محطات

الذاكرة سلاحاً سياسيّاً: درس إسباني لسورية/ جعفر العلوني

26 نوفمبر 2025

تُظهر الذكرى الخمسون لوفاة الدكتاتور فرانكو في إسبانيا أنَّ الذاكرة لا تُطوى بمرسوم، ولا تختفي بتسوية سياسية مهما بدا أثرها قوياً، فالبلد الذي قُدِّم طويلاً بوصفه نموذجاً انتقالياً ناجحاً اكتشف، بعد نصف قرن، أن “اتفاق الصمت” الذي جنّب المجتمع انفجاراً جديداً بعد الحرب الأهلية لم يُنهِ المواجهة مع إرث الديكتاتورية، إنما أجّلها فحسب.

وما كان ضرورياً لعبور لحظة حسّاسة في السبعينيات يتحوّل اليوم إلى مادة نزاع يومي بين اليمين واليسار، إذ يعيد كلٌّ منهما قراءة الماضي وفق حاجاته الحاضرة: اليمين يدافع عن سردية “المصالحة التاريخية” التي تقلّل من شأن جرائم نظام فرانكو، فيما يطالب اليسار بفتح المقابر الجماعية وكشف الحقيقة وإعادة الاعتبار للضحايا. وبعد جيلين من الديمقراطية، ما زالت الذاكرة الإسبانية تعيد تشكيل السياسة والشارع، وكأن الماضي لا يريد أن يغادر.

يمكن أن تقدم هذه التجربة الإسبانية درساً مباشراً لسورية، ففي البلاد التي أنهكها حكم البعث والأسدين، تراكمت طبقات متوازية من الذاكرة لا تقلّ تعقيداً، لكنها أشد حدّةً وأكثر قابلية للانفجار. فهناك الذاكرة الرسمية التي قدّمت الحاكم “صانع الاستقرار” و”حامي الأقليات”، وهناك ذاكرة الضحايا الذين رأوا في الدولة مصدراً للاستبداد والعنف، وذاكرة الموالين القائمة على الخوف والامتياز، وذاكرة المدن التي دفعت ثمن احتجاجاتها دماراً وحصاراً وتشريداً. ومع سقوط النظام، خرجت إلى السطح سرديات لكل منها ذاكرتها المكبوتة: ذاكرة الأقليات التي احتكرها النظام كذخيرة سياسية ثم تُركت تواجه أثمان السقوط، من الساحل إلى السويداء؛ وذاكرة المناطق التي تهشّم عمرانها وبُنيتها التحتية ضمن اقتصاد حرب ممنهج؛ وذاكرة الثروات التي نُهبت لصالح المنظومة الأمنية والمليشيات الحليفة؛ وذاكرة التدخلات الخارجية التي أعادت تشكيل البلاد، من إيران وروسيا وتركيا إلى إسرائيل التي تتعامل مع سورية باعتبارها ملفّاً أمنياً مفتوحاً.

وإلى جانب ذلك، تتقدّم ذاكرة الثورة نفسها: تلك التي بدأت احتجاجاً مدنيّاً، قبل أن يجرّها النظام إلى العسكرة والطائفية والتشويه، فحاول طمس سرديتها عبر الدعاية والتخويف. إنها ذاكرة جيل كامل آمن بأن الحرية ممكنة، ودفع أثماناً هائلة في سبيل ذلك. واليوم تتجاور هذه الذاكرة مع سردية رسمية فقدت شرعيتها، ومع ذاكرة موالين انهارت امتيازاتهم، ومع ذاكرة نازحين ومهجّرين يبحثون عن العدالة، لتتشكّل فسيفساء معقّدة من الذاكرات المتنافسة: ثائرة ومقهورة، رسمية ومضادة، محلية ووطنية، داخلية ومهاجرة، كل منها تطالب بالشرعية وتنازع الأخرى على امتلاك الحقيقة.

ومع ظهور نظام جديد في سورية تتكوّن في الوقت نفسه ذاكرة راهنة تخصّ لحظة ما بعد السقوط: ذاكرة البحث عن المفقودين، والخوف من الانتقام، والحاجة إلى إعادة تعريف الوطنية خارج منظومة الشك المتبادل. وهنا يبرز الخطر الأكبر: إذا لم تُدَر هذه الطبقات المتصارعة بحكمة، سيغدو الماضي ساحة قتال موازية للصراع على المستقبل، وسيُعاد إنتاج الانقسام تحت أسماء جديدة، كما حدث في إسبانيا، ولكن بحدّة مضاعفة.

لهذا على الدولة السورية أن تمتلك منهجاً واضحاً للتعامل مع الذاكرة، فالديمقراطية لا تُبنى بإعادة تشكيل المؤسّسات فحسب، إنما بإعادة بناء ذاكرة مشتركة ووعي مشترك. والخطوة الأولى اعتراف رسمي صريح بالانتهاكات، السابقة والراهنة، أساساً لإعادة ترميم الثقة بين المجتمع والدولة، لا بوصفه واجباً أخلاقياً فحسب، تلي ذلك عدالة انتقالية واقعية لا تهدف إلى الانتقام بقدر ما تهدف إلى كشف الحقيقة وردّ الحقوق وفتح الطريق أمام مصالحة ممكنة. ثم يأتي العمل على صياغة سردية وطنية جامعة لا تقوم على رواية واحدة، إنما على جمع الروايات داخل إطار وطني يضمن عدم إقصاء أحد. وأخيراً يجب تحييد الذاكرة عن الاستقطاب السياسي، عبر أرشفة شفافة، وفتح الأرشيف الرسمي، وإصلاح المناهج التعليمية بحيادية، بعيداً من إرضاء هذه الدولة أو تلك، وتأسيس مؤسّسات مستقلة تُعنى بحفظ الذاكرة كي لا تتحول إلى أداة في يد السلطة أو المعارضة.

لقد أثبتت التجارب أن مواجهة الماضي جزءٌ لا يُفصل عن بناء المستقبل. وإذا تطلّب الأمر في إسبانيا خمسين عاماً لإعادة فتح جراحها، فإن سورية لا تملك رفاهية الانتظار. فالطريق نحو دولة جديدة يبنى على ذاكرة مُتصالَحة مع نفسها ومفتوحة على الحقيقة، لا على ذاكرة مُهمَلة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى