أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

سقوط نظام الأسد: قراءة في أسباب الانهيار البنيوي والسياسي/ ميسون محمد

25 نوفمبر 2025

لم يكن انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر حدثًا مفاجئًا فحسب، بل كان تتويجًا لمسار طويل من التآكل الداخلي والتنازع الخارجي الذي جعل من سوريا نموذجًا كلاسيكيًا لما يمكن أن يُسمى بـ”الدولة المحورية المنقسمة على ذاتها”. فقد اجتمعت فيها عناصر التفكك البنيوي والعجز الإدراكي للقيادة مع تضارب المصالح الدولية التي حوّلتها إلى ساحة تصادم إقليمي ودولي.

ولتفسير هذا الانهيار المركّب، لا يمكن الاكتفاء بالتفسيرات التي تُرجع السقوط إلى سبب اقتصادي أو عسكري فقط، بل نحتاج إلى استخدام منظور شامل متعدد المستويات، يجمع بين البنية الدولية، والقدرة المحلية على الاستجابة، والعوامل النفسية والسياسية لصانع القرار.

الواقعية النيو كلاسيكية والفشل الإدراكي للقيادة

تقدم المدرسة الواقعية النيو كلاسيكية إطارًا تحليلياً مناسباً لفهم الانهيارات التي تحدث للدول في ظل ضغوط خارجية قوية. تركز هذه المدرسة على ما يُسمى بـ”المتغير التدخلي”، وهو الطريقة التي تتعامل بها القيادة مع هذه الضغوط داخل الدولة. بمعنى آخر، لا يكفي أن تكون هناك تهديدات أو صعوبات خارجية، بل يعتمد البقاء على قدرة القيادة على فهم هذه الضغوط واتخاذ القرارات المناسبة لمواجهتها.

في حالة نظام الأسد، كان هناك ضغط خارجي مستمر لعقود، سواء من خلال العقوبات الدولية أو الصراعات الإقليمية. إلا أن سقوط النظام لم يحدث إلا عندما فشلت القيادة في تعديل سياساتها واستراتيجياتها لتواكب التحولات الجيوسياسية الجديدة. ويظهر هنا “الفشل الإدراكي” لبشار الأسد كعامل رئيسي في تفكك الدولة؛ فهو لم يتمكن من استخدام الدعم العسكري الذي تلقاه من روسيا وإيران لتحويله إلى استقرار اقتصادي أو تعزيز شرعية سياسية مستمرة. نتيجة لذلك، تدهورت البنية الاقتصادية، وانهارت الولاءات التقليدية داخل المجتمع، وبقيت الدولة في حالة ضعف متزايد.

نظرية النظام العالمي وسوريا كدولة طرفية

تساعدنا نظرية النظام العالمي لإيمانويل والرشتاين على فهم الانهيار السوري من زاوية دولية. وفق هذه النظرية، تُصنَّف سوريا كـ”دولة طرفية” في النظام الرأسمالي العالمي، أي دولة تُستخدم كساحة لصراعات القوى الكبرى، حيث تتصارع الدول المركزية فيما بينها عبر هذه الدول الطرفية لتحقيق مصالحها. وبناءً على هذا، يوضح التحليل البنيوي أن الدولة التي تصبح ميدانًا لتقاطع المصالح الخارجية تفقد تدريجيًا القدرة على تحديد أولوياتها الوطنية، وتتعرض للتآكل الداخلي نتيجة للتناقضات الخارجية التي تتحكم في سياساتها.

وفي الحالة السورية، تحوّل الصراع من مجرد حرب أهلية محلية إلى شبكة معقدة من أكثر من عشرين صراعًا متشابكًا، تشمل الانقسامات الطائفية والقومية، والتنافس الإقليمي بين الدول، والتحالفات الدولية المتغيرة، مما زاد من هشاشة الدولة وعمّق الانقسام الداخلي.

الانهيار البنيوي الداخلي والعمود الاقتصادي

وبناءً على ما سبق، فإن الانهيار لم يكن مجرد نتيجة لضغوط خارجية أو فشل إدراكي للقيادة، بل جاء نتيجة لتآكل القاعدة المادية للدولة نفسها، وهو ما يُعد العمود الفقري لاستمرار أي نظام سلطوي. فقد أدت السياسات الاقتصادية الكارثية، والتي شملت سوء إدارة الموارد، وغياب خطط التنمية، واعتماد الدولة على اقتصاد الريع بدلاً من الإنتاجية الحقيقية، إلى تفاقم أزمة الاستقرار الداخلي. وقد شكل التضخم المتسارع ورفع الدعم عن الوقود والخبز شرارة أدت إلى تآكل القدرة الشرائية للسكان، ما أضعف العقد الاجتماعي بين النظام وقاعدته الأمنية.

    لتفسير هذا الانهيار المركّب، لا يمكن الاكتفاء بالتفسيرات التي تُرجع السقوط إلى سبب اقتصادي أو عسكري فقط، بل نحتاج إلى استخدام منظور شامل متعدد المستويات، يجمع بين البنية الدولية، والقدرة المحلية على الاستجابة، والعوامل النفسية والسياسية لصانع القرار

وقد انعكس هذا التدهور الاقتصادي مباشرة على الجيش والأجهزة الأمنية، حيث انهار الولاء الذي كان مبنيًا على مبدأ “الأجر مقابل الولاء”. فالعسكريون والأجهزة الأمنية لم يعودوا قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وأصبح شعورهم بعدم الأمان الاقتصادي يساوي شعورهم بعدم ولاء النظام. وهنا يظهر أن السلطة في الأنظمة السلطوية لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل تتطلب قدرة مستمرة على تمويل الولاءات عبر توزيع الموارد الاقتصادية والسيطرة على الاقتصاد الريعي. وعندما عجز النظام عن دفع الرواتب، بدأت الركيزة الأهم لبقائه تتهاوى، ما مهد الطريق لتفكك أوسع داخل الدولة وأدى إلى تآكل هيكلها السياسي والأمني بشكل تدريجي، حتى أصبح هشًا أمام أي صدمات جديدة أو تغييرات في البيئة الإقليمية والدولية.

الدولة الريعية بالصراع وتفكيك الشرعية

يتصل بالانهيار الاقتصادي بعدٌ آخر أكثر خطورة، وهو تحوّل الدولة السورية إلى ما يمكن وصفه بـ”الدولة الريعية بالصراع”. فالدولة الريعية، وفق المفهوم السياسي، هي الدولة التي تعتمد مصدر دخلها الأساسي على موارد خارج الإنتاج المحلي، مثل النفط أو الإتاوات أو التجارة غير القانونية، بدل الاعتماد على الضرائب أو الاقتصاد الرسمي، ما يجعل العلاقة بينها وبين المجتمع علاقة توزيع ريعي وليس علاقة خدمات ومواطنة.

وفي حالة سوريا، أصبح مصدر الريع غير الرسمي مرتبطًا مباشرة بالصراعات الداخلية والخارجية، فالدخل الأكبر جاء من تجارة الكبتاغون والتهريب والأنشطة غير القانونية التي تحكمها شبكات مافيوية. وبسبب اعتماد النظام على هذه المصادر غير المستقرة، أصبح بقاءه مرتبطًا بتحكمه في هذه الشبكات بدل تقديم خدمات حقيقية للمواطنين، ما أدى إلى تآكل بنيته الأمنية وانهيار العقد الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، مع تجميد الأصول المالية للنخبة في لبنان وانهيار السيولة الدولارية، تفاقمت الأزمة الاقتصادية إلى حد لم يعد يحتمل التأجيل، فانفجرت الدولة من الداخل، بعد أن نضبت مواردها وفقدت أدوات السيطرة التقليدية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الدولة لم تنهار فجأة، بل تعرضت لتفكك تدريجي، إذ أضعفت هذه السياسة اقتصادها الرسمي، وزادت من اعتمادها على شبكات غير قانونية، ما جعلها عرضة للصدمات الداخلية والخارجية بشكل متواصل، حتى بلغ الانهيار ذروته، وأصبح سقوط النظام نتيجة حتمية لتراكم الأزمات البنيوية والاقتصادية والسياسية

الضغوط الغربية وقانون قيصر

على الصعيد الجيوسياسي، لعبت العقوبات الغربية دورًا حاسمًا في تفاقم هشاشة النظام السوري، إذ مثلت أداة فعّالة لتقويض قدرته على الصمود الاقتصادي وإعادة البناء. فقد جاء قانون قيصر، الذي تم تطبيقه عام 2020، ليمنع أي إمكانية للنظام من الحصول على التمويل الدولي أو إعادة إعمار البنية التحتية دون إجراء تغييرات سياسية جوهرية. وبالرغم من تمكن النظام من استعادة السيطرة العسكرية على معظم الأراضي السورية، إلا أنه ظل عاجزًا عن تحويل هذا الإنجاز إلى استقرار اقتصادي مستدام، لأن العقوبات حدّت من قدرته على الوصول إلى الموارد المالية الأساسية وتحويلها إلى خدمات أو دفع رواتب موظفي الدولة.

ومع محاولات بعض الدول العربية لبدء عملية تطبيع أو تقديم دعم اقتصادي، باءت هذه الجهود بالفشل، إذ استمر تأثير العقوبات الأميركية والقيود المالية على النظام، ما جعل أي خطوة للتعويم الاقتصادي محكومة بالفشل مسبقًا. وبذلك، بقيت سوريا تحت وطأة ما يمكن وصفه بـ”الخنق الاقتصادي الممنهج”، وهو نوع من الضغط المتواصل الذي لم يسقط النظام بشكل مباشر لكنه أضعف بنيته تدريجيًا، وجعل استمراره مرهونًا بتغير ميزان الدعم الخارجي وتغير أولويات حلفائه.

ويظهر من هذا أن الضغوط الاقتصادية المنظمة والمستمرة يمكن أن تكون أداة أكثر فعالية من المواجهة العسكرية في تآكل السلطة، لأنها تضرب العمود الفقري الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، بما في ذلك ولاء المؤسسات الأمنية والجهاز الإداري.

تراجع التزام الحلفاء

إن تراجع التزام الحلفاء الرئيسيين، روسيا وإيران، شكل نقطة فاصلة أظهرت هشاشة النظام السوري بشكل جلي. فقد انشغلت موسكو بالحرب في أوكرانيا، مما استنزف جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية والدبلوماسية، وبالتالي قلّ دورها في تمويل أو دعم عمليات النظام السوري داخليًا وخارجيًا. وبذلك لم تعد سوريا أولوية استراتيجية لروسيا، بل أصبحت أداة تفاوض تُستخدم ضمن مقايضاتها مع القوى الغربية. وفي الوقت نفسه، شهد النفوذ الإيراني تراجعًا ملحوظًا نتيجة فقدان قياداتها الميدانية المؤثرة، التي كانت تمثل العمود الفقري لشبكة السيطرة الإيرانية في سوريا.

وبفعل هذا الفراغ القيادي، انكشفت نقاط الضعف الداخلية للنظام، الذي وجد نفسه لأول مرة بلا دعم قوي من حلفائه، وبدون موارد مالية مستقرة، ودون ولاءات ثابتة بين أركان مؤسساته الأمنية والإدارية، ما جعل استمراره في الحكم عرضة للانهيار أمام أي صدمة خارجية أو داخلية.

الانهيار النهائي: التقاء المسارات الثلاثة

من منظور التحليل الاستراتيجي، يمكن القول إن سقوط نظام الأسد تحقق نتيجة التقاء ثلاثة مسارات متناقضة في الوقت نفسه. أولًا، المسار الداخلي الذي يتمثل في الانهيار الاقتصادي وتآكل الولاءات بين عناصر الدولة، والذي أضعف قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ثانيًا، المسار الخارجي المتمثل في تشتت أولويات الحلفاء الرئيسيين، روسيا وإيران، مما قلّص دعمهم السياسي والمالي والعسكري للنظام. ثالثًا، المسار البنيوي الذي يشمل استمرار الضغط الغربي الممنهج، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية وسياسات العزلة الدولية، والتي عملت على إضعاف قدرة النظام على إدارة أزماته.

هذه اللحظة، رغم صعوبتها في التنبؤ قبل وقوعها، يمكن تفسيرها بأثر رجعي على أنها مثال عملي لما يسميه المفكر والناقد نسيم طالب بـ”البجعة السوداء”، أي حدث نادر تتجمع له أسباب منطقية لكنه يظهر فجأة ليغير المشهد السياسي بشكل جذري. وبالتالي، يظهر أن سقوط النظام لم يكن نتيجة مؤامرة مفاجئة أو معركة فاصلة، بل كان نتيجة تآكل طويل الأمد لبنيته السلطوية، التي فقدت أدوات التكيف والتجديد. إذ انهارت آليات القمع بعد أن ضعف تمويلها، وتفككت أدوات السيطرة بعد غياب التنسيق الإقليمي، وانفضّ حلفاؤه الذين لم يعودوا يرون فيه قيمة استراتيجية قابلة للاستثمار. وهكذا تحولت الدولة من كيان قادر على إدارة أزماته عبر القوة والمال إلى نظام يعتمد على الإكراه فقط، دون القدرة على الاستمرار ماديًا أو رمزيًا، مما مهد الطريق لانهيارها النهائي.

التداعيات الإقليمية وإعادة توزيع القوة

أما على المستوى الإقليمي، فقد أنتج السقوط فراغًا استراتيجياً يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. فتركيا خرجت مستفيدة من خلال تقليص النفوذ الكردي وتوسيع حضورها الحدودي، بينما وجدت إسرائيل في الحدث فرصة لتقليص الوجود الإيراني على حدودها الشمالية. في المقابل، كانت روسيا وإيران أكبر الخاسرين، إذ فقدتا موطئ قدم استراتيجيًا استثمرتا فيه عقودًا من الموارد والدماء، دون أن تجنيا منه سوى ورقة تفاوض فقدت قيمتها. وهكذا، مثل سقوط الأسد لحظة إعادة توزيع للقوة في الإقليم، ليس بين معارضين وموالين، بل بين دول إقليمية تتسابق لملء الفراغ السوري.

إن الدرس الأبرز الذي يقدمه هذا السقوط هو أن الأنظمة السلطوية، مهما امتلكت من أجهزة أمنية أو تحالفات خارجية، تظل رهينة لقدرتها على الحفاظ على العقد الاجتماعي المادي والمعنوي مع مجتمعها. حين تفقد هذه الأنظمة أدواتها الاقتصادية وتتعطل قنواتها الإدراكية في فهم المتغيرات الدولية، تتحول إلى كيانات متخشبة تنتظر الانهيار في أول اختبار حقيقي. وهذا ما عبّر عنه المرشد الإيراني علي خامنئي حين وصف سقوط الأسد بأنه “تحذير من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع”، في اعتراف غير مباشر بأن فقدان التوازن بين القهر والاستجابة هو بوابة الزوال.

إن ما بعد السقوط لا يقل خطورة عن السقوط ذاته. فإدارة الفراغ الأمني تتطلب تنسيقًا إقليميًا ودوليًا يمنع عودة سوريا إلى مسرح الفوضى، كما أن تفكيك شبكات الاقتصاد الموازي، وعلى رأسها تجارة الكبتاغون، يُعد شرطًا أساسيًا لمنع إعادة إنتاج العنف. أما إعادة بناء الدولة، فهي رهينة بقدرة الفاعلين الجدد على ترميم الفجوة بين المجتمع والدولة، عبر مشروع سياسي جديد لا يقوم على ريع الصراع أو على تحالفات عابرة للمصالح، بل على بناء مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات وترسيخ الثقة.

في المحصلة، يمكن القول إن انهيار نظام الأسد لم يكن هزيمة أمام خصم محدد، بل سقوطًا أمام التاريخ ذاته، حين فشل في قراءة لحظة التحول وفقد قدرته على فهم نفسه في عالم متغير. لقد كانت سوريا، في لحظة سقوط النظام، تختصر مأساة الدولة السلطوية في زمن التحولات الكبرى: دولة محورية انقسمت على ذاتها حتى دمرتها تناقضاتها، فانتصرت عليها قوانين التاريخ قبل أن ينتصر عليها خصومها.

المراجع:

محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، 1996

برهان غليون، المحنة العربية الدولة ضد الأمة، 2018

جهاد عودة، النظام الدولي: نظريات وإشكاليات، 2005.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى