شهادات عن تهجير بدو السويداء: بيوت مسلوبة وخيام نزوح وعودة معلّقة/ نديم خوري

02.12.2025
ما حدث لعشائر البدو لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزء من دائرة أعنف وأوسع تشمل مجموعات وقُرى متعدّدة. فالمنطقة تعيش منذ سنوات في ظلّ فراغ أمني، وتعدّد للفصائل المحلّية، وغياب سلطة مركزية فعّالة، إضافة إلى تاريخ طويل من التوتّرات بين بعض القرى والعشائر، بسبب الخطف والثأر والتنافس على طرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي.
تبدو أحياء عشائر البدو ومناطقهم في السويداء شبه خاوية، تنتظر عودة سكّانها الذين هُجّروا في تمّوز/ يوليو الماضي، بعد موجة عنف غير مسبوقة ضربت المحافظة.
جاءت الأحداث في سياق أوسع من التوتّرات المتراكمة بين الفصائل الدرزية المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام، وسيادة اقتصاد موازٍ وشبكات نفوذ مسلّحة تنشط منذ سنوات في المنطقة.
بدأت الشرارة الأولى بخطف تاجر درزي على طريق دمشق، ما أدّى إلى سلسلة من عمليّات الخطف المضاد، وسرعان ما انزلقت إلى اشتباكات مسلّحة وضعت المدنيين في قلب دائرة النار.
تفاقم الوضع مع اقتحام قوّات “الحكومة الانتقالية” للمحافظة، بمؤازرة فصائل عشائرية يوم 13 تمّوز/ يوليو، لتدخل في مواجهة مباشرة مع الفصائل المحلّية الدرزية. أسفرت المواجهات عن مئات القتلى والجرحى، قبل أن تتوسّع لتطلق موجات تهجير طالت الدروز والبدو.
ردّ انتقامي وتهجير جماعي
استمرّت المواجهات بين قوّات الحكومة الانتقالية والفصائل المحلّية لأربعة أيام بتواترٍ متقطّع، قبل إعلان وقف إطلاق النار وانسحاب تدريجي للقوّات في 17 تمّوز/ يوليو.
لكنّ الردّ الانتقامي كان سريعاً، إذ شنّت مجموعات مسلّحة من الفصائل الدرزية هجمات مباغتة على منازل البدو في مناطق متعدّدة، نتج عنها قتل واحتجاز وتهجير.
مهجّرون وعودة غير مضمونة
يقول أسعد (اسم مستعار)، مدرّس من حيّ البدو في شهبا، يُقيم حالياً في أحد فنادق دمشق: “عند الساعة العاشرة صباح الخميس، هجموا بشكل جماعي على منطقتنا. قُتل ستّة من أفراد عائلتي، وأمرونا بمغادرة بيوتنا فوراً”.
احتمت عائلات بالمساجد، ولجأ آخرون إلى بيوت معارفهم. تقول أمّ محمّد، سيّدة بدوية من مدينة شهبا، تُقيم في أحد مراكز الإيواء في درعا: “أعطونا الأمان قبل بيوم، لكن بعد ساعات هجموا وذبّحوا الناس. احتمينا بالمسجد ننتظر حدا يخلصنا، وأقاربي لجأوا لجيرانهم الدروز”.
وفي شهادة أخرى تقول نادية (اسم مستعار) من المنطقة نفسها: “دخل علينا ابن جارنا وهو حامل سلاح وطردنا. ولما قلتله نحنا أهل وجيران، سبّني وهددني… نحنا شو ذنبنا؟ نحنا مدنيين قاعدين ببيوتنا”.
تكشف رواية الشابّ الدرزي (و. أ) صعوبة ضبط الفصائل أثناء الهجوم: “اتّجهتُ لحماية المدنيين ونقلهم إلى معابر درعا. وعندما دخلت حارة البدو لم أستطع العبور من كثرة الجثث. رأيت امرأة مقطوعة الرأس”.
أُدرجت هذه الروايات كما قالها أصحابها، مع الإشارة إلى أنه تعذّر التحقّق منها بشكل مستقلّ، بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة خلال الأحداث وبعدها.
إلى متى في “سكن مؤقت” ؟
انتهت الاشتباكات بتهجير آلاف العائلات، إذ اضطرّ نحو 70 ألفاً من أبناء العشائر البدوية إلى النزوح نحو درعا ودمشق وريفها، تاركين منازلهم وأراضيهم وجثث أقاربهم خلفهم. وشهدت منطقة أمّ الزيتون لاحقاً، عمليّات تبادل للجثث بين الطرفين في إطار اتّفاقات تهدئة محدودة.
اليوم، تزدحم مراكز الإيواء في درعا وبعض مناطق دمشق بمئات العائلات البدوية، في البداية استُضيفوا في مدارس غير مجهّزة، قبل أن تُخليها الإدارة مع بدء السنة الدراسية، ما دفعهم إلى نصب خيام في الحقول وعلى أطراف المدن.
في دمشق، فُتح عدد من المراكز، واستضيف قسم منهم في فنادق في منطقة السيّدة زينب، بينما لجأ آخرون إلى أبنية قيد الإنشاء أو مبانٍ حكومية وخاصّة تبرّع أصحابها باستخدامها.
يقول أسعد: “نحن في مراكز مؤقتة غير مريحة. بعضنا في الخيام وبعضنا الآخر في مدارس وأبنية حكومية، هناك عائلات درزية ومسيحية نزحت معنا وتمّ تعيين بعض أفرادها في وظائف تدريس مؤقتة، لكنّ أوضاعنا صعبة وغير مستقرّة”.
ومع بداية الشتاء، تتضاعف الأزمة، يقول أبو خالد (اسم مستعار)، راعٍ من المقوس، يُقيم حالياً في درعا: “الشتا شديد علينا. عطونا بطانيتين ونحن خمسة. ما عم نلاقي شغل ولا نأمّن مصروفنا اليومي. انذلّينا والله”.
تعاني العائلات أيضاً من ضعف الرعاية الصحّية وتكدّس السكّان في مساحات صغيرة، خصوصاً النساء والأطفال، بينما تبقى العودة رهناً بالقدرة على توفير أمان حقيقي، يقول أبو خالد:”لا عودة بلا أمان. طول عمرنا جيران ومشاكلنا بتنحل. ما بعرف شو صار، بس طالما السلاح منتشر ما فينا نرجع”.
ترك التهجير البدو يجهلون مصير بيوتهم وممتلكاتهم، وتتركّز تجمّعاتهم في المقوس والحروبي والمشورب وحيّ البدو في شهبا، وتشير الشهادات إلى أن المنازل واجهت ثلاثة مصائر: إمّا حماية من الجيران وإمّا استيلاء من مجموعات مسلّحة وإمّا السرقة وإمّا الحرق.
يقول أسعد: “جزء قليل من المنازل بقي بحماية الجيران، لكن في بيوت استولت عليها العصابات وسرقتها، وفي بيوت انحرقت”، أما أبو خالد فيقول عن بيته: “أمّنت جاري على البيت والحلال قبل ما نرحل، وبعده عم يطمّني إنو كل شي بعهدته”.
روايات أخرى تحدّثت عن بيع الأثاث علناً، يقول (ع. ه) من عشائر شهبا: “شفت أثاث بيتي مصوّر ومعروض للبيع بصور على صفحة فيسبوك بمعرض مفروشات في شهبا. وصاحب المعرض جارنا”.
وتعرّضت المواشي أيضاً للسرقة، وتُباع اليوم في السوق السوداء بأسعار متدنيّة، بينما تتعدّد الجهات المسلّحة، ولا تُعرف هويّة المسؤولين عن السرقات بدقّة.
ما حدث لعشائر البدو لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزء من دائرة أعنف وأوسع تشمل مجموعات وقُرى متعدّدة. فالمنطقة تعيش منذ سنوات في ظلّ فراغ أمني، وتعدّد للفصائل المحلّية، وغياب سلطة مركزية فعّالة، إضافة إلى تاريخ طويل من التوتّرات بين بعض القرى والعشائر، بسبب الخطف والثأر والتنافس على طرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي.
ورغم أن التركيز الإعلامي غالباً ما يُبرز رواية كلّ طرف بصورة منفصلة، تشير الوقائع الميدانية إلى انتهاكات متبادلة، وخسارات بشرية ومادّية طالت الدروز والبدو وسكّان القرى على حدّ سواء. وفي ظلّ سيادة السلاح وتداخل الولاءات، يُترك المدنيون — من جميع المكوّنات — في موقع الخسارة الأكبر.
عودة معلّقة… ووساطات بلا أفق
يطالب المهجرون بالعودة إلى منازلهم، شرط ضمان الأمن ووجود جهة ضابطة محايدة، يقول أسعد: “البدو متمسكين بأراضيهم وملتزمين بتوجيهات الحكومة، بس ما راح نرضى نظل هيك”.
لكنّ انتشار السلاح وتعدّد القوى المسلّحة، ورفض الفصائل المحلّية وساطات خارجية — آخرها الوساطة الأميركية–الأردنية — يجعل العودة مؤجّلة إلى أجل غير معلوم. في المقابل، تطالب الفصائل الدرزية باستعادة قراها التي تقول إنها ما تزال “محتجزة” من قِبل الأمن العامّ.
ما زالت المنطقة مفتوحة على احتمالات غير مستقرّة، إذ لا يبدو أن أيّ طرف قادر على فرض حلّ شامل، فيما تستمرّ معاناة آلاف العائلات في خيم النزوح، بانتظار عودة معلّقة على توازنات السلاح والتهدئة الهشّة.
درج



