حوار مع المعمارية نور حرستاني من مبادرة «سيربانيزم»: عن الإعمار وحقوقه وعدالته في سوريا

زينة شهلا
27-11-2025
في هذا الحوار، نلتقي في دمشق مع المعمارية السورية نور حرستاني، وهي من مؤسسي مبادرة «سيربانيزم» غير الربحية المعنيّة منذ أعوام بالأبحاث العمرانية، ومفاهيم العدالة المكانية والعمرانية والتشاركية وغيرها. ومع التغيرات التي أعقبت سقوط نظام الأسد، تسعى «سيربانيزم» للانخراط في المشهد العمراني السوري عن قُرب بعد سنوات من الشتات، وللتأكيد على أهمية الحديث عن العدالة خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار.
*****
بداية، من هي نور حرستاني، وما هي «سيربانيزم»؟
أنا المهندسة المعمارية نور حرستاني، تخرجت من جامعة دمشق، ودرست في برلين اختصاص التصميم العمراني. أمّا «سيربانيزم» فهي مبادرة عمرانية تطوعية أطلقناها عام 2017، أنا والمهندس المعماري إدوار حنا من برلين، «بهدف دعم مشاركة السوريين في إعادة بناء بلدهم»، كما نعرّف عنها.
عند إطلاق المبادرة، كنّا نرى بأن هناك فجوة كبيرة بين المجال الاختصاصي أي الهندسة المعمارية، وبين الناس الذين يُفترض أن يكونوا شركاء في عملية العمران في سوريا بشكل عام، وليس في الإعمار وحده، وبأن هناك ضرورة ملحة لتبسيط المعرفة التخصصية وإتاحتها للعموم ولمتخذي القرار.
بدأنا بالعمل البحثي على مناطق العشوائيات التي يُعاني سكانها من تنميط كبير بخلاف المناطق التراثية مثلاً التي تحظى عادة بالضوء الأكبر. نادراً ما يُقال إن التجربة المكانية للعشوائيات سدت احتياجاً سكانياً هائلاً على مدى سنوات طويلة، وإن جزءاً من العشوائيات كانت في الأصل بلدات قديمة تطورت تدريجياً لتصبح مناطق كبيرة، مثل حي القابون في دمشق، وهي تحمل في نسيجها عناصر تراثية قديمة. سعينا إلى «أنسنة» العشوائيات بأن نحكي سردياتها ونضيء على الدمار الهائل الذي تعرضت له خلال سنوات الحرب، وكذلك على الافتراضات الشائعة التي تُروج أن «لا ضرر في إزالتها وإعمارها بطريقة جديدة»، في المقابل التأكيد على أن لهذه المناطق وسكانها قصصاً وذاكرة، وأن القرار بشأن ما يبقى وما يُمحى يجب أن يكون بيد أهلها أنفسهم.
المرحلة الثانية التي شعرنا بالحاجة إلى التدخل فيها هي عند صدور القانون رقم 10 لعام 2018، الذي جاء كتعديل وتوسيع للمرسوم 66 الصادر عام 2012، وهو قانون أثار جدلاً واسعاً إذ يُتيح إنشاء مناطق تنظيمية بغرض إعادة الإعمار، لكنه أثار مخاوف واسعة حول حقوق الملكية وغيرها من القضايا. في ذلك الوقت، كان الناس بحاجة ملحّة إلى فهم القانون، وكانت الفجوة كبيرة بينهم وبين الاختصاصيين والمحامين، لذلك قررنا تقديمه بلغة محكية مبسّطة عبر فيديو، حقق آلاف المشاهدات خلال فترة وجيزة، ومن هنا أدركنا أهمية «التشاركية» مع الناس، وأن أول مستوى منها يبدأ بفهم المعلومات تمهيداً لوصولهم إلى موقع فاعل في صناعة القرار.
واصلنا عملنا في مجال الأبحاث والمناصرة حتى لحظة سقوط نظام الأسد، وهي نقطة غيّرت مسار عملنا كثيراً. خلال السنوات السابقة ركزنا على دراسة واقع الملكيات والتحديات التي واجهت العديد من أصحاب الحقوق، وعلى توثيق أشكال مختلفة من التعقيدات والإشكاليات والانتهاكات في هذا السياق، كما عملنا على بناء شبكات تؤمن بمبادئ العدالة المكانية والعمران المتمحور حول الإنسان، وكنّا نهتم بأوضاع النساء في سياق حقوق الملكية، نظراً لتعقيد واتساع حجم الانتهاكات التي تطالهنّ على هذا الصعيد. وعلى مدى سبع سنوات، قمنا بهذا العمل بشكل غير علني تقريباً حفاظاً على سلامة فرقنا على الأرض.
الاجتماع السنوي الأول لشبكة الشباب العمراني السوري المؤسسة من قبل سيربانيزم في برلين 2022
بعد السقوط صار وصولنا إلى سوريا أوسع، واختلفت أولوياتنا لتتمحور حول الحق في السكن والحق في المشاركة. بدأنا بتنظيم فعاليات في سوريا للتعريف بنا وبعملنا، وبناء الثقة والشراكات بشكل واقعي مع الأشخاص والمبادرات في الداخل، وابتكار وسائل تواصل واقعية بين الداخل والخارج رغم الهوة الكبيرة بينهما.
وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى تعريف بعض المفاهيم التي تعمل عليها «سيربانيزم»، وفي مقدمتها الحق في السكن؛ وهو أولوية لأننا في مرحلة بناء دولة جديدة، يمكن أن نعيد فيها تعريف الحقوق، وعلى الدولة أن تضمن في دستورها وعقدها الاجتماعي وكل آلياتها أن يحصل الأشخاص من الطبقة الوسطى والفقيرة على سكن لائق.
نُدافع في «سيربانيزم»، عن مقاربة تعتمد على الحقوق right-based approach بدل المقاربات التي تعتمد على الوثائق فقط document-based approach، ونحاول أن يكون الحق بالسكن اللائق ضمن رؤية الدولة، من خلال مقاربات مختلفة مثل الإيجار والقروض الميّسرة وغيرها، بحيث يحصل الجميع على هذا السكن وليس فقط من لديهم ملكيات. ويمكننا أيضاً النظر إلى آليات أخرى مثل الجمعيات السكنية التي كانت نموذجاً ناجحاً في تأمين السكن للسوريين في الثمانينيات والتسعينيات، كما يُمكن للدولة فرض تضمين السكن الاجتماعي في المشاريع الاستثمارية، كجزء من خطة هذه المشاريع. ونأمل بأن نضمن في التنمية المدينية ألا تُقسّم المدن إلى مناطق للأغنياء فقط وأخرى للفقراء، وألا يُعامل السكن على أنه سلعة وإنما حق تكفله السياسات لأي إنسان ضمن قدراته الشرائية والمعيشية.
ولدينا أيضاً الحق في المشاركة؛ إذ ينظر القانون السوري الحالي إلى الناس باعتبارهم مُتلقين لمنتجٍ تقدمه لهم الدولة، مع إتاحة هامش للاعتراض فقط، من دون قدرة فعلية على المشاركة في صناعته. أمّا التعامل مع المشاركة كحق، فيعني إعادة صياغة كل النظم القانونية، بما يُتيح للناس فهم حقوقهم والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار عبر آليات تضمن المشاركة الفعّالة وليس النظرية فقط في جميع المراحل، وضمان الشفافية، وتفعيل ذلك على كل المستويات مثل مجلس الشعب والمجالس المحلية.
وكذلك العدالة المكانية؛ وهي الانعكاس الفيزيائي للعدالة الاجتماعية على المكان، أو الترجمة الفعلية للعدالة الاجتماعية في الفراغ المُعاش. هي حق كل المواطنين بالوصول الفيزيائي إلى جميع الخدمات بطريقة ميسرة وبشكل متساوٍ، أي حق الجميع في أي مكان سواء في الريف أو المدينة بالوصول إلى الخدمات الأساسية بشكل كريم، من سكن جيد ومواصلات وفرص عمل ومدارس وحدائق ومياه وكهرباء، وألا يضطر أحد لتغيير مكان سكنه للوصول لهذه الخدمات.
وضمن مفهوم العدالة المكانية تبرز فكرة الفئات الأضعف، إذ تختلف العدالة المكانية للنساء عنها للرجال، والأمر نفسه ينطبق على الأشخاص ذوي الإعاقة أو الكبار في السن، فالعدالة المكانية تعني حقهم بالوصول الميسر لكل الخدمات من دون مساعدة.
وتنطبق العدالة المكانية على الحاضر والمستقبل، ففي أي مشاريع مستقبلية لا بد من مراعاة احتياجات جميع المواطنين على اختلافهم، فاحتياجات الشخص الكفيف تختلف عن الشخص الأصم، والنساء لهن الحق في الخروج الآمن إلى أماكن عملهن، وكذلك الأطفال إلى مدارسهم.
كل هذه المفاهيم لم تكن موجودة في سوريا من قبل، وإذا لم تلحظ السياسات الجديدة هذه العدالة، فلن نحظى بها في المستقبل.
كيف تعملون لتحقيق هذه المفاهيم كلها؟
نعمل في «سيربانيزم» على ثلاثة محاور: محور صناعة القرار مع مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص، ومحور الممارسين بما يشمل المعماريين ويتقاطع مع مجالات الصحافة والمحاماة والجغرافية وغيرها من الاختصاصات، بالإضافة إلى محور المواطنين. ونحرص في كل ما نقوم به – سواء أكان الدفاع عن حقوق الملكية أم إدماج أصوات الشباب في صناعة القرار – على ترسيخ هذه المفاهيم في كل المحاور بحيث تصبح جزءاً من الأجندات والتفكير، وعلى تفعيل آليات المشاركة، وتبسيط لغة المعماريين والاقتراب أكثر من الناس، مع اعتماد أساليب مناسبة لكل محور.
الجلسة الحوارية الأولى لسيربانيزم حول الحق في السكن والحق في المشاركة دمشق تصوير لين مهايني 2025.
كنّا قبل سقوط نظام الأسد نعمل من خارج سوريا، أمّا اليوم فنحرص على الانخراط بشكل أوسع على مختلف المستويات في الداخل. مثلاً بما يخص موضوع إعادة إعمار حي جوبر في دمشق، نعمل على التشبيك مع المجلس المحلي ومع المجتمع نفسه، وتشكيل طبقة من الشباب الممارسين القادرين على العمل معنا، والتواصل مع محافظة دمشق واقتراح تدريبات مع الموظفين الحكوميين، وكل ذلك بهدف تفعيل الأفكار التي نؤمن بضرورة تطبيقها. نرى فرصة كبيرة للعمل حتى مع صناع القرار، وعلينا استثمارها، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً صعوبة الموازنة بين تعقيدات ملف إعادة الإعمار والملكيات من جهة، وبين توق الناس لاستعادة منازلهم وحقوقهم من جهة أخرى.
ضمن كل ما يحدث مؤخراً في سوريا، ما هو شكل إعادة الإعمار الذي نتجه إليه برأيك؟
أرى أن مشهد إعادة الإعمار في سوريا ما يزال في طور التشكّل وغير واضح المعالم، وأن هناك حاجة إلى بلورة رؤية عمرانية واضحة وشاملة تتناسب مع المتغيرات الكبيرة التي تشهدها البلاد. التنمية العمرانية الناجحة عادةً تقوم على أسس تشاركية، وعلى وجود سياسات مُعلنة وتواصل فعّال مع المواطنين، بما يساعدهم على فهم الخيارات المطروحة والمساهمة في صياغتها، وهو أمر من خلال مراقبة الفترة الزمنية السابقة ما زال بحاجة إلى تطوير مفاهيم التشاركية وإيجاد آليات حقيقية لها.
حتى الآن، ما تزال الصورة المستقبلية للعمران غير مكتملة، وذلك يعود بطبيعة الحال إلى الظروف الاقتصادية الصعبة، وإلى التعقيد الكبير الذي يُرافق عملية إعادة الإعمار بعد سنوات من الصراع. ومحدودية الوصول إلى معلومات من الجهات المختلفة. وفي مثل هذه المراحل، من الطبيعي أن تتعدد وجهات النظر حول دور الاستثمار والقطاع الخاص، وكيفية المواءمة بين احتياجات الناس والموارد المتاحة. لذلك من المهم تطوير إطار تخطيطي متكامل يُحدد الأولويات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، ويُجيب على أسئلة أساسية مثل: ما حجم الطلب السكني؟ وما نوعية السكن المطلوب؟ وما هو الجدول الزمني الواقعي لتلبية هذه الاحتياجات؟ ما هي آليات المراقبة؟
وجود هذه الرؤية سيساعد على توجيه الاستثمارات بالشكل الأمثل، ويضمن أن تكون المشاريع العمرانية منسجمة مع احتياجات المجتمع، ومبنية على أسس عادلة ومستدامة، بدلاً من مفاقمة الإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن تعزيز الحوار بين المؤسسات الحكومية والخبراء والمهنيين والمجتمع وتكريسه كأساس لصياغة هذه الرؤية، داخل البلاد وخارجها، سيُتيح الاستفادة من خبرات واسعة ومن تجارب محلية وعالمية يُمكن البناء عليها.
وفيما يتعلق بالمناطق التي شملتها مشاريع تنظيمية سابقة مثل منطقة المرسوم 66، لا شك أن هناك ملفات ما تزال بحاجة إلى استكمال وتوضيح، خصوصاً فيما يتعلق بآليات التعويض وتسوية الملكيات، بما يضمن الطمأنينة لأصحاب الحقوق الحالية والسابقة ويُعزز الثقة بالعملية ككل. فالتعاطي الشفاف مع هذه القضايا، وتحديد المسارات المُقبلة بشكل واضح، سيُسهِمان في طمأنة السكان ويساعدان في مسألة جبر الضرر وحفظ الحقوق، وهنا أقصد حقوق السكان الذي تعرضوا لانتهاكات وظلم، وحقوق المالكين الذين اشتروا لاحقاً في هذه المنطقة.
الجلسة الحوارية الأولى لسيربانيزم حول الحق في السكن والحق في المشاركة دمشق تصوير لين مهايني 2025
أمّا فيما يخص حملات التبرع والمبادرات المحلية لإعادة الإعمار في مختلف المحافظات، فمن المهم أيضاً تحديد إطار واضح لأولويات الإنفاق، وربط هذه الجهود برؤية عامة متفق عليها، لضمان تحقيق أثر فعلي ومستدام بما ينسجم مع احتياجات كل منطقة.
كل هذه الأمور بحاجة الى حوارات ونقاشات مُعمقة ومستمرة.
تحدثتِ عن عدة أمثلة من دمشق خصوصاً، التي تعاني من إشكاليات وتخبط في الرؤى وعدم وضوح في المسار وكذلك التخوّف من ضياع حقوق الناس.
لو كنتِ الآن في لقاء مع محافظ دمشق، ماذا ستطلبين منه بهذا الخصوص؟
أعتقد أن المرحلة الحالية تفرض علينا جميعاً، كمؤسسات وجِهات محلية ومجتمعات، أن نتعامل مع ملف إعادة الإعمار بقدر كبير من الحرص والتشاور، لأن القرارات المُتخذة اليوم ستُؤثر في حياة الناس لأجيال قادمة.
أعتقد أن محافظة دمشق تعمل حالياً على عدد من المواضيع تحت ضغط شديد. ولو كنت في لقاء مع محافظ دمشق، فسيكون طلبي الأول هو تعزيز الوضوح والإجراءات التي تُطمئِنُ السكان بخصوص حقوقهم في المناطق التي ستشهد إعادة تطوير عمراني، خاصة إذا باشرت المحافظة بأي من هذه الإجراءات.
أولاً، من المهم العمل على تثبيت الملكيات وتسوية أوضاعها بشكل منظّم قبل الشروع في أي خطوات تنفيذية، لضمان أن يحصل كل أصحاب الحقوق على فرص متكافئة، وخاصة أن بعض الإجراءات الحالية، والتي تتطلب وجود المالك بشكل شخصي مثلاً قد لا تكون مُمكنة للجميع. ولذلك قد يكون من المفيد مراجعة البيئة القانونية والإجرائية بما يخدم مصلحة المواطنين ويوضح لهم المسار الذي ستسلكه العملية.
ثانياً، من الضروري تعزيز التواصل المباشر والشفاف مع السكان، وشرح المعايير التي تُبنى عليها القرارات العمرانية. فهناك أسئلة مُحقة تحتاج الناس إلى إجابات واضحة بشأنها، مثل: ما هي الأسباب التي تُعيق الترميم في بعض المناطق؟ ماذا يعني الانتقال من نسيج عمراني منخفض الارتفاع إلى أبنية أعلى؟ وكيف سينعكس ذلك على إمكانية عودة الأهالي إلى مناطقهم؟ إن إشراك الناس في فهم هذه التوجهات يساهم في بناء الثقة ويجعل القرارات أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
ثالثاً، فيما يتعلق بآليات التعويض والتقييم، من المهم أن تكون شاملة قدر الإمكان. فالحديث عن المخططات التنظيمية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط مساحة الملكيات، بل أيضاً النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمكان، والعلاقات التي تربط الجيران والعائلات، والدور الاقتصادي الذي كانت تقوم به المنطقة قبل الضرر.
ولهذا قد يكون من المفيد تنظيم جلسات وورشات استماع مع السكان من مختلف الفئات العمرية للتعرف على أولوياتهم وتوقعاتهم، والسعي للوصول إلى حلول وسط تُراعي تطلعات الأهالي ورؤية الدولة في الوقت ذاته، وكذلك متطلبات القطاع الخاص الذي له دوره في الاستثمار والتنمية.
أمّا فيما يتعلق بمشروع ماروتا سيتي، فهو مشروع كبير ومعقد بطبيعته، ويضم شرائح واسعة من أصحاب الحقوق والمستثمرين. وهناك حاجة إلى مراجعة الجوانب الإجرائية بهدف استكمال الملفات العالقة وأعتقد أن هناك الكثير من الحقوقيين والعمرانيين الذين قاموا بالكثير من الأبحاث في هذا المجال ومن الممكن الاستفادة منهم كخبراء، مثل:
– دراسة وضع الملكيات التي لم يُستكمل تثبيتها ضمن المُهل السابقة، خاصة فيما يتعلق بموضوع الموافقات الأمنية المشترطة سابقاً أو ضحايا محاكم الإرهاب أو غيرها.
– ضمان توفير بدائل سكنية مناسبة ضمن الإمكانات المتاحة لمن خسر حقه سابقاً وتضمينه ضمن مستحقي السكن البديل.
– مراجعة المعادلات المالية للمشروع وتوزيع الأراضي والمساحات بما يُساعد على تحقيق توازن أفضل بين الجدوى الاستثمارية وضمان حقوق المالكين، قد يكون هناك مثلاً هوامش مساحية ضمن العقارات الموجودة في المنطقة تُمثل جزءاً من إيجاد الحلول من مساحات اقتطاعات الدولة أو غيرها.
– والأخذ بعين الاعتبار أوضاع مختلف الأطراف، بما في ذلك الذين اشتروا عقارات وما زالوا بانتظار تسلمها لضمان عدم خلق نزاعات جديدة وعدم تكرار الظلم.
هل يمكننا الحديث عن تجارب مماثلة في سياقات أخرى مشابهة نوعاً ما، يمكننا الاستفادة منها والبناء عليها؟
هناك العديد من التجارب المرتبطة بالسكن الميسّر في ظلّ غياب التمويل، وأخرى من بيئات مشابهة يمكننا أن نستفيد منها بشكل عملي. فعلى سبيل المثال، إعادة الإعمار التي شهدها قطاع غزة في سياق ما بعد الحرب، حيث تم العمل سريعاً على توفير سكن طارئ وبالموارد القليلة المتاحة. وفي سوريا حيث الاحتياجات الإسكانية كبيرة، ومن حق جميع الناس العودة إلى مناطقهم والحصول على سكن لائق، يصبح التفكير في استجابة طارئة التي لا تمس حقوق الملكية ولا تعطل التخطيط المستدام أمراً ضرورياً، كما يجب أن ندرك أن الناس سيلجأون إلى «تسكين أنفسهم» في حال لم تُطرح حلول عاجلة، وهو ما حدث بالفعل في العقود الماضية حين توسع السكن العشوائي والمخالف لتصل نسبته في دمشق إلى 40 بالمئة، لذلك علينا تجنب الوقوع مجدداً في هذه الحلقة غير القابلة للحل.
من لبنان على سبيل المثال، يُمكننا الاستفادة من تجارب النضال العمراني مثل «استديو الأشغال العامة» و«جبال» و«المختبر العمراني في الجامعة الأميركية في بيروت»، وبعض هذه التجارب لدينا شراكات قائمة معها، وهي تعمل على ربط البيئة مع العمران. في المقابل علينا الانتباه إلى الإشكاليات التي واجهها لبنان، مع هيمنة القطاع الخاص على قطاع الإسكان من دون رؤية واضحة، وانتشار العقارات ذات المساحات الكبيرة والتي تفوق القدرة الشرائية أو الاستئجارية لمعظم المواطنين، وغياب العقارات الأصغر التي يُمكن أن تلبي الحاجة أكثر. لذلك نرى في وسط بيروت فشلاً ذريعاً يتمثل في عقارات فخمة هائلة المساحة لكنها فارغة من السكان، فيما يبحث كثيرون عن مساكن مناسبة، إلى جانب أزمة المصارف التي يُحتمل أيضاً أن نقع فيها إن لم نخطط بالشكل الصحيح.
ومن أوروبا، يمكننا الحديث عن نموذج تضمين السكن الاجتماعي كحصة «كوتا» إلزامية في المشاريع الاقتصادية، أو عدم حصر السكن بالقدرة على الشراء ودعم السكن المستأجَر من الدولة، بحيث يحصل المالكون على بدلات إيجار مُنصِفة، ويدفع المستأجرون جزءاً من هذه البدلات وفق قدراتهم، والفرق يُغطَى حكومياً، وهذا يساعد المُستأجرين ويضمن حق المُؤجرين. كما تعتمد كثير من الأبنية الحديثة في أوروبا على نموذج البناء منخفض التكاليف، والمرن القابل للتغيير مع الزمن بما يتوافق مع احتياجات السكان.
كما علينا أن ندرك أن الاحتياجات الإسكانية الحالية في سوريا ليست كما كانت قبل عقود. اليوم لدينا أم فقدت زوجها وتُعيل أطفالها، وهناك سيدات مطلقات مع عائلاتهنَ، وطلاب، وعائلات صغيرة. لذلك لم يعد الحديث عن منازل بمساحة 200 متر خياراً منطقياً في معظم الحالات، ويُفترض أن نتجه نحو نماذج سكنية أصغر ومنازل بمساحة 50 أو 75 متراً، ومن دون اشتراط وجود شرفات واسعة، فهذا يُخفف الأعباء المالية على من يرغب بالشراء أو الاستئجار.
هناك مثال آخر يمكن الإفادة منه في أوروبا وهو تمليك المستأجِر للعقار المؤجر بعد السكن فيه لمدة عشر سنوات مثلاً، مع طلب قرض مُيسَّر للشراء، وبذلك يصان الهدف الأساسي للسكن فلا يتحول العقار إلى سلعة للمتاجرة بل يبقى للسكن فقط. ففي سوريا سابقاً، أدى غياب النُظم المصرفية الفعّالة، ووجود أنظمة تقييم ضريبية غير منطقية وقوانين إيجار غير منصفة، إلى جانب الخوف من تدخل الأجهزة الأمنية في تفاصيل حياة الناس ومنها البيع والشراء والتملك إلى تحول قطاع العقارات إلى وسيلة لحفظ الثروة بدلاً من تأمين السكن، حيث فضل كثيرون شراء منازل وتركها على حالها فارغة، للحفاظ على ما لديهم من مدخرات، وتجنباً لتأجيرٍ قد يُعرض حقوقهم للخطر على المدى البعيد، وهنا نحن بحاجة لإعادة النظر بهذه الأسباب لتغيير النتيجة وإعادة السكن من سلعة إلى حق.
إذاً، ما العمل اليوم؟
لا بد من طرح كل الأفكار والتجارب المتاحة على طاولة الحوار من أجل الوصول إلى نماذج تُلبي احتياجات الناس ضمن قدراتهم الشرائية، وليس إلى استثمارات تطوّر المناطق من الناحية الجمالية دون مضمون حقيقي. كما يجب وضع معايير واضحة تمنح المستثمرين شعوراً بالأمان وتشجعهم على استثمار أموالهم في سوريا. ولا بد أن يكون كل هذا مقروناً بحرية الإعلام لبناء رأي عام قادر على فهم ونقد المرحلة القادمة والرقابة عليها، بالإضافة إلى الشفافية وإيجاد قنوات للتواصل ونقل المعلومات والقرارات بطريقة منطقية.
لا تقتصر الأفكار على التجارب في بلدان أخرى، إذ لدينا أيضاً في سوريا أمثلة علينا دراستها والبناء عليها، ومنها مثلاً المساكن غير النظامية Informal Settlements. في هذه الحالات بنى الناس منازلهم بأنفسهم، لكن في ظلّ تجريم قانوني لمن يساعدهم في ذلك. يمكننا هنا توفير تسهيلات للناس، وأن نسمح مثلاً للمهندسين بمساعدتهم ليبنوا بالطريقة الصحيحة كي لا نُكرر تجربة مناطق المخالفات السكنية، والتي تفتقر للشروط الصحيحة للنسيج العمراني ولمعايير الأمان، من قدرة سيارات الإطفاء على الوصول، إلى وجود مساحات خضراء ومساحات آمنة للأطفال.
في مثال متّصل، وعند الحديث عن شهية المستثمرين المفتوحة على بناء الأبراج في مناطق مثل حي جوبر، تُظهر التجارب العالمية أن السكن المتوسط من خمس إلى سبع طوابق هو النموذج الأمثل لحل إشكالية الإسكان. فالأبراج التي تصل إلى عشرين طابقاً رغم مظهرها «المبهر» تطرح الكثير من التحديات. مثلاً لا تتوفر لدينا سيارات إطفاء يُمكن أن تصل إلى الطابق العشرين، أضف إلى ذلك أن الأبراج الشاقولية تحتاج للمساحة ذاتها أفقياً لتحقيق معايير التخطيط النموذجية. وإذا كنّا نتحدث عن مدينة دمشق، فالأبراج في حد ذاتها ستكون عنصراً غريباً عن نسيجها العمراني وعن توازنها، كما أنها ستَتطلب مساحات إضافية لركن سيارات السكان وتوفير الخدمات وغيرها من الاحتياجات التي ستزيد من الضغط على مدينة مرهقة أساساً.
مع كل هذه الأفكار، يجب أن تبقى توقعاتنا منطقية وواقعية. نحن نعيش في دولة منهارة على مختلف الأصعدة، ولا يمكن افتراض القدرة على تأمين سكن للجميع خلال عامين أو ثلاثة.
في سياق كل ما سبق، هل هناك معايير بيئية علينا أن نأخذها بعين الاعتبار؟
علينا النظر لهذه المعايير بوصفها جزءاً أساسياً في مجالات التنمية الحالية كلها، وليس فقط في مسار إعادة الإعمار. فبينما نواجه كوارث بيئية حقيقية، ما يزال النظر إلى البيئة يُختزَل باعتبارها رفاهية أو ما يُسمى «مشكلة الرجل الأبيض»، مع أنها في الواقع مشكلة تمس كل مواطن في حياته العادية اليومية. كما أن كثيراً من مشاريع التنمية والتعافي تُشكل ضغطاً على الموارد. لدينا أصلاً أزمات كبيرة بما يخص الزراعة والتصحر والغطاء الأخضر، ومشاريع الإعمار ستُشكل ضغطاً على مواد البناء، وإذا لم ننظر إليها بمعايير بيئية صحيحة فنحن ذاهبون إلى كارثة.
لذلك، لا بد أن يكون البُعد البيئي مضمّناً في أي مشروع مستقبلي.
أين دور المعماريين من كل ذلك؟
في الجامعة نتعلم بأننا فقط اختصاصيون في مجال التصميم والتخطيط، لكن دورنا في الحقيقة أبعد من ذلك، فنحن نؤدي أدواراً اقتصادية وسياسية واجتماعية، ونملك القدرة على ابتكار الحلول.
علينا إعادة تعريف دور المعماري، سواء في الوسط الأكاديمي أو في النقابات، كما ينبغي تعزيز التشبيك مع مختلف الاختصاصات، لأن المعماري لا يجب أن يعمل داخل حدود مجاله فقط، فهو يمتلك القدرة لخلق مساحات للحوار مع اختصاصات متعددة، والمساهمة في بناء ثقافة المشاركة مع كل أفراد المجتمع والجلوس معهم على الطاولة. فالمعماري عليه أن يكون محاوراً ووسيطاً ومكمّلاً لبقية التخصصات.
في الختام، هل تعتقدين أن ما تدافعون عنه وتناصرونه في مجال الإعمار وإعادة الإعمار والعدالة، سيتحقق يوماً ما؟ ولو التقينا في العام المقبل، هل تتوقعين أن تُحدِّثينا عن إنجازات ملموسة لـ«سيربانيزم»؟
اليوم ورغم كل التعقيدات في المشهد، لدينا حرية للتفكير داخل سوريا أكثر من قبل، ووجود هذا الهامش للعمل هو ما يعطيني الأمل. ففي مثل هذا الوقت من العام الفائت كنّا نشعر باليأس التام وكانت كل الأبواب موصدة في وجهنا. أمّا الآن فالأفق مفتوح أمامنا، ولدينا طموح وفرص أكبر للعمل، وزخم كبير علينا أن نستثمره، للانخراط سواء في التعاون مع القطاع الحكومي أو الخاص، وهي تجربة نستحق أن نخوضها. النضال العمراني يحتاج عملاً تراكمياً و«نفَساً» طويلاً وقد لا تظهر نتائجه إلا بعد أجيال. لذلك علينا السير بخطوات صغيرة وبطيئة، قد نفشل في بعضها وننجح في البعض الآخر، لكننا نتعلم من كل خطوة ونبني عليها، ونحوّلها إلى معايير وأدوات لأي خطوات لاحقة.
موقع الجمهورية



