار سياسي مستدام.
تفكيك المحاور وبناء تحالفات جديدة
يرى الكاتب والباحث السياسي مصطفى النعيمي خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية أن المتغيرات الراهنة تمثل مرحلة استراتيجية في تفكيك التحالفات السابقة وبناء تحالفات جديدة منذ مطلع عام 2024.
وأوضح أن هذا التحول جاء بعد تجاوز إيران للخطوط الحمراء التي وضعت لها وظيفيا ضمن عمليات تفكيك المنطقة منذ الفوضى الخلاقة عام 2003، والتي دخلت من خلالها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وأشار النعيمي إلى أن الهدف من هذا التحول لا يقتصر على اقتلاع النفوذ الإيراني فحسب، بل يشمل أهدافا مشتركة لكل من صانع القرار السوري والأميركي، تتمثل في إعادة تعريف الإرهاب وتشمل جماعات مدعومة من إيران، بالإضافة إلى ميليشيات الولائية متعددة الجنسيات.
وأضاف أن بناء التحالفات بدأ تكتيكيا مع الحكومة السورية، وانتقل اليوم إلى مستوى استراتيجي يشمل التنمية وإعادة الاستقرار، مع التأكيد على استمرار المخاطر والتهديدات الإيرانية، رغم الانتصارات المرحلية التي تحققت.
وأكد النعيمي أن سوريا انتقلت من “العباءة الشرقية” إلى “العباءة الغربية”، وفق تحالفات رسمتها القيادة السورية تشمل الرئيس ووزارات الدفاع والخارجية والداخلية والاستخبارات، مع القدرة على تحديد مسار التنمية بعد إزالة التهديدات التي دمرت البلاد.
وأوضح أن هناك رفضا واضحا للهيمنة الإسرائيلية، سواء على المستوى الجوي أو البري، في ظل تداخل المصالح الإيرانية والإسرائيلية سابقًا على الأراضي السورية، من خلال بناء مستوطنات وحواجز عسكرية، وإدخال سكان مدنيين من خارج البلاد.
وأشار إلى أن انهيار الميليشيات الولائية متعددة الجنسيات في نهاية العام 2024، عقب الضربات العسكرية والتحركات الميدانية، أتاح إعادة ترتيب أولويات الأمن الداخلي، مع التحذير من أي محاولات انقلابية أو تدخلات خارجية، مؤكدا أن الولايات المتحدة تعمل مع القيادة السورية كدولة.
وأكد النعيمي أن أي قرار بنزع سلاح حزب الله سيكون بالتنسيق مع القيادة السورية والولايات المتحدة، مع إمكانية تدخل طرف ثالث برعاية أممية، وهو ما يعكس التزام دمشق بالتفاهمات الدولية والإقليمية، ويؤكد على دور سوريا المؤثر في تحقيق الأمن الإقليمي المستدام، مشيرًا إلى أن انهيار النفوذ الإيراني في سوريا يمثل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار المستدام في المنطقة، مع التركيز على الأمن الدولي وأمن الطاقة، بعد انتهاء مرحلة استخدام إيران للفوضى الإقليمية لتحقيق مصالحها.
مصالح الشعب السوري مقابل المصالح الأميركية
من جهته، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة قم، أحمد مهدي، إلى أن إيران تفصل بين مصلحة الشعب السوري ومصالح الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، معتبرا أن هذين الأمرين منفصلان ولا يمكن خلطهما.
وأوضح أن التجارب السابقة أظهرت أن الولايات المتحدة تتبع مصالحها الذاتية، وليس مصالح الشعب السوري، مشيرا إلى التدخلات الأميركية في تعيين مبعوثين وفرض عقوبات، واحتلال أراض سورية غنية بالنفط في الشمال والشرق، بالإضافة إلى غياب أي اعتراض أميركي على التوغل الإسرائيلي في القنيطرة واقتراب الجيش الإسرائيلي من دمشق.
ولفت مهدي إلى أن إيران قدمت دعما مباشرا لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية والعراقية في مواجهة إسرائيل، وأن هذه الفصائل، رغم الانتقادات الغربية، كانت جزءا من جهود حماية سوريا والدفاع عن مصالحها الإقليمية.
وأكد أن ما يحدث حاليا يظهر بوضوح أن التحولات الإقليمية تصب في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس الشعب السوري، معتبرا أن الحكومة السورية الجديدة مطالبة أولًا بمعالجة مشاكلها الداخلية، وتحرير أراضيها من التدخلات الأجنبية، قبل الانخراط في أي ترتيبات إقليمية.
وأشار مهدي إلى أن الحكومة السورية الجديدة أمام تحديات كبرى تتمثل في إعادة توحيد الجيش السوري، ودمج القوات المحلية والميليشيات المختلفة، وإعادة السيطرة على مناطق شمال شرق البلاد التي استقطعتها بعض الميليشيات الكردية، مؤكّدًا أن أي سياسة أمنية فعالة يجب أن تركز على مصالح سوريا وشعبها، وليس على المصالح الأميركية أو الإسرائيلية.
——————————–
زيارة الشرع لواشنطن تثير جدلاً واسعاً: كيف أصبح «الجولاني» صديقاً لأمريكا؟
أشعلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة ولقاء نظيره الأمريكي دونالد ترامب، موجة جدل واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، كما أطلقت موجة من الأسئلة حول السياسات السورية والرضا الأمريكي عن النظام الجديد، فيما أثنى كثير من المعلقين على الدبلوماسية السورية الجديدة التي استطاعت أن تحقق جملة من الانجازات لا سيما رفع العقوبات التي كانت تفرضها واشنطن على السوريين.
وسرعان ما تصدر اسم الشرع قوائم الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، لا سيما في أوساط السوريين، أو في أوساط المهتمين بالشأن السوري.
كما انشغل الكثيرون ببعض مقاطع الفيديو والصور التي تناقلتها وكالات الأنباء بشأن تفاصيل الزيارة، لا سيما الفيديو الذي ظهر فيه الشرع وهو يلعب كرة السلة ودياً مع قائد القوات المركزية الأمريكية الذي كان بالأمس القريب عدواً لدوداً للشرع، كما انشغل آخرون بالجدل حول سبب دخول الوفد السوري وعلى رأسه الشرع من الباب الخلفي للبيت الأبيض.
ونشر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مقطع فيديو عبر حسابه على منصة إنستغرام، يظهر فيه الرئيس أحمد الشرع داخل أحد ملاعب كرة السلة برفقة قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، وقائد قوات التحالف الدولي ضد «داعش»، العميد كيفين لامبرت.
ويظهر الفيديو، الذي حظي بتفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حالة الود والتعاون بين الشرع والشيباني والقيادات العسكرية الأمريكية، حيث ظهرت الشخصيات الأربع أثناء لعب كرة السلة، مرتدين ملابسهم الرسمية، وهم يسددون الكرات من زوايا مختلفة داخل الملعب.
وعبر مغردون عن استهجانهم من ظهور الشرع وهو يلعب كرة السلة مع كوبر ولامبرت، واعتبروا ذلك «استفزازاً» للشعوب العربية التي لاقت الويلات من القادة العسكريين الأمريكيين، فيما اعتبر آخرون ما جرى «حنكة سياسية» من الرئيس السوري، ووزير خارجيته الذي ظهر في التسجيل ذاته أيضاً.
وكتب عبد الناصر فقيه: «بين الماضي القريب والحاضر الآني: مجزرة للتحالف الدولي (الذي قادته القيادة المركزية الأمريكية) بالموصل المدينة العربية المسلمة السنية يوم 25-03-2017، الرئيس السوري أحمد الشرع يلعب كرة السلة مع قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر في واشنطن يوم 08-11-2025».
أما عبد أبوعمشة فكتب يقول: «فخامة الرئيس أحمد الشرع سافر لأمريكا ليعقد صلحاً مع الأمريكان. في مقطع فيديو قبل ساعات يلعب كرة سلة مع ضباط جنرالات الجيش الأمريكي. ممكن هذا الفيديو مش صحيح، ممكن هم عرضوا عليه يلعب كرة سلة لحتى يصوروه يشوهوا سمعته أمام أعدائه، ويقولوا: شوفوا الجولاني بيلعب سلة معنا نحنا يلي ذبحناكم».
أما الناشط الفلسطيني بلال نزار الريان، فكتب يقول: «هل من الطبيعي أن يلعب قائد القوات الأمريكية في المنطقة كرة سلة ثم يختتمها باتفاق على إقامة قاعدة عسكرية جديدة؟ أيها الناس، أمريكا غارقة في دماء شعوبنا في أفغانستان والعراق واليمن وغزة وغيرها، وأشدّ ما يؤلم أن بعض الانتهازيين يبرّرون هذا المشهد المخزي..!!».
سوريا مقبلة على تغيرات إيجابية
وكتب قحطان فتاح: «أعجبني فيديو يظهر فيه سيادة الرئيس الشرع وهو يلعب كرة سلة مع جنرال أمريكي. دقة التصويب والمشاعر الطيبة بين الجنرال والرئيس تعني أن سوريا مقبلة على تغيرات إيجابية ومستقبل زاهر».
وعلق قدور بلال: «مستفبل زاهر لعلية القوم. العرب لم يفهموا حتى الآن لماذا تم طرد فرنسا من منطقة الساحل والسنغال وقريباً كوت ديفوار. كل الأمم كرهت التبعية للغرب وتريد بناء بلادها ليتمتع شبابها إلا العرب يريدون كل ما هو خير للرجل الأبيض ولهذا سيحاربون الإسلام لكي لا تنزعج أمريكا البعيدة عنا آلاف الكيلومترات».
وقال خالد سلايمة: «الأسوأ ليس الشرع، وإنما الأسوأ هو أنصاره، أولاً: يغيرون كلامهم وبيصير هذا انجاز وبالنسبة للقاعدة العسكرية برضو فتح.. والعلاقة مع الأمريكان تقدم وتطور مهم.. وبالآخر بسبوا عليك وبشتموك بأسوأ الألفاظ».
وعلقت شفاعة ريحان: «الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تكون صديقةً للإسلام ولا للمسلمين أبداً. وينبغي أن تقوم العلاقة معها فقط على أساس حاجة المؤمنين ومصالحهم، كالتجارة وما شابه ذلك من الأمور الدنيوية. ولا يجوز أبداً أن تكون بيننا وبينهم مودةٌ أو أُلفةٌ إلى درجةٍ تؤذي قلوب المؤمنين حين يروننا على تلك الحال».
الباب الخلفي
وأثار دخول الشرع ووفده إلى البيت الأبيض من الباب الخلفي موجة أخرى من التعليقات والجدل، وتباينت ردود أفعال النشطاء العرب بين من اعتبرها خروجاً عن البروتوكول والمألوف وبين من فسر ذلك على أنه بسبب اللقاء المغلق البعيد عن وسائل الإعلام، فيما قال بعض المعلقين إن هذا تقليل من مكانة الشرع ووفده، فيما وصف آخرون الأمر بأنه طبيعي.
وكتبت شذى جبلي: «الدخول من الباب الخلفي عندما تكون الأمور عملية، باب يدخل منه الرئيس الأمريكي وأعوانه والضيف.. بدل تقزيم الشرع اجتهدوا لتحققوا ربع ماحققه».
وقال الصحافي عبد العزيز الخميس: «الرئيس السوري أحمد الشرع وصل إلى البيت الأبيض من الباب الخلفي بدلاً من المدخل الرئيسي، والسبب أن الاجتماع بين ترامب والشرع كان مغلقاً أمام وسائل الإعلام، على عكس اجتماعات رؤساء الدول الأخرى».
وعلق أسعد ابوخليل ساخراً: «إمعاناً في التكريم، أدخلوا أحمد الشرع من الباب الخلفي للبيت الأبيض. لم أسمع باستقبال كهذا من قبل»، فيما قالت إيلانا الجمال: «شغل ترامب هو الإذلال، ما يهم إذا زيلينسكي أو قادة أوروبا أو الشرع.. المهم مين يقبل الإذلال كله».
وقال حميد القوسي: «الرئيس السوري أحمد الشرع يواجه موجة انتقادات من ناشطين أفغان، عقب لقائه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، برايان ماست، أحد أبرز أعضاء الكونغرس من ذوي الخلفية العسكرية».
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن إدارته تعمل مع إسرائيل لتحسين العلاقات مع سوريا، وقال ترامب للصحافيين عن الرئيس السوري: «يقول البعض إن ماضيه كان مضطرباً.. كلنا مررنا بماضٍ مضطرب».
وكتب ترامب عبر منصته «تروث سوشيال»: «ناقشنا جميع تعقيدات السلام في الشرق الأوسط، وهو من أشد دعاة السلام. أتطلع إلى اللقاء والتحدث مجدداً».
من جانبها، قالت وزارة الخارجية السورية، إن الولايات المتحدة أكدت مجدداً دعمها للتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وذلك عقب اجتماع عُقد بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيريه السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان، على هامش زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن. وذكر الشيباني أن اللقاء بين الشرع وترامب كان بنّاء، وتم خلاله التأكيد على دعم وحدة سوريا وإعادة إعمارها.
وتأتي زيارة الشرع بعد رفع الولايات المتحدة وبريطانيا للعقوبات رسمياً عن الرئيس الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، وذلك عقب تصويت مجلس الأمن الدولي لصالح شطب اسميهما من قوائم العقوبات الأممية.
وتُعد زيارة الشرع إلى واشنطن الأولى من نوعها منذ توليه منصبه الحالي في نهاية العام الماضي، كما إنها الثانية إلى الولايات المتحدة بعد مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر الماضي، حيث أصبح أول رئيس سوري منذ عام 1967 يلقي كلمة أمام المنظمة الدولية.
ومنذ توليه السلطة بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، قام الشرع بسلسلة زيارات خارجية ضمن جهود حكومته الانتقالية لإعادة بناء العلاقات مع القوى العالمية التي كانت تتجنب دمشق خلال فترة الأسد.
—————————
========================
تحديث 15 تشرين الثاني 2025
———————————-
أبعاد زيارة الشرع واشنطن/ بشير البكر
15 نوفمبر 2025
قطع الرئيس السوري أحمد الشرع مسافات دبلوماسية طويلة خلال زمن قياسي. استقبلته قوىً دولية وإقليمية ذات وزن عسكري ودبلوماسي وأمني واقتصادي، وأقامت معه علاقات ندّية، وهو قادم من بلد مدمّر، لا يستطيع أن يقدّم أو يؤخّر على أيّ صعيد، لا يمكن له أن يحمي حتى حدود بلاده ويطعم شعبه. لو لم يقنع الشرع، على المستوى الشخصي، كلاً من السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، لما حقّق أيَّ إنجاز. ولم يحصل الشرع على هديةٍ من أحد حتى الآن، لا من داخل سورية، ولا من خارجها. كل ما ناله ثمرة عمله الشاقّ، طيلة الأعوام الماضية، في ساحات القتال، ما أهّله ليقود عملية إسقاط حكم آل الأسد لسورية بعد 54 عاماً من حكم قائم على الحديد والنار والسجون والمقابر الجماعية، وتوليد قدر كبير من النزاعات بين أبناء البلد الواحد، كي يتسنّى للعائلة الحكم بلا منازع، ومن دون تهديد أو بديل.
يتصرّف الشرع بثقة، وقدّم نفسه منذ دخوله دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي صاحبَ مشروع بنّاء، وذلك من بين الأسباب التي جعلت زعماء الدول ينفتحون عليه، ويرون فيه شخصاً يمكن التعامل معه في ظلّ وضع معقّد وصعب، وفي بلد مليء بالألغام، ويشكّل نقطة جذب وصراع إقليمي ودولي. وهذه معادلة ذات وجهَيْن، يبدو في وجهها غير الظاهر للعيان حجم المهمة الملقاة على الرئيس السوري.
هناك أسباب كثيرة للاهتمام الإقليمي والدولي بسورية، منها أهمية موقعها ضمن منطقة مركزية في التوازن العالمي. وهذا أمر أدركه الشرع منذ قرّر الوصول إلى دمشق لإسقاط نظام الأسد، ولمس مدى أهميته في لقاءاته المسؤولين الأجانب والعرب الذين زارهم، بدءاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحتى الروسي فلاديمير بوتين الذي تباحث معه أربع ساعات، في تفاصيل كثيرة، ما كان يحيط بها لو أن مواهبه تقتصر على أنه قائدُ مليشيا عسكرية مدرجة على لوائح الإرهاب.
يبدو من خلال بعض الزيارات والاستقبالات أن المسؤولين الأجانب والعرب الذين قصدوا سورية أو استقبلوا مسؤوليها، أن هناك نيّة صادقة في إرساء علاقات مع الشرع وفريقه، وتقديم الدعم السياسي لسورية، وكل ما يذلّل العقبات الاقتصادية من أجل وضعها في طريق التعافي. وهذه مواقف ليست من قبيل التعاطف الذي لا مكان له في العلاقات الدولية. والتفسير الوحيد لها يكمن في نقطتَيْن: الأولى أن هناك إرادة دولية من أجل استقرار سورية ومنطقة الشرق الأوسط ونهوضها. والثانية الرهان على قدرة الشرع للتعامل مع هذه الفرصة بجدّية، وتحويلها مشروعَ عملٍ للخارج والداخل. وبالتالي، هو شريك في مسارٍ متعدّد الوجوه، ومن أجل تتويج ذلك دُعيَ إلى البيت الأبيض، بعد أن تطوّر الموقف الأميركي تجاهه وفق مبدأ الانفتاح المشروط، مقابل التزامات محدّدة، خارجية وداخلية.
لدى الشرع أوراق قوية عديدة في الداخل، يمكنها أن تقوِّي موقفه وتشكّل عوامل مساعدة في نجاحه، ومنها تحلّي الشعب السوري بالعزيمة من أجل رفع الركام الهائل الذي خلّفه الدمار الأسدي. ولكن هذا يتطلّب من الرئيس السوري أن يمدّ يده بصدق لهذا الشعب المُتعَب، وألا يستهين بهذه المسألة التي تشكّل بدايةَ طريقه لفتح صفحة جديدة في تاريخ سورية. وفي الضفة الأخرى، هناك فريق من السوريين حاول تبخيس زيارة الشرع واشنطن. هؤلاء أنفسهم ضدّه، حتى لو أوصل سورية إلى المرّيخ. لن يثمّنوا بأيّ مقياس أنه دخل البيت الأبيض قبل أقلِّ من عام من دخوله دمشق. بعضهم يكاد يقتله الحنين إلى الزمن الذي كان يتم فيه شحن الأسد إلى موسكو.
العربي الجديد
—————————-
«عقوبات قيصر» شوكة في خاصرة حكومة الشرع
هل ينجح ترمب في إقناع الكونغرس بإلغائها؟
واشنطن: رنا أبتر
14 نوفمبر 2025 م
لقاء تاريخي جمع بين قاطن البيت الأبيض دونالد ترمب، والرئيس السوري أحمد الشرع، في واشنطن. دلالاته تتجاوز مخرجاته، والصورة التي جمعت بين الرجلين عكست بكل وضوح، توجّه الإدارة الأميركية الجديد في المنطقة؛ فترمب مد غصن زيتون للرئيس «القوي»، بحسب وصفه، واستقبله بالترحيب والتهليل، في خطوة أضفت مزيداً من الشرعية على صورة الشرع الجديدة، وأغلقت صفحته السابقة بوصفه قائداً لفصيل مسلح متشدد. لكن التحدي الأكبر أمام المرحلة المقبلة، لا يكمن في البيت الأبيض؛ بل في أروقة الكونغرس، حيث لا تزال «عقوبات قانون قيصر» عالقة بانتظار تسوية قد تقنع المعارضين بإلغائها من دون شروط. يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أبرز مخرجات اللقاء التاريخي، وآلية تطبيقها، بالإضافة إلى حظوظ ترمب بالنجاح في الضغط على الكونغرس لإلغاء عقوبات قيصر.
مخرجات الزيارة
يصف أندرو تابلر، كبير المستشارين للمبعوث الخاص إلى سوريا ومدير ملف سوريا في مجلس الأمن القومي سابقاً، زيارة الشرع بأنها كانت ناجحة، ويعدّها فرصة لصفحة جديدة بين سوريا والولايات المتحدة. لكنه يحذّر، في الوقت نفسه، من أن هناك كثيراً من العمل الذي ينتظر الطرفين، مشيراً إلى أنه رغم وجود تقدم في بعض النقاط التي ناقشها ترمب مع الشرع في لقائهما السابق في مايو (أيار)، فإن ذلك مرتبط بشكل أساسي بنقاط أخرى لم تشهد كثيراً من التقدم؛ كالاتفاق الإبراهيمي، والنقطة المتعلقة بوضع شمال شرقي سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ومراكز احتجاز مقاتلي «داعش». ويضيف: «أعتقد أن أسلوب إجراء هذا الاجتماع وطريقة دخول الشرع إلى البيت الأبيض، يشيران إلى أن هناك كثيراً من المفاوضات المتبقية».
من ناحيته، يؤكد تشارلز ليستر، كبير الباحثين ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط، التزام الشرع بالعلاقة مع الولايات المتحدة ووضعها أولويةً مقارنة بأي علاقات دولية أخرى، مشيراً إلى أن زيارته لواشنطن كانت لها دلالات مهمة جداً. ويضيف: «أما بالنسبة للبندين المذكورين؛ وهما التطبيع (مع إسرائيل) وملف (قسد)، فإن سوريا تبذل قصارى جهدها من أجل التوصل إلى اتفاق وتسوية بشأنهما. والآن الكرة في ملعب إسرائيل للموافقة، وفي ملعب قوات سوريا الديمقراطية. دمشق قامت بالكثير، لكنّ هناك أموراً ما زالت تحتاج إلى التسوية».
ويقول ويليام روبوك، السفير الأميركي السابق لدى البحرين ونائب المبعوث السابق للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، إنه وعلى الرغم من أن الشرع يعطي أولوية للعلاقات الأميركية – السورية، فإن أمامه تحديات كثيرة خارجية وداخلية، مشيراً إلى «أن الجوار صعب»، وأن لدى الرئيس السوري كثيراً من العلاقات الأخرى التي يجب أن يديرها ويعيد بناءها. ويضيف: «أعتقد أن الزيارة التي أجراها إلى البيت الأبيض تشجع كل هذه الجهود التي يقوم بها، لكن سوف يتعين عليه أن يعمل على الأمن والاستقرار داخلياً في الداخل السوري، وهذا تحدٍّ كبير، والانضمام إلى التحالف الدولي لهزيمة (داعش) سوف يساعد، لأنه يعطي المجال للولايات المتحدة أن تكون موجودة إلى جانبه والعمل معه. يجب أن يعمل على هذه العلاقات مع شركاء أساسيين مثل (قسد) وإسرائيل».
قاعدة عسكرية أميركية
من الأمور التي تم تداولها في الفترة الأخيرة احتمال إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في دمشق. يقول تابلر إن خطوة من هذا النوع كانت مطروحة رغم النفي من سوريا ومن الولايات المتحدة، لأن هناك محاولات بالفعل لتعميق العلاقات العسكرية. لكنه يعتبر أن من المبكر الحديث عن وجود قوات أميركية في دمشق، خصوصاً في ظل وجود قواعد عسكرية أميركية في أماكن أخرى بالمنطقة.
وفيما يعتبر ليستر أن أميركا لم تصل بعد إلى نقطة الوجود العسكري في دمشق، فإن ما يجري خلف الكواليس لأشهر هو أن القوات الأميركية «كانت تدخل وتخرج من دمشق تقريباً كل أسبوع لتنسيق العمليات والاستخبارات»، وتشاركها مع وزارة الداخلية في دمشق، مشيراً إلى حديث عن تعاون وثيق بين مسؤولين سوريين كبار وقادة العمليات الخاصة الأميركية. ويضيف: «إن مجتمع الاستخبارات والقوات الخاصة الأميركية يوجدان بشكل دائم من أجل تنسيق العلاقات والتعاون. هذا أمر واقعي. أما الحديث عن قوات أميركية (في قاعدة بدمشق) فهذا أمر سابق لأوانه. ولكنْ هناك تعاون وهناك ديناميكية». ويقول ليستر إنه سمع زخماً كبيراً من الجيش الأميركي عن العلاقة الجديدة التي تم تشكيلها، وعن النتائج التي تم تحقيقها من خلال هذا التعاون مع دمشق، مضيفاً: «نحن لا نتحدث عن تنسيق 6 عمليات مشتركة ضد (داعش) فقط؛ بل عن منع إيران من العودة إلى سوريا، وهو ليس هدفاً معلناً عنه، ولكن العمل جارٍ ونشط جداً من حيث التعاون بشأن ذلك، وهي ليست عمليات عامة ولا تظهر على الأخبار، ولكن الحماس كبير جداً».
مكافحة «داعش» ووكلاء إيران
من الأمور التي ذكرها توم براك، المبعوث الخاص إلى سوريا، بعد الإعلان عن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، أن المهمة لن تقتصر على التصدي لهذا التنظيم الإرهابي فحسب؛ بل «مواجهة (الحرس الثوري الإيراني)، و(حماس)، و(حزب الله)، وغيرها من الشبكات الإرهابية». ويقول تابلر، في هذا الخصوص، إنه لطالما كانت هذه الأمور مطروحة مع الشرع، خصوصاً فيما يتعلق بمحاربة الميليشيات الإيرانية ومنع عودة نفوذ إيران. ويضيف: «إن حكومة الشرع لديها عدائية لإيران بسبب قتل النظام (الإيراني) للكثيرين نيابة عن (بشار) الأسد، ولديها كذلك عدائية لتنظيم (داعش)، لأنه كان معادياً لهم. وبالتالي هناك إمكانية التحالف سياسياً مع الولايات المتحدة على هذين البعدين، وأعتقد أن هذا سوف ينجح. أما المسائل الأخرى التي تجب مراقبة الشرع عن كثب بشأنها؛ فهي الوضع داخل البلاد، وكيف سيؤثر أسلوبه في القيادة على المسارات الأخرى».
وعن محاربة تنظيم «داعش»، يشير روباك إلى أن الشرع حارب التنظيم من قبل، وأنه قادر على استكمال هذا لأنه يعرف طبيعته وكيف يحاربه ميدانياً، معتبراً أن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي «إنجاز رائع»، لأنه سيفتح المجال أمام الولايات المتحدة للعمل بشكل وثيق عسكرياً مع الجيش السوري وتوفير المعدات والمعلومات الاستخبارية، وغير ذلك من وسائل الدعم. ويضيف: «إنه تطور أساسي ومحوري سيسمح بتعزيز العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة والحلفاء بالمنطقة في محاربة (داعش)».
«قسد» وسجون «داعش»
قضية «قسد» لا تزال من القضايا العالقة التي تسعى إدارة ترمب لحلها، وقد لعب روبوك في السابق دوراً أساسياً في التعامل مع الأكراد، وهو حذّر عام 2019، في مذكرة داخلية، من التخلي عنهم، لكنه يقول إن الوضع مختلف اليوم، لأنه يتضمن «انتقالاً إلى المرحلة المقبلة». ويشير إلى أن الولايات المتحدة مدينة للأكراد في شمال شرقي سوريا، ولـ«قسد» التي حاربت وتصدت لـ«داعش» في مراحل سابقة. لكنه يعتبر أنه واقعياً لن يتمكن هؤلاء (الأكراد وقسد) من الاستمرار بأعمالهم في شمال شرقي سوريا باستقلالية، كما فعلوا على مدى السنوات الماضية من الحرب. وأوضح: «براك وترمب يبحثان عن طرق لتشجيع (قسد) على بناء الثقة مع الحكومة السورية لكي يتم دمج قوات (قسد) بحسب اتفاق مارس (آذار) الماضي، ويبحثون عن طريقة لتعزيز الثقة وتشجيعهم على اتخاذ خطوات إضافية. التطبيق لن يكون سهلاً، وسوف تكون هناك صعوبات في هذه العملية، ولكن أعتقد أنهم من الممكن أن ينجحوا». واتفاق مارس وقعه الرئيس الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، ويقضي باندماج القوات الكردية ضمن القوات الحكومية السورية.
لكن تابلر يحذر من مشكلة سجون «داعش» في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد»، فيقول: «إن مشكلة السجون مهمة جداً، لأن الأشخاص المسجونين هناك هم من أخطر العناصر وأكثرها تشدداً. كيف ستتعامل الحكومة السورية معهم؟ وهل سيبقون في هذه السجون؟ وهل ستضغط تركيا لإطلاق سراح بعض منهم، أو دول أخرى لإعادتهم؟ هناك كثير من التفاصيل، ولكن حالياً؛ كيف يمكن أن يتم التوصل إلى اتفاق جديد؟ وإلى حين التوصل إلى اتفاق لن يكون هناك أمن».
«عقوبات قيصر»
وتبقى «عقوبات قيصر» التحدي الأبرز في رسم استراتيجية الإدارة بسوريا، وهي اليوم لا تزال عالقة في الكونغرس مع وجود مشرّعين يرفضون إلغاءها من دون شروط. ويشير ليستر، في هذا الإطار، إلى وجود جهود كبيرة وراء الكواليس تبذلها الحكومة الأميركية والحكومة السورية والناشطين السوريين من أجل إقناع المشككين في الكونغرس بإلغاء العقوبات، وعدم تفعيل ما يسمى آلية «سناب باك» لإعادة فرضها في وقت مستقبلي. ويحذر من أن وجود هذه الآلية سيمنع المؤسسات المالية من التعامل مع سوريا. ويلفت ليستر إلى أن جلسة استماع ستجري بحضور قيصر بالكونغرس في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ضمن محاولة إقناع المشرعين بإلغاء العقوبات. ويشدد على أهمية «اقتناص الفرصة»، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب من المشرعين «التفكير بشكل مختلف». ويضيف: «صحيح أنه من غير المسبوق أن يكون عضو سابق في تنظيم (القاعدة) رئيساً لسوريا، لكن الانتقال اليوم يسير على أفضل وجه. وإن أردنا من الحكومة السورية أن تحرز أي تقدم واتخاذ القرارات الصائبة، فيجب أن نفتح اقتصادهم، وهذا أمر مستحيل مع وجود (عقوبات قيصر)». ويوافق روباك مع تقييم ليستر، ويذكّر بأن هدف «عقوبات قيصر» كان الضغط على نظام الأسد. ويقول: «سقط النظام، ونحن نحاول أن نعطي بداية جديدة لهذه الحكومة. هناك كثير من الضغوط الاقتصادية الهائلة عليها، وهذا يتسبب في كثير من المعاناة الإنسانية داخل سوريا. أفهم أن الأشخاص في الكونغرس قد تكون لديهم مبادئ، ولكن المبدأ الأول هو أن ننظر في سبب اعتماد هذه العقوبات أساساً؛ وهو الضغط على نظام الأسد. يجب أن نوضح للكونغرس أنه يستطيع إيجاد أدوات أخرى لاستخدامها للتأكد من أن لدينا إمكانية لتشجيع الحكومة على القيام بالصواب، ولكن العقوبات، خصوصاً (عقوبات قيصر)، ليست الأداة المناسبة». ويرجح تابلر أن يتوصل المشرعون إلى تسوية لإلغاء العقوبات مع بعض الشروط غير الملزمة لبناء الثقة؛ كتسليم الإدارة لتقارير دورية للكونغرس عن أداء الحكومة السورية، وتجاوبها مع المطالب الأميركية. ويضيف محذراً: «إذا أخطأنا في الأبعاد السياسية فكل ما عملنا عليه سوف يتلاشى وينهار، كما حصل مع الولايات المتحدة في كل تدخلاتها وجهودها الدبلوماسية بالعقود الماضية».
الشرق الأوسط
————————————-
صناعة “بطلة” رفع العقوبات عن سوريا…مَن هي ياسمين نعمو؟/ مصطفى الدباس
السبت 2025/11/15
انتشرت في منصات التواصل الاجتماعي صورة للسيدة ياسمين نعمو تقف إلى جانب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، النائب الجمهوري براين ماست، مرفقة بعبارات حاسمة: “هذه هي المرأة التي أقنعته بتغيير موقفه من عقوبات قيصر وهي صاحبة الفضل في مسار التعليق أو الإلغاء”.
لم يحتج الأمر أكثر من صورة وعدد من الحسابات القريبة من التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، حتى تحول لقاء بروتوكولي إلى أسطورة بطولية عن شابة سورية ولوبي ناشئ ونائب نافذ وعقوبات تنهار بعصا سحرية.
لكن حين نعيد ترتيب الوقائع بعيداً من الحماسة الدعائية، يتبيّن أن هذه الرواية أقرب إلى بروباغندا ناعمة أكثر مما تعكس حقيقة صناعة القرار في واشنطن، وجزء منها يصطدم مباشرة بما تقوله الوثائق الرسمية والتقارير الجدية حتى مساء 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والتي تظهر أن ماست نفسه ما زال أحد أبرز المتحفظين على الإلغاء النظيف لقانون قيصر.
من هي ياسمين نعمو؟
المعلومات القليلة المتاحة عن ياسمين نعمو تأتي من سجل الجامعة العربية الدولية الخاصة في سوريا، حيث ذكر اسم ياسمين محمد نعمو كخريجة كلية الصيدلة العام 2017 -2018، وانتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة حيث بدأت ممارسة نشاط عام مرتبط بـ”التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار” (SAAPP)، وهي منظمة مسجلة ككيان غير ربحي في أميركا تقدم نفسها كجسر بين سوريا الجديدة وواشنطن تحت عناوين السلام والازدهار والشراكة الاقتصادية.
في الصور والمنشورات قُدمت نعمو بصفتها جزءاً من قيادة التحالف إلى جانب زوجها طارق نعمو، ومشاركة في ترتيب لقاءات مع أعضاء في الكونغرس ومسؤولين أميركيين ضمن مسار واسع يضغط لرفع أو إلغاء عقوبات قيصر وفتح باب الاستثمار في سوريا، مما يضعها في موقع فاعل داخل شبكة لوبي محددة، لكنه لا يرقى إلى ما يُسوّق له على أنه دور شخصي حاسم في تغيير سياسة دولة، ما يشكل تناقضاً بين المعطيات الفعلية والخطاب الاحتفالي.
براين ماست.. لماذا هو مهم؟
يتولى النائب الجمهوري عن فلوريدا، براين ماست، والمعروف بسجل العسكري، رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في الكونغرس الحالي، ما يجعله عقدة أساسية في أي مسار تشريعي يتصل بسوريا، بما في ذلك إدخال مواد إلغاء أو تعديل قانون قيصر في قوانين الإنفاق والدفاع.
وارتبط اسم ماست بمواقف متشددة تجاه النظام السابق وبالدفاع عن الإبقاء على أدوات الضغط، وبينها “قيصر”، تحت عنوان حماية المدنيين ودعم إسرائيل ومواجهة نفوذ إيران. وتؤكد تقارير صحافية أميركية حديثة أنه، حتى مع ضغط البيت الأبيض الحالي لدفع مسار الإلغاء الكامل أو شبه الكامل لقانون قيصر، يبقى ماست أحد أبرز المتحفظين على الرفع بلا شروط، ويستثمر صلاحياته كرئيس للجنة، لعرقلة إدخال نص الإلغاء في الصيغة النهائية لقانون الدفاع.
بكلمات أخرى، الرجل المستهدف في رواية “ياسمين أقنعته” يعتبر لاعباً مركزياً في ملف “قيصر”، ولا توجد حتى الآن أي وثيقة رسمية أو تصريح من مكتب أو من سجلات الكونغرس تنسب تحولاً جذرياً في موقفه إلى لقاء بعينه أو شخص واحد، بل على العكس تؤكد المصادر المتاحة استمرار معركته مع البيت الأبيض حول شروط الإلغاء وسقفه.
صناعة بطلة من داخل اللوبي
عند تتبع الرواية القائلة إن نعمو هي من أقنعت براين ماست وأوقفت أو حرّكت إلغاء عقوبات “قيصر”، يتبيّن أن مصدرها الرئيسي سلسلة منشورات في منصات التواصل الاجتماعي، صادرة عن حسابات مقربة من “SAAPP” أو من الدائرة السياسية والإعلامية المحيطة به، احتفت بالصورة التي جمعت نعمو بماست خلال لقاء ضم مسؤولين سوريين وأميركيين وقدّمت المشهد كدليل على اختراق حاسم مع عبارات من نوع “بطلة الكواليس” و”التي غيّرت موقفه”.
ويخدم هذا الاستخدام المكثف للغة البطولة الفردية، ثلاثة أهداف متداخلة. أولاً تكريس التحالف الذي تقوده نعمو باعتباره قناة لا غنى عنها بين دمشق وواشنطن، وأنه يمتلك القدرة على الوصول والتأثير في العقد الصعبة داخل الكونغرس، وهو رأس مال سياسي يمكن ترجمته لاحقاً إلى شرعية تمثيل وتمويل ونفوذ. ثانياً، تضخيم صورة ياسمين نفسها كلاعبة سياسية مؤثرة في سياق تنافسي داخل الجاليات السورية في أميركا، حيث تتزاحم منظمات ولوبيات متعددة على ادعاء تمثيل صوت السوريين والتحدّث باسم معاناة الداخل. ثالثاً، تبسيط مشهد تشريعي شديد التعقيد وتحويله إلى قصة قابلة للاستهلاك السريع.
تفكيك السردية
حين نعود إلى مسار العقوبات نفسه، تتضح هشاشة هذه الرواية لأن قانون “قيصر” بوصفه تشريعاً صادق عليه الكونغرس، لا يُلغى بلقطة أو لقاء، بل يتم عبر مسار تراكمي يشمل دفع من البيت الأبيض ووزارة الخارجية والخزانة نحو إعادة تعريف العلاقة مع سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ودعم صريح من قطاعات مجتمع الأعمال الأميركي ومن شركاء إقليميين يرون في السوق السورية فرصة استثمارية مشروطة، إضافة إلى مفاوضات مباشرة بين الحكومة السورية الحالية ومسؤولين أميركيين حول شروط الانفتاح، كالأمن ومكافحة تنظيم داعش وتجارة الكبتاغون، وحدود العلاقة مع إيران وإسرائيل، وحملة علاقات عامة تقوم بها لوبيات حقيقية داخل واشنطن تضغط لدعم الإلغاء أو التعليق.
وفوق ذلك كله، تؤدي الحكومة السورية الحالية دوراً مباشراً من خلال اللقاءات العلنية مع الرئيس الأميركي ومسار الزيارات إلى نيويورك وواشنطن، والقبول بشروط سياسية وأمنية معقدة، مقابل تفكيك تدريجي لنظام العقوبات، مع الإبقاء على أدوات “سناب باك” وإجراءات انتقائية.
أدوار شخصيات سورية–أميركية
وفي هذا المشهد، تبرز أدوار شخصيات سورية–أميركية عديدة، من قانونيين وباحثين وناشطين، ومنظمات مجتمع مدني عملت طوال السنة المنصرمة ضد العقوبات الشاملة وضد التلاعب السياسي بملفها.ورغم أن هؤلاء لا يملكون آلة دعائية مبهرة ولا صوراً لافتة مع نواب، لكن أثرهم التراكمي حقيقي، ومن المجحف شطبه لصالح قصة “ساحرة سياسية” ظهرت فجأة.
المشكلة ليست في أن ياسمين نعمو ناشطة ضمن لوبي يملك حق الدفاع عن رؤيته، فهذا مشروع ومعلن. بل في تحول سردية هذا اللوبي إلى حقيقة تصدّر للرأي العام العربي بوصفها وقائع ناجزة. هذا النوع من البروباغندا يمنح لوبي معيناً ورقة قوة زائفة في مواجهة لوبيات سورية أخرى، فيكرس احتكار تمثيل السوريين في واشنطن لصالح شبكة ضيقة، ويشوّه وعي الجمهور بطبيعة صناعة السياسة الأميركية، فيرسّخ فكرة أن القرارات الكبرى يمكن شراؤها أو رفعها أو تعليقها عبر علاقات شخصية وعشاءات مغلقة من دون الحاجة إلى عمل تشريعي مراقب وصراع سياسة ومصالح معلن يمكن محاسبته والتدقيق فيه.
ما يمكن قوله إن ياسمين نعمو جزء من منظومة لوبي تضغط باتجاه مسار محدد تجاه سوريا، وحضورها حقيقي، لكن أثره يأتي في سياق عمل جماعي أوسع، ولا يوجد ما يبرر أن يُنسب الفضل في تغيير موقف براين ماست أو مسار “قيصر”، إليها شخصياً. فهذه الرواية تنتمي إلى عالم العلاقات العامة والبروباغندا، لا إلى سجل الوقائع الموثقة.
المدنيين
—————————————-
انضمام سورية للتحالف الدولي ضد “داعش”: مكاسب ومخاطر
عدنان علي
15 نوفمبر 2025
مع الإعلان رسمياً عبر السفارة الأميركية في دمشق عن انضمام سورية إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة إلى واشنطن، تثار تساؤلات حول الأبعاد المحتملة لهذه الخطوة، وما هي المكاسب والمخاطر التي قد تترتب عليها. وعملت الإدارة الأميركية على تذليل العقبات أمام إنضاج هذه الخطوة، وأزالت العقبات القانونية والسياسية أمامها من خلال تصويت مجلس الأمن في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي على شطب اسمي الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب الدولية.
الرغبة الأميركية في انخراط سورية ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، عبّرت عنها واشنطن منذ مايو/أيار الماضي، علماً أن التعاون بين البلدين تصاعد في الفترة الأخيرة. وقالت القيادة المركزية الأميركية، في بيان لها الأربعاء الماضي، إنها قدّمت المشورة والمساعدة في 22 عملية ضد “داعش” مع شركائها في سورية، خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي وبداية نوفمبر الحالي، وهو ما أسهم، وفق البيان، في التقليل من قدرة التنظيم “على شنّ عمليات محلية وتصدير العنف إلى جميع أنحاء العالم”. وأكد البيان أن “قوة المهام المشتركة ـ عملية العزم الصلب”، نفّذت العمليات بالتنسيق مع شركاء سوريين خلال الفترة الممتدة من 1 أكتوبر إلى 6 نوفمبر الحالي، مما أسفر عن مقتل خمسة من عناصر “داعش” وأسر 19 آخرين، وهو ما اعتبره الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية “إنجازاً بارزاً”.
فرصة سورية بمواجهة “داعش”
ورأى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن انضمام سورية للتحالف الدولي فرصة كبيرة لسورية للتنسيق الكامل استخبارياً وعسكرياً ولوجستياً مع دول كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة. واعتبر علوان في حديث مع “العربي الجديد” أن كلفة هذا الانضمام بالنسبة لسورية قليلة جداً، لأنها في الأساس تحارب هذه القوى التي يستهدفها التحالف. وحول إمكانية أن يجري توسيع مفهوم محاربة الإرهاب المطلوب من الحكومة السورية الالتزام به، ليشمل “حزب الله” اللبناني وبعض الفصائل الفلسطينية والعراقية، إضافة لفصائل جهادية ما زالت تنشط في شمال غربي سورية، قال علوان إن بعض تلك القوى “قاتلت إلى جانب نظام بشار الأسد هي في الأساس عدوة للشعب السوري وللحكومة السورية الحالية” معتبراً أنه لا يوجد أي تغيير في بوصلة الحكومة السورية بانضمامها للتحالف الدولي، إلا أنها ستتلقى الدعم السياسي والعسكري واللوجستي، وستنزع ورقة مهمة تستخدمها أطراف ضمن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لعرقلة انضمامها للدولة السورية، باعتبار أن “قسد” كانت الوكيل المعتمد لمحاربة “داعش”. واستبعد علوان ان تكون مسألة ضبط بوصلة “ما هو الإرهاب الذي ستتم محاربته” إشكالية حقيقية للحكومة السورية، لأن هذه البوصلة ضبطت أساساً منذ سنوات، حين كانت الفصائل، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، شريكاً غير رسمي للتحالف الدولي في محاربة الإرهاب.
من جهته، رأى السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي أن مفهوم الإرهاب عند الغرب بشكل عام واضح ومفهوم، وهو يشمل كل من يحارب أو يعادي الغرب. وأضاف العمادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن السلطة في دمشق “لن تستطيع التهرب من هذا الاستحقاق، إذ تترتب عليه قضايا تتصل برفع العقوبات وإعادة سورية إلى المجتمع الدولي”. وحول ما إذا كان للانخراط في التحالف مدلول سياسي أكثر منه عسكرياً وأمنياً، رأى العمادي أن السلطة في دمشق انخرطت عملياً في هذه الجهود منذ فترة، معتبراً أن الحملة على “مخيم الغرباء” لمقاتلين فرنسيين في الشمال السوري في أكتوبر الماضي، كانت ضمن ذلك التفاهم. وقلل العمادي من أهمية بعض التصريحات الرسمية السورية التي حاولت تفسير هذا الانخراط بطريقة أخرى، معتبراً أن المهم الأفعال، وليس الأقوال.
وفي السياق أيضا، اعتبر المحامي غزوان قرنفل، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن انضمام سورية للتحالف الدولي “يلزمها بما يقرره التحالف، ويصنفه على أنه إرهاب، وليس ثمة انتقائية في هذا الأمر”.
تنسيق أميركي سوري
وكان وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى قد قال الثلاثاء الماضي، إن سورية انضمت إلى التحالف الدولي ضد “داعش” خلال زيارة الشرع إلى واشنطن، لكنها “ليست جزءا من المهمة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم”. وذكر المصطفى في مقابلة مع “أسوشييتد برس”، أن الشرع التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاثنين، وأعلن عن “رغبة بلاده ونياتها واستعدادها” للانضمام إلى 89 دولة أخرى تشكل التحالف، وقد التزمت بمحاربة داعش، لكن لم يتم توقيع اتفاق”. وأوضح أن “التحالف السياسي يختلف عن عملية العزم المتأصل، وهي غرفة عمليات عسكرية”، في إشارة إلى المهمة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد “داعش” في سورية والعراق، التي تعاونت فيها لسنوات مع “قسد” وقوات الأمن العراقية. وأضاف المصطفى أن “هناك تنسيقا بين الولايات المتحدة والحكومة السورية في الوقت الحاضر في بعض الحالات” بشأن العمليات ضد “داعش”، لكنه أكد أن “سورية ليست جزءا من عملية العزم المتأصل التي تنفذ عمليات هذا التحالف”.
وحول تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك في تغريدة عبر “إكس” بأن سورية بعد انضمامها للتحالف الدولي سوف تساعد في مكافحة بقايا “داعش” والحرس الثوري ومليشيات إيران وحركة حماس وحزب الله، رأى المحلل السياسي أحمد المسالمة أن التحول الاستراتيجي العميق في العلاقة مع الولايات المتحدة يحمل بالطبع مكاسب استراتيجية لسورية ويضعها في قلب معادلة إقليمية جديدة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر عدة، ويهدد بجعل البلاد رهينة لضغوط خارجية لا تراعي الحساسيات المحلية أو قد تغضب بعض الحلفاء الإقليميين. وأعرب المسالمة، في حديث مع “العربي الجديد”، عن اعتقاده بأن الحكومة السورية سوف تتعاون بقدر ما تستطيع في هذه الملفات لكن داخل الأراضي السورية حصراً، وليس خارجها، وهي عملياً تحارب “داعش” وفصائل جهادية متطرفة أخرى منذ بعض الوقت، حتى قبل سقوط النظام السابق. أما بالنسبة لحزب الله وبعض الفصائل العراقية، فقال إن الحكومة “حاربتها أيضا في سورية خلال الفترة الماضية، وبالتأكيد لن تسمح بأي نشاط لها في سورية”. وبالنسبة لحركة حماس، وفصائل فلسطينية أخرى مدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، فان الوقائع تشير، وفق المسالمة، إلى أن “السلطات السورية جمدت عمل هذه الفصائل منذ الشهور الأولى للإطاحة بالحكم السابق، وعملياً ليس لها أي وجود عسكري أو أمني في سورية، وبالتالي، لن يكون هناك شيء جديد يخص هذا الوضع بعد الانضمام للتحالف الدولي”.
العربي الجديد
———————————–
زيارة الشرع إلى واشنطن: التفاصيل كانت الحدث؟/ بسام مقداد
السبت 2025/11/15
توقف الإعلام، خصوصاً الروسي الموالي للكرملين، عند الكثير من التفاصيل التي رافقت زيارة الشرع إلى واشنطن. وتتفاوت الأسباب حتى التضارب، التي تقف وراء تركيز كل طرف على هذه التفاصيل الكثيرة. فالبعض رأى أن التفاصيل تحدثت عن الزيارة أكثر من النتائج القليلة الملموسة التي أسفرت عنها. والبعض الآخر أراد من التفاصيل أن تقلل من أهمية “الزيارة التاريخية”؛ بل إن تحجب ما شكلته من نقطة انتقال سوريا من الحضن الشرقي على نحوٍ مطلق، إلى محاولة ترتيب وضعها في الحضن الغربي الأميركي، من دون القطع نهائياً مع ماضيها الشرقي.
توقف الإعلام الموالي للكرملين عند دخول الشرع من الباب الخلفي للبيت الأبيض، المجاور لموقف سيارات العاملين في الإدارة الرئاسية، ومن دون أن يستقبله أحد من المسؤولين. كما توقف عند دخول الشرع إلى مكتب ترامب، وليس إلى قاعة المفاوضات، وجلوسه مع وزير خارجيته وزميله الأميركي على مقاعد مقابل ترامب الجالس إلى مكتبه، كأنه يستقبل أصحاب الاحتياجات.
لم يقتصر التوقف عند التفاصيل على إعلام الكرملين فقط؛ إذ توقف الجميع عند مباراة كرة السلة بين الشرع وكل من قائد القيادة الأميركية المتوسطة الأدميرال براد كوبر والجنرال كيفن لامبرت. ولم يغب عن التفاصيل سؤال ترامب للشرع ممازحاً عن عدد زوجاته، ثم ربت على كتفه، ورش الكولونيا المفضلة لديه على عنقه ووزير خارجيته، وقدم له ولزوجته زجاجتين من تلك الكولونيا، التي لا يتعدى ثمنها 249$، وفق وكالة نوفوستي.
كما لم يغب عن الإعلام أيضاً ما أغدقه ترامب على الشرع من ثناء ومديح، يجيده المقاول لتمرير صفقته. وهذه التفاصيل التي أحاطت باستقبال الشرع في البيت الأبيض، جعلت صحيفة الحكومة الروسية RG تنقل عن النيويورك تايمز تشبيه استقبال الشرع بـِ “زفة العروس”.
هذه التفاصيل التي ركز عليها إعلام الكرملين أكثر من سواه، كانت تستبطن التشكيك في تحقيق الوعود الأميركية بمساعدة النظام السوري الجديد على تثبيت وجوده. وأعرب الكرملين عن الأمل في ألا تكون زيارة الشرع الأميركية على حساب العلاقات الروسية السورية، التي انطلقت عملياً قبل أقل من شهر مع زيارة الشرع إلى الكرملين أواخر أيار/ مايو المنصرم. وقد صرح الناطق باسم الكرملين بالقول إن روسيا تبني “علاقاتها الجديدة” مع القيادة السورية، وكانت مفاوضات بين رئيسي البلدين، و”ونأمل أن يتطور مسارنا الثنائي على نحوٍ مستقل”، وفق صحيفة gazeta.ru الروسية في 11 الجاري.
صحيفة الحكومة الروسية RG قارنت في 11 الجاري بين الثناء والنعوت التي أطلقها ترامب على ضيفه السوري، وتلك التي سبق أن أطلقها على من سبق أن التقاهم أو تعامل معهم، من ديكتاتور كوريا الشمالية إلى فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي وسواهم. وأرادت الصحيفة بذلك أن تشير إلى خواء ثناء ترامب وفراغه من أيّ محتوى.
أشارت الصحيفة إلى توقف الإعلام الأميركي عند ما وصفته بـِ “التفصيل المهم”، الذي تمثل في دخول الشرع إلى البيت الأبيض من الباب الخلفي، ولم يجد أحداً في استقباله، في حين خرج من الباب الأمامي في ظل ما “يشبه التصفيق”. ويبدو أن الصحيفة أرادت بذكر مغادرة الشرع من الباب الأمامي الإشارة إلى رضا ترامب عما دار بينه وبين الشرع في الداخل. وتساءلت عما قدمه الشرع لترامب الذي سبق أن أعلن جائزة 10 ملايين دولار لمن يفشي بمكان وجود من كان قبل حوالى السنة أبو محمد الجولاني.
توقفت صحيفة الحكومة الروسية، وبالكثير من السخرية المبطنة، عند بعض “التفاصيل” التي دارت في لقاء البيت الأبيض بوجود وزير الخارجية التركي. فأشارت إلى ما أعلنه الشرع من أن علاقاته مع العناصر المجرمة قد “أصبحت من الماضي”. وعلى الرغم من أن سوريا لا تنوي توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، إلا أن الشرع أعرب لترامب عن أمله في أن “يساعد البيت الأبيض في تنظيم مفاوضات بهذا الشأن”.
تشير الصحيفة إلى أن الشرع أكد للرئيس الأميركي على “دعمه الشديد” للسلام في الشرق الأوسط، وأعلن براءته من هجمات أيلول 2001 في نيويورك، وذلك لأنه كان لا يزال شاباً لا يملك أيّة صلاحية في اتخاذ القرارات. وتتوقع الصحيفة بأن يكون الشرع قد أكد للرئيس الأميركي بأنه لا يضمر أيّة ضغينة بسبب تصفية رئيسه السابق ومرشده أبو بكر البغدادي. كما تشير الصحيفة إلى إعلان الشرع عن افتراقه عن الجهاد، وأنه “لا ينوي قتل الجنود الأميركيين”.
تضيف الصحيفة بالقول إن تأكيدات الشرع هذه قد أقنعت الرئيس الأميركي برفع القيود الاقتصادية عن سوريا ومنحها تسهيلات واسعة: استعادة السفارة السورية في واشنطن، وقف عقوبات “قانون قصر” لمدة 180 يوماً. وتشير الصحيفة إلى أنه، وبمبادرة من الولايات المتحدة، رفع مجلس الأمن الدولي اسم الشرع عن قائمة الأشخاص الذين تشملهم العقوبات بسبب الإرهاب.
وبشأن إسرائيل، تقول الصحيفة أن الإسرائيليين يصفون الشرع بالبراغماتي، ويأملون بان لا تفترق أعماله عن أقواله. وجاء تصريح نتنياهو الذي نشره الإعلام في 14 الجاري، ليلقي المزيد من الضوء على موقف إسرائيل من لقاء واشنطن. فقد أكد أن ما يعنيه من اللقاء هو أفعال الشرع لا أقواله. وعلق على أحداث السويداء المتجددة إثر لقاء واشنطن بالقول إن إسرئيل معنية بحماية دروز المحافظة، وما يجري فيها يشبه هجوم 7 أوكتوبر.
موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية، نقل في 14 الجاري عن صحيفة هآرتس نصاً كتبه المعلق في الصحيفة زفي باريل (Zvi Barel). وضع الكاتب زيارة الشرع إلى البيت الأبيض في إطار محاولات ترامب تحويل الخطط الغامضة المكدسة على طاولته إلى سلام مستدام على جبهات الشرق الأوسط الأربع. ويرى الكاتب أن اجتماع ترامب مع الشرع الذي تحتاج نتائجه إلى الكثير من العمل لبلورتها في الواقع، يشكل أحد الخطط الأربع المتعلقة بجبهات لبنان وغزة وإيران، التي بدورها تتطلب العمل عليها ليخيم السلام الدائم على المنطقة.
يقول باريل أنه، على الرغم من تصوير زيارة الشرع بأنها نجاح له ولترامب، إلا أن عدداً ضخماً من المسائل العملية لا يزال بحاجة إلى أجوبة عليها، ويثير الشكوك حول جوهر هذا “النجاح”. ويرى أن الشرع قد يشعر بالارتياح للقرار الأميركي بتمديد الإعفاء من تبعات “قانون قيصر” الذي يحظر تقريباً أيّة مساعدة واستثمار في سوريا. لكن من غير المؤكد أن يشرع هذا القرار الأبواب أمام التوظيفات والمساعدات التي تحتاجها سوريا بشدة. والحقيقة أن التمديد الحالي، ليس أطول مدة من سابقه في أيار/ مايو المنصرم.
يواصل باريل تفنيد كل ما شكل “نجاح” لقاء ترامب الشرع، ويرى أن تصريح الشرع عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، ويكتسب أهمية بالشكل، لكنه لا يستند حتى الآن إلى آليات تنسيق عسكرية ضرورية لتنفيذه. ومن دون هذا التنسيق، لن تتمكن تركيا من إعفاء الولايات المتحدة من دورها العسكري في سوريا، ولا من نقل مسؤولية “الجبهة السورية” للحرب من القوات الكردية إلى الجيش السوري، الذي لا يزال غير مدرب ومجهز بشكل جيد ليتمكن من إجراء مثل هذه العمليات. ويرى أنه ينبغي أن تكون هذه المبادرة جزءاً من خطة استراتيجية أوسع نطاقاً، توضَع بالتعاون بين تركيا وسوريا والولايات المتحدة.
المدن
———————————
“الكونجرس” يستعد لعقد جلسة استماع لمناقشة إلغاء “قيصر”
يستعد أعضاء في الكونجرس الأمريكي لعقد جلسة استماع بعنوان “أعطوا سوريا فرصة”، في 20 من تشرين الثاني الحالي، لمناقشة مستقبل العقوبات على سوريا بعد التطورات السياسية الأخيرة، وفق الإعلان الرسمي للجلسة الذي نشر الجمعة 14 من تشرين الثاني.
وبحسب نص الدعوة، تركز الجلسة، التي ستُنقل مباشرة عبر الإنترنت، على دراسة ما تصفه بمرحلة “الفرصة الجديدة” التي تمر بها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وعلى بحث كيفية دعم “سوريا موحدة ومزدهرة ومستقلة” بما يعزز السلام الإقليمي ويحدّ من نفوذ روسيا وإيران والصين.
ويؤكد المنظمون أن هذا المسار يتطلب إعادة النظر بالعقوبات الأمريكية، مع الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، علّق معظم العقوبات السابقة، بينما لا يزال قانون “قيصر” نافذًا باعتباره موجّهًا لمعاقبة النظام السابق على جرائم القتل والتعذيب.
وتستضيف الجلسة ثلاثة شهود رئيسين، هم فريد المذهان (قيصر)، الذي سُمّي القانون باسمه، ويوسف حمرا كبير حاخامات الطائفة الموسوية في سوريا، وميرنا برق رئيسة منظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام”.
وسيناقش الشهود، وفق البرنامج المعلن، أهمية الانخراط الأمريكي في دعم “سوريا الجديدة” وإمكانية رفع العقوبات أو تعديلها، إضافة إلى بحث كيفية تعزيز موقع الولايات المتحدة في مواجهة محاولات خصومها تقويض التحول السياسي القائم.
بدوره، قال النائب جو ويلسون عبر حسابه في منصة “إكس”، “ممتن لرئاستي هذه الجلسة الأسبوع المقبل لمناقشة. حاجتنا إلى إلغاء كامل وشامل لعقوبات (قيصر) لإعطاء سوريا فرصة”.
وتأتي هذه الجلسة في وقت يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”، إلا أن نائبًا جمهوريًا يقف عقبة رئيسة أمام مساعي البيت الأبيض لإنهاء تطبيق القانون بشكل كامل ودائم، وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، براين ماست، الذي التقاه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في واشنطن في 9 من تشرين الثاني.
وكان ماست قال للصحفي مارك رود من موقع “Jewish Insider”، في 13 من تشرين الثاني، إنه بعد لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع، سيُعيد التفكير في موقفه المتحفظ من إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”.
وجاء في البيان المشترك بين الوزارتين، في 10 من تشرين الثاني، أن القرار يستبدل الإعفاء السابق الذي صدر في 23 أيار الماضي، مشيرة إلى أن التعليق الجديد يوقف العمل بمعظم العقوبات المفروضة بموجب القانون، باستثناء تلك التي تشمل معاملات مالية أو تجارية مع روسيا وإيران.
وجاء البيان بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض التي تعد الأولى لرئيس سوري.
وأوضح البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى “إتاحة المجال أمام الشركات والمؤسسات الأمريكية والدولية للانخراط في مشاريع اقتصادية وتنموية في سوريا”، مع الحفاظ في الوقت نفسه على “القيود المرتبطة بالدول والجهات التي تخضع لعقوبات أمريكية منفصلة”.
وتضمن البيان، “الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بدعم سوريا موحّدة، مستقرة، وسلمية. رفع العقوبات سيسمح بإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين، بمن فيهم الأقليات العرقية والدينية، وتعزيز مكافحة الإرهاب”.
وأكد أن العقوبات لا تزال سارية على من وصفهم بـ”الأسوأ من بين الأسوأ”، وتشمل بشار الأسد والمقربين منه، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومهربي “الكبتاجون”، والجهات الإقليمية المزعزعة للاستقرار، كما تواصل الحكومة الأمريكية مراجعة تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب”.
كما لا تزال الصادرات الأمريكية الحساسة المدرجة على قائمة مراقبة التجارة تتطلب تراخيص تصدير خاصة.
ما قانون “قيصر”؟
قانون “قيصر” هو مشروع قانون أقره مجلس النواب الأمريكي، في 15 من تشرين الثاني 2016، ووقّع عليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 21 من كانون الأول 2019 (خلال ولايته الأولى).
وينص القانون على معاقبة كل من يقدم الدعم للنظام السوري السابق، ويلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة للأسد المخلوع.
ويشمل القانون كل من يقدم الدعم العسكري والمالي والتقني للنظام السابق، من الشركات والأشخاص والدول، حتى روسيا وإيران، ويستهدف كل من يقدم المعونات الخاصة بإعادة الإعمار في سوريا.
وتعود تسميته باسم قانون “قيصر” إلى الضابط السوري المنشق عن النظام، فريد المذهان، والذي سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قُتلوا تحت التعذيب، أكد مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) صحتها، وأثارت الرأي العام العالمي حينها، وعُرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.
—————————-
مشروعون أميركيون يقدمون مقترحًا لإلغاء تشريعات قديمة مرتبطة بالعقوبات على سوريا
15 نوفمبر 2025
قدّم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون جديد يحمل الرقم (S.3172) في جلسة 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مستهدفين إعادة النظر في البنية التشريعية التي تنظّم العقوبات المفروضة على سوريا منذ أكثر من 20 عامًا. ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع إعلان البيت الأبيض تجميد “قانون قيصر” لمدة 180 يومًا، عقب الزيارة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، والتقى خلالها نظيره الأميركي دونالد ترامب.
وأظهرت الوثيقة أن السيناتور جين شاهين قدّمت مشروع القانون بالنيابة عن نفسها، وبمشاركة السيناتورين مارك مولين وجوني إرنست، حيث جرى إدراج التشريع رسميًا في سجلات مجلس الشيوخ، وقرأ مرتين قبل إحالته إلى لجنة العلاقات الخارجية وفق الإجراءات التشريعية المعمول بها.
وبيّن مشروع القانون بعنوان: “قانون لإلغاء بعض التشريعات التي تفرض عقوبات على سوريا” أن مضمونه يتركز على إلغاء قانونين اتحاديين محددين. ويقترح التشريع أولاً إلغاء “قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان لعام 2003″، والتي فرضت على سياسات نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في لبنان، والتي كان من ضمنها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
كما أوضح النص أن الإلغاء الثاني يشمل “قانون محاسبة حقوق الإنسان في سوريا لعام 2012″، هو القانون الذي نص على معاقبة شخصيات وكيانات مرتبطة بنظام الأسد متهمة بارتكاب انتهاكات إنسانية وجرائم حرب منذ اندلاع الأزمة السورية.
وكانت وزارات الخارجية والتجارة والخزانة الأميركية قد أعلنت في بيان مشترك، تعليق العمل بالعقوبات المفروضة على سوريا بموجب ما يُعرف بقانون “قيصر” لمدة 180 يومًا، والذي جاء عقب اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب بنظيره الشرع في البيت الأبيض مؤخرًا.
وبموجب هذا القرار، سيُسمح بنقل معظم السلع الأميركية المنشأ للاستخدام المدني، بالإضافة إلى البرمجيات والتكنولوجيا، إلى سوريا أو داخلها دون الحاجة إلى ترخيص مسبق.
وجاء في البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى دعم “سوريا مستقرة وموحدة وسلمية”، مؤكدًا أن رفع هذه القيود يندرج في إطار دفع جهود إعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الرخاء لجميع المواطنين ومكافحة الإرهاب.
وأوضح البيان أن الإدارة الأميركية تتبنى سياسات جديدة لتشجيع الشركات والبنوك الأميركية والمجتمع الدولي والشركاء الإقليميين على المشاركة في دعم استقرار سوريا. كما ذكر أن الرئيس دونالد ترامب ينفذ بذلك وعده بمنح سوريا “فرصة للعظمة” ولإعادة الإعمار عبر رفع هذه العقوبات.
————————-
=======================



