سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

“آثار” سوريا: نسخ  من البلاستيك وفيتش أموي يهدّد “العالم”!/ عمّار المأمون

29.11.2025

ترعى حكومة دمشق عمليّة إعادة موضعة سوريا ضمن التاريخ وموقفها من “العالم” والخطاب المرافق لهذه العمليّة، عبر كولاج من سرديات وهمية، وأخرى تتناسب مع النزعة الانتقامية من خطاب “البعث” التاريخي، وترسيخ “الانتصار الأموي”، في ظلّ تقصير في حماية الآثار التي تكشف عمق سوريا التاريخي.

…”وأثناء حصار تيمورلنك لدمشق وقصفها نهاراً بالمنجنيقات، كان أهل المدينة يخرجون ليلاً لتعمير المدينة، فيطلّ تيمورلنك صباح اليوم التالي ليرى دمشق عادت إلى الحياة… كحالة مسجد الجنّ في الميدان، وبرج باب الجابية من سور دمشق، اللذين دُمّرا وبُنيا مراراً أثناء الحصار…”.

بتصرّف عن محمّد بن صصرى الدمشقي- الدرّة المضيئة في الدولة الظاهرية ص ـ48 وص ـ86

…….

حمل أحمد الشرع معه حين زار البيت الأبيض في واشنطن، نسخاً من قطع أثرية “سورية”،  هدايا وُصفت بالرمزية، ولا تنتمي إلى “سوريا الأموية”، وهي أوّل نوطة موسيقية في التاريخ، وأوّل أبجدية، وأقدم تعريفة جمركية، والأخيرة مداعبة دبلوماسية لترامب. في المكتب البيضاوي حضرت ثلاث علامات قدّم الشرع فيها سوريا إلى البناء الرمزي لـ”العالم”، عبر نسخ من رموز الموسيقا، والكلام والسلطة الإدارية.

تمثّل هذه النسخ جزءاً من السردية التراثية- التاريخية، وعلامات أحفورية كانت جزءاً من السردية الوطنية، اللتين تبنّاها نظام الأسد حول عمق سوريا التاريخي (سوريا أرض الحضارة)، إذ تظهر أوّل نوطة موسيقية على ورقة الـ500 ليرة سورية المطبوعة في روسيا في عام 2013، فتبدو هذه النسخ بصورة ما علامات على التأريخ وبدايته.

بعد سقوط نظام الأسد، ودخول سوريا عهد التيليغرام والاستعراض، كانت “الآثار” بمعناها الصرف، محطّ الأنظار، وكان لحماية متحف دمشق الوطني أيام سقوط النظام، ثم تكريم حراسه أثراً كبيراً في أنفس الكثيرين، بل سُجّل ذلك نقطة لصالح وزير “طبق الكرامة”.

في الوقت ذاته، كشفت حكومة دمشق، سواء بقصد أو غير قصد، عن أسلوب مريب في التعامل مع الرموز التي لا يحمل بعضها أي قيمة تاريخية، إذ استُبدل الزجاج المعشّق لـ”السيف الدمشقي” الموجود في ساحة الأمويين، بآخر مصنوع من البلاستيك، نسخة رخيصة أضحت محطّ جدل وسخرية، ناهيك بأن بناء هذا “الصرح” القبيح كـ”رمز وطني” ومزار للعائدين من المنافي تمّ اعتباطياً، الأمر ذاته مع “العُقاب”، الذي تحوّل بسرعة إلى كيتش يختزن السطوة من جهة، وفراغ المعنى من جهة أخرى، إن استثنينا سجن “العقاب” في إدلب.

سطوة الخطاب الأموي

سطوة الخطاب الأموي المتخيّل، الذي تبنّاه مؤيّدو السلطة، ترافق مع حميّة لاستعادة “الآثار” التي همّشها نظام الأسد، كقبر معاوية بن أبي سفيان، وقبر ابن تيميّة، وبالطبع، الصرح الأموي الأهم، مسجد بني أميّة الكبير في دمشق، الذي استُبدل سجاده بآخر صُنع في تركيا، بناء على طلب من الحكومة السورية التي دفعت ثمنه.

هذه الحميّة الأموية، تتحرّك في مساحة الخطاب وأعمال الصيانة، لكنّها بدأت تمسّ “الآثار” والعلامات على التاريخ بمعناها المادّي، فـ”الأمويون الجدد”، يتبعون منهجاً يبدأ بنفي ما سمّوه “التراث البعثي” من المساحات العامّة، وتجلّى هذا في تحطيم تمثال “الشهداء” في ساحة سعد الله الجابري، في سبيل مشروع تجاري، والدعوات لتحطيم تمثال زكي الأرسوزي، ومؤخّراً، محاولات تحطيم تمثال الشيخ صالح العلي.

الجانب الآخر لهذا المنهج، هو إنتاج خطاب يحاول حصر تاريخ سوريا ضمن حقبة سنّية أموية وهمية، كتجاهل غيلان الدمشقي مثلاً، الذي شنّع خليفة بني أميّة بقتله، وأيضاً تجاهل العمق التاريخي الروماني، كنعت زنوبياً بشخصيّة متخيّلة! في الوقت ذاته استعادة ملامح “السلطنة العثمانية” كالإشارة من قِبل وزارة الأوقاف، إلى ضرورة العودة إلى الأرشيف العثماني لضبط الأملاك في سوريا!

بصورة ما، هكذا يتمّ إعادة موضعة سوريا ضمن التاريخ، وخلق كولاج من سرديات وهمية، وأخرى منتقاة تتناسب مع النزعة الانتقامية من خطاب “البعث” التاريخي، وترسيخ “الانتصار الأموي” الذي يتجلّى بدخول دمشق والتربّع في قصرها، الذي يوصف بعبارات كـ”عودة دمشق إلينا”، أو كما قال وزير الثقافة “دمشق لنا إلى يوم القيامة”!

هذه الحميّة ترافقت مع استهتار في التعامل مع ملفّ “الآثار”، فما نشهده بعد سقوط النظام لا يمكن وصفه إلا بصفقات سرّية أو اتفاقات غير معلنة،  مثلاً، تمّ تركيب لوحة ” فسيفساء مستحدثة” فوق أحد أبواب الجامع الأموي في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، حسب ما نقل محمّد المصري عن إدارة المسجد، وأن من ركّبها “ورشة متخصّصة من محافظة إدلب”.

يأتي ذلك مع بيان من إدارة المسجد تقول فيه  إنها تسعى “لإزالة أي تعدّيات أو إضافات غير أصلية تُشوّه المعالم التاريخية للمسجد، أو تُخلّ بمكانته الدينية والرمزية”، لكنّ السؤال، أي مرحلة تاريخية بدقّة سيتمّ اعتمادها؟ فتاريخ المكان ممتلئ بالتناقضات، وسؤال تاريخ سوريا الآن ملحّ، فأي لحظة تاريخية تبدأ منها “سوريا”، بعد سقوط الأسد؟ سايكس- بيكو؟ تأسيس الدولة الأموية؟ “فتح دمشق”؟ وصول القديس بولس إلى دمشق؟ كل هذه الأسئلة غامضة ودون إجابات.

سوريا: من “العالم” إلى “التاريخ”

تحقيب سوريا  سؤال متكرّر منذ ما بعد سقوط النظام، لا سيّما وأن سوريين في زمن النظام كانوا يخاطبون “العالم”، ويدعونه للوقوف إلى جانبهم في وجه البراميل، و”العالم” هذا، لم يلبِّ النداء وارتكب “خطأ تاريخياً”، واليوم، بعد سقوط النظام، كلمة “لحظة تاريخية” تتكرّر، فالتاريخ تُعاد صياغته أمام أعيننا، وفسيفساء الأموي شاهدة على هذا التحوّل، فالصرح تغيّر مع تغيّر السلطات شكلاً ورمزاً.

الأموي مثلاً في مخطّط العام 1855 الذي أنجزه المستشرق جوسياس ليزلي بورتر، كان يحوي سوقاً للعبيد، فهل ستتمّ الإشارة إليه؟ وبعيداً عن بورتر، يصف المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” فسيفساء الأموي قائلاً: “صور  أشجار وأمصار، وكتابات على غاية الحسن والدقّة ولطافة الصنعة، وكلّ شجرة أو بلد مذكور إلّا وقد مُثّل على تلك الحيطان”.

فسيفساء الأموي إذاً حوت “العالم”، كلّ “البلاد” كانت على الجدار  الذي نجا من الحرائق، و”الترميم” وغيرها من عوامل “التاريخ” وسياساته التي تعيد توظيف الرموز من جهة، وموضعة سوريا ضمن “العالم” من جهة أخرى.

 لا يتّضح خيار حكومة دمشق بخصوص “التاريخ”، فعبارة إضافات “غير أصلية” شديدة الغموض في بيان إدارة المسجد، ما هو الأصل الذي سيتمّ اعتماده، لنفي ما ليس بأصيل؟ مثلاً يذكر بورتر في كتابه “خمس سنوات في دمشق” عبارة من سفر المزامير (145-13)، مكتوبة على إحدى القناطر، مفادها: “مُلْكُكَ مُلْكُ كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ”، قطعة منسيّة من زمن كان فيه المسجد كنيسة، استخدم عمّال الوليد بن عبد الملك حجارتها لبناء المسجد، وهنا السؤال، أيهما الأصل؟

نطرح هذه التساؤلات في محاولة لفهم التاريخ “الجديد”، وهل سيحتوي “العالم” أم يلفظه؟ لا سيّما وأن آليّة “الجامع الفيتشي” التي أشار إليها والتر بنيجامين تُطبّق أمام أعيننا. يختار الأمويون الجدد من التاريخ بأسلوب قائم على رغبة بتاريخ مصمّم لإشباع  فجوة تاريخية، يلخّصها “صحافي” مقرّب كثيراً من السلطة اسمه قتيبة ياسين بعبارة مرعبة، تقول: “نحن استعدنا دولتنا يلي سُلبت منا لـ55 سنة، على دمائنا لن نرجع، التاريخ لن يتكرر، ألفين سنة كانت ماشية صح، طلع منها 55 سنة غلط، تم تصحيحه بدماء مليون إنسان”.

الوصف العنيف حول استعادة دمشق ومعالمها ليس بالجديد، خصوصاً حين الحديث عن هويّة المسجد الأموي، و”الرغبة” في امتلاكه، فـالنابغة الشيباني الذي كان شاهداً على “تحويل” الكنيسة إلى مسجد، نقرأ أبياتاً له في مديح الوليد بن عبد الملك مثل: “إن الوليد أمير المؤمنين له/ حقّ من الله تفضيل وتشريف”، أو: “قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا/ فصخرها عن جديد الأرض منسوف”، كما يتّهم النصارى قائلاً: “تدعو النصارى لنا بالنصر ضاحية/ والله يعلم ما تُخفي الشراسيف”.

الشيباني، ونقصد الشاعر، لا وزير الخارجية، يصف عمليّة بناء المسجد بـ”القلع”، التغيير المادّي للرمز التاريخي، مشيراً إلى “النصارى” وعدم الارتياح لما في قلوبهم، اللغة الشديدة اللهجة والعنيفة حين الحديث عن معبد جوبيتر،  تكشف بوضوح أن السلطة، أي سلطة، تغيّر الأثر المادّي، لا لتعيد تكوين التاريخ فقط، بل “العالم” ومكانتها فيه.

جدران الأموي وفسيفساؤه كانت أشبه بـأطلس للبلدان والأمصار، طمسها الخطاب السياسي والحرائق، واليوم حكومة دمشق أمام “فرصة تاريخية” لاحتواء “العالم” بأسلوب مادّي عبر الزخارف، الترميم إذاً، فعل سياسي يكشف موقف سوريا الجديدة من “العالم” وجغرافيات التاريخ المتغيّرة، وأسئلة حول عمق سوريا التاريخي لا يمكن أن يُختزل بالبلاستيك وبلاغة فارغة عن “الأصل”.

من يمثّل “آثار “سوريا ؟

نشرت وكالة الأنباء السورية “سانا” خبراً عن مشاركة وفد من إدارة الآثار والمتاحف في المؤتمر الثاني حول  تدمر في لوزان السويسرية، الخبر الرسمي لم يُشر إلى المشاركين من طرف حكومة دمشق، لكنّ جمعيّة حماية الآثار السورية، أشارت في منشور على صفحتها الخاصّة على فايسبوك، أن من شارك هما رأفت الشيباني (ِشقيق وزير الخارجية) الذي يُشاع أنه عُيّن كمدير عامّ للمؤسّسة العربية للإعلان، وطارق الحامض مندوب من الإدارة السياسية ومدير العلاقات العامّة في المديرية.

كلا الشخصين غير مختصّ بالآثار ومن خارج المؤسّسة، وتعيينهما تمّ لأسباب سياسية، لكنّنا أمام سؤال التمثيل، ما الذي تريده حكومة دمشق ووزارة الثقافة من مديرية الآثار؟ وما هو تصوّرها عن “التاريخ” السوري وكيفيّة تقديمه؟ خصوصاً وأن الوزارة عاجزة عن حماية الفضاءات الحالية والجديدة، كحالة سينما الكندي في دمشق التي تمّ “تقاسمها” مع وزارة الأوقاف، ناهيك بأن تدمر والخراب الذي شهدته يُتّهم به “تنظيم الدولة الإسلامية” الذي كان أحمد الشرع قائد فرعه السوري في إحدى محطّاته، إذاً من سيحاسب؟ والأهمّ، ما الذي سيزيّن العملة السورية الجديدة التي ستُطرح في مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل؟

على مستوى حماية الآثار، أثبتت المديرية وحكومة دمشق ليس فشلهما فقط، بل أيضاً تكتّمهما على السرقة، إذ نشر خبر سرقة المتحف الوطني في دمشق الصحافي محمّد السلّوم “على مسؤوليّته” على صفحته الشخصية، لتسارع بعدها بليلة واحدة وسائل الإعلام لتداول الحكاية والتعامل معها رسمياً، كما أن الكشف عن المسروقات (تماثيل فينوس- أفروديت) نشرته بداية منصّة “سوريا الآن”، بعدها بدقائق نُشر رسمياً، نحن  أمام سباق على الخبر، لا كشف الجريمة.

الأمر كرّره السلّوم، ناشراً خبراً عن سرقة آثار من قلعة دمشق، أيضاً على “مسؤوليّته الشخصية”، في ظلّ تكتّم المديرية، وإجراء تحقيق شكلي، لم يتمّ الحديث عنه رسمياً إلى الآن، وبالطبع، لم يزر وزير الثقافة “مسرح الجريمة” في المتحف إلا بعد أسبوع، وانقضى الأمر بريل على إنستاغرام، وتصريحات فارغة عن ملاحقة المتّهمين.

على حافّة “لحظة تاريخية”، الآثار والأركيولوجيا السورية مهدّدة بالسرقة والتقصير والفيتش الأموي، والاستعاضة عن “التاريخ” ورموزه بحملة علاقات عامّة، ورموز استهلاكية تثبت الولاء لا الانتماء، وربما أبلغ مثال أو تشبيه على حالة التعامل مع الآثار في سوريا ودور الحكومة، هو ما انتشر مؤخّراً عن وجود “مغارة ذهب في درعا”، تهافت عليها الناس بحثاً عن الذهب، ليتبيّن لاحقاً أنها “بقايا قبور فارغة”، ولا دليل على وجود كنز في الموقع.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى