سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

ظاهرة “شم الشعلة والمواد الطيارة”.. عادة قاتلة تنتشر بين أطفال الشوارع/ نايف البيوش

عادة قاتلة.. “شم الشعلة والمواد الطيارة” في دمشق وحلب

2025-11-23

في صباحٍ بارد قرب جسر الرئيس في دمشق، جلس طفلٌ صغير على رصيفٍ مهترئ يراقب السيارات المسرعة بعينين نصف مغمضتين. كان يمسك بقدّاحة غاز كبيرة، يقرّبها من أنفه بين حين وآخر، ثم يسترخي للحظات قبل أن يطلق ضحكة خفيفة ويهتز بجسده الصغير كمن يفقد توازنه. اقترب منه أحد المارة محاولاً الحديث معه، لكن الطفل بدا غائباً في عالم آخر، وكأن ما يستنشقه يحمله بعيداً عن ضجيج المدينة التي لا ترحم. هذا الطفل، الذي قد لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، يجسد اليوم واحدة من أخطر الظواهر المتنامية في شوارع دمشق وحلب: “شمّ الشعلة والمواد الطيّارة”.

خلال الأشهر الأخيرة، تصاعد انتشار هذه الممارسة بين أطفال الشوارع تحديداً، حتى باتت ظاهرة يومية في مناطق عدة من دمشق وحلب وريفهما. تُعرف هذه المواد شعبياً باسم “شم الشعلة والبنزين والغازات الطيارة”، ويقبل عليها الأطفال لما تمنحه من شعور بالدوار والانفصال المؤقت عن الواقع، رغم خطورتها التي قد تصل إلى الوفاة المفاجئة.

رصد “963+” هذه الظاهرة في جولات ميدانية شملت سوق الحميدية، محيط جسر الرئيس، شوارع البرامكة في دمشق، إضافة إلى دوار صلاح الدين في حلب. فالمشاهد التي تم التقاطها “صاعقة ومؤلمة، لأن هؤلاء الأطفال يتعاطون شيئاً لا يعرفون خطورته، وكأنه أمر اعتيادي”. فقد لوحظ مجموعات من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عاماً يستخدمون قدّاحات الغاز أو عبوات صغيرة لإطلاق الغازات واستنشاقها بشكل متكرر، يتمايلون بعدها في حالة شرود قبل أن يعيدوا الكرة من جديد.

خلال محاولة الحديث مع أحد هؤلاء الأطفال في دمشق، قال بصوت خافت وهو يشم القدّاحة: “بتخلّيني انسى، بحس حالي طاير”.

جذور الظاهرة متشابكة

 لم يكن الطفل مدركاً لما يفعله، ولم يخطر في باله أن هذا “الطيران” المؤقت قد يكون على حساب حياته. طفل آخر من ريف دمشق يقول لـ”963+” إنه بدأ الأمر “من باب المزاح”، لكنه اعتاد عليه لاحقاً، مضيفاً: “الإحساس بيجي فجأة، بحس الدنيا عم تدور، الشباب كلهم بيعملوها”.

ورغم أنّ المشهد يبدو ظاهرياً مجرد سلوك عابر، إلا أنّ جذور الظاهرة متشابكة. الباحث الاجتماعي محمود الخليل (37 عاماً) يوضح أن البيئة الفقيرة والتفكك الأسري ونقص الرقابة المجتمعية هي العوامل الأكثر ارتباطاً بانتشار الظاهرة.

ويشير في حديث لـ”963+” أن “الأطفال في بيئات الفقر والتسول غالباً يتجهون إلى أي سلوك يمنحهم شعوراً سريعاً بالمتعة أو الهروب من الضغوط”، مضيفاً أن انتشار نماذج سلوكية خطرة بينهم دون وجود رادع يجعل الظاهرة تنتقل بالعدوى بينهم.

ويشير الخليل إلى أنّ “شمّ الشعلة” هو شكل من أشكال تعاطي المواد الطيّارة، وهي مواد تحدث تأثيرات مهلوسة على الجهاز العصبي، لكنها رخيصة وسهلة الوصول، ما يجعلها جذابة للأطفال.

ويضيف أن استنشاقها قد يؤدي إلى اضطراب النبض، تلف الأعصاب، فقدان الوعي المفاجئ، وحتى توقف القلب.

من الجانب الطبي، يقدّم الطبيب العصبي وائل البحري (45 عاماً) وصفاً أكثر دقّة لخطورة الأمر، مؤكداً أن استنشاق الغازات المنبعثة من الشعلة يمثل “خطراً فورياً ومباشراً” على الأطفال. المواد الموجودة داخل العبوات، وعلى رأسها البوتان والأيزو بوتان، تتحول بسرعة إلى مركبات سامة تدخل الدم دون أي ترشيح، وتصل خلال لحظات إلى الدماغ.

يقول البحري لـ”963+” إنّ التأثير العصبي السريع لهذه المواد يفسر “الدوار وفقدان التوازن الفجائي” لدى الأطفال، لكن الأخطر هو التلف البنيوي في الخلايا العصبية.

ووفق الطبيب، فإن تكرار الاستنشاق لأيام أو أسابيع قد يكفي لإحداث تغيرات دائمة في الدماغ النامي لدى الأطفال، ما سيظهر لاحقاً على شكل ضعف في الذاكرة وأداء مدرسي متدني وصعوبات في الانتباه واتخاذ القرار.

ويضيف أن المخاطر لا تتوقف عند الدماغ، فالبوتان قادر على إحداث اضطراب حاد في نبض القلب قد يؤدي إلى توقفه المفاجئ خلال ثوانٍ، إضافة إلى تأثيرات خطرة على الجهاز التنفسي، تمنع الرئتين من امتصاص الأكسجين بشكل طبيعي وتسبب “اختناقاً داخلياً غير ملحوظ”.

ويشدد البحري على أن “شم الشعلة” حالة تسمّم متكرر تشبه تعاطي المواد المخدرة، ما يجعل التدخل السريع والتوعية أمراً ملحاً.

متوافرة في الأسواق

ورغم خطورة هذه المواد، إلا أن عبوات الشعلة متوافرة في الأسواق دون ضوابط، ويبدأ سعر العبوة من10 آلاف ليرة سورية فقط، وهو مبلغ يستطيع الأطفال جمعه بسهولة. يحتاج الطفل خلال “الجرعة” الواحدة بين عبوتين إلى خمس عبوات، أي ما يعادل 140 إلى 200 غراماً من الغاز، تُستهلك خلال دقائق أو ساعة على الأكثر.

مصدر في أحد أقسام شرطة دمشق يؤكد لـ”963+” أن الشكاوى تصلهم حول أطفال يستنشقون مواد مجهولة في الشوارع، وأن الدوريات تتعامل مع البلاغات، لكنه يشير إلى صعوبة ضبط هذه الظاهرة لأنها تحدث “في وسط الشوارع وباستخدام مواد تباع قانونياً”.

ويشدد على ضرورة تعاون الأهالي في الإبلاغ عن الحالات لأن الوعي المجتمعي عنصر حاسم في الحد من انتشارها.

من جهتها، ترى الناشطة في مجال حماية الطفل هزار الحمدو (28 عاماً) أن التعامل الأمني وحده غير كافٍ، بل وقد يكون مضراً إذا اعتُبر الأطفال “مخالفين للقانون”.

وتؤكد الحمدو لـ”963+” أن غالبية هؤلاء الأطفال ينتمون لبيئات شديدة الهشاشة، وبعضهم بلا عائلات، مشيرة إلى أن المسؤولية الأساسية تقع على المجتمع والجهات المختصة التي تركتهم بلا حماية.

وتضيف أن الحل لا يكون بمصادرة القداحة، بل عبر برامج تدخل نفسي واجتماعي وإعادة دمج الأطفال في المدارس أو المراكز المختصة.

ورغم انتشار فيديوهات وصور للظاهرة، لا توجد حتى الآن حملات وطنية جدية لمعالجتها. بعض المعلمين حاولوا توعية الطلاب بشكل فردي، لكن غياب برنامج حكومي متكامل لمكافحة السلوكيات الإدمانية لدى الأطفال يجعل الوضع مرشحاً للتفاقم.

المرشد التربوي في ريف دمشق مصطفى حاج قدور (41 عاماً) يشدد في حديث لـ”963+” على أن الجهود داخل المدارس وحدها لا تكفي، لأن شريحة واسعة من الأطفال الأكثر عرضة للخطر هم أصلاً خارج المدرسة.

ويرى أن “المعالجة الجدية يجب أن تبدأ من فهم جذور المشكلة الاجتماعية”، وأن حملات التوعية يجب أن تكون واسعة ومستمرة وتصل إلى الشارع والأهالي، مؤكداً ضرورة تشكيل فرق حماية مجتمعية تضم متخصصين اجتماعيين ونفسيين للعمل مباشرة مع الأطفال في الأحياء الفقيرة.

كما يدعو إلى ضبط بيع المواد الطيارة، وإيجاد بدائل ترفيهية آمنة في المناطق المهمشة، إضافة إلى إعادة دمج أطفال الشوارع في برامج تعليم بديلة، وتدريب الأهالي على اكتشاف علامات التعاطي المبكرة.

وبين الإهمال والواقع القاسي وصمت المؤسسات، يقف هؤلاء الأطفال وحيدين، يواجهون الشارع و”الشعلة” دون درع يحمي طفولتهم المهددة.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى