الناخبات المضمونات: عن استثمار اللامبالاة في إعادة إنتاج السلطة/ منال حميد

01-12-2025
يُنظَر إلى الاستبيان كأداة تَجمعُ المعلومات من الأشخاص ثم تُحلّلها رقمياً، لكن في المجال النسوي لا تصمد الأدوات المحايدة، ففيه يتحول الاستبيان من وسيلة لجمع البيانات إلى عملية تفاعل بين ذات الباحثة والنساء في البيئة الاجتماعية والسياسية، ليُشكل الخوف والرفض والتوجس مُعطيات منهجية.
فمن خلال تجربة الاستبيان لصالح بحث ميداني معني بالانتخابات النيابية، تبيّنَ لي أنه حتى الاستماع نفسه محكوم بالبنى الاجتماعية، فالعلاقة بيني كباحثة وبين المبحوثات من القواعد لا تُدرَك كعلاقة متساوية، بل أُمثّلُ فيها بالنسبة لهنّ سلطة رمزية، فيتحول الاستبيان إلى مرآة تعكس علاقات القوة بين النساء أنفسهن، وإلى فعل مواجهة ميداني بدلاً من أداة كمية.
لسنوات اعتُبرَت النساء كتلة انتخابية واحدة أو أرقاماً في نسب المشاركة، وحتى حين تطور الاهتمام بسلوكهنّ الانتخابي، غالباً ما كان يُحلَّل على أنهن جاهلات سياسياً، مع استبعاد السياسة من دائرة اهتمامهن، كحُكْم يصدر من الأعلى وليس كمعرفة تتكون من الخبرة والتعلم من الأسفل.
ولأن المنهج النسوي يرفض فصل الذات عن البحث، فتجربتي بوصفها جزءاً من المعرفة لا خارجها، بكل ما يتخللها من مشاعر النبذ والغضب والإحباط والإحراج، تكشفُ عن بنية الخوف الاجتماعي التي يعيشها كل من تقتربُ من المجال العام من النساء.
من خلال إعادة سرد تلك التجربة وتحليلها نسوياً، أحاول فهم الكيفية التي يتحول بها شعور الاغتراب السياسي النسوي إلى أداة يتم تدعيمها باستمرار لتُعيد إنتاج السلطة الذكورية والطائفية نفسها، وأن استكشفَ الطريقة التي يتعامل بها النشاط النسوي العراقي معها، وهل يمكن أن نعتبر ذاك الاغتراب شكلاً من أشكال القول منخفض الصوت؟
الاستبيان كشّافُ نور من صبّار
الساعة العاشرة والربع صباحاً في أحد نواحي مدن الفرات الأوسط، أقف وسط السوق موعودةً بتمركز النساء في هذه البقعة لكنني لا أجد أحداً، ألتفتُ يميناً ويساراً كصيادة وليس كباحثة أُطارد مبحوثة لا أريد منها سوى 5 دقائق فقط ولا أُفلح، أستوقفُها لكي أُعرّفَ عن نفسي وهدف بحثي فَتَنفضُني عنها وكأني شيءٌ قذرٌ وتقول بصوت عالٍ للفت نظر الباعة لي: «روحي روحي شنو أخذنا من السياسة حتى نحجي بيها؟». ينظر لي الرجال كشرٍّ غريب مُحتمَل، بعض النسوة الكبيرات بالسن كن سخيات باتهاماتهنَّ لي كتابعة لسياسي ما، وأنني أعمل دعاية له أو جئت لأشتري بطاقاتهم الانتخابية، وأخرى عرضتها عليّ للمساومة، ولا تُعينني سوى بائعة هوى كانت تعرض خدماتها على الباعة، وتستغرب أنني مهتمة برأيها فتدلُّني على بائعات منتجات الحليب. استغربَتْ خطواتي معها وشَعرتْ بلا جدوى العمل الذي أقوم به، وأنه لا يستحق مستوى الحرج الأقرب إلى الخزي الذي أتحمّله في البلدة. البائعات بدورهن نظرن إلى تفاهة ما أقوم به كشيء لا يليق بمظهري، بعد أن دخلتُ تحت أشعة سونار عيونهن تفحُّصاً.
لا مراكز تسوّق ولا مساحات تسمح بتجمُّع النساء، لم يكن أمامي من خيار سوى طرق الأبواب للوصول إلى النساء في فضائهن الخاص تماماً، في ظلّ غياب حتى علاقات جوار نسائية تسمح بتبادل المعرفة أو الأخبار كما السابق. ومع كثرة الأبواب التي لم تُفتَح، وتلكَ التي فُتحت مع عدم رغبة في المشاركة تحت حجة (ما أفهم بالسياسة، أني مرة فلاحة، ما أعرف، شـ مفَهمني بالسياسة؟ هاي سوالف الزلم يمة…)، كانت كلمة سياسة بكل ثقلها المرتبط بالخداع والفساد طاردة كفاية لكي تجعل الكلام معي أمّا طلسماً أو خطراً. مع ذلك فُتحت بعض الأبواب، ورغم الحرج الذي كان يجعلني أتصبّبُ عرقاً، والذي استشعرَت به النساء فحرصنَ أن يكنَ مضيافاتٍ وودودات جداً، لكن بمجرد أن أوضح لهن هويتي وهدف البحث السياسي حتى يُصبنَ بالإحباط والأسف على الـ 5 دقائق المهدورة معي، وهذا ما جعل استماراتهنّ شبه مفرّغة من معناها كونها مليئة بعبارة «ما أعرف».
كنتُ أعتقد أن السبب هو المستوى العملي والتعليمي الذي كان محدوداً ولا يصل إلى المستوى المتوسط، فغالبية من طرقت أبوابهنَّ طلباً لرأيهن في الشأن السياسي كنَّ ربات بيوت مُحاصَرات بجدران منازلهن تتمحور هموهن السياسية حول توفير فرص عمل لأبنائهن، حيث جعلن مني مثالاً للشباب المسحوق كوني لا أعمل في وظيفة حكومية وها أنا أطرق الأبواب طلباً للرأي.
لم أصِل إلى العدد المُحدد لاستمارات الاستبيان، وهو ما جعلني غاضبة بصمت ومُحبَطة، لكن الرغبة في الفهم، والإصرار على عدم الاستسلام، إضافة إلى دعم الأصدقاء الذين أعادوا شحن طاقتي، دفعتني إلى أن أعاود في اليوم الثاني مع استراتيجيات تواصل مختلفة، جوهرها الابتعاد عن كل مفردة تخص السياسة، وهذا الأمر جعل المهمة أعقد لأن البحث سياسي في أساسه، لكنه عزز فرص قبولي بينهن للظفر بالـ 5 دقائق من وقتهن، ووصلتُ إلى نساء متعلمات لكنهن أيضاً كُنَّ غير مهتمات بالشأن السياسي، ويتركّز اهتمامهن حول فرص العمل الحكومية تحديداً لبناء تقدمهن الفردي فقط. كُنَّ شبه منقطعات عن العالم رغم تواجدهن على مواقع التواصل، ولا يرغبن في معرفة أي شيء عن السياسة، أمّا يومُ الاقتراع بالنسبة لهن فهو عطلة حكومية لممارسة العمل المنزلي المُؤجَّل.
التبعية للخيار السياسي للرجل هي المُهيمنة سواء في الريف أو المدن، وسواء كنَّ متعلمات أو ذوات تعليم محدود، وسواء كنَّ منحدرات من طبقات عليا أو دنيا اقتصادياً، فهنَّ أما بانتظاره لتكوين رأيه حول إذا كن سيُصوتن أم لا ولمن أو مع رأيه أياً كان، والرجل هنا ليس الزوج فحسب بل يشمل الأب والأخوة وأولاد العمومة ومختار المنطقة وشيخ العشيرة وموظفي الاقتراع ومراقبي الكيانات في المراكز الانتخابية، فعلى الرغم من تأكيدهنّ بأن خياراتهم السابقة أثبتت عدم صحتها إلا أنهن يَرينهم الأعرف.
التبعية للعشيرة تُعَدُّ النوع الأكثر شهرة، فالقادة السياسيون والمرشحون يعتمدون عليها بشكل تام للاستحواذ على أصوات رجالها الذين سيضمنون تلقائياً أصوات نسائها لهم بحكم سلطتهم الأبويّة عليهن، في الوقت الذي يخترن الراحة من التفكير السياسي كآلية دفاع نفسي اجتماعي، ويتم تحويلهن كأصوات مضمونة لإعادة إنتاج سلطة تزيد من قبضتها عليهن.
اغتراب أم تواطؤ
وكأنني كنتُ بحاجة لهذا الاستبيان لأعرف (ميدانياً) أننا لم نكن غريبات، لكننا لسنا على الجهة ذاتها من اللعبة، فما كنت أعتقد أنه لامبالاة مُريحة ونوعٌ من التواطؤ الإجباري، كُنَّ يَرينَهُ استراحة من شعور مزمن بالخذلان؛ إنها حالة اغتراب سياسي مزدوجة، مرة لأنهنَّ مواطنات يُقاسمنَ الرجال حالة الإحباط واللاجدوى من السياسة، ومرة لأنهن نساء يحملنَ معهن ميزان القوى غير المتكافئ من الفضاء الخاص إلى الشأن العام.
اجتماعياً، كانت تركة حزب البعث ثقيلة بما يكفي لتُولِّدَ حالة عدم رغبة بمعرفة حتى الأخبار السياسية، وحالة هلعٍ من ممارسة النساء للعمل السياسي بأشكاله المختلفة، فالأمر لا يقتصر على ممارسة حق التصويت بل يتوسع ليشمل التحزب والتوقيع على العرائض، وممارسة النقد السياسي في وسائل الإعلام والأوساط الاجتماعية، وممارسة حق التظاهر والإضراب والترشّح والولوج إلى العمل النقابي والجمعياتي وتبوُّؤ مناصب حكومية سياسية، فالنساء في عهده كنَّ أدوات قمعية لإبعاد الرجال وتخويفهم من السياسة إضافة إلى إفزاعهنّ منها كهدف ثانوي. كنتُ قادرة على تفهمهنّ عندما اخترنَ أجوبة حيادية لا تخلق تبعات على أمنهنّ الشخصي، إنه خوفٌ مُترسب في ذاكرة العراقيات لم ترغب السلطة بعد عام 2003 بانتزاعه منهن، بل عملت على استثماره بتحويلهنَّ إلى كتلة عددية مضمونة.
تخيّلتُ، وبشكلٍ نظري، أن حالة اللامبالاة المُريحة ترتبط بطبيعة البيئة الريفية وابتعادها عن مراكز المدن بما تُمثله من فضاءٍ للنشاط السياسي والحراك الاجتماعي، سواء من قبل الفاعلات السياسيات أو عموم الناس. غير أن ما اكتشفته كان عكس ذلك تماماً.
فالوجود المكاني في المدينة لم يُغير ثابتَ المعادلة بل زادها تعقيداً، حيث الشهادات العليا وتوفُّر العمل والحق بممارسته موجود لكن الاهتمام ولو بمتابعة ما يحدث هو الغائب، وما تشترك فيه نساء الريف مع نساء المدن هو الرغبة في الحصول على التعيين في الوظائف الحكومية، التي يُنظَر إليها غالباً كغايةٍ معيشية لا علاقة لها بمتابعة الشأن السياسي أو المساهمة في صناعته. وقد وجدتُ بينهن خريجاتٍ باختصاصات نادرة ومهمة، لا شكّ أن إعدادهنَّ لها كلّف الدولة الكثير، لكنّهن اليوم يقبعنَ خلف واجهات بيع العطور ومستحضرات التجميل والملابس الداخلية لساعاتٍ طويلة تتجاوز التسع، مقابل أجورٍ زهيدة وظروف عملٍ لا تراعي خصوصيتهنّ ولا كرامتهنّ.
في المدينة تعقبتُ المبحوثات غير المُصطحَبات من قبل أزواجهن كثيري الشك والأسئلة التي تجعل منهم مركزَ الحديث، بينما ندور أنا والمبحوثة في فلك زوجها محاولات إقناعه بجدوى الاستبيان وجدوى الـ 5 دقائق من وقتها ووقته، وغالباً ما كنّا نفشل، أمّا من كن بمفردهن فهن أكثر حرية بالإفصاح عن آرائهنّ دون توجيه أو استخفاف أو تسخيف لما تقمنَ به معي.
على الصعيد الطبقي، انعكسَ التباين الاجتماعي والاقتصادي بوضوح على ما كانت النساء يَنشُدنَه من الحكومة. فمن تمتعن بأمانٍ اقتصادي، سواء عبر التعيين في دوائر الدولة أو الانتماء إلى أُسر ميسورة أو امتلاك مشاريع خاصة، انصبَّ اهتمامهنَّ على ما يُعدّ حقوق مواطنة عامة أكثر من كونه حقوقاً نسوية، مثل المطالبة بوجود مسارح ودور سينما أو مساحات خضراء لاصطحاب الأطفال. أمّا من كُنَّ في موقع ربّ العمل، فقد امتلكنَ سلطة مباشرة على العاملات، لا سيما فيما يتعلق بجدوى أو عدم جدوى إبداء الرأي السياسي معي أو مع غيري، وكانت العاملات يستجبنَ لتوجيهاتهنّ خوفاً من التبعات العملية.
أمّا التباين في الحالة الاجتماعية، فقد لعب دوراً واضحاً في تشكيل أولويات النساء. إذ كانت العازبات أكثر رغبة في الحصول على فرص عمل مستقلة تضمنُ لهن دخلاً خاصاً واستقلالاً اقتصادياً، بينما انشغلت الأمهات بمتابعة المسار التعليمي والمهني لأبنائهن. في المدن، تركَّزَ هذا الاهتمام على إيجاد وظائف تليق بتحصيل الأبناء العلمي، في حين انصبَّ في الأرياف على إصلاح الأراضي وتوفير الأعلاف لضمان استمرار عمل الأسرة. ومع ذلك، ظلَّ القاسمُ المشترك بينهن جميعاً هو وعيهن الدقيق باحتياجاتهن واحتياجات أُسرهن، لكنهن – بفعل الهيمنة الذكورية الممتدة – لم يكنَّ مُدرِكات تماماً للترابط بين آليات إشباع هذه الاحتياجات وبين الانخراط في الشأن السياسي والمشاركة فيه، لا الاغتراب عنه.
ومع أن البلاد مستباحة معلوماتياً من كل الجهات، برضا الناس أو باستغفالهم، حيث تُجمَع بياناتهم من قبل دولٍ إقليمية، وتُسلَّم أحياناً بسخاء من دولتهم إلى من «يهمّه الأمر»، إلا أنهم تخوّفوا مني أنا. إذ لم يكن دفاعهم عن أنفسهم بالرفض أو الاستفزاز أو الاستخفاف، أو حتى الطرد، سوى دفاعٍ فوريٍّ مُنتَجٍ لحظياً أمام القوى السياسية التي تمتلك المال والسلاح والنفوذ، فقد بدا دفاعهم أشبه بمحاولة اختراق جدارٍ صلبٍ برؤوسهم العارية.
من خلال تتبع خطابات القادة السياسيين والمرشحين للانتخابات، لا نجدها موجهة للنساء ولا تتضمن ما يَعنينهنّ، وإذا تضمنته فهو في إطار الأسرة والطفل والأمومة، وكأن النساء غير معنيات بالقضايا الأخرى ولا برسم السياسات الداخلية والخارجية ولا بتقاسم القوى السياسية.
اعتقدت النساء أن لامبالاتهنّ السياسية تلك تجعلهن خارج المشاركة في لعبة السياسة القذرة وغير المفهومة، لكن دفنَ النعامة لرأسها في الرمل لن يجعلها غير مرئية، فالقادةُ السياسيون اعتبروا أصوات النساء رقماً مضموناً في تلك اللعبة من خلال الاهتمام بالتأثير على رجال العائلة، فالتبعية للعائلة بممارسة حق التصويت تجعل المرشحين يحصلون على صوت الرجل ومعه كل النساء اللواتي يملك عليهن سلطة أبوية، من زوجة وبنت وحتى أخت وأمّ.
في إحدى القرى قالت امرأة أرملةٌ تعمل في الفلاحة إنها ستمنح صوتها لمن يقرره مختار المنطقة «كالعادة»، لأنها لا تعرف بالسياسة ولا تُتابعها، فالاعتقاد المُشترَك لدى النساء هو أن ما يُمارسنَه من لا مبالاة فعلٌ فردي، لكنه فعلٌ جماعي مُشترَك استطاع أن يحول نفسه إلى أداة سيطرة سياسية على النساء ومن يمثلهنّ لاحقاً في السلطة، ومن ثم مصادرة ما اكتسبنَ من حقوق، ومن ضمنها قانون الأحوال الشخصية واستبداله بآخر أكثر تقييداً.
رحلة حق التصويت مع الذكورة السامة
ثمنت النساء حق التصويت حتى من قبل استحصاله، وطالبنَ به ضمنياً وهنَّ ينشدنَ المساواة الكاملة منذ بواكير الحركة النسوية في العشرينيات إلى ثُبوته في القانون رقم 55 لسنة 1980 مُعترِفاً بحق العراقيات في ممارسة التصويت الذي لم يجد البيئة الديمقراطية المناسبة لممارسته في ظل حكم حزب البعث. أمّا عقبَ الغزو الأميركي، فقد عملت الحركة النسوية على الاهتمام بالتمكين السياسي للمرأة المرشحة أكثر من المرأة الناخبة، إضافة إلى أن عملها ظل محصوراً بالنخبة وليس القواعد العريضة من النساء. ولم يعمل الحراك النسوي على تفكيك هذا النمط أو التركيز عليه، بل ظلت الفجوة واضحة بين الناشطات النسويات، مُختَزلاتٍ بكلمة «منظمات»، في القاعات والبدل الرسمية لمتابعة الورش التدريبية، يناقشنَ بوجوه مكررة قضايا سياسية بخطاب غير مفهوم بالنسبة للقواعد، ولا يُشكل قلب اهتمام النساء فيها. ما جعل التبعية بالقرار السياسي للرجل والعائلة والعشيرة هي المسيطرة، عاكسةً شكل علاقات القوة بين المرأة والرجل.
ولامبالاتهنَّ تلك مستحدثة، فبالرغم من المعوقات الأمنية إلا أنهن قد شاركن في انتخابات السلطة التشريعية بعد عام 2003 متشجعات بما ضمنه النظام الانتخابي لهن في التمثيل السياسي النسوي، وهو الكوتا المثبتة في دستور العراق الدائم لعام 2005، لكن الأعطال التي حلت في النظام الانتخابي وتأثر النظام السياسي بها واختناقه بالذكورة السامّة بشكل تدريجي مكثّف، جعلهنَّ يشعرنَ بأن تقدمهنَّ الأكاديمي والعلمي وحتى العائلي هو أجدى من متابعة السياسة والاهتمام بها.
عند تتبع خطابات القادة السياسيين والمرشحين للانتخابات، لا نجدها موجهة للنساء ولا تتضمن ما يعنينهن إلّا في إطار الأسرة والطفل والأمومة كماش أشرتُ سابقاً. وحتى المرشحات من النساء لا يحملن برنامجاً أو خطاباً يضع قضايا النساء وهمومهنَّ في مركزه، مرة بسبب توجههنَّ الفكري أو حداثة خبرتهن السياسية، ومرة لأنهن المرشحات المنشودات من قبل قادة الأحزاب، وُجِدنَ ليكملّنَ الجانب الشكلي الديمقراطي للقائمة ولكي يُنفِّذنَ بطاعة عمياء ما يتناسب مع الحزب أو القائمة الانتخابية وليس تطلعات النساء.
إنّ رحلة فقدان المعنى السياسي أفقدت كثيراً من النساء ثقتهنَّ بأنفسهنَّ وبقدرتهنَّ على الفهم والمشاركة. كانت عبارة «ما أفهم بالسياسة» تقع على أُذنيّ بثقل خاص، حين تصدر من ربّات بيوت يُدِرَنَ عوائل ممتدّة، أو من صيدلانيات وأكاديميات يتحمّلن مسؤوليات جسيمة في حياتهن اليومية. المفارقة أن الكفاءة العالية التي أظهرنَها في إدارة الأسرة أو العمل لم تُترجَم إلى ثقةٍ بالفهم السياسي أو الإحساس بأحقّيتهن في الخوض فيه، بل تحوّلت إلى قناعة صامتة بأنّ السياسة شأنٌ يجب الابتعاد عنه. بعد انتهاء الـ 5 دقائق من المقابلة، كنتُ أحرصُ على تذكيرهنَّ بوعدي في بدايتها بأن الأسئلة سهلة ويستطعنَ الإجابة عنها بلا شك، فالسياسة تحاصرنا من كل جانب ونحن من نُغمض أعيننا؛ كُنَّ يبتسمنَ ويسألنني: «هل فعلاً استفدتِ من إجابتي؟».
غير أن الجدوى الحقيقية من اللامبالاة السياسية لم تذهب إلى النساء أنفسهن كما أعتقدن، بل إلى القادة السياسيين الذين أعادوا توجيه خطابهم نحو الذكور باعتبارهم الممثلين الشرعيين للعائلة والمجتمع. هكذا وُضِعَت أصوات النساء في جيوبهم باعتبارها تحصيلَ حاصلٍ بمجرد كسب الأب أو الأخ أو الزوج أو حتى ربّ العمل. ففي عدد من الصيدليات والمحال التجارية، أفصحت بعض العاملات بأنهنّ سيتبعنَ الرأي السياسي لصاحب العمل، فيما لم تُفصح أخريات عن موقفهن إلا بعد نيلهموافقته، وامتنعت بعضهنَّ تماماً لمجرّد امتناعه.
اجتماعياً، تبدو النساء شبه معزولات عن بعضهن، وهو ما يُعزز الفردانية أكثر ويضعف القدرة على بناء روابط سياسية أو نسوية تضامنية للوصول إلى هدف محدد، فقد تراجعت بشكل ملحوظ علاقات الجوار التي كانت واضحة وذات أهمية قبل العام 2003، ولم يعد من المُستحَبّ أن تتجمع الجارات أمام أبواب منازلهنَّ أو في بيت أحداهنَّ ساعة العصر بعد دخول الساتلايت ثم الإنترنت الذي لم يُعزز هذا التواصل أو يطوره، كأن يتم عمل تنظيمات مبتكرة خارج إطار هياكل الأحزاب والمنظمات غير الحكومية مثل الفرق التطوعية والجمعيات والروابط المعنيّة بحقوقهن كنساء لا كمواطنات فقط، مُستغلِّات فضاء الإنترنت.
هذه هي النهاية؟
على مستوى الحراك النسوي نحن بحاجة لتفكيك هذا الشعور وتسميته وكشف جذوره كجزء من القمع، وتحويله إلى وعي سياسي والعمل على إعادة تعريف الغضب النسوي كفعل سياسي غير مرتبط بالجندر بقدر ارتباطه بواقع إقصائي وتهميشي للنساء، وليس الصراخ والعدوانية والهجومية، لنعيدَ تعريفنا للصمت أو اللاموقف على أنه ليس تجاهلاً لما يحدث، بل هو فعلٌ سياسي لكنه لا يلفتُ غير المهتمين بضرورة مشاركة النساء في الخارطة السياسية وإدارة البلاد.
وبقدر أهمية الـ «ما» و«لماذا»، لكن «الكيف» هي الأهم؛ إن محاولة فهم مكونات الوصفة التي خلقت اللامبالاة السعيدة والتي صمدت مع النساء لعقد ونصف من الزمن هي التي تمكننا من التخلص منها، فما بعد عام 2003 دخلت المرأة للبرلمان لكن كزينة للديمقراطية لا كقوة سياسية فاعلة، ولم تنجح بأن تكون كذلك على مدار عقدين حتى في ظِلِّ زيادتهنَّ ككتلة عددية تتجاوز الكوتا. فالنظام الانتخابي بكل علله وتعديلاتها، من قانون أحزاب أو مفوضية راعية للانتخابات ودستور حامٍ له، ظلَّ يؤكد بطرق متنوعة أن نتائج التصويت محسومة وأن أصوات النساء لن تُغيّر بنية هذا النظام الذكورية الطائفية، فالعملية السياسية رسَّخَت شعوراً لديهنَّ بأنها لعبة رجال وأن أصواتهن لا قيمة لها.
في البيوت أم في الشوارع والمحال التجارية كُنَّ أمهات أو عاملات أو معيلات، يسابقنَ الوقت لتنفيذ بقية المهام اليومية متعبات ومهمومات بهموم تحتاج جهد دولة لحلها. لا مبالاتهنَّ ما هي إلا اغتراب وآلية للدفاع عن النفس أمام العجز والتهميش، فالخوض في الشأن السياسي هو تذكير للنساء بموقعهنّ الضعيف، أما عدم الفهم المزعوم فما هو إلا إيهام من السلطة الأبوية لكي تدفعهنَّ بعيداً عنها كنتاج لعنف رمزي طويل المدى.
واختيار النساء للسلام بشكله السلبي، لأن السلطة السياسية فقدت معناها، ولأن العائلة والعشيرة والنظام الانتخابي، بكل ما يحمله من فساد وصل العظم، احتكرَ القرار في دوائرِه المُغلقة. ولكن السلطة لم تفهم أن هذا الانسحاب ما هو إلا اعتراضٌ ضمنيٌ على ما يحدث، فواصلت عملها بدونهنَّ، وبلامبالاتهنّ خففنَ عنها عبء توسيع الخطاب السياسي ليشملهنّ، وخففنَ عنها جهد إقناعهنَ بالسياسات والقوانين التي تصممها، حتى حولتهنَّ إلى أدوات في حروبها السياسية والطائفية والانتخابية بعدما كُنَّ ضميرها الغائب والمغيب في آن واحد.
لكنها بالتأكيد ليست النهاية، فنحن ما نزال بحاجة إلى النساء في الشأن السياسي، ونريد استعادة اللغة السياسية للنساء، فاللغة السياسية الحالية مُصمَّمة لتشبهَ وتُعبّرَ وتخدمَ الرجال من زعماء وشيوخ ومجاهدين أو فاسدين، بينما النساء في الهامش بلا لغة تترجم التجارب اليومية، من الوقوف في طوابير دوائر التنفيذ والرعاية الاجتماعية والمراكز الصحية الشعبية، وصولاً إلى محاولات النجاة من منظومة تُعاقب من يتكلم ويعترض على سياساتها وقوانينها. فالنهاية هي تَحقُّقُ الطموح بأن لا يقتصر الفعل السياسي النسوي على ممارسة حق التصويت بشكل آلي، بل المشاركة الديمقراطية الفاعلة في حكم البلاد، فالوطن الذي لا تُسمَع فيه صوت النساء لا يعرف نفسه بعد.
موقع الجمهورية



