محطات

ما هو مستقبل التواصل بين سوريا والعراق؟/ مازن الشاهين

ما هو مستقبل التواصل بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وفرّقتهما الخرسانة والسياسة؟

2025-11-29

أنجزت بغداد، بحسب ما أعلن عباس البهادلي، الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية، 400 كم من جدار حدودي مع سوريا، في خطوة أمنية تقطع تهريباً وإرهاباً وتحوّل الحدود من تداخل اجتماعي إلى فصلٍ صلب، مثيرةً جدلاً سياسياً واقتصادياً حول مستقبل العلاقة بين البلدين وما إذا كان الجدار إجراءً مؤقتاً أم فصلاً دائماً يعمّق سياسة الحدود المغلقة.

البعد الأمني والعسكري.. “إغلاق ثغرة الجحيم”

من الناحية العسكرية، يرى الخبير العسكري العراقي هيثم الراوي في تصريحات لـ”963+” أن هذا الإعلان يمثل تحولاً في العقيدة الأمنية العراقية من “الدفاع المتحرك” إلى “التحصين الثابت”، فالمنطقة الحدودية (خاصة محور القائم-البوكمال وشمالاً باتجاه ربيعة) كانت لسنوات طويلة الخاصرة الرخوة التي تسلل منها الإرهاب، وأمن العراقيين لا يمكن أن يُترك رهينة فوضى الحدود، ولطالما شكّلت الحدود (العراقية ـ السورية) واحدة من أكثر النقاط حساسية في المنطقة.

ويضيف: “التضاريس الوعرة، واتساع مساحة الصحراء، ووجود جماعات مسلّحة في السنوات الماضية، جعلت المنطقة بؤرة توتر أمني، والجدار ليس خرسانة فقط، بل هو منظومة مركبة تشمل خندقاً بعمق وعرض 3 أمتار، وساتراً ترابياً، وأسلاكاً شائكة، مدعومة بكاميرات حرارية وأبراج مراقبة كل كيلومتر، وهذا يقلل اعتماد القوات العراقية على الدوريات البشرية المعرضة للكمائن، ويحيل المراقبة إلى الجهد التقني، ويحقق عزل الجيوب الإرهابية، وبالتالي استكمال 400 كم يعني فعلياً قطع خطوط الإمداد اللوجستي المتبقية لفلول داعش بين صحراء الأنبار والبادية السورية، مما يخنق الخلايا النائمة ويمنع إعادة تجميع صفوفها”.

وللعراق ثلاثة منافذ حدودية مع سوريا، منفذ ربيعة الحدودي في محافظة نينوى، ومنفذ الوليد في محافظة الأنبار، ومنفذ القائم في محافظة الأنبار، ويعتبر الراوي أن منفذ القائم هو أصغر هذه المنافذ، وشكلت مفرزات الحرب السورية وتبعات نهج نظام الأسد عائقاًُ لبناء الثقة بين المكونات السياسية والمجتمعية بين البلدين في ظل ضعف آليات المراقبة لدى السلطة الجديدة في سوريا، وتركيا أيضاً لديها جدار مع سوريا فلماذا التركيز على العراق فقط؟

وأخيراً بحسب الراوي، “هناك معابر رسمية موجودة للبضائع والمسافرين وأن المشروع يهدف إلى منع تسلل فلول التنظيمات الإرهابية، وضبط عمليات التهريب التي أرهقت الاقتصاد العراقي وأضرّت بأمن المواطنين”.

البعد الاقتصادي.. “حرب الكبتاغون والدولار”

خلف الهاجس الأمني، تكمن حرب اقتصادية شرسة، والاقتصاد الموازي (التهريب) كان يحكم هذه الحدود لعقود، كما يؤكد الدكتور عبدالستار العاني في تصريحات لـ”963+” بأن هذا الموضوع بالغ الأهمية والحساسية، فهو يلامس الأمن القومي والعلاقات الدولية والتداخل الاجتماعي القبلي على حد سواء، والجدار ليس جداراً سياسياً، بل هو ضرورة وجودية للعراق، ولقد انخفضت نسبة التسلل والتهريب لأدنى مستوياتها منذ سنوات.

ويضيف: هذا الجدار هو سد لمنافذ المخدرات، حيث يعتبر العراق ممراً ومستهلكاً للمخدرات (خاصة حبوب الكبتاغون) القادمة من سوريا، فالجدار الخرساني يوجه ضربة قاصمة لشبكات التهريب التي تستخدم الطرق الوعرة، مما سيجبرها على البحث عن طرق بديلة أكثر تكلفة وخطورة، أو محاولة اختراق المعابر الرسمية حيث الرقابة أشد، كما أوقف نزيف العملة والسلع، حيث تعاني السوق العراقية من تهريب الوقود، الأدوية، والمواد الغذائية المدعومة، إضافة إلى تهريب الدولار النقدي إلى سوريا التي ترزح تحت العقوبات، وبالتالي الجدار يفرض “السيادة الجمركية” ويعيد حصر التبادل التجاري في المنافذ الرسمية، فالجدار لا يعيق التجارة الشرعية بين العراق وسوريا، خصوصاً في نقاط عبور مهمة مثل المعابر التجارية، مما يدعم الاقتصاد الرسمي للدولتين، وبالتالي ضبط الحدود قد يخلق بيئة أفضل للاستثمار في المستقبل، خاصة بعد فتح معابر تجارية رسمية لاحقاً.

البعد الاجتماعي.. “شطر القبيلة الواحدة”

على المستوى الاجتماعي، للجدار وقعٌ أليم على سكان المناطق الحدودية، حيث يرى الوجيه الاجتماعي محمود الدليمي أنه تمزيق للنسيج العشائري، حيث تمتد قبائل كبرى (مثل شمر، الجبور، والدليم) على جانبي الحدود، وتاريخياً لم تكن الحدود تعني الكثير لأبناء العمومة الذين يتنقلون للرعي أو الزيارات العائلية ، وكأنّ الخط الذي رسمه سايكس بيكو قبل أكثر من مئة عام لم يكتفِ بما فعله، فها نحن اليوم نعيد تثبيته بالإسمنت والحديد والكاميرات والخنادق، لكن “حزّ في النفس أن هذا الجدار يُبنى بين شعب واحد، قطعته حدود لم يعرفها أجدادنا ولم يعترف بها تاريخنا”.

ويضيف الدليمي في تصريحات لـ”963+” أن الجدار الخرساني يحول هذه الحدود الوهمية إلى فصل فيزيائي تام، مما ينهي نمط حياة استمر لقرون ويعقد التواصل الاجتماعي، وهو ضرب اقتصاد القرى الحدودية حيث تعتمد قرى كاملة على جانبي الحدود في معيشتها على “التهريب المعيشي” البسيط (وقود، أغنام، سجائر)، وإغلاق الحدود يعني قطع أرزاق آلاف العائلات التي لا تملك بدائل اقتصادية، مما قد يخلق ضغوط اقتصادية واجتماعية محلية، فمنذ زمنٍ ليس ببعيد كانت هذه الأراضي تمتد بلا حواجز، تتحرك فيها القوافل من الموصل إلى حلب، ومن الفرات إلى بغداد، بلا أسلاك ولا جدران ولا نقاط تفتيش، واليوم نقف أمام مشهد يفطر القلب، دولٌ كانت يوماً جسداً واحداً صارت تمزّقها خطوط المستعمر، ونحمي هذه الخطوط كأنها قدرٌ لا يُردّ.

ويختم الدليمي حديثه متسائلاً: وهل ستتمكن الحكومة العراقية من التعويض عن الكلفة الإنسانية والاجتماعية لهذا الانفصال الجسدي؟

بالمقابل، وخلف هذه المبررات الأمنية، يخشى السوريون أن يتحول الجدار إلى خط فاصل دائم يمنع التواصل بين العشائر والبلدات التي لطالما شكلت نسيجاً اجتماعياً واحداً على جانبي الحدود، ويعبّر عدد من سكان القرى الحدودية عن قلقهم من أن الجدار سيقضي على ما تبقّى من صلاتهم العائلية والتجارية القديمة.

يقول محمد الشمري، أحد وجهاء عشيرة شمر من منطقة البوكمال السورية لـ”963+“: “في السابق كنا نرى أهلنا في القائم كل أسبوع، الآن تفصلنا كتل الأسمنت وكأننا في عالمين مختلفين”.

ويضيف: “غلق الحدود بهذه الصورة قد يكرّس حالة القطيعة، ويحوّل الحدود العربية إلى جدران دائمة تشبه جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية” هذه الشهادات تكرّرها أصوات أخرى ترى في الجدار “رمزاً لفقدان الثقة بين الأشقاء”، أكثر من كونه مجرد مشروع أمني.

وقال أحدهم (طلب عدم ذكر اسمه) لـ”963+“: “نعم الخطر الإرهابي حقيقي، والأمن الحقيقي يبدأ بالتعاون الاستخباري المشترك والتنمية الاقتصادية في المناطق الحدودية المهملة، وخطط اقتصادية لتخفيف أثر الجدار على السكان المحليين، لكن حالياً هذا الجدار سياجٌ على جسد القبيلة يقتلنا نحن ببطء، لم نعد نعرف كيف نعزي أو نتشارك أفراحنا”.

ردود الفعل من الجانب السوري.. “صمت رسمي وقلق ضمني”

السؤال الأبرز في هذا الملف هو: كيف تتلقى دمشق هذا الإجراء؟.. يجيب المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+”: “يمكن تلخيص الموقف السوري في مستويين متباينين، فالموقف الرسمي فيه (الصمت الديبلوماسي)، حيث تلتزم الحكومة السورية الصمت رسمياً، أو تبدي تفهماً خجولاً تحت عنوان حق العراق في حماية أمنه من الإرهاب، ودمشق لا تستطيع انتقاد الجدار علناً لأنها ترفع شعار محاربة الإرهاب أيضاً، وأي اعتراض سيظهر وكأنها تريد إبقاء الحدود مفتوحة للفوضى، إضافة إلى أن فكرة مشروع بناء “جدار كونكريتي” على الشريط الحدودي مع سوريا، تعود إلى ما قبل سقوط نظام الأسد وتحديداً لعام 2021 حينما كشف مصدر حكومي عراقي، عن “تشكيل الحكومة العراقية لجنة لدراسة مشروع بناء “جدار كونكريتي” على الشريط الحدودي مع سوريا، وذلك بدعم من الولايات المتحدة الأميركية”.

وبدأ العمل فعلياً على الجدار عام 2022 مع بناء حاجز خرساني عند الحدود الغربية للعراق مع سوريا كمرحلة أولى، إذ أشار مصدر عسكري عراقي آنذاك “لنية السلطات العراقية غلق كافة المناطق الحدودية مع سوريا التي قد يتسلل منها العناصر الإرهابية”، واستمرت أعمال نصب الجدار خلال الأعوام التالية، إذ أشارت قيادة قوات الحدود العراقية “لمواصلتها نصب جدار كونكريتي على الحدود العراقية السورية ضمن قاطع لواء المغاوير ولواء الحدود التاسع على الشريط الحدودي العراقي السوري”، وذلك عام 2023، قبل إعلان وكالة الأنباء العراقية عن افتتاح جدار تم نصبه في منطقة الباغوز على الشريط الحدودي العراقي السوري، مطلع عام 2024.

ومع نهاية 2024، وصل مجموع المسافة التي يغطيها الجدار بين الحدود العراقية السورية 200 كم، وفي آخر تصريح رسمي عراقي حول الجدار الخرساني على الحدود العراقية السورية، تم الاعلان عن انجاز ما يقارب 400 كيلومتر من أصل 618 كيلومتراً تتشارك فيها البلدين.

ويظهر مما سبق، بحسب العبدالله، أن قرار العراق ببناء جدار خرساني على طول المناطق الحدودية مع سوريا قديم، ولا علاقة للحكومة السورية الحالية أو لسقوط نظام الأسد بالقرار، أو بالاستمرار في البناء، إلا أن هناك من يروج “عكس ذلك” ووجدت رواجاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق التضليل المبني على أساس طائفي والتي تزايدت بشكل ملحوظ مؤخراً.

ويضيف العبدالله” أن الموقف غير الرسمي في سوريا تروج له أوساط سياسية وإعلامية مقربة من دمشق بأن هذا الجدار يأتي بضغط أمريكي لقطع “الجسر البري” الذي يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق، وهناك استياء مكتوم من أن الجدار سيزيد من خنق الاقتصاد السوري المنهك أصلاً، حيث كانت الحدود المفتوحة متنفساً لتهريب العملة والبضائع، إضافة إلى امتعاض محلي، فالعشائر السورية في دير الزور والحسكة تنظر للجدار بريبة، معتبرة إياه تكريساً لعزلتهم وتقييداً لحركتهم التقليدية نحو العراق.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى