أسئلة «مجتمع إدلب» في الدين والحياة: قراءة في «فتاوى علمية من الساحة الشامية»/ حسام جزماتي

25-11-2025
تكتسبُ دراسة «مجتمع إدلب» أهمية خاصة الآن بالنظر إلى أنه من يقود المرحلة الحالية، حكومياً وحولَ حكومياً وصُنعاً للمجال العام. فضلاً عن أنه، في الأساس، لم يكن قليلَ الأهمية بقرابة أربعة ملايين ونصف مليون من السكان في مناطق سيطرة «هيئة تحرير الشام»، من أصل حوالي ستة ملايين ونصف مليون هم سكان شمال غرب سورية في آخر إحصاء نشره فريق «منسقو استجابة سوريا» في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، قبيل انطلاق معركة «ردع العدوان».
ومن المعروف أن السكان لم يقتصروا على الأهالي الأصليين للمنطقة بل أيضاً المُهجّرين من شتى المحافظات، والنازحين من أرياف شاسعة في حماة وإدلب وحلب إثر خسارة الفصائل أمام قوات النظام هناك في حملة واسعة لم تنتهِ إلا بتوقيع اتفاقية الهدنة التركية–الروسية في آذار (مارس) 2020. لتستقر خطوط السيطرة بعد ذلك لأكثر من أربع سنوات تبلورت فيها سمات هذا المجتمع في ظلّ ما يشبه العزلة بعد التشديد على ضبط الحدود مع تركيا.
ترافقت تلك المرحلة مع انتشار تطبيق تلغرام مصدراً أول للأخبار والشائعات، ومع اصطباغ هذا المجتمع بصبغة دينية سنّية واضحة بتدرجات مختلفة؛ مما دفع الشيوخ في المنطقة إلى الحضور على هذا التطبيق بقنوات شخصية وأخرى مُخصَّصة للفتاوى يستطيع أيٌّ كان أن يراسلها ثم ينتظر جواب الشيخ.
من هذه الفتاوى ما هو دينيٌّ عام ومنها ما يتصل بخصوصية الحياة في هذا الزمان والمكان المحددين؛ مدينة إدلب وجزء من ريف حلب الغربي أساساً، أي ما تسميه المدونة الإسلامية بأحكام «النوازل» أو المسائل المعاصرة، بالنظر إلى الأجوبة/الفتاوى الصادرة عنه، فيما يمكن لعلم الاجتماع أن يرى فيه سبراً عشوائياً ومادة غنية لجمع الملاحظات عن وقائع هذا المجتمع، بالاستناد إلى الأسئلة. فتقدّمُ هذه القنوات، التي بلغ عدد الفتاوى في بعضها آلافاً، منجماً لا يقل أهمية عن النظر في وثائق المحاكم، يرفدُ، بمادة حيّة، الإعلامَ الرتيب. ونقصد هنا قنوات كبيرة يُشرف عليها من يُعَدّون مرجعيات، كالشيخ عبد الرزاق المهدي والشرعي المصري أبو الفتح الفرغلي والدكتور إبراهيم شاشو.
ما تزال هذه المواد حبيسة التلغرام. وربما تتعرض، لأسباب تقنية أو رقابية أو لتغير المعادلات، للحذف الكلي أو للتنقيح الجزئي. لكن هذا لن ينطبق بعد الآن على فتاوى الشيخ السعودي الشهير عبد الله المحيسني، المهاجر إلى سورية منذ العام 2013، مستعيناً أحياناً بنظيرٍ له أقل شهرة هو الشيخ مصلح العَليَاني، للإجابة عن الأسئلة في قناة «فتاوى علمية من الساحة الشامية». إذ إن المحيسني جمع ما يقرب من خمسمئة فتوى، وأصدرها في كتاب كبير بعنوان الحلة البهية من فتاوى الساحة الشامية. وهو مفيد في الباب الذي نقصده رغم أنه مرَّ بأكثر من فلتر؛ أولها أن صاحب القناة تجنَّبَ، في الأصل، الإجابة عن أسئلة «تتعلق بأمور الساحة والعلاقات بين الفصائل» كما جاء في المقدمة. وثانيها فِلتر التشذيب والاختيار وتجنب التكرار، لتحويل الأسئلة من سيولة التلغرام إلى هيبة المطبوع. لكنه يبقى دليلاً أو مدخلاً للاطلاع على هذا النوع من المعرفة.
وبتجاوزِ الفقرات العامة من الكتاب، التي تتناول مسائل في العقيدة والفقه، نصلُ إلى الهمومِ المُتعيّنة لمجتمعٍ يسألُ أفراده:
ما معنى السلفية؟ وما سبب الخلافات في الساحة السلفية؟ وهل تُشكل السلفية جسر عبور إلى داعش؟ هل «جماعة الدولة» خوارج؟ وما حكم اتهام المسلم أخاه بأنه من الخوارج؟ وهل تدلُّ انتصارات طالبان على صحة منهجهم؟
يسأل مستفتٍ عن تحكيم شرع الله في حال الحرب. وثانٍ عن جواز إقامة الحدود على أرض الشام في ظلّ هذه الفوضى. وثالث عن حكم التبليغ على الصفحات والقنوات المسيئة في الفيسبوك واليوتيوب لتُغلقها الشركة الأجنبية، هل يُعدّ تَحاكُماً إلى غير الله؟
ما حكم اليأس من الساحة؟ وتركها بحجة أخطاء المجاهدين؟ وهل تقف دوافعُ مصلحية وراء الاختلافات القائمة؟ وما حكم من تركَ الجهادَ لأنه لا يريد أن يُريق دماً حراماً «علماً أي فصيل يأمرك بالقتال الداخلي وترفضه يتم فصلك أو التضييق عليك»؟
وأيهما أولى؛ الجهاد أم طلب العلم؟ وما حكم التوقف عن الرباط للتفرّغ لدراسة البكالوريا؟ وهل يأثم من خرج ليعمل في تركيا لحاجة أهله والصرف عليهم؟ علماً أن شاباً آخر يقول إنه استجاب لضغط أهله الفقراء حين قالوا «ليك الشباب كلهم راحوا على تركيا يساعدون بالمصاريف، خليك مثلهم». فيما تسأل شابة عن حكم أخيها وهو «وحيد لأهله ونحنا الآن في نزوح خرجنا من بيتنا ويوجد لديه أخوات 2 أرامل ومعهم أطفال وأمي مريضة بحاجة لرعاية وعلاج وهو مصرٌّ على الجهاد». ويعرضُ آخر وضعَ قريبٍ له عمره 16 عاماً يريد أن ينفر للجهاد، علماً أنه «لا يُصلي ولا يتعلم علم ويدخن وكثير من المعاصي موجودة»، و«أخوه الذي أكبر منه شهيدٌ بإذن الله والأصغر معاق وأمه مريضة شلل نصفي وأخته صغيرة مريضة قلب ووالده يعمل في الخياطة ويريد الذهاب لأميركا كملتجئ وبقصد العلاج لزوجته وابنته وابنه». ويقول شابٌ مُهجَّر من الغوطة، يعمل مع فيلق الرحمن في عفرين، إنه لم يلتحق بالجبهات بسبب عنايته بابن عمه الذي أُصيب بالشلل.
يسألُ «مجاهد مصاب، مع هيئة تحرير الشام، أستطيع المشي لكن لمسافات قريبة جداً» عن جواز تركه حضور صلاة الجمعة لأن خطب الإمام «باردة، لا يأتي بشيء من الواقع». وآخرُ عن حكم تعليقِ صلاة الجمعة أثناء تحليق الطائرات. وثالثٌ عن جواز الإفطار في رمضان إذا كان سيذهب إلى اقتحام. ومصاب آخر عن حكم صلاته التراويح في بيته. فيما يسأل مقاتلٌ مُهجَّر من حماة عن جواز أن يجمع دوماً بين الصلوات، لأنه لا يقيم في مكان ثابت بل يتنقل بين النقاط.
تسأل شابة عن طريقة «تنصر بها دين الله». وتستفتي أخرى عن رفض خاطبٍ غير مهتم بأمور الدين المتعلقة بوقتنا الحالي، مثل أنه لا يعلم ما يجري الآن في سوريا وغيرها «ولا يحمل هم الأمة بل يهتم بحياته الخاصة». أمّا زوجة المجاهد الذي لا يستطيع استئجار بيت مستقل، ولذلك يقيمون مع أهله، فتسأل هل يجوز أن يراها إخوته من دون نقاب؟
تسألُ امرأة عن توزيع ميراث زوجها الذي «استشهد ومعه مليون ليرة… وله زوجتان خارج البلاد وثمانية أولاد ولا يمكن الوصول إليهم». وتشتكي أخرى من أن زوجها استشهد منذ ثلاث سنوات وقد طلبت من أهلها، الذين لا يقيمون معها، أن تتزوج فرفضوا قائلين: «أنت مُجبَرة بأولادك وأمِّ زوجك». وتسأل ثالثة عن عدّة من اعتُقِلَ زوجها وبعد مرور سنة أخبروها بمقتله لكنهم لم يعلموا متى قتل، علماً أنها تزوجت وحملت في هذه المدة. وتقول أخرى إنها لا تعرف متى تُحسَبُ عدّتها فقد توفي زوجها من عامين، لكنها لم تعلم بذلك إلا اليوم لأنه كان سجيناً.
تسألُ امرأة عن جواز أن تَهجُرَ زوجها إن كان يقيم في مناطق النظام. ورجلٌ عن جواز تزويج الأخت المسلمة لشخص في سلك شرطة النظام. ويشتكي ثالث: «أبوي زَوَّج بنتو لواحد عسكري نصيري من قرايبو… ومحد ضاغط عليه والبنت مو مجبرة… شنو واجبي أني هل أقاطع أبوي؟». ويسأل رابع عن حكم الشباب الذين يُجبرهم جيش النظام، بعدما استولى على مناطقهم، على القتال ضد الثوار. وآخر عن حكم وضع اليد على أملاك وعقارات المتغيبين من أهل السنّة لشُبهة تأييدهم للنظام.
يسأل رجل عن حكم بيع قسائم الشراء التي تُوزِّعُها المنظمات بأقل من سعرها لشراء مواد أخرى. وأمٌّ عن حكم أن تنفق على نفسها جزءاً من المال الذي تدفعه جمعية لابنها اليتيم. ومشرف عن حكم تغيير مصرف مَبالغِ التبرعات للأيتام من شرطِ المُتبرِّع إلى هدفٍ آخر.
يسأل شاب عن حكم التدخين. ومسؤولٌ عن وجوب أن يمنع الإخوةَ المدخنين عن ذلك داخل المقرّ. ومقاتلٌ عن حكم أن يُجاهد وبجواره مجاهد من فصيل آخر يدخن. وشاب عن جواز العمل في محلٍ يبيع الدخان. وآخر عن فتح صالة لألعاب البلياردو والفيشة. ورجلٌ عن حكم مكاتب تحويل الأموال التي تستلم بالعملات الأجنبية في الخارج وتسلّم بالليرة السورية في الداخل. ومُزارعٌ عن جواز الاستفادة من أرض أخذتها الدولة من أصحابها بالتأميم ووزعتها بموجب قانون الإصلاح الزراعي.
يسألُ «مُهجَّرٌ من الشام ولا أعمل بسبب التزامي بجماعة مجاهدة» عن جواز أن يسكن بالمجان في بيتٍ صَاحبُهُ في ألمانيا، وقد وكّلَ صَديقَهُ بتأجيره وتحصيل الإيجار وإنفاقه في سبيل الله. وآخر عن حكم مجاهد جلب أغراض بيت من كفريا والفوعة [البلدتين الشيعيتين، بعد تهجيرهما] مع العلم أنه يحتاج إليها كثيراً في بيته ووضعه المادي جداً جداً سيئ. وثالثٌ عن حكم العمل مع فصيلين في الوقت نفسه بسبب الحاجة المادية.
يسأل رجلٌ عمَّنَ قُتل بلغم هل يُعَدّ شهيداً؟ وثانٍ عن تغسيل بعض أجزاء الميت لعدم العثور على جثمانه كاملاً. ويطلب مقاتلٌ تفسير رؤيا حلمَ فيها أنه سينفذ عملية استشهادية، استيقظَ منها مُستبشِرَاً.
ويسأل شخص: هل يجوز الدعاء على بشار بعينه؟ فيأتيه الجواب: «نعم يجوز الدعاء عليه، بل يجب».
موقع الجمهورية



