في الفعل السياسي لـ«غير المُنخدعين»/ خضر سلمان

كيف تشرحُ مفاهيمُ التحليل النفسي حاجتَنا إلى حقوق الإنسان
20-11-2025
«لا وجود للأخلاق إلا بالنسبة للعقل»
أندريه كونت- سبونفيل، من مقابلة معه 1
* * * * *
«عندما أسمع كلمة ثقافة، أُسارع إلى مسدسي؛ قولٌ يُنسب إلى وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز. شعارٌ يساري يقول: عندما أسمع كلمة سلاح، أُسارع إلى الثقافة! يمكن للثقافة – وفق ما يقترحه هذا الشعار- أن تكون بمثابة إجابةٍ فعّالة على السلاح: ذلك أن كل اندلاعٍ للعنف هو (عبورٌ إلى الفعل)، متجذرٌ في جهل الذات»؛ يقول سلافوي جيجِك. 2
ولكن أليس العنف، فعلاً، علامةً على الجهل؟ أمرٌ نختبِرُه وندركه في حياتنا اليومية، ومهما كان الشكل الذي يتخذه، ذلك أنه لا وجود لشيءٍ لا يمكن قولُه إلا بالعنف، ما عدا أن يكون للفاعل المنخرط في العنف بنيةٌ نفسيةٌ تمنعه من امتلاكِ ناصية الكلام.
فالكلام بالمعنى اللائق هو فعل، فعلٌ مُعقَّد في بساطتِه النهائية، يختصّ به الإنسان عن غيره من الكائنات، يُحدِثُ أثراً في العالم، وله إحداثياتٌ نفسية تتعلق بالوعي العميق باللغة وبأخلاقيات الاعتراف المتبادل، كوظيفةٍ اجتماعية تأسيسية، بل قُل بالوعي بالتطابق بين معنى اللغة ومعنى الحياة في مجتمع.
لهذه الأسباب، أحياناً تكون اللعثمة جرحاً نرجسياً، وأحياناً ما يُعتبَر وصفُ أحدهم بأنه «ما بيعرف يحكي كلمتين» نوعاً من الإهانة.
في عمله النظري الأول الذي نال به الدرجة العلمية في الطب النفسي، والمُعنوَن: في ذُهان البارانويا وعلاقته بالشخصية (1932)، والذي ناقش فيه حالة مريضة بالذُّهان (الاسم الطبي للمرَض العقلي أو «الجنون») قامت بطعن ممثلة معروفة، قاربَ الطبيبُ والمُحلِّلُ النفسي جاك لاكان هذا السلوكَ بمفهوم «العبور إلى الفعل / Passage to the act»، الذي يُشير إلى «الأفعال الاندفاعية غير المتوقعة، للانتقال من نيةٍ تنتمي إلى العالم الداخلي للشخص الذُّهاني إلى تنفيذ هذه النية»، في محاولةٍ للتمرد على حالِ العجز الذُّهاني عن التعبير، ودافعَ عن فكرة كون «إيمي» (الاسم المستعار للمريضة)، إنما كانت تطعن في الآخر نَفسَها في صورتها المثالية، أو «الأنا المثالية» خاصَّتَها.
وقد ردَّ جاك لاكان الظاهرة الذُّهانية إلى استبعادٍ جذري لـ«اسم الأب» في بنية الذات، و«اسمُ الأبِ» هنا هو الوظيفة النفسية التي يُفترض بها هيكلةُ الذات في علاقةٍ بمكانها من العالم الاجتماعي، في سياق ما يسميه الناس «التربية».
وهذا «الاسم الذي للأب»، أي الاسم الثاني للمرء أو كُنيته، والذي يُنسِّبُهُ تقليدياً إلى مجتمعٍ في المجتمعات الذكورية ويُستخدَم في التعاملات الرسمية، يُمثل حضور الأبَ بما يَرمزُ إليه كطرفٍ ثالث خارجَ «حالة الطبيعة» للعلاقة بين الطفل والأم، طرفٍ ثالث يدل على وجود الآخرين والعالم الاجتماعي، عالم القواعد والضوابط، والتكلّم، والرغبةِ، حيث أصيرُ ينقصني دائماً شيءٌ ما أسعى إلى تتميمه، ينقصني هذه المهارة، أو ذلك الخُلُق، أو أن أتعلم لغةً أُخرى، إلخ..
ففي الإجمال، لا يُشير المفهوم الفرويدي الأشهر لـ«العقدة الأوديبية»، إلى أكثرَ من الطريقة التي سيكون على الفرد من خلالها، في نهاية مرحلة الطفولة، أن يحلَّ التناقض بين إرادته الخاصة وبين متطلبات الحياة الاجتماعية التي ليست مُصمَّمة «على مقاسه» كما يُقال. والحل التقليدي هو في التماهي مع «اسم الأب»، أي قبول أولوية الاجتماعي على الذاتي، والانتماء بذلك إلى عالم الإنسان والحضارة، الذي يوجد في حدود اللغة والثقافة، والذي ليس هو عالَم المستوى البيولوجي المحض.
مقابل ذلك، في الذهان يتحكم بالشخص وضعٌ من انعدام إدراكٍ جذري، لأن الإدراك الموضوعي يتطلب افتراضَ منظورِ الآخر ونظرته، وبسبب تعطيل الوظيفة الأبوية، فإن كل ما يترتب على هذه الوظيفة من خبرة مشتركة وسلاسل حقائق تتيحها التجربة التراكمية للحياة المشتركة مع الآخرين، وكل القواعد الكلية للوجود الاجتماعي، ستكون محذوفة من الواقع النفسي والتجربة المعاشة، فـ«اسمُ الأب» وظيفته التأسيسُ النفسيُّ لمفهوم القانون أو القواعد، في «تعسُّفها» الأساسي تجاه ذاتية الأفراد، كشيء يوجد وحسب، يُراعَى وحسب.
والمصطلح اللاكاني لاسم الأب (le- nom- du- père)، يحمل تشابهاً صوتياً في اللغة الفرنسية مع عبارة (les non-dupes errent) التي تعني: «غيرُ المغفَّلين – أو غير المنخدِعين – يُخطئون»، بمعنى أن من لا يأخذون مثالياتهم التربوية بتلك الجدية، ويعتبرون بالتالي أنها ليست أكثر من خداعٍ «مستمرينَ بذلك في تصديق ما يرونه بعيونهم فقط»، هم الأكثر «انخداعاً» والأكثرُ تورطاً في آليات اللاوعي التي يفترضون أنهم بعدم انخداعهم هذا يتجنبونها، وهم الأكثر ارتكاباً للأخطاء (حيث يحمل الفعل الفرنسي errent المعنيَين؛ لارتكاب الأخطاء وللتيه عن الطريق أو فقدان البوصلة). 3
كانت تلك الإضافة الحاسمة لجاك لاكان، في كشفه – بمفاهيم التحليل النفسي – لأول مرة، عن بنية اللاوعي الخاص بتلك الظاهرة النفسية المتطرفة، حيث يخرج إلى حيز الوجود الواقعي الانهيارُ الداخلي البنيوي للعقل والكلام والحس السليم، وينخرط المريض في هلاوس يُخلِّقها لنفسه ذاتياً، ويعيشها بصفتها واقعاً مُعاشاً.
هكذا، ففي كل عنفٍ من قبيل «المرور إلى الفعل»؛ في ممارسات القتل الجماعي، في أفعال الإذلال التي تتحدى الفهم، وفي التهليل الأخرق للمجازر وامتهانِ كرامة الإنسان، بل في كل موقفٍ ينطوي على استبعاد جذري للآخر، يمكننا تَصوُّرُ أن الأمر ليس ببساطةٍ أن المُرتَكِبَ فكر ولو لمرة، لطرفة عين، ثم خرجَ باستنتاجٍ مَفادُه زيفُ وبطلانُ الأوامر والنواهي الأخلاقية، والمحاذير الاجتماعية والقانونية، أو زيفُ فكرة أن قضاء مستقلاً فقط هو ما يضمن العدل.
وأكثرُ من أنَّ جملةَ الإيديولوجيا أو النظام الرمزي المحدد الذي تنتمي إليه هذه الضوابط والمحاذير مُستبعَدٌ أو مُتجاهَل، فالأمر أن فكرةَ وجود الآخرين، والحاجة إلى قانون، والوضع الوجوديَّ للإنسان في حضارة، أشياءُ «غيرُ واردة» في الحسبان، لـ«قلةٍ» في ماهية «التربية» ووظيفتِها التأسيسية لإدراج الإنسان في العالم الاجتماعي.
لكن الأمر، مرة أخرى، ليس ببساطةِ أن هناك مجموعة قابلة للعَدّ من غير المنضبطين في المجتمع.
ففضلاً عن أن التحليل النفسي للذُّهان يصفُ مستوىً مألوفاً من التجربة العادية، فعند تَأمُّلِ الأفعال التي تنم عن انعدام العقل الأخلاقي، تجد أن السلسلة السببية التي تفضي إلى تطبيع هذه الأفعال، سلسلةٌ شاملةٌ بشكل مُربِك.
ذلك أن هذه الذاتية المَذهونة هي الشرط النفسي الحديث. فنحن جميعاً بمعنىً ما، «الطغاة الصغار» والأبناء المُفسَدون أسرى وعدِ الحداثة بالحرية والتمكين، في ماهيتها كانفكاكٍ عن الماضي والتقاليد، وفي اختراعها الفرد كذات مستقلة،.. بل إن ظهور التحليل النفسي كنظرية وممارسة طبية، مع سيغموند فرويد مطالع القرن العشرين، كان نوعاً من تَدارُك آثار اضطراب الوظيفة الأبوية واختلال الأدوار الاجتماعية التقليدية الراسخة، في الحياة الحديثة.
«بالنسبة للذهاني فإن القوانين، وإن تكن توجد، فإنها تمثل مجرد قيدٍ تعسّفيٍ تفرضه سلطة خارجية ليس لها شرعية (..) ويُظهر بحث لاكان أن جميع الذوات الحديثة، تشترك في وهمٍ ذهاني، حيث يُلاحِظُ أن اعتبار المرء نفسه فرداً مستقلاً أمرٌ ضروري للذات الحديثة، ومع ذلك، فهذه الحرية وهمية بقدر ما تتصور الذات نفسها في علاقة خارجية مع القانون. هذا الوهم يضع الذات الحديثة في نفس القارب مع الذهاني، ويحرف مشروع الحرية». 4
حقوق الإنسان والتحليل النفسي
هناك تلك الملاحظة التي يوظفها سلافوي جيجِك، الناقد الثقافي السلوفيني والمُهتم بنظرية التحليل النفسي، بكثرةٍ في تحليلاته (في إحدى المقالات ينسبها إلى صديق من نيويورك)، حول أن حقوق الإنسان الحديثة تأخذُ، في مفعولها الواقعي، شكلَ حقوقِ مخالفةِ الوصايا العشرة: فالحق في حرية العقيدة هو مخالفة للوصية (لا تعبد إلهاً آخر)، والحق في الملكية الخاصة هو مخالفة للوصية (لا تسرق)، والحق في حرية الصحافة هو مخالفة للوصية (لا تكذب).. إلخ.
ويضيفُ جيجِك أن معنى هذه المُماهاة بين حقوق الإنسان وحقوق مخالفة المحظورات الدينية هو أن السلطة «لا تستطيع حظر الاستخدام ’السيئ‘ لحقوق الإنسان دون أن تكون قد حظرت هذه الحقوق نفسها». 5 يمكن فهم هذه الإشكالية من خلال شيءٍ مثل هَوَس النظام العسكري المصري بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، التي يُغيَّب باسمها أصحاب الرأي في السجون على أهون سبب، أو في التقديم المُهين بشكل مخصوص لـ(وسيم الأسد)، بعد اعتقاله من قبل السلطات السورية الجديدة، ومقطع الفيديو المُخجِل من سجنه: وسيم الأسد كتجسيدٍ للشرور، ليس فقط في موقعه المُفترَض من نظام الأسد، بل كشخص «غارق» في «الموبقات» من المنظور اللاهوتي- السياسي6 للحُكَّام الجدد، والذين، بمشيئةٍ منهم أو بدونها، كانوا بذلك يرسلون رسالةً خطيرة، رسالةً «أسدية» بامتياز، فحواها أنه في حالات معينة لا كرامةَ للشخص البشري! رسالةٌ لا شكَّ في الدور المباشر الذي لعبته وتلعبه في تأبيد دوامة العنف الأهلي والحطِّ من الكرامة، حيث – في مناخ مُحتقِنٍ ويَفتقر إلى ثقافة حقوق الإنسان – سيوجد سبب دائماً لنزع الإنسانية عن الآخر في أي سياق، طالما أنه، من حيث المبدأ، كرامةُ الإنسان ليست مطلقة.
وتتعلق الملاحظة هذه حول حقوق الإنسان، كما هو واضح، بحقوق المواطنة، المُكتسَبة بالانتماء بالولادة إلى الدولة القومية الحديثة، من حيث أن المواطنة هي المصدر الفعلي للحقوق، الأمر الذي أدركته حنة آرندت، في تأملها في محنة اللاجئين اليهود في الحرب العالمية الثانية.
من ناحيةٍ أخرى، لا ينبغي تجاهل ما في الملاحظة هذه من «تقليد» يساري تَنسِبُ نفسها إليه، ويعود إلى الكتابات الماركسية الكلاسيكية، في اختزال الثورة الفرنسية، ومُنجزها للحداثة السياسية 7 في أواخر القرن الثامن عشر، في بُعدها الطبقي كثورة البرجوازية، والقومية العَلْمانية كإيديولوجيا المقاومة خاصتِها لتوحيد ودمج الفئات الاجتماعية في جبهة قومية ضد العالم القديم للأرستقراطية والكنيسة؛ تقليدٌ حيث يُصار إلى نقد المفاهيم الحديثة للمساواة والحق في المُلْكية، وحريات الحركة والتجارة.. إلخ بوصفها ضمانة للامتيازات، وللتغطية على الانعدام الفعلي للمساواة والعدالة الاجتماعية. 8
كذلك ليس على المرء النزوع إلى تجاهل ما في هذه النظرة من فرويدية مبتذلة، تُعيد كل ضروب النشاط الحضاري والتسامي الإنساني إلى «أسرار» جُوّانية بمحتوىً لاأخلاقي.
ولكن ما قد يكون مفيداً لتأمُّله في هذه الملاحظة، في فرويديتها بالتحديد، أن فرويد كان على أية حال، هو من وفّرَ الإطار النظري لتخطّي العُصاب الحديث، ولفهمٍ أعمقَ للطبيعة البشرية، وقدم مجازاتٍ فلسفيةً حاسمةً أتاحت استيعاب جوهريّة «الحق في الخطأ»، كلحظة تأسيسيةٍ للذات، حيث يرى الفيلسوف والتربوي الفرنسي لوك فيري، أن «الانتقال في التعليم الفرنسي من التعليمة التربوية الجمهورية، المرتبطة بنقد التراث والإيديولوجية الاجتماعية: صِرْ شيئاً آخر غيرَ ما أنت عليه؛ إلى التعليمة بعد الحداثية: صرْ ما أنت عليه» يعود إلى المنجَز التقدمي للمتن النقدي الفرويدي والنيتشوي.
فحين سأل فرويد نفسه كيف أنجزَ الإنسانُ طفرة تَفرُّده بين الأنواع، ولدى تأمله في عبادات القبائل البدائية، على النحو الذي أوضحه في عمله الطَّوطَم والتابو أو المقدَّس والمحرَّم، اقترحَ أنَّ البشر عاشوا في وضع الحشد البدائي الذي يحكمه أب بدائي وهمجيّ، يحتكر السلطة المطلقة والمتعة غير المقيدة، إلى أن يتآمر الأبناء الذكور لقتل الأب، في فعل رآه فرويد تأسيسياً لأنظمة الوعي الأسطوري، حيث ستقود ندامة الأبناء في اللاحق من أيامهم إلى قواعد تحريم القتل وكلّ ما من أجله قتلوا الأب، لتكون هذه التحريمات هي المشتركات الأولى التي ينبني عليها إمكان الحضارة، وستنشأ العبادة البدائية للسلَف المقتول، المجسَّد في طوطم (وثن) يمثل إله القبيلة ويُنصَب في ساحتها، ويكون للقبيلة نظامٌ من المعتقدات المقدسة، لمقاربة الوجود مقاربةً أخلاقية. «يفهم فرويد أن الأب مقتولاً أقوى منه حياً (..) يستحوذ داخلياً عن طريق التحريم المترسخ في الأنا الأعلى، منتجاً شعوراً دائماً بالذنب يقودُ الحضارة». 9
من ناحية أخرى، ورغم كونها جاءت لاحقة على الثورة الأميركية وكتابة الدستور الأميركي، فلعديدٍ من الأسباب يميل المؤرخون لاعتبار الثورة الفرنسية البداية الرسمية للعصور السياسية الحديثة.
والحداثة السياسية الفرنسية، فيما هي عليه كمشروع قطيعة طموحة طرحت لأول مرة أفكار الحقوق الطبيعية، والمواطنة الحديثة والشرعية الشعبية، كانت تنطوي على «تخريب» خلّاق للأنا الأعلى -الموروث من مأساة الأب البدائي، في كونه ذلك الدافعَ المتناقض لخرق قانون الأب الذي يُقيِّدُ الذات، والتكفير عن هذا الخرق بالتماهي مع الجماعة الخاصة، 10 إذ تَرفَعُ عالميةُ حقوق الإنسان الحقَّ في عدم الانتماء إلى القانون الخاص بالجماعة، إلى مرتبة الحق الطبيعي المكفول بالقانون المدني.
وفي هذه النقطة يكمن الخلل في ما يتعلق بالحداثة السياسية العربية، حيث يُفترَضُ تمامُ حلولِ القانون المدني للدولة محل المرجعيات الأخرى، وهي المهمة التي لم تستطع الدولة العربية الحديثة إنجازها: «فلئن تمت إقامة الدولة الحديثة في المجتمعات المسلمة، فإنها لم تَقُم في معظم الحالات بتحطيم التنظيمات التقليدية العائلية والعشائرية، بل استُنبتت فيها، وخلخلتها، وتآلفت معها، لكنها لم تستطع احتكار سلطة القانون التي تمكنت الدولة من احتكارها في المجتمعات الحديثة. وبالمثل، فإن عَلْمنة 11 المُحرَّم لم تحدث إلا جزئياً فحسب، ولم تصل إلى عمق البنى الذاتية (..) إنها حداثة ظل، أو بالأحرى تحديثٌ لاواعٍ بالنسبة للغالبية، فعملُ الثقافة 12 الحديث لم يتقدم بنفس وتيرة التحول المادي لذلك العالم، بل إن حقيقة أن يظل التحليل النفسي مُتلجلِجاً في العالم المسلم، حتى حين يتعلق الأمر بمجتمعات قريبة من أوروبا، هو من أعراض هذه الحالة، كما لو أن الفرد المسلم غير قادر على النفاذ إلى جهاز قراءة تتوافق مع ظروف نفسه الراهنة». 13
حقوق الإنسان شرطُ إمكان وطن ومواطَنة
«ليس لدينا براميل، يبدو الأمر كما لو أنك تتحدث عن أدوات المطبخ»، قال بشار الأسد لصحفي بي. بي. سي الذي كان يسأله حول البرميل، الابتكار الذي أدهشَ العالم بوحشيته وبدائيته، كسلاحٍ مخصص لتدمير الأحياء السكنية المكتظة (مع البقايا المعدنية الحادة ليقضي بها من فوّته التفجير). وهذا الأسلوب في الإجابة، والذي استفرد بإدارة بلادٍ وتشكيل فكرِ ونفوسِ أفرادٍ ومجتمعاتٍ بأكملها، اسمه ببساطة الإنكار، سواء خاضه المرء داخل نفسه أو إزاء سؤال صحفي، وبصرف النظر عن مدى إجادته الإنكار.
أما اليوم فنفسُ البلد تتمتع بحكومةٍ لديها «انتهاكات» لتعترفَ بها كل مطلعِ صباح، وذلك -وإن يكن ليس بتلك الروعة- يبقى مما ليس لنا أن نستخفَّ به.
فالثورات تنتصر من خلال هزائمها، وتُحقِّقُ مكاسب ضئيلة في معارك ملحمية لا تنتهي، كما خلصت إليه روزا لوكسمبورغ، وإذا كان من مُكتسَبٍ وحيد تَحقَّقَ بإسقاط الزمن الأسديّ فهو هذا: حَسمُ الاعتراف بالشعب السوري كفاعلٍ سياسي، والذي إرادتُه الثورية هي مصدرُ شرعيةِ السلطة. اعترافٌ يحدد مشروطيةً ما، مهما تكن واهية، وإذا لم تكن هي عينَ سلطةِ الشعب –وهو المعنى الحرفي للديمقراطية- إلا أنها المبدأُ الذي يحفزها.
وبينما في الممارسة العملية فإن «الأمويين» (بالدلالة الطائفية للكلمة) هم المتمتعون بامتياز المواطنة الفعلية الكاملة اليوم، فإن اعتراف الدولة النظريّ بنا – نحن غيرَ الأمويين – هو ما يُمكِّنُ من توسيع دائرة الحكم على المدى الطويل.
ففي خلاصات المفكر الفرنسي جاك رانسيير، في تأريخه لواقع نشأة الديمقراطيات الحديثة، ساجلَ ضدَّ تبرير الإيديولوجية الليبرالية لظهور الديمقراطيات التمثيلية representative democracy، والتي يُزعَم أنها تنشأ من صعوبةٍ في المجتمعات السياسية الكبيرة لتنظيم الديمقراطية المباشرة (حيث يناقش المواطنون جميع القرارات ويُصوِّتون عليها)، الأمر الذي فرضَ ابتكار آلية التمثيل عبر انتخاب الشعب لمندوبيه إلى البرلمان.
مُتَّخِذاً من تطور النموذج البريطاني مثالاً، بيّنَ أن الديمقراطية التمثيلية إنما تبدأ كأوليغاركية (حُكم قلّة متنفِّذة فوق القانون) وتتوسع بالنضالات المتراكمة، حيث كان الحق في الترشح للهيئة التشريعية مُقتصِراً على النبلاء، ثم التجار، ثم من يمتلك منزلاً.. وهكذا. لا تتوقف هذه العملية عن التطور، بل إن الديمقراطية هي هذه العملية لتوسيع الهيئة الحاكمة بالإفادة من التناقض المُنتِج الكامن في معنى الديمقراطية نفسها، من حيث هي حُكم الشعب، واستحالة حكم الشعب دون أن ينهار النظام، بالنظر إلى أن الشعب كَثرةٌ من المصالح والأفراد وليس وحدة، وأن حكمه الكامل هو نفيٌ للحكم (أناركية). سيكون على السلطة دائماً إيجاد تسوية، واسم هذه التسوية هو الديمقراطية بقدر استيعابها للخلاف، حيث الاعترافُ المبدئيُ للدولة البرجوازية الحديثة بالمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان العالمية، هو ما يتيح لغير المُتمتعين بالمواطنة الفعلية – من خلال وعيهم بحقوقهم وتصرفهم كمتساوين – «بناء خلاف ضد حرمانهم من الحقوق المُقرَّة لهم، وبالتالي امتلاكهم للحقوق التي لا يملكونها».
«اقترحَ رانسيير حلاً دقيقاً للتعارض بين حقوق الإنسان التي تنتمي إلى الإنسان الطبيعي، وبين تسييس المُواطَنة، فبينما لا يمكن اعتبارُ حقوق الإنسان معطىً متعالياً على التاريخ، لا ينبغي أيضاً رَفضُها باعتبارها نتاج عمليات تاريخية ملموسة لتسييس المواطنين. (..) فبعيداً عن كونها قبلَ سياسية، تشير حقوق الإنسان العالمية إلى الفضاء الدقيق للتسييس. إنها تُمثل الحق في العالمية بحد ذاتها، أي حقَّ الفاعل السياسي في تأكيد عدم توافقه الجذري مع هويته الخاصة، وفي تأكيد نفسه كوكيلٍ لعالمية المجتمع (..) وفي اللحظة التي نحاول فيها تَصوُّرَ الحقوق السياسية للمواطنين دون الإحالة إلى حقوق الإنسان العالمية، فإننا نفقد السياسة نفسها، ونختزلها إلى لعبة للتفاوض على المصالح الخاصة». 14
والفكرةُ التي يُشير إليها جيجك في السطور السابقة، هي التي يُفصِّلها رانسيير على هذا النحو: «حقوق الإنسان هي حقوق الشعب، والذي هو الاسم العام للفاعلين السياسيين. تكمنُ قوة هذه الحقوق في الحركة المستمرة بين النقش الأساسي للحقوق والمسرح الخلافي الذي يضعها تحت الاختبار. ولهذا السبب كان الأفراد الخاضعون للدستور السوفييتي قادرين على الإحالة لـ حقوق الإنسان معارضينَ للقوانين التي تنفي فعاليتها، ولهذا السبب أيضاً يمكن الاحتجاج بها من قبل مواطنين لدولٍ يحكمها قانون ديني، المهاجرين غير الشرعيين المَحجوزين في مناطق العبور في الدول الغنية، أو في معسكرات النازحين. عندما يمكن لهذه المجموعات ـ ودائماً يوجد أفراد منهم يفعلون ذلك ـ أن تستخدم هذه الحقوق لبناء اختلاف ضد حرمانهم من حقوقهم المقرَّة لهم، هم يحملون هذه الحقوق. أنت مُجبَر على الزعم بأن الحقوق الفعلية هي في الواقع حقوق معطاةٌ للمواطنين من قِبَل دولهم، نتيجةً لانتمائهم لها، وأن ضمان هذه الحقوق مرتبط بحمايتها من قبل الدولة، لو فَرضتَ بأن هذه الحقوق تنتمي لذوات ثابتة أو دائمة، وهذا الافتراض يجبرك على إنكار حقيقة كل الصراعات الواقعة خارج إطار الدولة الوطنية الدستورية (..) ولكن عملية التعرُّفِ على ذات حقوق الإنسان من خلال ذات المحرومِ من حقوقه هي أيضاً، ودائماً، إعادةُ تعريف للمجال السياسي. نعْرِفُ هذه العملية اليوم باسم الخلاف La mésentente، الذي يتخطى معناه المحاولة البسيطة لحل النزاعات السياسية حلاً عقلانياً وعملياً، من خلال مظاهر من التفاوض والاتفاق الذي تحصل من خلاله كل مجموعة على أكبر حصة ممكنة عند أخذ مصالح المجاميع الأخرى بعين الاعتبار. يتكون الاتفاق من محاولة رفض السياسة، عبر طرد الفاعلين ’الزائدين‘ واستبدالهم بشركاء حقيقيين، فئات اجتماعية وهوياتية، وهكذا دواليك. النتيجة هي، أن تتحول الصراعات إلى مشاكل تُحَلُّ بالخبرات المُتعلَّمة وتنظيم المصالح المُتفاوَض عليها. بهذه الطريقة، فإن الحقوق ’التجريدية‘ المُدَّعاة للإنسان والمواطن، تتحول إلى الحقوق التي تملكها مجموعات تحمل هويةً ثابتة ومكانةً مُعترَفاً بها في المجتمع، والاختلاف السياسي حول المشاركة في المشترك العمومي يتم اختزاله إلى توزيعٍ يحصل فيه كل جزء من الكل الاجتماعي على حصته التي يستحقها (..). إن التوافق هو العملية المُسبِّبة للتقلص المستمر للمساحة السياسية في الوقت الحالي. فالمساحة السياسية تظهر فقط في الهُوّة بين الحرْفية التجريدية للحقوق، والجدل حول التحقق منها. هذا التقلُّص حدثَ لدرجة أن تظهر هذه الحقوق على أنها في الواقع فارغة، لا تحمل أي فائدة بالنسبة لنا. وعندما تكون تلك الحقوق بدون فائدة، عندها وكما يفعل الأفراد الخيّرون بأغراضهم القديمة، فإنها تُعطَى للفقراء. تُبعَث خارجاً مع الأدوية والملابس لأناسٍ محرومين من الأدوية والملابس، والحقوق. ونتيجة لهذه العملية، فإن حقوق الإنسان تصبح حقوق من لا يملكون حقوقاً، حقوق الإنسان المُجرَّد من المواطنة، الذي تعرَّضَ للقمع وظروفِ الحياة غير الإنسانيتين، حقوق من لا يستطيعون ممارستها. مع ذلك، فإن هذه الحقوق ليست فارغة؛ فالمسميات والمواقع السياسية لا يمكن أن تصبح أبداً مجرد فراغ، فالفراغ يملؤه دائماً شخصٌ آخر؛ ومن خلال تَحوُّلِها لحقوقِ من لا يستطيعون تفعيلها، فإن حقوق الإنسان لا تصبح لاغيةً أو فارغة. لو لم تكن هذه الحقوق بالفعل حقوق هؤلاء الضحايا، فإنها يمكن أن تصبح حقوقاً لآخرين». 15
من حيث هي القوة التي تحْمِلُ المُواطَنة إلى الوجود، و«الفضاء الدقيق للسياسة» الذي دونه تُختزل السياسة إلى تدبير سلطوي، فالعملُ لتكريس حقوق الإنسان ليس مجرد نشاط خيري عَلماني ما، بل هو شرطُ تفكيك الأغلبيات والأقليات الطائفية، وشرطُ تشكيل الأغلبية الديمقراطية حول برامج وقضايا دنيوية. وفي السياق السوري، نتحدث عن العمل من أجل الحقوق المضمونة بالقانون في اختيار أسلوب الحياة، والمساواة القانونية بين الرجل والمرأة، حقوق الأطفال في طفولة سعيدة وآمنة حيث تُحترَم إنسانيتهم وتُرعى وتنمَّى، وقضايا إشكالية في المجتمعات المُحافِظة مثل علمنة قوانين الأحوال الشخصية، وإلغاء عقوبة الإعدام، وبطبيعة الحال حقوق جميع المواطنين المكفولة في حرية الفكر والرأي وفي الفُرَص المتساوية، وفي التنظم والاحتجاج السلمي من أجل تحصين حقوقهم وتوسيعها، لما فيه ازدهار سيادتهم على حياتهم في بلادهم.
هذه الحقوق هي إما مُمتلَكة بالفعل (حقوق الإنسان كامتياز برجوازي)، أو مُتاحة لتملُّكها من بوابة الوعي بها «فالأسماء والمواقع السياسية لا تصبح أبداً فارغة».
وفي حادثة التفجير الإرهابي في كنيسة مار الياس في حي الدويلعة بدمشق، لم يَعْدَم المسيحيون السوريون التضامن الشعبي الواسع معهم، وما كان قيدَ الممارسةِ من خلال هذا التضامن هو أغلبيةٌ ديمقراطية فعلية، تؤيد الحق في حرية المُعتقَد للمسيحيين. فإذا كانت الحقوق المُنتزَعة بالممارَسة يُحال بينها وبين تَحوُّلِها إلى أغلبية ديمقراطية مُرجِّحة وصانعة لاستحقاقات وطنية، فإن ذلك عَرَضٌ لمشكلةٍ تتعلق بالخطاب، بالفهم اللاكاني التحليلنفسي للخطاب كرابطةٍ اجتماعية (نفسية- لغوية).
في نظريته حدَّدَ لاكان أربعة خطابات تصنع المجال الاجتماعي الحديث، هي خطاب السيد، خطاب الجامعي، خطاب الهستيري، وخطاب المُحلّل.
تُشتهر عن فرويد، في معرض تقديم اكتشافه اللّاوعي، عبارةٌ تحمل تشبيهاً أدبياً، أن «الأنا (أو الوعي)، ليس سيداً في منزله»، (ليس «مثلَ» سيدٍ في منزله)، بمعنى أن العقل ليس في وضعٍ من الحرية والسيادة كما يُظَنّ، وأنه نتيجة جانبية لعمليات نفسية عميقة خافية، هي الموقع الفعلي للذاتيّة.
و«خطاب السيّد» في مفاهيم التحليل النفسي هو الخطاب المُؤسِّس، والرابطة الاجتماعية الأكثر عمومية ورسمية، التي تعطي الحق في الكلام، وهو متجذرٌ تاريخياً في المثالية الحداثية، والنبرة اليقينية والنهضوية للبدايات المبكرة لتَشكُّل المجتمعات السياسية للدولة- الأمة الحديثة، ويجسِّدُ الإرادة المباشرة لعقلنة وتنظيم الواقع الخام، ويبدأ واقعاً معقولاً من الاستقرار الاجتماعي والأيديولوجي: «لا يمثل خطاب السيد السيدَ ما قبل الحداثة، بل يمثل المَلَكية المطلقة لحقبة الحداثة المبكرة في أوروبا، التي قوّضت شبكة العلاقات الإقطاعية مُحكمَةِ الترابط، مُحوِّلةً الولاء إلى نفاق. إنه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، في قولته الشهيرة: الدولة هي أنا». 16
هو ليس خطابَ النبالة للعالم القديم ولا ذاتَ النظام الاجتماعي للأزمنة قبل الحديثة، بل هو الخطابُ الذي يُضفي الموضوعية objectivize على هذه النبالة. إنه مشروع الحداثة الأولى لإتقان الذات والتحكم بالطبيعة، وتَصرُّف السيد البرجوازي أمام البؤس البنيوي للنظام الاجتماعي المُتقادِم للقرون الوسطى، وقوله «هذا غير مقبول!» مُنطلِقاً من ذاته. ينتظر الفارس القديم التأكُّدَ من مصادقَة الذات العليا على سلوكه –حيث الذات، أو الفاعل subject مفهومٌ فلسفي وسياسي حديث، قبلَ ذلك فالذات هي الذات الإلهية، والحياة الدنيوية تَجلٍّ لهذه الإرادة- أما خطاب السيد فيتصرف فيه «السيد»، حين يتصرف، كذات، كالفاعل السياسي الحديث المبكِّر: «الدولة/الشعب/المواطن هو أنا».
وتنشأ الخطابات الثلاثة الأخرى من الاضطراب المحتوم لخطاب السيد -كونه ينكر الافتقار الفعليّ إلى السيادة التامة- حيث يَستبدِلُ خطابُ الجامعي ذاتَ السيّد كفاعلٍ للخطاب بذاتِ المعرفة العلمية وقيمها (النظام، الصواب) ويتكلم بلغة الحقائق الموضوعية الباردة، وهو خطاب مهيمن في الحداثة، بينما يضع «الهستيري» السيدَ في موضع المساءلة والتشكيك: «تقولون كذا، ولكن ما نراه كذا»، مُجبِراً «السيد» على الوفاء بالتزاماته، وتقديم حلول وإجابات، ومُشيراً إلى افتقاره وتناقضه، وفي ذلك تكمنُ قوته التقدمية، فهو خطاب الثورة والاحتجاج، لكنه محدود بمحافظته، إذ يتمنى لو يكون السيدُ سيداً حقيقياً، في حين يُفترَض بخطاب المُحلِّل، في أخذه اللاوعي والحقيقة الذاتية في الاعتبار، أن يُمثل النفي الحقيقيّ لخطاب السيد، لقدرته على الإضاءة على بُعد الرغبة، والإجابة على سؤال لماذا تحدث الأشياء على هذا النحو، وبالتالي إتاحة التغيير.
ويكتسب خطاب السيد أهمية في السياق المعاصر لهيمنة «خطاب الرأسمالي»، الذي أشار إليه لاكان في المرحلة الأخيرة من تعليمه، وهو خطابٌ لا يمر باللغة وبالآخر، وبالتالي «ليس جزءاً من نظرية الخطاب كرابطة اجتماعية»، يتقنَّعُ بشعارات المتعة والحرية الفردية النيو ليبرالية، تحتل فيه السلعة مكان السيد، 17 ويصنع إنساناً سلبياً وتابعاً. كان خطاب الرأسمالي استجابةَ المنظومة الرأسمالية العالمية لأزمة خطاب السيد بعد الحرب العالمية الثانية، التي، بفظاعاتها وأهوالها، عرّت الذات والقيم التقليدية للعائلة والمجتمع السياسي للغرب الحديث، إلى غير رجعة. يُعرَفُ عن لاكان تصريحه المثير للجدل، لثوار جيل الطلبة الذي قاد حراك عام 1968 في فرنسا بتحرريته الاجتماعية والثقافية غير المسبوقة: «بقدر ما أنتم ثوريون، أنتم هستيريون تبحثون عن سيد جديد، وسوف يكون لديكم سيد جديد».
أنّ قانوناً ما يجب أن يسود، هذا ربما أهم ما يمكن أن يفيدنا به التحليل النفسي في عالم اليوم الصاخب والمضطرب، ودون ذلك فما يوجد هو الغابةُ لا الحضارة. وإذا كان النموذج الأصلي للقانون هو شخصية الأب، فإن من شأن هذا أن يدفعنا إلى التفكير في الأبوية من منظور التماسك المجتمعي. وبكلمات المُحلِّل النفسي، التونسيِّ فتحي بن سلامة: «إن عالماً مُعَلْمَناً وديمقراطياً يُعترَفُ فيه بالحقوق الإنسانية لكل فرد، بمعزل عن أصله وفصله، هو ما يوفر إمكانية ارتدادٍ عن أبِ النظام الأبوي، ولا يتعلق الأمر بمجتمع دون أب، كما كان يُعتقَد لبعض الوقت، بل بالآباء الذين نعتمد عليهم لنكون قادرين بعدها على الاستغناء عنهم في العيش المشترك، أي سياسياً..». في نتائجه السياسية، لا يعني هذا شيئاً آخر أكثر أو أقل من المواطنة المتساوية الحقة، وحقوق الإنسان وسيادة القانون الذي يحمي هذه الحقوق.
داعياً إلى تدقيق الحكمة القديمة التي تُمكِّنُ العقلَ الإبادي، يلفت جيجك غيرَ مرة إلى الافتتان المُوثَّق للقادة النازيين بالروحانية الهندوسية، وبالتحديد بـ البهاغافاد غيتا (نشيد الإله)، النصِّ ذي المكانة الخاصة في الثقافة الهندية، والذي يروي حديثَ سائقِ العربة الحربية الإله كريشنا إلى صديقه أرجونا المحارب الخيِّر، الذي لديه شكوكٌ في مدى أحقيته بقتال «أقاربه ومعلميه» في معركة كوروكشترا الملحمية، ليُقنعه بأنَّ ليس له أن يتخلى عن القيام بواجبه قُبيل المعركة.
لكن الحقائق الروحية التي يزخر بها التراث الديني للشعوب دائماً ما تكون موضوعاً لسوء الفهم عند طالبي الذريعة، كما تكون مصدراً لإلهام الحياة الطيبة لكثيرين غيرهم. وفي قصة البهاغافاد غيتا ما هو جِدُّ ملهم، في مجاز المعركة كمجاز سيكولوجي- فما أكثر الصراعات التي يخوضها المرء بينه وبين نفسه وفق نفس الإحداثية: حيث لاعتبارات راحة البال والخوف من التغيير الجذري، كثيراً ما يُحجِمُ المرء عن فعل ما يعرف –نظرياً- أنه الصواب..
وحكمة البهاغافاد غيتا هي حكمة «خطاب السيّد»، التي أحرى بها حَفزُنا على التفكير بالمواطَنة ذاتياً، وتَحسيسنا بالمسؤولية المجتمعية: يكشف اللورد كريشنا عن منظور الخطة الإلهية – ما يسميه الفلاسفة العقل الكوني – الأوسع من مَدارِكنا، ليخبر أرجونا أنه ليس للمرء أن يتخلى عن أداء الواجب الذي وضعته ظروف حياته أمامه، لأسباب اجتماعية أو لأسباب تخصُّ خَلاصه الروحي، لأن لا وجود لمجتمعٍ بدون الدارما (الفضيلة)، ولأن الدارما 18 تفقدُ معناها إذا لم يُدافع عنها أحد، ولأن قيام المرء بواجبه جزءٌ من «خلاصه».
1.– «بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة: مقابلة مع أندريه كونت- سبونفيل»، موقع مغرس.
2.Slavoj Zizek, You May!, London Review of books.
3.Wikipedia, Name of the Father.
4.The Psychosis of Freedom: Law in Modernity, Todd McGowan.
5.Slavoj Zizek, You May!, London Review of books.
6. اللاهوت السياسي مفهوم طوره الفيلسوف من عصر النهضة باروخ أسبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت السياسي)، الذي يعد من مراجع الفكر السياسي المعاصر، وبياناً مبكراً وريادياً للمطالبة بحياد الدولة تجاه الدين، والمناداة بحماية حرية الفكر والمعتقد والرأي، وعنى أسبينوزا باللاهوت السياسي توظيف السلطات للقيم والمشاعر الدينية للتحكم في الحياة السياسية.
7.«منذ صدوره عام 1789 وحتى يومنا هذا ظلَّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن الأساس لكل الدول الديمقراطية (..) والتفريقُ في العنوان بين الإنسان والمواطن أمرٌ ملفتٌ للنظر، لأنه يعني أنه يتم التفكير بالإنسان بعيداً عن علاقته بالدولة، وأن المسألة الأساسية هي حقوق الإنسان تجاه الدولة أكثر مما هي واجباته كمواطن فيها، والإعلان بذلك أكثر ليبرالية بكثير من (نظرية) العقد الاجتماعي، الذي يتطلب استغناءً عن حقوق الإنسان لصالح الجماعة العامة». من هيغل إلى نيتشه، دراسات حول تاريخ العالم المسيحي- البرجوازي، الجزء الثاني، كارل لوفيت، ترجمة: ميشيل كيلو، سلسلة دراسات فكرية، منشورات وزارة الثقافة السورية 1988، ص (10).
8.«اكتشفَ ماركس، على أرضية الحركات الاجتماعية التي أعقبت الثورة الفرنسية أن «حقوق الإنسان» ليست حقوقاً إنسانية عامة على الإطلاق بل هي امتيازات برجوازية (..) يفترض إعلان حقوق الإنسان وجودَ الإنسان الخاص للمجتمع البرجوازي، أي البرجوازي بوصفه الإنسان الحقيقي والأصلي، فهذا الإعلان ما يزال أسيرَ روحية النضال ضد النظام الإقطاعي، وهو «بعيدٌ كل البعد عن فهم الإنسان ككائن نوعي، ويبدو منه بالأحرى أن حياة النوع ذاته، أي المجتمع، هي الإطار الخارجي بالنسبة للأفراد، وهي القيد على استقلاليتهم الأصلية، أما الرباط الوحيد الذي يبقيهم مع بعضهم فهو الحاجة والمصلحة الخاصة». المصدر السابق، ص (17- 18).
9.النسوية التحليلية النفسية، إميلي زاكين، ترجمة هويدا الشوفي، موقع حكمة.
10.بينما في نظرية فرويد فإن الأنا الأعلى مرادفٌ للضمير الأخلاقي، في نظرية لاكان فإن الأنا الأعلى هي الوكالة النفسية التي تُكرِّسُ وتُطبّع التبعية القمعية واللاواعية للنظام الاجتماعي، وأمر الأنا الأعلى الفعلي حسب لاكان هو الأمر المطلق بالتمتع لأجل التمتع: «استمتع!»، الذي تقود تلبيته إلى إثارة مشاعر الندم غيرِ العقلاني. الأنا الأعلى هو الشعور بالحنق لعدم التمتُّع، ثم الشعور بالذنب بسبب التمتُّع.
11.المقصود بعلمنة المُحرَّم هو تعويض المرجعية الأخلاقية لمنطق التحريم الديني بقيمة القانون، وبالفهم العقلاني المُعمَّق للأخلاق. وخلافاً لفهمٍ شائع، لا يُشتق لفظ العَلمانية من كلمة (عِلم) بل من كلمة (عالَم)، ويشير بالأصل لفئة كنسية في العصور الوسطى حيث هناك نوعان من الرهبان، النظاميين regular المتفرغين للتنسُّك والإشراف على الطقوس الدينية، والعَلْمانيين secular المنوط بهم إدارة علاقة الكنيسة بالعالم الدنيوي، والمرادف الأنسب هو (الدنيوي) كمقابل لـ (الديني). المصدر: العَلمانية: تشعب المفهوم وزئبقية الدلالة، وحيد الهنودي، موقع حكمة.
12.عملُ الثقافة مفهومٌ فرويدي يشير إلى الآليات الشاملة الخاصة بكل حضارة ومجتمع، لتنظيم الدوافع الغريزية للأفراد وتلطيفها وإضفاء الطابع الاجتماعي على الحياة النفسية.
13.فتحي بن سلامة، الإسلام في ضوء التحليل النفسي، ترجمة محمد الحاج سالم، موقع الأنطولوجيا.
14.The Obscenity of Human Rights: Violence as Symptom, Slavoj Žižek, Libcom.org.
15.من النص المترجم إلى العربية تحت عنوان: (من هو موضوع حقوق الإنسان؟)، جاك رانسيير، ترجمة حسين قطان، موقع حكمة.
16.Jacques Lacan’s Four Discourses, Slavoj Zizek, Lacan.com.
17.Discourse, No subject, Encyclopedia of Lacanian Psychoanalysis.
18.تصنف الديانات الهندية –الهندوسية والبوذية والجاينية والسيخية- معاً عائلة الديانات الدارمية، والدارما كلمة تعني حرفياً الطريق، واصطلاحياً التزامَ حياةٍ أخلاقية، وهي ثالثة أربع غايات للحياة البشرية في الفلسفة الهندوسية: الوفرة artha، والمتعة kama، والصلاح dharma، والخلاص moksha.
موقع الجمهورية



