سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالان تناولا العلاقات السورية السعودية

 السعودية وسوريا.. هندسة الاستقرار في زمن التوازنات الجديدة/ بشار الحاج علي

2025.11.19

لم تعد الأزمات في الشرق الأوسط مجرّد وقائع سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى اختبارات لقدرة الدول على الحفاظ على توازنها في عالمٍ متحوّل. والمملكة العربية السعودية، التي أثبتت خلال العقدين الماضيين قدرتها على صياغة سياسة خارجية متماسكة تقوم على الواقعية والحذر الفعّال، تُعيد اليوم تعريف حضورها في واحدٍ من أعقد ملفات المنطقة: سوريا.

منذ اندلاع الأزمة السورية، تمسّكت الرياض بموقفٍ ثابت يرفض الفوضى ويصون مبدأ الدولة. لم تُغرِها العواطف الثورية ولا الحسابات الآنية، بل أدركت منذ البداية أن انهيار سوريا سيخلق فراغاً جيوسياسياً لا يملؤه إلا النفوذ الأجنبي. لذلك دعمت المملكة الحلّ السياسي وفق قرارات مجلس الأمن، وأصرت على أن أي مستقبلٍ مستقر لا يمكن أن يُبنى على أنقاض المؤسسات الوطنية، مهما كان شكل السلطة أو موازين القوى.

لكن اللحظة السورية تغيّرت مع التحوّل السياسي في ديسمبر 2024، حين دخلت البلاد مرحلة جديدة أنهت حقبة الجمود وفتحت الباب أمام إعادة التموضع العربي والدولي. تعاملت الرياض مع هذا التحوّل بدقة الدولة لا بحماس اللحظة؛ لم تُبدّل ثوابتها، بل أعادت صياغة أدواتها، فانتقلت من موقع المتفرّج الحذر إلى موقع الفاعل المتزن الذي يسعى لترميم التوازن المفقود بين الداخل السوري وامتداداته الإقليمية.

إن جوهر المقاربة السعودية بعد 2024 يقوم على معادلة واضحة: الانفتاح المسؤول مقابل السيادة السورية الكاملة، وهي معادلة لا تقوم على المحاور بل على المصالح المشتركة. فالمملكة لا ترى في دمشق اليوم مجرد ملف سياسي، بل ركيزة للأمن العربي ومساراً ضرورياً لإعادة تعريف مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة. لذلك كان التحرك السعودي الأخير تجاه سوريا متعدّد المستويات، دبلوماسياً وإنسانياً وتنموياً، يهدف إلى دعم استقرار الدولة لا شخص الحاكم.

من الناحية الدبلوماسية، عززت المملكة حضورها عبر شبكة علاقاتها المتينة مع واشنطن وموسكو وبروكسل، ونسّقت في الوقت نفسه مع القاهرة وأبوظبي وعمّان لضمان مقاربة عربية موحّدة تعيد لسوريا مقعدها الطبيعي ضمن محيطها. غير أن الملف السوري لا يمكن فصله عن المعادلة التركية التي تبقى عنصراً فاعلاً في الميدان والسياسة.

لقد فهمت الرياض أن أنقرة – رغم تناقضاتها – لاعب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سورية. فوجودها العسكري في الشمال السوري، وتأثيرها على المعارضة، وعلاقتها المعقّدة مع موسكو وواشنطن تجعلها شريكاً لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مقبلة.

لذلك تبنّت المملكة سياسة تقوم على إعادة ضبط التفاعل مع تركيا لا على عزلها؛ فهي تدرك أن الصراع مع أنقرة يطيل عمر الأزمة، أما الحوار معها فيفتح المجال لتفاهمات إقليمية توازن المصالح وتخفف من حدّة الاستقطاب الذي أنهك المنطقة طوال عقدٍ كامل.

وفي السياق ذاته، تراهن الرياض على أن التحوّل التركي الأخير نحو السياسة البراغماتية – بعد سنوات من التصعيد – يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء تفاهمات إقليمية جديدة، يكون محورها استقرار سوريا وعودة مؤسساتها. فالتقاطع السعودي–التركي في ملفات الاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي يمكن أن يُترجم إلى تفاهم عملي حول المستقبل السوري، بما يضمن وحدة الأراضي السورية وعودة تدريجية للسلطة المركزية عبر ترتيبات أمنية متفق عليها.

الجانب الإنساني لا يقلّ أهمية في الرؤية السعودية. فالمملكة التي تصدرت المساعدات الإنسانية منذ بداية الحرب، انتقلت الآن من الإغاثة إلى مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية ما يزال من أبرز الجهات التي تعمل في المناطق السورية الأكثر تضرراً، والاتجاه الجديد يركّز على التعليم والصحة والبنية التحتية، تمهيداً لمرحلة عودة اللاجئين واندماجهم في دورة الحياة الوطنية. ذلك أن الرياض تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره شرطاً لوقف تدفق اللاجئين نحو الجوار والعالم، وبوابةً لإعادة توازنٍ اجتماعي طال انتظاره.

في المشهد الدولي، يدرك صانع القرار السعودي أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تنجح من دون توازن دقيق بين القوى الكبرى. فروسيا تملك مفاتيح التأثير الأمني والعسكري، في حين تمسك الولايات المتحدة والأوروبيون بأدوات الضغط المالي والسياسي. وهنا تلعب المملكة دور الوسيط المرجعي، مستفيدة من موقعها كحليفٍ تقليدي لواشنطن وشريكٍ منفتح على موسكو، لتقريب الرؤى وفتح مسارات تفاوض غير معلنة بين الفاعلين الدوليين حول مستقبل سوريا ما بعد الصراع. وفي هذا الدور، تبدو السعودية الطرف العربي الوحيد الذي يستطيع الحديث مع الجميع من دون أن يُتهم بالانحياز.

تستند هذه السياسة إلى مبدأ سعودي أوسع يمكن تلخيصه بعبارة: منع الفوضى لا يكفي، بل يجب هندسة الاستقرار. فما بعد عقدٍ من الصراعات والفراغات الأمنية، لا بد من مقاربة عربية تتجاوز ردود الأفعال وتؤسس لبيئة دائمة من التوازن السياسي والاقتصادي. من هنا تبلورت الرؤية السعودية الجديدة التي تجمع بين الواقعية والقيادة، بين صلابة المبدأ ومرونة الوسيلة، لتضع سوريا في موقعها الطبيعي كدولة محورية في العالم العربي، لا كساحة تنازع مفتوح.

ومع كل ذلك، لا تُخفي الرياض قناعتها بأن إعادة بناء سوريا ليست مهمة سياسية فحسب، بل مسؤولية حضارية. فالدولة التي كانت ذات يوم قلب المشرق الثقافي والاقتصادي يجب أن تستعيد مكانتها ضمن منظومة عربية مستقرة. ولذلك تضع المملكة على جدول أولوياتها دعم العملية السياسية الشاملة، وتشجيع المصالحة الوطنية، والمساهمة في إعادة الإعمار على أساس العدالة والشراكة. هذه ليست شعارات، بل هي مشروع استراتيجي تراه السعودية ضرورةً للأمن القومي العربي لا ترفاً دبلوماسياً.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن ما تفعله المملكة اليوم في الملف السوري ليس امتداداً لمرحلة سابقة، بقدر ما هو تعبير عن تحوّل عميق في التفكير العربي. فهي لا تسعى إلى نفوذٍ ولا إلى تسجيل نقاط، بل إلى تأسيس بيئة جديدة تُعيد للدولة العربية مركزها الطبيعي في معادلة الإقليم. منع الفوضى كان الهدف الأول، أما الآن فالمهمة الكبرى هي بناء منظومة استقرار قادرة على تحييد الصراع واحتواء الأطراف. بهذه المقاربة الهادئة التي توازن بين الدبلوماسية والعقلانية، وترسخ السعودية مكانتها كقوة عربية مسؤولة تُعيد رسم حدود السياسة لا على خرائط القوة فقط، بل على منطق التوازن والاحترام المتبادل.

تلفزيون سوريا

————————————–

لماذا تدفع السعودية بقوة نحو سوريا الجديدة؟/ خالد الطوالبة

في تحوّل استراتيجي واضح للاعتبارات الإقليمية والدبلوماسية، باتت السعودية لاعباً مركزياً في ملف سوريا بعد سنوات من العزوف أو التحفّظ.

ملامح هذا التحوّل تجلّت علناً في لقاءات سياسية رفيعة، وقرارات اقتصادية مباشرة، ومشاريع إنسانية طموحة، كل ذلك يرسل رسالة موحّدة: الرياض تدعم مؤسسات الدولة السورية وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني، وتعمل على تأمين العودة الآمنة للاجئين، وتمهيد الطريق أمام إعادة الإعمار والالتزامات الدولية تجاه دمشق.

وقائع ملموسة

وصلت دفعات منحة نفط سعودية تُقدَّر إجمالاً بـ1.65 مليون برميل، وقد رست الدفعة الأولى (حوالي 650 ألف برميل) في ميناء بانياس، فيما وصلت دفعات لاحقة وأُعلن عن تفريغ ناقلات داخل الموانئ السورية. هذه الخطوة ليست مجرد هبة إنسانية فورية لتخفيف أزمة الطاقة، بل إشارة قوية إلى عودة العلاقات الاقتصادية العلنية والعملية بين الرياض ودمشق.

البُعد الإنساني والمؤسسي

تعاون سعودي مع مؤسسات دولية- وعلى رأسها شراكات عبر “مركز الملك سلمان للإغاثة” مع منظمة الصحة العالمية لدعم مرافق طبية في إدلب وحلب وحمص وحماة- يظهر أن السعودية تراهن على قوة ناعمة عملية تُعيد بناء ثقة مجتمعية وتُسهل الاستقرار المحلي. كما أن مساهمات كبرى في مبادرات صحية (مثل دعم مبادرة استئصال شلل الأطفال) تُبرز رسالة استمرار الالتزام الإنساني السعودي.

البُعد السياسي والجيوستراتيجي

من الواضح أن الرياض تسعى لثلاثة أهداف متقاربة: إحكام رقعة نفوذها السنيّ مقابل تراجع تأثير المحور الإيراني، ضمان عدم تفكك سوريا إقليمياً أو ميلها إلى حكمٍ ذاتي قد يهدّد استقرار الحدود الإقليمية، والمضيّ في فتح أسواق إعادة الإعمار الضخمة، التي تمثّل فرصة اقتصادية واستثمارية تمتد لعقود.

هذا المزيج من دافع أمني وسياسي واقتصادي يفسّر توقيت وتدرّج الدعم السعودي، خصوصاً بعد تيسير شروط عودة دمشق إلى مؤسسات دولية وإمكانية رفع قيود أو عقوبات.

 نتائج وإساءات محتملة

على المدى القصير، ستخفّ حدة العجز في الطاقة والخدمات الأساسية، وستنفتح خطوط تمويل ومشروعات إعادة إعمار. لكن على المدى المتوسط والبعيد تبرز مخاطر: احتكاكات داخلية حول توزيع الموارد، احتمالية تزايد تأثير فاعلين إقليميين آخرين (تركيا، وإلى حدّ ما روسيا وإيران)، وتنافس بين رؤى إعادة الإعمار (شركات، عقود، أولويات إعادة البناء). كما أنّ الربط بين الدعم الإنساني والسياسي قد يُثير انتقادات داخلية وخارجية حول شروط المساعدة وتأثيرها على موازين القوى المحلية.

قراءة ختامية

السعودية تُوظّف أدواتها الدبلوماسية والمالية والإنسانية لاحتلال موقع مركزي في “السوريا الجديدة”. الدعم لا يقتصر على نفط وماسَّة إنسانية فحسب؛ بل هو استثمار جيوسياسي كبير في المستقبل القريب للمنطقة.

هذا التحوّل يعكس حسابات رياضيات السلطة: من يريد أن يشكّل ملامح نظام إقليمي جديد في المشرق، سيبدأ بالإعمار وإعادة الشرعية المؤسسية.

عبدالرحمن القحطاني، باحث سعودي مختص في الشؤون الاستراتيجية، يقرأ تحركات الرياض تجاه سوريا كجزء لا يتجزأ من مشروع الدولة السعودية الرامي إلى استئناف دورٍ مؤثر ومسؤول في محيطها العربي.

من زاوية القحطاني، الخطوات الأخيرة، من منحة النفط إلى الترتيبات الإنسانية مع المنظمات الدولية، تعبّر عن قرار استراتيجي ناضج، الانتقال من سياسة الممانعة أو الحياد المشروط إلى سياسة تفاعل مدروسة تُعيد بناء الأمن والإعمار تحت مظلة سيادية للدولة السورية.

هذا التفاعل بالنسبة له ينطلق من قواعد ثابتة: حماية مصالح الأمن القومي، منع تفكّك الجغرافيا الوطنية، وخلق حلبة اقتصادية بينها وبين مصالح المملكة.

القحطاني يوضح أن منحة النفط والبرامج الصحية ليستا “هبتين” عشوائيتين؛ بل أدوات عملية لمحو بقايا الفجوات الاجتماعية التي تُغذي عدم الاستقرار.

توظيف القوة الناعمة، عبر مركز الملك سلمان، والشراكات مع منظمة الصحة العالمية، يعيد إنتاج ثقة اجتماعية ضرورية لنجاح مشاريع إعادة الإعمار. بعيْن الباحث، تُقدّم هذه الإجراءات قيمة مزدوجة، تخفيف معاناة فورية، وتهيئة بيئة اقتصادية وسياسية للاستثمارات السعودية المستقبلية.

على مستوى المخاطر، يحذّر القحطاني من أن التداخلات الخارجية أو حواضن مصالح عابرة للحدود قد تُعيد خلخلة المشهد السوري. لذلك يرى أن السعودية تحرص على إعلاء دور مؤسسات الدولة وإشراك شركاء دوليين، خطوة تهدف لتقليل فرص التدخّل الأجنبي غير المنسجم مع مصالح دمشق المستقرة والمنطقة ككل. بهذا المعنى، الدعم السعودي يأتي أيضاً كآلية لاحتواء العناصر المسلحة وإضعاف النفوذ الذي قد يسعى لتقسيم النفوذ داخل سوريا.

من الناحية الاقتصادية الوطنية، يعتبر القحطاني أن إعادة إعمار سوريا هي سوق تاريخي ضخم: شركات بناء، طاقة، بنى تحتية، واتفاقات طويلة الأمد. السعودية، بحسب تحليله، لا تمنح بلا مقابل؛ هي تستثمر في شرعية جديدة تُتيح لها الوصول إلى عقود ومشروعات بنيوية تشكّل قيمة مضافة للاقتصاد السعودي وتدعم التوظيف والتعاون الصناعي الإقليمي.

وفي الختام، يدعو القحطاني إلى استراتيجية سعودية متناغمة تجمع بين الدعم الإنساني، النفطي، والدبلوماسي، مع مراقبة دقيقة للانزلاقات الأمنية والاقتصادية المحتملة.

عبيدة الشمري، كاتب ومحرر سياسي معروف بحسه النقدي، يتناول المبادرة السعودية عبر منظار سياسي واقتصادي-أخلاقي.

يرى الشمري أن الرياض دخلت ساحة سوريا بقوّة مدروسة، لكن السؤال المركزي في رأيه: ما هي الضمانات التي توفّرها المملكة بحقوق السوريين ومؤسسات الدولة ضد أي احتمال لاستغلال إعادة الإعمار كأداة للتركيز المالي والسياسي؟ بالنسبة له، دعم مؤسسات الدولة وإرسال المنح النفطية أمران ضروريان، لكن يجب أن يقترنا بخطط شفافة لإدارة الموارد، ومسائلات نحو توزيع المساعدات لضمان عدم تهميش مناطق أو فئات.

الشمري يركز على البُعد الأخلاقي، إعادة تأهيل دولة أنهكتها الحرب تستدعي مقاربة متوازنة بين الضغط على الفاعلين الخارجيين لترك الساحة، والضغط الداخلي لضمان مشاركة فعّالة للمجتمع المدني. إذ إن أي غياب لآليات رقابية وشفافية قد يفتح المجال أمام فسادٍ يعيد إنتاج أسباب النزاع سابقاً.

يرى الشمري أن الشراكات مع WHO ومراكز إغاثة سعودية خطوة إيجابية، لكنها بحاجة إلى آليات قياس ومؤشرات أداء واضحة تُعرض دورياً للرأي العام الدولي والمحلي.

من زاوية السياسة الخارجية، يعتبر الشمري أن التنسيق السعودي-القطري (مثل سداد ديون سوريا لدى البنك الدولي) يعكس ذكاءً دبلوماسياً: توحيد قوى خليجية لتهيئة دمشق للعودة إلى المؤسسات الدولية يقلّص من فرص الارتداد إلى أهواء إقليمية متطرفة. لكنه يحذّر من أن هذا التنسيق قد يولد تنافساً لوجستياً بين قوى إقليمية (تركيا، روسيا، حتى شركات أوروبية) على عقود إعادة الإعمار، ما يستلزم سياسات سعودية لحماية مصالح السوريين قبل حماية مصالح المستثمر.

ختاماً، يدعو الشمري إلى دمج البُعد الإنساني والقانوني، الاتفاقات يجب أن تتضمن بنوداً لحماية الذّمم العامة، عقود شفافة، ومشروعات تُعطي أولوية لإعادة الخدمات الأساسية، مياه، كهرباء، صحة وتعليم، وليس فقط مشاريع رمزية أو فاخرة تبدو جيدة إعلامياً. هذه الدعوة تمثل صوتاً مزدوجاً: دعم للسعودية لأنها تتحرك، ونقد بناء لضمان أن تكون هذه الحركة في مصلحة السوريين أولاً.

المحلل السياسي والكاتب في وكالة الأنباء الأردنية، جمال البواريد، يضع التحوّل السعودي في إطار أوسع: معادلة جديدة تتشكّل في الشرق الأوسط بعد انهيار جزء من حواضن النفوذ السابقة.

البواريد يرى أن الرياض تستفيد من فراغٍ استراتيجي نتج عن تراجع أجزاء من النفوذ الإيراني والاختلالات التي أعقبت صراعات متعددة في المنطقة. دعم السعودية لدمشق، وفق تحليله، يحقق ثلاثة مكاسب أساسية: إعادة هندسة التحالفات الإقليمية، الوصول إلى مراكز اقتصادية حيوية، وتأمين طريقٍ لخفض احتمالات التوترات المستقبلية مع دول الجوار.

ركّز البواريد على البعد الدبلوماسي، مشاركة السعودية وقطر في سداد ديون سوريا لدى البنك الدولي تُعدّ مناورة ذكية لإعادة دمشق إلى نظام التمويل الدولي، ما يمهّد لاندماجها في برامج إعادة الإعمار ذات التمويلات الكبرى. هذا الانخراط الدولي يجعل من دمشق نقطة التقاء لمصالح دولية وإقليمية، ويضع الرياض في موضع الوسيط الفاعل الذي يملك أوراقاً اقتصادية وسياسية للتأثير في خارطة ما بعد الحرب.

من جهة المخاطر، نبه البواريد إلى احتمال أن يتحول هذا الدعم إلى ساحة لتنافس جماعات إقليمية – تركيا تسعى لاحتفاظ بدور تأثيري، وروسيا قد تُحاول ضمان مصالحها الاستراتيجية، وإيران تبحث عن سبل للحفاظ على موطئ قدم.

لذلك يؤكد البواريد أن نجاح المشروع السعودي يتوقف على قدرتها على خلق توازن لطيف: دعم الدولة المركزية مع إشراك فاعلين محليين وإقليميين بطريقة تمنع حشد قوى مضادة.

اقتصادياً، يشير البواريد إلى أن الانتعاش السوري سيفتح سوقاً ضخمة للإعمار، الطاقة، النقل والاتصالات، وهو ما قد يخلق مكاسب مترابطة للقطاع الخاص السعودي، ومجالات تعاون مع مستثمرين دوليين. لكن شرط ذلك هو استقرار سياسي نسبي، وإزالة العقبات القانونية واللوجستية أمام الاستثمار، ومن ثم إدارة عملية إعادة الإعمار بشكل شفاف يقيّم الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

في الخلاصة، يرى البواريد أن الرياض تراهن على بناء نفوذ مستدام عبر مزيج من الدعم الإنساني، الاقتصادي، والدبلوماسي، لكن نجاح هذه الرهان يتطلب مهارة دبلوماسية عالية لإدارة توازنات اللاعبين الآخرين وضمان أن تصبح سوريا شريكاً مستقراً لا ساحة تصادم إقليمي.

المحرر السياسي في وكالة الأنباء الصينية، جيانغ أون، ينظر إلى التحركات السعودية في سوريا من منظار المصالح الجيواقتصادية الكبرى ومرونة الدبلوماسية الإقليمية. من زاوية بكين، ما يحدث في دمشق يعكس تحولاً في مناخ العلاقات الدولية: دول إقليمية كبرى تُعيد ترتيب أولوياتها بعد سنوات اضطراب، وتبحث عن فرص اقتصادية وسياسية في بلدٍ جرى هدر موارده لأكثر من عقد. رؤية جيانغ أون تُظهر تقديراً لعنصرين: فرص الاستثمار وإدارة الاستقرار الإقليمي.

منظور جيانغ يؤكد أن السعودية، بفتحها قنوات تعبئة موارد (نفط، دعم مالي، مشاريع صحية)، تخلق بيئة قادرة على استيعاب شركات دولية، بما فيها شركات صينية مهتمة بقطاعي الطاقة والبنى التحتية.

بالنسبة لبكين، هذا يعني إمكانية توسيع شبكة التعاون الاقتصادي في حزامٍ جيوسياسي يقلّص من التعقيدات اللوجستية للمشروعات عبر البحر المتوسط وإلى أوروبا. لكن جيانغ يشدد أيضاً على أن الصين سترصد شروط الاستقرار: حماية المستثمر، وضمانات قانونية، وإدارة للعقوبات أو القيود الدولية إن وُجدت.

سياسياً، يشير جيانغ إلى ميل دول كالسعودية وقطر للعمل بتشاركية عملية، حتى إن سابقة السداد المشترك لديون سوريا لدى البنك الدولي تُظهر قدرة على صياغة مبادرات موحدة رغم خلافات سابقة. هذا الأسلوب يُرحّب به بكين لأنه يُقلّل فرص الاحتكاك المتصاعد بين القوى الإقليمية ويخلق مناخاً أفضل للتعاون متعدد الأطراف والمشروعات العابرة للحدود.

في جانب المخاطر، يحذّر جيانغ من أن تسييس إعادة الإعمار يمكن أن يولّد مقاومات محلية إذا لم تُراعَ الحساسيات الطائفية والجهوية. كما أن أي تصاعد في الاحتكاك مع قوى إقليمية أو دولية قد يعقّد مسارات التمويل والإنفاذ القانوني للمشروعات. لذلك، ينصح جيانغ بأن تعتمد المبادرات على شراكات شفافة مع مؤسسات دولية متعددة الأطراف، ما يمنح الضمانات للمستثمرين الدوليين ويقلّص المخاطر الجيوسياسية.

ختاماً، يرى جيانغ أون أن المشهد يصبّ في صالح بيئة استثمارية جديدة إذا أحسنت الدول المشاركة التنسيق، وموقع السعودية كلاعب رئيسي قد يسهل دخول شركات متعددة الجنسيات (بما في ذلك صينية) إلى مشاريع إعادة الإعمار بشرط وضوح الأطر القانونية والسياسية.

القدس العربي

—————————————-

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى