صناعة الكراهية/ رشا عمران

28 نوفمبر 2025
لنقل بداية إن خطاب الكراهية بين السوريين اليوم قد بلغ حدّاً يُنذر بما هو أسوأ، ما لم يقرّر السوريون عاجلاً الاحتكام إلى العقل، لا إلى الغرائز، وما لم تسارع النخب السورية المثقفة والوطنية إلى اجتراح حلول سريعة لإنقاذ البلاد وأهلها من حرب أهلية، كل مقوماتها متوفرة في المجتمع حاليّاً، ولن يكون أحدٌ في منجى منها. وليس هذا الخطاب مقتصراً على عالم الافتراض ووسائل التواصل، كما يحاول بعضهم الإيحاء، بل هو معاشٌ على الأرض، نسمعه ونراه ونشمه ونتذوّق مرارته مع كل خبر يأتي من الداخل السوري. فاض في الأيام الأخيرة، مثلاً، في حملات التكسير والحرق والشتائم وإطلاق الرصاص التي استهدفت مناطق وأحياء العلويين في حمص واللاذقية وجبلة من جموع غاضبة تُشحن يومياً عبر الإعلام ووسائل التواصل بسردية المنتصر الذي يتعرّض لمؤامرة تستهدف انتصاره ووجوده ما لم يسارع إلى إعدام الآخر معنويّاً وماديّاً.
هذا خطاب، بالمناسبة، ليس جديداً في المجتمع السوري، ظهر ونشأ قبل عقود، لكن ملامحه تكوّنت بعد ثورة 2011، وإن لم تأخذ شكلها الصريح لاعتباراتٍ براغماتية، ظلّ النظام السابق محتفظاً بها. هذا خطابٌ جرى الاشتغال عليه طويلاً، لكنه بقي متوارياً تحت ظل القبضة الأمنية الشديدة التي ميّزت نظام الأسد، بدأ بمدّ رأسه مع بدء تسليح الثورة، ردّاً على مجازر الأسد وشبّيحته، وروّجته نخب فكرية وسياسية، بذريعة الوقوف مع الشعب المظلوم عبر شيطنةٍ جمعيةٍ لطائفة بعينها، وتجاهل أن نظام الأسد كان يميل أكثر إلى الأوليغارشية الموالية (متعدّدة الطوائف) أكثر من ميله إلى الأوليغارشية الطائفية.
لا يستيقظ الناس في الصباح ليكتشفوا أنهم يكرهون بعضهم بعضاً، الكراهية تنتج عن عمل مصمّم ولها طرق وأدوات تديرها عادة السلطة الحاكمة أو النخب التي تبحث عن موطئ قدم في المجتمع، أو عن صراع يثبت أقدامها فيه، وهي عادة ما تبدأ من الأعلى باتجاه الأسفل. الشعب متلقٍّ لمنتج الكراهية، وليس صانعاً له. صنّاع هذا المنتج خبراء سياسة ومجتمع يحضرون الأفكار اللازمة لتثبيت استبدادٍ ما، ويصوّبون بدقة نحو الهدف (العدو) الذي قد يكون فئة أو طائفة أو طبقة أو قومية، يختارون مجموعة يمكن حشد مجاميع ضدها عبر إحداث ثنائية أخلاقية ضدّية بين: نحن وهم، نحن الضحايا وهم المجرمون، نحن أصحاب الحق وهم السارقون، نحن الأخيار وهم الأشرار، نحن الفئة الناجية وهم الكفرة. هذه الضدّية تبرّر كراهية المستهدفين، وتسلب منهم إنسانيتهم وحقوقهم مواطنين وبشراً، ثم تبدأ بسلب وجودهم شيئاً فشيئاً.
“حين يقال إن الآخر هو تهديد تتحوّل هوّيتنا إلى سلاح” (أمين معلوف في “الهويات القاتلة”). يصبح الآخر تهديداً حين تبحث السلطة الحاكمة عن آلياتٍ تحوّل فيها القلق الاجتماعي، الذي يسببه الفشل في حل الملفات المعيشية والاقتصادية والوطنية، إلى غضب موجّه نحو فئة محدّدة يجري تحميلها كل الآثام عبر شيطنة يومية لهذه الفئة في كل منابر السلطة. فعل هذا من اختاروا فئاتٍ تتناسب مع إيديولوجياتهم واستهدفوها في منابرهم مكرّسين خطاب كراهية تضمن لهم ولاء مجاميع تعتقد أن الانتماء للسلطة يمنحها القوة والحماية والطهرانية الوطنية أو القومية أو الدينية، تصبح السلطة هي الهوية، وهي السلاح الذي يتم به إعدام الفئة المستهدفة التي تحمل كلها وزر ما ارتكبه شخصٌ أو أشخاصٌ أو مجموعة؛ فـ”الاستبداد لا يقوم إلا حين يصنع من البشر فئات يمكن التضحية بها”، كما تصف حنا آرندت صناعة العدو.
والحال إن المجتمع السوري لطالما كان مثالاً شديد الوضوح عن آليات صناعة الكراهية، فالمظلوميّات اللازمة متوافرة، والفشل الحكومي متوافر، والفئات الأخرى متوافرة، والإيديولوجيا متوافرة، والاستبداد متوافر، والجموع الجاهزة للتصديق ولتلقّي شرارة العدوى أيضاً متوافرة. صناعة الكراهية في سورية مشروع سلطوي يعتدي على الحقيقة، ويبني ذاكرة مشوّهة يُراد لها أن تكون وطنية. تفكيك بنية هذه الصناعة لا يحدُث عبر السرديات الوعظية ولا الفتاوى الدينية، بل عبر مشاريع وطنية تفكّك بنية منتجيها والمستفيدين منها، وتبني مجتمعاً جديداً معافى من الكراهية المصنّعة.
العربي الجديد



