الكبتاغون والمخدرات المخلقة: إعادة التموضع بعد سقوط بشار الأسد/ هدى رؤوف

لم تكن متعلقة بالربح فقط بل استهدفت الشباب العربي الذي يعد عمود المجتمع ومستقبله
الجمعة 28 نوفمبر 2025
يشكل الكبتاغون مصدراً مالياً للجماعات المسلحة لتمويل عملياتها وتجنيد المقاتلين. وفي تحولات جديدة بعد سقوط الأسد، وعلى رغم جهود الإدارة السورية الجديدة بدعم خليجي لمكافحة تهريب الكبتاغون، انتشرت عمليات الإنتاج والتهريب للدول المجاورة كاليمن والسودان اللذين يعدان وجهات مستقبلية للإنتاج والتوزيع بسبب موقعهما الاستراتيجي.
أعلن منسق الإنتربول اليمني عن ضبط السلطات لكمية ضخمة من المنشطات، في دلالة على نقل مجموعات إيرانية وسورية أنشطة تصنيع المخدرات إلى اليمن عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
وتجارة المخدرات والمنشطات ليست ظاهرة جديدة، إذ ارتبطت بنشاط الميليشيات المسلحة في المنطقة. وقام الكبتاغون بدور محوري في تمويل نظام الأسد أثناء الأزمات الاقتصادية الناتجة من حرب طويلة الأمد، واستعانت به أيضاً جماعات إرهابية مثل تنظيم “داعش” في عمليات التهريب.
وامتد تأثير الكبتاغون ليشمل إيران و”حزب الله” اللبناني، إذ جرى استهداف الأسواق العربية، ولا سيما الخليجية، مما يبرز تحول المخدرات إلى أداة عسكرية ومالية لتحقيق أهداف سياسية.
وتجارة الكبتاغون لم تكن متعلقة بالربح فقط، بل استهدفت الشباب العربي الذي يعد عمود المجتمع ومستقبله.
وتحولت هذه التجارة إلى مصدر تمويل للنظام السوري وإيران و”حزب الله”، متوسعة من دول أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.
ويشكل الكبتاغون مصدراً مالياً للجماعات المسلحة لتمويل عملياتها وتجنيد المقاتلين. وفي تحولات جديدة بعد سقوط الأسد، وعلى رغم جهود الإدارة السورية الجديدة بدعم خليجي لمكافحة تهريب الكبتاغون، انتشرت عمليات الإنتاج والتهريب للدول المجاورة كاليمن والسودان اللذين يعدان وجهات مستقبلية للإنتاج والتوزيع بسبب موقعهما الاستراتيجي.
الكبتاغون والمواد المخدرة المخلقة باتت تظهر في دول مثل تركيا والكويت، فيما ضبطت عمليات تهريب في السعودية ومصر. وتستغل قوات “الدعم السريع” في السودان موقعها القريب من أسواق الخليج لزيادة عمليات التهريب.
ووفقاً لموقع “نيولاينز”، شهد نشاط الكبتاغون في اليمن ارتفاعاً ملحوظاً بعد سقوط الأسد، إذ جرت مصادرت 400000 حبة عام 2024، وتصاعد العدد إلى 5.4 مليون حبة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، مع اعتماد الحوثيين على الكبتاغون كمورد مالي.
ويمكن القول إن تجارة المخدرات انتقلت إلى دول الصراعات الداخلية التي تعاني هشاشة أمنية وحروباً أهلية لتوليد موارد مالية، مستهدفة الاقتصادات الشابة.
ويتوقع تزايد التنافس بين الجماعات المسلحة داخل الدول الهشة للسيطرة على طرق التهريب، مما يتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً لمحاصرة تهريب الكبتاغون إلى الأسواق العربية، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية لمكافحة المخدرات في مناطق مثل سواحل اليمن والسودان.
النعي.. نشيج الجزراويات الأبدي في مواجهة نوائب الدهر وصروف الزمن/ محمد جفال
26 نوفمبر 2025
في أعماق الجزيرة السورية، حيث يلتقي نهرا الخابور والفرات في أرضٍ تختزن ذكريات الأجيال، تجتمع النساء داخل خيام العزاء. ترتفع أصواتهنّ متجاوزة حاجز الصمت، كأنها أنهارٌ تفيض بجراح الماضي: “رماني الدهر في سجن العداماي…”. هذا الصوت ليس مجرد بكاء، بل هو “النعي”، تراثٌ شفويّ ينبع من أعماق الروح، حاملًا في طياته آلامًا لا تُوصف.
في هذه البقعة التي عانت من ويلات الحرب والنزوح، يعود النعي كظلٍّ قديم، يحمل معه حكايات الفقدان وإرادة الصمود. تسلّط هذه المادة الضوء على هذا التراث من منظور الرثاء، من خلال شهادات نساء عايشن تجاربَ موجعة، وتستكشف كيف صار الموت في الحرب محفزًا لعودة هذا الفن القديم، وكيف يتحوّل إلى وسيلة للتعبير عن العاطفة في مجتمعات محافظة.
جذور النعي.. أساليب قديمة للتعبير عن الحزن
يُعدّ النعي، أو ما يُعرف بـ”مواويل الرثاء” في التراث الشعبي السوري، أحد أقدم الأساليب التي يعبّر بها الناس عن حزنهم العميق إثر المصائب. يعود أصله إلى الفعل “نَعاه”، أي أذاع خبر وفاته، ويأتي كوسيلة لتفريغ المشاعر المكبوتة جراء النوائب.
وفي ثقافة الجزيرة السورية، التي تزخر بمزيج من الموروث الكردي والعربي، يُطلق على النعي في العامية “نعّاوة”، وهو يمثل الرثاء في أرقى صوره، حيث يمتزج الأسى باللوعة والعتاب أحيانًا.
من منظور الرثاء، يُعرِّف هذا الفن بأنه تعدادٌ لخصال الميت مع التفجّع عليه، والتباكي على ما اتصف به من قيم كالشجاعة والكرم والعدل.
وبحسب التراث العربي، فإن عناصر الرثاء متداخلة: تبدأ بالاستهلال بحتمية الموت، ثم التفجع بذكر أسباب المأساة وزمانها ومكانها، يليها التأبين وعدّ مناقب الفقيد، وأخيرًا التأسّي والتعزية.
وفي الجزيرة السورية، يبرز النعي كنوع من الندب المباشر، يخصّ عادةً بكاء الأهل والأقارب، وهو طقس تمارسه النساء أساسًا، اللواتي يُنظر إليهنّ على أنهنّ الأكثر تحمّلاً لمشاق الحياة.
يُعدّ نعي الموتى تقليدًا شعبيًا يتضمّن تأبينًا خاصًا للرجل الكريم، حيث تلقي النساء مواويل تعبّر عن الحزن الجماعي. وفي عشائر منطقة الفرات، يُعتبر طقس النعي من أكثر الطقوم وجعًا، إذ تقوم به النساء فقط، مستخدماتٍ في ذلك مواويل متنوّعة لترجمة مشاعرهن.
هذه الأساليب ليست وليدة اليوم؛ بل هي ضاربة في القِدم، وترتبط بالشعر العربي القديم، كما في قصيدة امرئ القيس التي ترثي الميت بكلماتٍ مثقلة بالألم: “من سره الموت صرفًا لا مزاجه..”. ومع ذلك، في السياق السوري، يأخذ النعي طابعًا محليًا يمزج بين التراث الشفوي والعواطف اليومية.
تمظهر العاطفة لدى نساء المجتمعات المحافظة
في مجتمعات الجزيرة السورية المحافظة، حيث لا تزال التقاليد تحافظ على دورها في تنظيم الحياة الاجتماعية، يمثّل النعي تعبيرًا فريدًا عن العاطفة لدى النساء. تصدح إحداهنّ: “يا ملّا أحمد فراك الولف ما هان…”، فتخشع القلوب وتذرف الدموع.
هؤلاء النسوة، اللواتي يواجهن غالبًا قيودًا اجتماعية تحدّ من حريتهن في التعبير عن مشاعرهن في الحياة اليومية، يجدن في النعي منفذًا يطلَقْن عبره آلامَهنّ المكبوتة.
فالنعي ليس مجرد بكاء؛ بل هو قصائد شعبية مرتجلة، تنبع من القلب، وتحمل في طياتها حزنًا يمتزج بالحنين واللوعة.
تقول عدلة الشاهر، الأربعينية من ريف الحسكة، التي فقدت والديها وزوجها: “النعي ترجمة لمشاعر مؤلمة توقد جمر القلوب التي نالت منها المحن، وتدفع الحاضرين إلى استحضار ذكرياتهم الأليمة، كي يشاركوا صاحبة المصاب وجعها”.
وتضيف أن النعي في مجالس العزاء يكون سيد الموقف، فهناك نعاوة خاصة بفقدان الأب، وأخرى للأم، وثالثة للابن، مما يجدّد الحزن ويواسي أهل المتوفى. وتشير إلى أن النعي لا يُحضَر مسبقًا، بل يأتي ارتجالًا، نابعًا من التجارب الشخصية.
فقدت عدلة زوجها قبل عشر سنوات، فتحمّلت مسؤولية العائلة وحدها، أما أمها فكانت تلمّ شمل العائلة، فأصبح البيت خاليًا بعد رحيلها.
أما فضّة الصالح، في السابعة والخمسين من العمر، فتردد بصوت خفيض له شجون: “جابت مطر والكاع رخوة..”، ثم تصمت برهة. تعود بعدها مشاركةً عدلة الرأي؛ فتقول إن إتقان النعاوة يأتي من مجالس العزاء، حيث تتناقلها النساء بشكلٍ فطري.
فضّة التي فقدت والديها وأخاها وخالها وخالتها، ونزحت من قريتها في رأس العين بسبب القتال، تنعي أمها بدموع حبيسة: “فقدت عمرًا كاملًا من التعب، وإخوتي تفرقوا بسبب الحرب”.
تصف فضّة الحياة بمدرسة تعلّمنا دروسًا بثمن باهظ، وهذا ما يدفعها إلى النعي كوسيلة تعبير عن الجراح التي خلّفها الزمن في قلبها.
في هذه المجتمعات، حيث تُعتبر النساء حارسات للتراث، يسمح النعي بإظهار المشاعر دون خوف من النقد المجتمعي. وهو يعكس قوتهنّ الجبّارة في مواجهة المحن، إذ هنّ الأكثر براعة في النعي لأنهنّ يتحمّلن عبء الحياة. ومع ذلك، يلاحَظ تراجع هذا التراث بين الشباب، بعد أن طغت الأغاني المعاصرة “الفارغة من المحتوى” على النمط الثقافي التقليدي.
الموت في الحرب.. محفز لعودة الأساليب القديمة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أصبح الموت في الحرب محفزًا قويًا لعودة هذه الأساليب القديمة. فالجزيرة السورية، التي شهدت نزاعات عنيفة في مناطق مثل الحسكة والرقة ورأس العين، تحوّلت إلى أرضٍ مليئة بالفقدان.
النساء، اللواتي كنّ من أبرز ضحايا الحرب، واجهن النزوح والاعتقال والعنف الجنسي، مما أضاف إلى أحزانهنّ وأعاد إحياء النعي كوسيلة للتعبير عن الألم الجماعي.
تقول عدلة الشاهر إن النعاوة لا تقتصر على رثاء الفقيد، بل تمتد إلى كل مظاهر الحزن، كالسفر والثأر (البلش) الذي يضطر العائلات إلى مغادرة ديارها، وكذلك المعاناة التي خلّفتها الأزمة السورية، حيث فقد كل سوري عزيزًا أو بيتًا أو تركَ أرضه.
في هذا السياق، تحوّل النعي إلى صرخة احتجاج على الظلم، معبّرة عن ألمٍ طال أمده، حيث يضيع الأبناء في متاهات القتال والتشرد. ورغم المعاناة، استطاعت النساء السوريات تحويل المحن إلى أمل، لكن النعي بقي شاهدًا على الجراح العميقة.
من رأس العين ثم من زركان، نزحت فضّة الصالح، فأصبح النعي جزءًا من يومياتها، يرثي ليس الأشخاص فحسب، بل البيوت والقرى المدمرة أيضًا.
هذا الرثاء لا يقتصر على البشر، بل يتعداه إلى رثاء الأماكن، تمامًا كما في التراث العربي من رثاء للمدن والممالك، كرثاء الأندلس الذي يعبّر عن مأساة الزوال. لقد جعلت الحرب، التي سلبت الآشوريين والعرب الكثير، من النعي أداة للحفاظ على الهوية الثقافية وسط الدمار.
النعي بين الفرح والحزن.. توازن الطقوس الثقافية
لا يقتصر النعي على مناسبات الحزن؛ ففي الجزيرة، توجد أهازيج شعبية للأفراح تُسمّى “طواويح” أو “مواويل”، كما في حفلات الزفاف أو عودة المغتربين. تقول عدلة إن لكل مناسبة طقوسها، فالحزينة لها نواحها والسعيدة لها أهازيجها. وهذا التوازن يظهر ثراء التراث السوري، الذي يجمع بين الغناء والرثاء.
غير أن الحزن طغى في زمن الحرب، فأصبح النعي أكثر حضورًا. فالنساء يستخدمن النعي أحيانًا للوساطة في النزاعات المجتمعية، مستدرّات العاطفة عبر الألم المشترك، مما يجعله وسيلة للشفاء الجماعي.
صوت النساء الذي لا يخفت
في الجزيرة السورية، يبقى النعي شاهدًا على صمود النساء في وجه النوائب. إنه ليس مجرد تراثٍ محكيّ، بل هو صرخة تراجيدية تعبّر عن آلامٍ غائرة، أيقظتها الحرب، وتمظهرًا للعاطفة في مجتمعات محافظة.
شهادات عدلة وفضّة تذكّرنا بأن الحزن ليس ضعفًا، بل قوة تعلّمنا دروس الحياة، ورغم كل التحوّلات، يظل النعي حيًا، يعيد سرد قصص الفقدان، ويبشر بأمل في غدٍ أفضل. في النهاية، هذه الأصوات النسائية هي من يبني الذاكرة الجمعية، ويحافظ على الروح السورية رغم كل الجراح.
الترا سوريا



