غودار: السينما أجمل خدعة في العالم/ وارد بدر السالم

27 نوفمبر 2025
يأخذ السيناريست والروائي البحريني أمين صالح على عاتقه التوغّل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه من الحياة السينمائية والشخصية والإبداعية للمخرج العالمي جان لوك غودار. يبوبها، يترجمها، يعلّق عليها، ينقدها، يشرحها، يعقّب عليها. يرى فيها الكثير مما لا نراه. يتوقّف عند اللغة السينمائية التي يعتمدها غودار، وهي لغة فنية خارج منظومة لغات الأفلام الكلاسيكية. يتأمّل حياته المتناقضة وصفاته الشخصية، يحاوره، ويستجلي الكثير من الصور الحياتية والسياسية والسينمائية غير القارّة في فترات مختلفة من حياة غودار اللامع في السينما العالمية، ومعه موجة السينما الجديدة التي يُعد أحد أقطابها في فرنسا. وقد حاول أمين صالح أن يلمّ كل الشتات المتفرّق عن هذا المخرج الاستثنائي لتوثيقه عربيًا، وإبراز إشكالياته الحياتية والفنية في السينما الفرنسية، كونه أحد أقطاب الموجة الجديدة في السينما التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
كل ذلك يجري مع كتاب “جان لوك غودار – ما قبل الاسم، ما قبل اللغة”، الذي لم يترك شاردة ولا واردة عن حياته السينمائية والشخصية إلا وضمّها في هذا السفر الطويل الذي صنعه غودار بألمعية ومثابرة، بشخصية غريبة غير منسجمة كثيرًا مع الواقع الاجتماعي، حتى مع السينما التي “جعلتني أكتشف الحياة”، كما يقول؛ بقصدية أن الحياة كانت غائبة عنه اجتماعيًا، لتكون السينما هي الملاذ المثالي له. كان اكتشاف الحياة، بطريقته، هو اكتشاف الوتر الفني السابع من جديد مع موجة التمرّد السينمائية، فـ”أنت لا تصنع فيلمًا، الفيلم هو الذي يصنعك”، لكنه صنع الفيلم المتمرّد على ثوابت معروفة، فصنع الفيلم منه استثناءً فنيًا.
(2)
قالت الناقدة سوزان سونتاغ بأن غودار “هادم متعمّد للسينما”، والهدم هو إعادة بناء من وجهة نظر شخصية وإبداعية، مثل المحو في الكتابة، فهو إعادة الأفكار إلى مواضعها من دون إفاضة؛ لأنه “الشخص الذي لا يستطيع أن يخلق إلا عن طريق الهدم والتدمير”، بتعبير الناقد جان دوشيه. ومعظم النقاد السينمائيين الذين عاصروه يرون في سلوكه السينمائي تمرّدًا على ثوابت السينما وشكلها وسردياتها المتعددة. وكان ذا مزاج مختلف عن السائد السينمائي وعن غيره من المخرجين: مبتكر، مهووس، مجنون فني. اقتحم تلك العوالم الفنية بطريقة لا تشبه أية طريقة أخرى عمل المخرجون عليها. للتصوير معه حكاية، وللصوت والأفكار والمونتاج حكايات، حتى قال عنه الناقد سيرجي داني: “السينما ينبغي أن تحرره من السينما”. والعاملون معه من فنيين وممثلين يدركون بأن شخصيته مزدوجة ومتناقضة جدًا؛ فهو ناقد مغاير، مخرج، ممثل، مصوّر، كاتب سيناريو، مونتير، منتج، متقلّب المزاج، حاد الطبع، متحفّظ، مشاكس، محرّض، فظ، ساخر، حازم في قراراته، غير اجتماعي، ولا يُظهر مبالاة إزاء الأعراف والتقاليد الاجتماعية، كما لا يحتمل الإطراء والتملّق، عميق الثقافة، ثاقب البصيرة، أحدث ثورة في اللغة السينمائية، متناقض، مشاكس، جاف، مرح، كريم، لطيف، مستبد، ثوري، متغطرس، كتوم، وجداني، ازدواجي، كاره للنساء، ووضيع.
هذه المتناقضات الصعبة في شخصيته جعلته واحدًا من أفذاذ العالم السينمائي. وتميّز عن أقرانه بالموهبة الفنية والإبداعية والسينمائية، والرؤية الداخلية للأفلام والأفكار التي يقتنصها من مصادر كثيرة. إنه موهوب في تسويق نفسه، بارع في الإعلان عن أعماله، ثقافته عميقة، غزير الإنتاج، معرفته شاملة بشأن تاريخ السينما. ويرى فيه الناقد جاسون كليوت بأنه بالنسبة للفيلم الحديث هو ما يكونه بيكاسو للفن الحديث، وهذه شهادة نقدية تجعله في مصاف الكبار في الفن.
(3)
غودار يلخّص وجوده على أنه “على الهامش”، والهامش دفعه لأن يكون في المتن لاحقًا، بوصفه قطبًا مهمًا من أقطاب الموجة السينمائية الجديدة. لذلك كان “من أشد الرافضين للشكل السردي السينمائي الغالب والمهيمن”، وهامشيته هي متنه أولًا وثانيًا هي التي أوصلته إلى القمة الإخراجية. فأعماله تكشف عن طرائق جديدة في التفكير بشأن السينما من خلال استخدامه البناء الإيجازي، الانتقالات الفجائية، اللقطات القريبة جدًا، والتقنيات البريختية، (رؤاه السياسية والفلسفية تعزّز الشكل الراديكالي لأفلامه، خالقة طبقات غنية من المعنى)، إذ إنه يستجوب جوهر وطبيعة السينما التي يعمل عليها. لم تكن قبله سينما متمرّدة، ثورية، مشاكسة، فأبقى سينماه مركّبة متحوّلة. وسنرى في مستقبل قراءة حياته السينمائية بأنه يعيش في “اللا مكان”، متجرّدًا عن زمنه المكاني ومكانته الزمنية، في تبادلية شخصية هي صنيعة اللغة ورؤاها ومجسّاتها العميقة.
لغة السينما التي أوصلته إليها لغة الأدب والثقافة؛ ولأنه عميق الثقافة العامة، لا سيما في تاريخ السينما، ومُشاهِد مدمن لها، فقد سار عكس تيار السينما الواقعية السائدة بوعي راسخ، في محاولة لقلب مفاهيم كثيرة درج المخرجون عليها من دون أن يطوّروا أساليبهم الإخراجية، لا سيما اللغة السينمائية التي أخرجها غودار بطريقة فذّة من خلال النصوص أولًا، ومن ثم في رؤيته الإخراجية لما يراه فيها، حتى قيل بأنه كان “يرتجل” السينما، ويعزّز رؤيته الفنية بما يمتلكه من إمكانية شخصية نافذة، من دون أن يرى الجمهور السينمائي المتوافد على أفلامه؛ بمعنى أنه لا يعير للجمهور أهمية كبيرة، فهو من موجة سينمائية جديدة لا تحفل كثيرًا بالجماهيرية الشعبية. فغودار يريد أن يرمّم الحالة الفنية للسينما، وهذا يتطلب منه أن يقفز على متتاليات ثابتة، ويؤسّس له كيانًا إخراجيًا لا يشبه به أحدًا.
وصل وحده إلى النجومية والجوائز، تفرد في كل شيء، وربما ينعكس هذا في أفلامه التجريبية في مجالي الصوت والصورة، مع أنها غير مستساغة من قبل الجمهور. فكان يدعو إلى تحرير الصوت من استبدادية الصورة، لأنه يبحث في مسألة ما قبل اللغة، ما قبل القانون والقواعد والنظام اللغوي وقانون الصورة، لكي يصل إلى الأصل، إلى الجوهر النقي. لهذا طرح مبكرًا أسئلة جديدة مثل:
“ما هي علاقة الفيلم بالمجتمع؟ هل هناك شكل راديكالي صحيح؟ أم أن المحتوى الراديكالي يكفي؟”
فالنزعة إلى التغيير الجذري كانت رؤية خاصة به. قد تكون متطرّفة مع فن آخذ بالاتساع الجماهيري، غير أنه لم يعبأ بالجمهور كثيرًا، لأنه هو الجمهور بالنتيجة. لم يلتفت إلى هذه المساحة العريضة بقدر ما كان يرى الحياة في تكثيفه للفيلم الذي يخرجه أو يتعامل معه كصانع فذ. لا تثنيه كلمات النقاد الحادة التي كانت أحيانًا تضعه في موضع التساؤلات الفنية، فغودار يرى حياته بأنها فيلم، و”بما أنني فيلم فإن لدي صلة عميقة بحياتي، بحيث أستطيع أن أتقاسمها مع آخرين”.
هذه الرؤية المباشرة، وهي إنشائية لغوية، كان يبحث فيها عن قواسم مشتركة مع غيره، فهو اجتماعي من هذه الزاوية، غير أنه لغوي، “يبحث عن المقام المشترك في كل أشكال التعبير: اللغة، الإشارات، المعنى، التأملات الفلسفية اللغوية”، ويؤكد “على أن تكون السينما شعرية”. ولذلك فهو لا يبسّط شخصياته السينمائية، “بل يجعلها معقّدة ومركّبة محاطة بالغموض، ويجرّدها من الخلفية العائلية والاجتماعية”. فلقد “أحببنا السينما قبل أن نحب النساء، قبل أن نحب المال”، في إشارة إلى تجنّب الواقع الاجتماعي. وكان الرهان عنده هو البديل السينمائي، لكن بالتمرّد على الأشكال التي كانت سائدة في عموم محطاته الفنية، لأن “السينما هي أجمل خدعة في العالم”. فما يحتاجه المخرج هو “مرآة ومسدس”، باعتبار أن السينما “هي مجاز العالم”، وهي “ليست فنًا ولا تقنية، إنما هي لغز”، وهي “لوحة… يمكن بناؤها مثل الموسيقى”. لذلك “أكون أقل خوفًا من الحياة عندما توجد بيننا شاشة… أنا لا أحقق أفلامًا، أنا أحقق سينما”، لأن السينما هي “التجلّي الأخير للفن”.
(4)
أفلامه المهمة “تخلو من الحبكة”، فغودار ليس حكائيًا متسلسلًا بقدر ما هو نافذ في النص بالرؤية الإخراجية الشخصية، لذلك فهو صعب المراس كثيرًا. ومع هذا المزاج الثقيل يرى النقاد بأن “السرد في أفلامه غير متماسك وغير مترابط منطقيًا”، لكنه يرد بروح عالية من الثقة بأنه يصنع حينما يصنع أفلامًا. حتى أن أنتونيوني قال بأن غودار يقذف الواقع بقوة في وجوهنا، “وهذا ما يسحرني”، فهو “يهتم بإيجاد العلاقة بين الكلمة والصورة والتلاعبات اللفظية والتعليقات المكتوبة والعبارات المقتبسة والتضمينات الأدبية والأقوال الصحيحة والمؤلفة واستخدام الملصقات والشعارات واللوحات الإعلانية والدعايات”. فقد تكون هذه تناصات مع الآخرين من أدباء وفنانين وجماليين، غير أنه يعزّز أفلامه بها للخروج من الواقع كما هو في تجسيده عبر نصوص وملصقات الآخرين، في محاولة لترتيب فيلمه كما يراه هو لا كما يراه الآخرون.
حتى إنه تنبّأ بموت السينما عام 1965، لكن بروح متفائلة: “السينما شيء عابر سريع الزوال، شيء ينقضي”. فهو ينظر إلى المستقبل الفني بإرادة ثاقبة مع إمكانياته الإخراجية آنذاك. حتى أن الشاعر أراغون قال بدهشة وهو يرى فيلم “بييرو المجنون”: “هناك شيء واحد أنا متيقّن منه… الفن اليوم هو جان لوك غودار”. ولم يفتِ المخرج أوليفييه أساياس أن يقول بأن غودار “كان شاعرًا”. بل إن الناقد ريتشارد راود أشار إلى تناص وتماثل فني بين غودار ولوحات فيرمير في لوحته “المرأة ذات القلادة”، وعندما شاهد الناقد نويل موراي فيلم “المرأة هي المرأة” قال بأنه فيلم فلسفي يبحث في مفهوم اللغة ويتأمّل الاختلاف بين الوجود والجوهر.
(5)
تناقضات شخصيته الشخصية لا تخرج عن الواقع واجتماعياته الكثيرة. ومع موهبته المبكرة عاش صراعات فردية غير طبيعية، ومع نهاية 1952، “وقد أنهكه العيش كبوهيمي… قام بسرقة نقود من خزانة مجلة كاييه وانتقل إلى سويسرا. هناك ساعدته أمه في الحصول على وظيفة في التلفزيون السويسري… وبعد سرقته نقودًا من خزينة الشركة تم إرساله إلى السجن، وبعد تدخل والده تم تحويله إلى عيادة طبيب نفساني…”.
هذه مؤشرات مبكرة على عدم طبيعيته. أحيانًا تحتاج الموهبة، كي تخرج إلى الهواء النقي، إلى اقتحامات اجتماعية وسلوك شخصي مغاير. يرينا مشهد السرقة بأن الرجل كان يشتغل على عقل شخصي خارج سلوكية المجتمع الباريسي، ومع أن السرقة شيء معتاد في المجتمعات إلا أنه أراد أن يلفت الأنظار بطريقته، بدءًا من البيت إلى المجتمع الذي يطوّقه. حتى أن علاقته الزوجية بالممثلة أنّا كارينا كانت غير موفّقة؛ فالممثل جان كلود بريالي يشهد على أن التوترات والعلاقة العاصفة بين غودار وكارينا وصلت إلى أن كلًا منهما حاول أن يمزق الآخر. جدال مستمر، تبادلا الحب، تبدّلت الكراهية، تبادلا الصراخ.
قال غودار فيما قال:
• السينما هي شكل فني غنائي.
• أعمل مثل فنان تشكيلي.
• التلفزيون لا يكتشف شيئًا… ليس فنًا، إنه تجارة، إذاعة.
• الأفلام عالَم من الشظايا.
• الطبيعة أشبه بالجسد، والكلمات والأفعال في الفيلم هي الروح أو العقل.
• الفيلم ليس هو الواقع، إنه مجرد انعكاس. المخرجون البرجوازيون يركّزون على انعكاس الواقع، نحن نهتم بواقع ذلك الانعكاس.
وأخيرًا:
عندما تشيخ تبدأ الطفولة في العودة إليك.
أهم أفلامه:
“اللاهث”، “الجندي الصغير”، “المرأة هي المرآة”، “تلك حياتي التي أعيشها”، “الجنود الرماة”، “احتقار”، “امرأة متزوجة”، “ألفا فيل”، “بييرو المجنون”، “مذكّر مؤنث”، “صُنع في الولايات المتحدة”، “الصينية”، “معرفة بهيجة”، “رسالة إلى جين”، “شغف”، “سلامًا يا مريم”، “التحري”، “موجة جدية”، “حتى النصر” (عن الثورة الفلسطينية 1970)، “موزارت إلى الأبد”، “في مديح الحب”، “موسيقانا”، “كتاب الصورة” (آخر أفلامه 2018).
مصادر وهوامش:
• جان لوك غودار، ما قبل الاسم، ما قبل اللغة – أمين صالح – جسور الثقافة للنشر والتوزيع – السعودية 2023.
• جان لوك غودار (30 ديسمبر/كانون الأول 1930 – 13 سبتمبر/أيلول 2022): أحد أبرز أعضاء حركة الموجة الجديدة السينمائية.
من عام 1940 إلى عام 1946 درس في سويسرا ثم عاد إلى باريس واختلط بالنخبة المثقفة فيها. بعدها درس في السوربون علم الأعراق البشرية، وكان يمارس النقد من خلال أندية السينما.
في خمسينيات القرن الماضي كان يعيش حياة بوهيمية متنقلًا بين شقق عائلات أصدقائه وغرف الفنادق الرخيصة، ولما قررت أسرته الامتناع عن دعمه ماديًا عام 1951 اضطر إلى السرقة ليعيل نفسه. كان مدمنًا على مشاهدة الأفلام، وكان لا يعرف شيئًا عن الحياة إلا من خلال الأفلام.
ضفة ثالثة



