مقالات سينمائيةمنوعات

حين يصير الموت سؤالًا سينمائيًا

25 نوفمبر 2025

في صالات برلين السينمائية، وتحديدًا في “مهرجان البرلينالة” الـ75 الذي أُقيم في شباط/فبراير من هذا العام، عُرض فيلم وثائقي استثنائي بعنوان “وحدة الرعاية التلطيفية” (Palliative Care Unit) يخرج عن المألوف في تناوله لموضوعة شائكة ظلّت طويلًا حبيسة الأروقة الطبية والنقاشات الأكاديمية المغلقة. العمل الطويل الذي امتدّ لأربع ساعات كاملة، للمخرج الألماني، فيليب دورينغ، يفتح نافذة نادرة على عالم نادرًا ما تطأه كاميرات السينما: قسم الرعاية التلطيفية في مستشفى فرانسيسكوس البرليني، حيث الحياة والموت يتجاوران في رقصة يومية محسوبة بدقة متناهية.

الفيلم الذي نال جائزة “هاينر كارو” في مهرجان “البرلينالة”، إضافة إلى جائزة الفيلم الوثائقي من قناة 3Sat  في مهرجان دويسبورغ السينمائي، وجائزة dokka في مهرجان كارلسروه، لا يكتفي بكونه مجرد توثيق بصري لممارسات طبية متخصصة. إنه، بالأحرى، تأمّل فلسفي عميق في معنى الكرامة الإنسانية عند العتبة الأخيرة، وسؤال جريء حول كيفية تحويل الموت من كارثة وجودية إلى عملية إنسانية قابلة للاحتواء والفهم.

دورينغ، المخرج المولود في فرايبورغ عام 1977، والذي درس الأدب الألماني وإخراج الأفلام في أكاديمية الفيلم في بادن- فورتمبرغ، لم يكن غريبًا عن عالم التوثيق البصري المعقّد. لكن مشروعه هذا، الذي يُعدّ أول أفلامه الوثائقية الطويلة، جاء نتيجة تجربة شخصية مؤثرة مع عمّه القس الذي واجه السرطان في مراحله الأخيرة قبل عقد من الزمن. ما أدهش دورينغ آنذاك لم يكن الموت بحد ذاته، بل الطريقة التي تعامل بها عمّه مع نهايته الوشيكة – بسلام داخلي وحتى بنوع من البهجة الهادئة، مخططًا لجنازته واختيار الموسيقى التي ستُعزف فيها.

على مدى شهرين من صيف 2024، رافق دورينغ بكاميرته اليدوية المرضى والطاقم الطبي في القسم، موثقًا ما يزيد عن 100 ساعة من المواد الخام التي اختُزلت لاحقًا إلى 244 دقيقة في النسخة النهائية. والمدهش أن دورينغ تولّى بنفسه جميع جوانب الإنتاج: التصوير والمونتاج والإنتاج والصوت، ليس فقط لأسباب مالية – إذ موّل الفيلم بنفسه بعد أن توقّع سلسلة من الرفض من جهات التمويل الرسمية – بل أيضًا لقناعته بضرورة الحفاظ على حميمية اللحظات المُصوّرة وعدم اقتحام خصوصية المرضى بطاقم تصوير كبير.

الطبيب سيباستيان برانغ، نائب رئيس قسم الطب التلطيفي، والبروفيسور فينفريد هاردينغهاوس، رئيس القسم، يظهران في الفيلم كشخصيتين محوريتين، لكنهما ليسا أبطالًا بالمعنى التقليدي. هما، بالأحرى، مرشدان في رحلة استكشافية لمعنى الرعاية الحقيقية. برانغ، بشكل خاص، يُجسّد نموذجًا لطبيب يتجاوز البروتوكولات الطبية الجافة ليدخل في حوارات وجودية مع مرضاه، سائلًا إياهم ليس عن أعراضهم فحسب، بل عن تصوّرهم الشخصي لما يمكن أن يقدّمه لهم المستشفى في هذه المرحلة الحرجة من حياتهم.

اللافت في الفيلم أنه لا يقع في فخ الميلودراما السهلة أو الاستغلال العاطفي للمعاناة الإنسانية. دورينغ، كما وصفته صحيفة “تاز” الألمانية بأن فيلمه “حظ سعيد للسينما”، يحافظ على مسافة احترام مع موضوعه، مستخدمًا كاميرته الثابتة في أغلب الأحيان لتسجيل محادثات قد تمتد لخمس عشرة دقيقة دون قطع واحد، تاركًا للمُشاهد فرصة التأمل والاستيعاب بدون توجيه عاطفي مُسبق.

“ما يجعل فيلم “وحدة الرعاية التلطيفية” عملًا سينمائيًا استثنائيًا ليس فقط موضوعه الجريء أو مدّته الطويلة غير المعتادة، بل قدرته على تحويل مكان مرتبط بالموت والمعاناة إلى فضاء للتأمل في معنى الحياة ذاتها”

الفيلم يكشف أيضًا عن التحديات المؤسساتية التي تواجه الطب التلطيفي في ألمانيا، حيث رغم وجود أكثر من 300 وحدة رعاية تلطيفية و235 مستشفى متخصص بنهاية الحياة في البلاد، إلا أن هناك فجوة واضحة بين المناطق الحضرية والريفية في توفر هذه الخدمات. فبينما تمتلك 90% من المستشفيات الكبرى التي تضم أكثر من 300 سرير فرق رعاية تلطيفية، فإن 17% فقط من المستشفيات الريفية الصغيرة تتمتع بهذه الميزة.

الطب التلطيفي، كما يُظهر الفيلم بوضوح، ليس مجرد تخصص طبي يهدف إلى تخفيف الألم في المراحل الأخيرة من الحياة، بل فلسفة رعاية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الطبيب والمريض، بين الحياة والموت، بين الأمل واليأس. إنه يتحدى النموذج الطبي التقليدي القائم على الشفاء بأي ثمن، ليطرح بدلًا منه نموذجًا يضع الكرامة الإنسانية ونوعية الحياة في المقدمة، حتى عندما يصبح الشفاء مستحيلًا.

في السياق الألماني، حيث النقاش حول الموت الرحيم والانتحار بمساعدة طبية ما زال محتدمًا – خاصة بعد قرار المحكمة الدستورية الفيدرالية في شباط/ فبراير 2020 برفع الحظر عن الانتحار المُنظّم بمساعدة طبية – يأتي الفيلم ليقدّم بديلًا ثالثًا: ليس الإصرار على العلاج حتى النفس الأخير، وليس التعجيل بالموت، بل مرافقة المريض في رحلته الأخيرة بكرامة واحترام.

المخرج فيليب دورينغ، الذي يعيش حاليًا مع عائلته في قرية صغيرة في توسكانا الإيطالية، صرّح في مقابلات عديدة أن الأصدقاء والمعارف كانوا يسألونه باستمرار: “كيف تستطيع القيام بهذا؟ أليس الأمر مرعبًا؟” وكان جوابه دومًا أن الأمر ليس مرعبًا على الإطلاق، بل على العكس، إنه درس في الإنسانية والقوة البشرية في مواجهة المحتوم.

الفيلم يُظهر أيضًا البُعد اللغوي للرعاية التلطيفية، حيث تتنقّل المحادثات بين المصطلحات الطبية المعقدة واللهجات المحلية المختلفة، وأحيانًا تحتاج إلى مساعدة تقنية للتواصل. هذا التنوّع اللغوي يعكس التنوّع البشري في مواجهة الموت، ويؤكد أن الرعاية التلطيفية ليست مجرد بروتوكول طبي موحّد، بل عملية تواصل إنساني عميق يتكيّف مع احتياجات كل مريض على حدة.

البروفيسور هاردينغهاوس، رئيس قسم الطب التلطيفي في المستشفى، عبّر عن فخره بالفيلم قائلًا إن هناك الكثير من سوء الفهم العام حول الطب التلطيفي، وأن عمل دورينغ المُبهر يساهم في زيادة المعرفة والفهم لهذا المجال الحيوي من الرعاية الصحية. وبالفعل، حظي الفيلم باهتمام إعلامي واسع، حيث خصّصت له قناة RBB الألمانية تقريرًا في برنامجها المسائي، كما تناوله برنامج “aspekte” الثقافي على قناة ZDF.

ما يجعل “محطة الرعاية التلطيفية” عملًا سينمائيًا استثنائيًا ليس فقط موضوعه الجريء أو مدّته الطويلة غير المعتادة، بل قدرته على تحويل مكان مرتبط بالموت والمعاناة إلى فضاء للتأمل في معنى الحياة ذاتها. الفيلم لا يقدّم إجابات سهلة أو عزاء رخيصًا، بل يطرح أسئلة صعبة حول كيفية العيش بكرامة حتى اللحظة الأخيرة، وكيف يمكن للطب الحديث أن يتصالح مع حقيقة الفناء البشري من دون التخلي عن دوره الإنساني.

في عصر يتزايد فيه الحديث عن “طب شخصي” و”رعاية محورها المريض”، يأتي فيلم دورينغ ليُذكّرنا أن أعمق أشكال الطب إنسانية قد تكون تلك التي تعترف بحدودها، وتحوّل هذا الاعتراف إلى نقطة انطلاق لرعاية أكثر صدقًا وتعاطفًا. وكما تشير إحدى المقولات الافتتاحية في الفيلم، مقتبسة من سيمون دي بوفوار: “لكل إنسان، موته حادث، انتهاك غير مبرّر”، لكن الفيلم يُظهر أن هذا الانتهاك يمكن، بالرعاية المناسبة، أن يصبح أقل وحشية وأكثر إنسانية.

عرض الفيلم في دور السينما الألمانية ابتداء من 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، وما زال يجوب المدن الألمانية من برلين إلى كولونيا، ومن فرايبورغ إلى هامبورغ، حاملًا معه رسالة عميقة عن إمكانية إعادة تعريف علاقتنا بالموت، ليس كنهاية مأساوية محتومة، بل كجزء من الحياة يستحق الاحترام والرعاية والكرامة حتى النفس الأخير.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى