كم نحن جبناء/ سلوى زكزك

23 نوفمبر 2025
علينا أن نعترف بأننا جبناء. نعم جبناء.
قد يضطر الإنسان إلى أن يكون جباناً في ظلّ اختلال معايير القوّة وغياب أيّة آليات حماية للمواقف والآراء. لكننا حتى في حالات غياب أيّ عنصر من عناصر الخوف من الآخر وعدم اختلال موازين العدالة، نفضّل أن نحجز مكانًا لنا في المداخل والممرّات (الكوريدور) التي لا تحمل أيّ صفة انتماء. ليست غرفًا للنوم ولا للمعيشة، ليست مطابخ ولا حمامات ولا مستودعات، هي فعليًا طريق، أو مجرّد ممر، وغالبًا ما يكون مُلتفاً لنصل إلى الأماكن ذات التوصيف الفعلي لما يحصل بداخلها من أفعال، كالنوم والمعيشة والطبخ والأكل والاستحمام، وربما أيضاً تخزين ما لا نريده ونزعم أنّنا بأمسّ الحاجة له، على الرغم من كون التخزين حاجة مؤجّلة تنتهي بتراكم الغبار وربما العفن. وفي النهاية، تفوز حاويات القمامة بكلّ المخزون.
أنا هنا، لا أوزّع اتهامات، بل أخاطب نفسي المُتردّدة، لماذا نختار لغةً مواربة بذريعة ترك فرصة للتراجع عن هفواتنا؟ تبدو وكأنّها هفوات؟ لكنها في الحقيقة اختلالات عميقة. لأننا جبناء، عن جد نحن جبناء.
يحصل الأمر عندما نلتف على حقيقة مواقفنا ونتوقّف عن النقد تجاه حالة مُكثّفة ومُنتشرة بثقة لتوجّه رسائل محدّدة وواضحة، مثل صورة لطفلات لا تتجاوز أعمارهن عشر سنوات، ويضعن الحجاب على رؤوسهن ببهجة غامرة وكأنّه فوز عظيم. حينها، نتوقّف في الممرّ المُلتوي نحو الحقيقة ونقول: إنّ ارتداء الحجاب حرية شخصية! حتى للطفلات اللاتي لا يملكن أصلاً حقّ التحكّم بخياراتهن. وربما نقول مسكينات، وربما أهلهم مساكين أيضاً لأنهم جميعاً يرضخون تحت وقع ضغط مجتمعي! والحقيقة هنا أننا ننشد التبرير لهم جميعاً، وربما لأنفسنا نتيجة العجز الكبير الذي يلفنا. وقد يذهب البعض إلى أبعد من التبرير ليقدّم سردية مُغايرة يزعم أنها الحقيقية، وأنّه متأكّد جداً منها مثل قوله: إنها مجرّد صورة! لكن الواقع مختلف والطفلات يعشن طفولتهن على أكمل وجه!
لماذا كلّ هذا التحايل ونحن ندّعي الدفاع عن حقوق الإنسان للجميع، بمن فيهم النساء والأطفال، نمتلك مرجعية كافية للاعتراض ولتوجيه الدفة، وهي اتفاقية حقوق الطفل ونصوص الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهنا علينا أن نرسم إطار الصورة بوضوح مسؤول، وأن نتحقّق من كامل التفاصيل الموجودة. في المشهد العام، صورة تصرخ، تعترض، تنبّه، ونحنا نلتف ونلتف بعذر أقبح من ذنب، وهو مراعاة الخصوصية، أو عدم جواز التعرّض لثقافات الآخرين ومعتقداتهم، لنتحوّل فعلياً إلى مذنبين ومتورطين بتسهيل التحايل وبمنح المتجاوزين سكةً للنجاة وللفوز تحت عنوان: نحن ندافع عن قيمنا وأخلاقنا! هم يعرفون تماماً تجاوزهم ومخالفتهم للشرعة الدولية ومنظومتها الحقوقية، لكنهم يعتبرون أنفسهم جنوداً أبطالاً يديرون معركة حاسمة ومهمّة، وهذه البطولة واستخدام توصيف المعركة يجعلاننا أعداءً!
هنا نخاف، نهرب، نصمت أو ربما نراوغ. فلنعترف؛ في الحقيقة هم يبنون جزءاً من قوّتهم على جبننا. نعم نحن جبناء وهم يديرون المعركة بكل ما يملكونه من أدوات، ومن بينها أدواتنا المتخاذلة كالالتفاف والتحايل والصمت.
الحقيقة، أننا نهرب من مواقفنا، نتهرّب من آرائنا ونختار دور المُراقب الصامت.
هل نخاف من تغوّل الأكثر عددًا أو المستقوين بقاعدة حقوق الأكثرية؟ هل نخاف من تحالف السلطتين الدينية والسياسية وعبثهما بالمجتمع لإخضاعه بفائض القوة؟ أم لأنّنا جبناء فعلياً وقبل إبداء الرأي وبناء الموقف نرسم طريقة تعبير التفافية مُسبقة ترضي الأقوى ولا تقلق البقية، تداري مخاوفنا وهواجسنا الموهومة، خربشة لطيفة كخربشة قط وليد. ونسعى قبل البداية لتأمين طريقٍ، ممر، سريع ومرن للالتفاف أو الهروب.
لا تعبّر عن ألمك أو يأسك! لن يذكر أحدٌ مواقفك الحقيقية، لأنك أنت من أهدرتها فعلياً! ومن يهدر ما يملكه لن يحصل على حقوقه أبداً، ولا على التعبير الواضح عن نفسه وعمّا يعتقده أو يدافع عنه. إننا بكلّ وضوح جبناء جداً.
العربي الجديد



