صفحات الحوار

حوار مع الكاتب السوري ممدوح حمادة: السخرية أداة للتأريخ

نهى سويد

28-11-2025

        زيارة في الاستديو هي سلسلة من الحوارات مع شاغلين وشاغلات في الشأن الفني والأدبي والثقافي بأطيافه الواسعة، من سوريا والدول العربية والشتات العربي، يحتل فيها سؤال المكان أو مُختبَر عمل الفنان دوراً محورياً، إلى جانب الإضاءة على محاور أخرى من عمله وسيرته الفنية.

         *****

        كاتبٌ يُمسك بالخيط الرفيع الذي يصل الإنسان بذاكرته، ويحرسُ في الوقت ذاته حريّة الفن من غواية الابتذال ومن عسف السلطة، في جعبته الكثير من الأعمال التلفزيونية والمجموعات القصصية والفنّية، قدّم صوته الدرامي بسخريةٍ تُبصر أكثر مما تُضحك، فاحتلّ مكانَه في المسافة الحرجة بين الوجع والفكر.

        صاغ ممدوح حمادة عالمه بلغةٍ تجمع حرارة الواقع إلى بصيرة الفيلسوف، فخلق من شخصياته صدىً لمجتمعٍ مأزومٍ يفتّش عن النجاة. عاش تنقّلاتٍ فكرية وثقافية بين أكثر من فضاء اجتماعي وحضاري، وكأنّه مسافرٌ أبديّ، يعبر عَتَبات الفقد نحو بوّابات الاكتشاف، مُنزاحٌ عن جذوره، يتشكّل انتماؤه مع كل أرضٍ ثمّ يتخفّف منها، فلا يستقرّ له وطنٌ إلا في التحوّل ذاته.

        في هذا الجزء من سلسلة زيارة في الاستديو يبوح حمادة بوعي المثقف الذي لم يُسلّم قلمه لليأس، وإن أدركَ أن الأمل قد «نام لأجلٍ غير مسمّى». يقرأ الواقع بعين الصحافي ووجدان الكاتب، متأمّلاً مصيرَ الحرية والإبداع في وطنٍ ما زال يفتّش عن قانونٍ يحمي الحياة من عبث السلاح، وعن حلمٍ يُعيد للإنسان قيمته الأولى:

        من الجولان المحتل إلى السويداء، ومن الاتحاد السوفياتي إلى الخليج العربي، تغيّرت الأماكن، لكن يبقى سؤال الانتماء حاضراً. ماذا يعني المكان لممدوح حمادة؟ وهل شعور شخصياتك بالاغتراب والانتماء يعكس تجربتَك الشخصية في البحث عن مكان تنتمي إليه؟

        إنّ مسألة الانتماء بالنسبة إليّ جرح غائر في الوجدان يعود إلى لحظة النزوح عام 1967، حين كنت في الصف الثاني الابتدائي. ذلك الحدث ترك في داخلي أثراً بالغاً، إذ ولّدَ لديّ إحساساً مبكراً بفقدان الوطن، والاقتلاع من المكان الذي كنت أنتمي إليه، والأصعب من الفقد نفسه كان استقبال الناس لنا كنازحين، إذ كنت أرى – ولا أزال – أن مجتمعاتنا تميل إلى تحميل النازح مسؤولية نزوحه، وكأنّه اختار مصيره.

        أتذكر أنّني حين وصلنا إلى دمشق، بعد أن كنا نعيش في أرضٍ عامرةٍ بالخيرات والرفاه، سمعتُ يوماً اثنين يتحدثان على الطريق، فقال أحدهما: «منذ جاء النازحون، لم نعد نستطيع أن نخلع حذاءنا خارج البيت» عندها شعرتُ بأنني غريب في وطني، ومنذ تلك اللحظة ترسّخ في داخلي شعورٌ دائم بأن لا وطن لي، وهو شعور لم يفارقني حتى اليوم.

        بعد أن استقرّت عائلتي في السويداء بقيتُ هناك مذ كنتُ في الصف الرابع وحتى الثالث الثانوي، خفَّ الشعور بالغربة تدريجياً مع التأقلم وتكوين الصداقات في البيئات التي عشت فيها لاحقاً.

        وحين عدتُ إلى سوريا بعد إنهاء دراستي في الاتحاد السوفياتي، واجهت صعوبةً في العثور على عمل، فأدركتُ مجدداً أن الوطن في ظل سلطةٍ قائمة على الولاءات، لا يفتح ذراعيه لأبنائه ما لم يكونوا من المنظومة نفسها. لذلك لم تتكوّن لديّ علاقة متينة مع أي مكان. أمّا أكثر الأمكنة التي شعرت فيها بشيء من الراحة فكانت بيلاروسيا، حيث أقمت لاحقاً.

        في نيويورك، كنت مرتاحاً من ناحيةٍ نفسية لأن الغربة هناك لا تُشعرك بالوحدة، فهي مدينة عالمية لا ينتمي فيها أحد لأحد. ومع ذلك وجدت الحياة فيها قاسية من الناحية المادية، مدينة رأسمالية بامتياز، فإما أن تكون ثرياً، أو تُعامل كمهمَّش، ولأن الأعمال المتاحة لي كانت مرهقة وغير منتجة، أدركت في النهاية أنني «لم أُخلق من أجل هذا» كما يقول المثل، فقررت الرحيل.

        أمّا عن الشق الثاني من سؤالك، المتعلق بانعكاس تجربتي الشخصية على شخصياتي، فأنا أتعامل مع كل شخصية بعناية ودراسة قبل أن أكتبها. أحياناً أحذف شخصيةً من العمل إن لم أجد لها مبرراً درامياً واضحاً. لذلك لا أستمد شخصياتي من ذاتي مباشرة، بل أحرص على أن تكون مستقلة عني تماماً. هذا بالنسبة لي شرطٌ أساسي في الكتابة؛ أن تكون الشخصية كياناً قائماً بذاته، لا ظلاً لكاتبها.

        المنفى تجربة قاسية، قد يسرق من الإنسان ملامحه الأولى، ولكن غالباً ما يفتح له باباً لفهم أعمق للذات والحياة، إذا تأمّلت تجربتك اليوم ماذا تقول عنها؟

        إنّ تجربة المنفى الممتدة على مدى أربعين عاماً – أي ما يُقارب ثلثي عمري – من أهم وأقسى التجارب التي مررت بها في حياتي، ولكنّها ما زالت حتى الآن مصدراً لا ينضب للمعرفة والتأمل. رغم أنها كانت شديدة القسوة في بداياتها، إذ خرجتُ من بلدي وفي قلبي حلمٌ بسيط «أن أعيش حياةً طبيعية في سوريا» كان ذلك الحلم راسخاً في وجداني، غير أنه بدأ يتبدّد شيئاً فشيئاً مع ما شهدته البلاد من تحوّلات مؤلمة جعلت العودة ضرباً من المستحيل.

        لقد منحني المنفى – أو لأُسمِّه كما أحبّ، تجربة الغربة الكبرى – ثراءً إنسانياً ما كنت لأناله لو بقيت في الوطن. ففي الغربة يتعرّف المرء على الثقافات والأفكار والناس عبر الاحتكاك المباشر بالحياة، وبالاختبار الحقيقي للوجود الإنساني. حين تعيش بعيداً عن أرضك، بلا سندٍ مادي ولا عائلي، تُصبح التجربة نفسها معلّمك الأوّل، فتكتسب من قسوتها ما لا تمنحك إياه الجامعات ولا المناهج. ومع مرور الزمن يتحوّل المنفى إلى ما يُشبه الوطن البديل، إذ تتآلف معه النّفس حتّى تكاد تشعر بانتماءٍ جديدٍ يولد من رحم الفقد.

        بالنسبة لي، كانت بيلاروسيا هي محطّتي الأهم والأطول، وهناك انفتحت على الثقافة الروسية بمختلف وجوهها، من الأدب إلى الموسيقى، ومن المسرح إلى الفنون التشكيلية. تعرّفتُ إلى جوهر هذه الثقافة عن قرب، فعشتُ مع نصوص تشيخوف ودوستويفسكي كأنهما جزء من عالمي الداخلي؛ الأول بدهائه الإنساني وذكائه في التقاط التفاصيل الصغيرة، والثاني بعمقه الوجودي الذي يحفرُ في النفس كما لو كان يُكتَب من لحمها. كما تأثرت بالموسيقى الكلاسيكية من تشايكوفسكي إلى خاتشادوريان، وبالمدارس المسرحية التي أسسها عمالقة كستانسلافسكي وميرخولد، أمّا الفن التشكيلي الروسي فله طعمه الخاص فهو يُعبّر عن روح الشعب لا عن نزوة الفنان الفرد. كنت أزور المسارح ودور الأوبرا بانتظام، أشاهد عروض الباليه الكبرى مثل كارمينا بورانا وكارمن وبوليرو، حتّى صار ذلك طقساً من طقوس حياتي.

        لهذا أقول إنَّ المنفى على قسوته، كان هديةً من السماء. منحني معرفةً لا يمكن تحصيلها إلا بالعيش والتجربة، لا بالقراءة وحدها، فأنا أؤمن أنّ الإنسان – على خلاف الشجر- لا ينبغي له أن يكتفي بالتجذّر في تربة واحدة، إذ عليه أن يتنقّل ويتعرّف ويختبر، فبقدر ما اتسع منفاي، اتسعت رؤيتي واغتنت تجربتي الإنسانية. لذلك علاقتي بالمنفى رغم كل ما تحمله من حسرات وآلام علاقة صداقةٍ متينة، فيها من الوجع بقدر ما فيها من النور، فالمنفى هو وطني.

        على المستوى الشخصي، لا أنكر أن الغياب عن الوطن ترك فيَّ ندوباً لا تندمل. فقدتُ في غربتي أمّي وأخويّ، وأختي الصغيرة التي كنت أحبها كما يُحب الأب ابنته، ولم أستطع أن أودّعَ أحداً منهم. كانت تلك الخسارات أثقل ما في المنفى، فالموت يصل إليك عبر خبرٍ باردٍ يعبر القارات، تاركاً القلب معلّقاً بين الندم والعجز.

        ما هي الدوافع والأحداث التي حملتك بعيداً عن أرض سوريا؟

        خروجي النهائي من سوريا يعود إلى سلسلة من المضايقات الأمنية منذ عام 1994. كانت البداية باستدعاءات متكرّرة من فروعٍ مختلفة دون تهمة واضحة، ثمّ تفتيش مفاجئ ومتكرر للمنزل، وتحقيقات تدور حول انتماءاتٍ سياسية لم أعرفها يوماً. في إحدى المرات اتهموني بأنّني أتلقى رسائل من الفاتيكان! وعندما طالبتهم بإظهار تلك الرسائل، لم يجدوا ما يقولونه سوى عبارات المجاملة الزائفة «نحن نعلم أنّك وطنيّ»، لكنّهم كانوا يراقبون مراسلاتي، يفتحون رسائلي، ويعرفون تفاصيل لا يُمكن معرفتها إلا بالتنصت والرقابة.

        ربما بدأت الشكوك الأمنية تجاه اسمي منذ عام 1989، حين شاركت مع عددٍ من زملائي في مؤتمرٍ للاتحاد الوطني لطلبة سوريا في الاتحاد السوفياتي، ورفعنا هناك عريضة نُطالب فيها بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من الطلبة الذين حصلنا على أسمائهم من صحف ومنشورات أحزاب ممنوعة في سوريا حينها. يبدو أن تلك الخطوة سجّلت اسمي في سجلات الأجهزة الأمنيّة. وعندما عدتُ إلى سوريا عام 1990 في زيارة قصيرة، علمت من والدتي أن الأمن داهم منزلنا أثناء غيابي. لاحقاً بعد أن عملت مراسلاً لصحيفة السياسة الكويتية وغطّيتُ حرب الشيشان الأولى، عادت المضايقات من جديد، لأنّهم لم يفهموا كيف أحصل على معلومات دقيقة من مصادر روسية مفتوحة، فظنوا أنني أتعامل مع جهاتٍ أجنبية.

        كانت الاستدعاءات تتكرّر بلا سببٍ محدد، حتّى شعرت أن حياتي كلها تحوّلت إلى قلقٍ دائم. في إحدى المرات عام 2002، تلقيت ورقة استدعاء تركها عنصر أمني لدى الجيران يطلبون مني فيها مراجعة أحد الفروع، فقررتُ في تلك اللحظة أن أغادر إلى الأبد. حزمت أوراقي، سلّمتُ ما أملك إلى أصدقائي ليعطوه لعائلتي، وخرجت من دمشق مع أول الفجر متجهاً إلى بيروت. عند الحدود احتُجزَ جواز سفري لساعاتٍ طويلة دون تفسير، وخلالها أصبتُ بنوبةٍ شديدة من الجفاف كانت بداية إصابتي بالسكري. وحين أُعيدَ إليَّ الجواز في النهاية، أيقنتُ أن العودة إلى سوريا صارت نوعاً من الانتحار البطيء، فغادرتُ غير ملتفتٍ إلى الوراء.

        بعد خروجي بأيام قليلة، قرأت بالصدفة على الإنترنت مقالاً منشوراً في موقعٍ محسوب على جماعة الإخوان المسلمين، موقَّعاً باسمي ولكي لا يحصل لبس لدى من يقرأ المقال ذُيّل بعبارة كاتب سوري «يعيش في بيلاروسيا» – أي يُشير إليّ بوضوح – ويتضمّن عباراتٍ مسيئة لشخصياتٍ من النظام السوري. هذا المقال المدسوس كُتب بقصد تدميري لو كنتُ داخل البلاد.

        ومنذ ذلك اليوم لم أعد إلى سوريا. المسلسلات التي كُتبت بعد 2002 مثل (ضيعة ضايعة، الخربة، قانون ولكن) وغيرها الكثير من الأعمال كلّها أُنتجت وأنا في المنفى، بعيداً عن البلد.

        السخرية في نصوصك تمنحنا فرصة للتفكير بالذاكرة الجماعية السورية بكلّ ما تحمله من ألم وتناقض؛ كيف ترى قدرة الدراما الساخرة على حفظ هذه الذاكرة؟

        إن السخرية في جوهرها شكلٌ راقٍ من أشكال الوعي الجمعي، ووسيلةٌ فاعلةٌ لحفظ الذاكرة الجماعية للشعوب. فمنذ القِدَم لعبت الحكاية الساخرة، والنكتة الشعبية، والمواقف المَروية بروح الطرافة، دوراً أساسياً في توثيق التجربة الاجتماعية والسياسية للناس. فالموروث الشعبي بما فيه من طرائف وأقوال وأمثال، هو ذاكرة الأمم غير المكتوبة؛ وإذا تأملنا النكات التي كانت تُروى في عهدٍ مثل عهد حافظ الأسد، أدركنا أنها كانت في حقيقتها، سجلاً صادقاً لوجدان الناس ومواقفهم من السلطة والواقع، حتى وإن جاءت في قالبٍ ساخرٍ بسيط.

        فإذا كانت تلك النكات العفوية – التي لا نعرف مُؤلِّفها – قادرةً على حفظ الذاكرة الشعبية، فكيف بالأعمال الساخرة التي تُكتب بوعيٍ فكريٍّ وإبداعٍ فنيٍّ مقصود؟ حين تكون السخرية صادرةً عن مؤلفٍ مُدركٍ لدورها التاريخي والاجتماعي، تتحول من نكتةٍ عابرة إلى وثيقةٍ ثقافيةٍ حيةٍ، تحفظ ملامح المجتمع بكل تناقضاته ومواقفه وقيمه.

        في أعمالي سعيتُ لأن تكون السخرية أداةً لتأريخ الحالة السورية بوجوهها المختلفة. فعندما كتبت الخربة مثلاً، لم أكن أهدف إلى الإضحاك فحسب، فهدفي الحقيقي تقديم صورةٍ دقيقةٍ لذاكرة المكان والناس بكل ما فيها من عاداتٍ وتقاليد، ومن علاقاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ تكشف روح المرحلة. تناولتُ فيها مثلاً حضور الأحزاب اليسارية والبعثية، وكيف انعكست في تفاصيل الحياة اليومية، كما عرّجتُ على العلاقة بين الرجل والمرأة، وعلى النماذج التي تُمثّل فئاتٍ محددةً من المجتمع كالشخصية الليبرالية، أو الانتهازية، أو الساخرة من ذاتها. بهذا المعنى تحفظ السخرية التفاصيل الصغيرة للمجتمع والتي قد تغيب عن المؤرخين. إنّها أرشيف الوجدان الشعبي، ولعلّها في بعض الأحيان أصدقُ من التاريخ المكتوب، لأنها تُعبّر عمّا يشعر به الناس لا عمّا يُقال باسمهم.

        وأعتقد أن الأعمال الساخرة، بخلاف الأعمال التراجيدية أو التاريخية الثقيلة، تمتلك قدرةً استثنائية على البقاء في الذاكرة. فالمُتلقي بطبيعته يميل إلى الحياة والفرح، ويُفضّل أن يتلقى المعرفة أو النقد بطريقة لطيفة، بعيدة عن النبرة المأساوية التي تُتعب النفس، ولهذا تجد أن الأعمال الساخرة – مهما مرّ عليها الزمن – تبقى حاضرةً في وجدان الناس، يُعيدون مشاهدتها جيلاً بعد جيل، لأنها تمنحهم المتعة والمعرفة في آنٍ معاً.

        خضتَ تجربة احتكاك واسعة بين فضاءات ثقافية واجتماعية متباينة، تعددت فيها الرؤى والمرجعيات، كيف أسهمَ هذا العبور في إعادة تشكيل أدواتك النقدية، وفي تطوير مقاربة اجتماعية تستطيع أن تحتفظ بتعقيد الواقع وتُقاوم في الوقت نفسه إغراء اختزاله في أنماط ومقولات جاهزة، كيف تمكّنتَ من حماية العمل الدرامي من الانزلاق لتبسيط الواقع؟

        سؤالك مهمٌّ للغاية، لأنه يمسّ صميم العملية الإبداعية في الدراما، ويكشف ما يواجهه الكاتب من تحدياتٍ فكرية وجمالية في سبيل أن يقدّم عملاً يُجسِّد الواقع دون أن يُبَسِّطه.

        أنا شخصيّاً لم أُعانِ من هذا الإشكال حين كتبت في القصة أو المسرح أو المقال، لأن الكاتب في هذه الأجناس يملك أدواته كاملة، فهو صاحب النص ومُوجّه الفكرة، والحاكم الوحيد لعالمه الفني. لديّ نحو ثمانية عشر كتاباً، منها ما يزيد على عشر مجموعاتٍ قصصية، إلى جانب ما يمكن وصفه بـ«الروايات القصيرة» أو «النوفيلا»، فضلاً عن مسرحيتين وكتابين في فنّ الكاريكاتير، وفي كلّ هذه الأنواع كنت أمتلك حرية الرؤية والشكل معاً.

        أمّا في الدراما التلفزيونية، فالأمر مختلف تماماً. فالنص الدرامي ما إن يخرج من يد الكاتب، حتى يدخل في منطقةٍ ملغومةٍ بتداخل السلطات الفنية والإنتاجية. فهناك المخرج، والممثل، والمونتير، والمنتج، والرقابة أحياناً؛ وكلٌّ من هؤلاء يُمكنه أن يُغيّر في النص ما يشاء، فيتحوّل العمل عن غايته الأصلية، أو يَفقد شيئاً من صدقه الفني. ولهذا فإن حماية النص من التبسيط أو التشويه تُصبح مهمةً شاقة، لا يكفي فيها وعي الكاتب وحده.

        أبدأ أولاً بما أسمّيه احتياطاتي الشخصية، فكتابة الكوميديا ميدانٌ شديد الحساسية، لأن العلاقة بين الكوميديا والجمهور علاقةٌ خطرة؛ أدنى زلةٍ يُمكن أن تُسقط العمل في الابتذال أو الفشل. لذلك أتعامل مع نصوصي بصرامةٍ نقدية، فأعيد قراءتها بعد زمنٍ من كتابتها، أحياناً بعد شهرٍ أو أكثر، لأتأملها بعينٍ باردةٍ بعيدةٍ عن انفعال اللحظة الأولى. أحياناً أكتشف أن بعض المشاهد أو الشخصيات زائدة لا تضيف شيئاً إلى البنية، فأحذفها بلا تردد، حتى لو كانت ذات محتوى كوميدي قوي. المعيار عندي هو الوظيفة لا الإضحاك. أحياناً أروي ما كتبتُ لأصدقاء مقرّبين، لأختبر تفاعلهم مع الفكرة والموقف. بهذه الطريقة أحاول قدر الإمكان أن أُحصّن النص من الوقوع في التكرار أو المجانية أو السطحية.

        ومع ذلك، تبقى هناك عوامل خارجة عن إرادة الكاتب قد تقلب العمل رأساً على عقب. فالمُخرج مثلاً قد يُغيّر رؤية النص برمّتها. أذكر أنني كتبتُ عملاً كان جوهره الدفاع عن قضية المرأة وتعرية المأساة التي تعيشها في مجتمعاتنا، فإذا بالمخرج يقدّمه على نحوٍ يعاكس تماماً مقصدي، محرِّفاً الرسالة الإنسانية التي بنيت عليها النص. ولم أكتشف ذلك إلا بعد سنواتٍ من عرضه، لأن العمل حينها لم يكن متاحاً في فضاءات البثّ المفتوحة كما هو اليوم.

        وهناك أيضاً الممثل، خصوصاً النجم الذي يظنّ أنّ الارتجال يزيد النص حيوية. في أحد الأعمال، كتبت لوحةً قصيرة تتناول موقفاً إنسانياً بسيطاً وردَتْ فيه كلمة «خدّام» بمعناها العادي، لكن الممثل استغلّ الكلمة ليرتجل مونولوجاً سياسياً موجّهاً إلى شخصيةٍ عامة تحمل الاسم نفسه، فحوّلَ المشهد إلى ما يشبه التهريج السياسي. كانت تلك اللحظة قاسية بالنسبة لي، لأن الجمهور لا يعلم أنه ارتجالٌ من الممثل، وسيظن أن الكاتب وراء هذا الحوار.

        لهذا أقول: إن العمل الدرامي أشبه بكائنٍ حيٍّ هشّ، تتوزع فيه المسؤولية بين أطرافٍ عدة، وأيّ خللٍ من أحدها يُمكن أن يشوّه ملامحه. ومع ذلك كنت محظوظاً في بعض التجارب التي عملت فيها مع مخرجين متميزين احترموا النص وحافظوا على روحه. التجربة الأولى الطويلة كانت مع المخرج هشام شربتجي، الذي أخرج لي نحو سبعة أعمال. ورغم ميله أحياناً إلى المبالغة في الكوميديا، فقد كان قارئاً جاداً للنص، يُحاول فهمه قبل تصويره، ولهذا نجحت كثير من أعمالنا المشتركة. التجربة الثانية كانت مع المخرج الليث حجو، الذي أعتبره من أكثر المخرجين وعياً بالنص وقدرةً على ترجمته بصرياً وإنسانياً دون أن يُفقده عمقه أو دقّته. معه قُدِّمت أهمّ أعمالي وأكثرها نضجاً.

        أمّا عن الرّقابة، فقد كنتُ بمنأى عنها في معظم الأحيان، لأن أغلب أعمالي لم تُنتَج ضمن القطاع الرسمي، إنّما في فضاءاتٍ أكثر حرية. ومع ذلك حين عُرض مسلسل الخربة مثلاً على قنواتٍ مختلفة، لاحظنا لاحقاً أن بعض المحطات الرسمية حذفت مشاهد كاملة منه، في حين احتفظت بها النسخ التي بُثّت عبر قنواتٍ عربية أو على الإنترنت. وهو ما يكشف كيف يُمكن للرقابة أن تقتطع من العمل دون أن تجرؤ على إعلان السبب.

        إنَّ التجربة الإنسانية في تعدُّدها وتنوّع فضاءاتها الثقافية والاجتماعية كانت في نظري مختبراً حقيقياً لتشكيل أدواتي النقدية وصقل رؤيتي الفنية. فكلّ قراءة جديدة، وكلّ احتكاك بالحياة أو بالناس، يفتح لي أفقاً آخر في التفكير والمقاربة. الحياة بكلّ تفاصيلها هي بمثابة فرنٍ دائم الاشتعال، ونحن – بوصفنا مبدعين – رغيفٌ يتخمَّر وينضج فيها، فلا نخرج منها أبداً كما دخلنا.

        ما هي البوصلة التي تُوجِّه رؤيتك النقدية والفنية أثناء الكتابة؟

        إنّ موقفي الإنسانيّ هو بوصلتي، لذلك سعيت مع الزمن إلى تنقية أدواتي من المفردات والتصورات التي تنطوي على إساءة أو تنميط لأي فئة من الناس. فقد كان شائعاً – مثلاً – أن يُستغَلَّ أصحابُ الإعاقات الجسدية مادةً للكوميديا، كأن يُقدَّم شخص قصير القامة أو أعرج كعنصرٍ مُضحك، وهذا ما رفضته تماماً.  حتى في اللغة اليومية، كنت أراجع عباراتي، فأستبدل التعابير التي قد تُسيء – مثل تلك التي تمس المكفوفين أو ضعاف السمع – بتعابير أكثر احتراماً وإنسانية. من بين جمهورنا كثيرون ينتمون إلى هذه الفئات، ولا يجوز أن يكون الفن سبباً في إيذائهم أو تهميشهم.

        هذا الوعي بألم الآخر لم يتكوَّن صدفة، فقد جاء نتيجة تراكم القراءة والمعرفة والاحتكاك بقضايا الإنسان، من حقوق الإنسان إلى قضايا المرأة التي طالما جرى التندر بها في مجتمعاتنا على نحو غير مُنصف.

        أمّا الموهبة فهي الأساس، غير أن الموهبة وحدها لا تكفي ما لم تُصقَل ببنية فكرية راسخة وقراءات واسعة وتجارب متراكمة. هذه العناصر مجتمعة هي التي شكّلت لديّ الاتجاه النقدي والفني الذي أعمل به اليوم.

        وقد أسهمَ عملي في مجال الكاريكاتير – إذ عملتُ لأربع سنوات في مجلة بيلاروسية اسمها القنفذ، وما زلت أمارس هذا الفن من حين إلى آخر – في تعزيز حسّي الساخر، الذي أراه جزءاً لا يتجزأ من رؤيتي الدرامية. كما أنّ دراستي للإخراج السينمائي في أكاديمية الفنون في بيلاروسيا، وإنجازي لعددٍ من الأفلام القصيرة، كلها أمور منحتني فهماً أعمق للعلاقة بين الصورة والفكرة، وبين الإنسان والحدث.

        إلى أي مدى ترى أن الكاتب معنيٌّ بمساءلة البُعد الأخلاقي في أثر نصّه على المجتمع؟ وهل يمكن للنص الإبداعي أن يحتفظ بحريته الاستقصائية في طرح الأسئلة، دون أن يتنصّل في الوقت نفسه من مسؤوليته تجاه الوعي الجمعي؟

        إن مسألة البُعد الأخلاقي في العمل الإبداعي تتصل في تقديري بطبيعة الوسيط الذي يُقدَّم من خلاله النص، وبالجمهور الذي يتوجه إليه. فعندما أكتب قصة، أمتلك حرية شبه مطلقة، لأنني أتوجه إلى قارئ اختار أن يدخل إلى عالمي بإرادته، فيقرأ ما أقدمه بعينٍ ناقدة أو متأملة، ومن ثمّ فأنا مسؤول أمامه بصفتي الفردية، لا بصفتي صاحب خطاب عام موجّه إلى كتلة بشرية واسعة.

        أمّا في التلفزيون، فالأمر مختلف تماماً. التلفزيون وسيلة لا يمكن التحكم بجمهورها أو ضبط أعمارهم وثقافاتهم، فالمتلقي قد يكون طفلاً، أو امرأة، أو شيخاً، أو أجنبياً، أو شخصاً بسيطاً بلا خلفية فكرية. ومن ثمّ فإن الرسالة التلفزيونية ينبغي أن تكون مدروسة بعناية، لأنها لا تكتفي بطرح فكرة فقط، وإنّما تمتزج بطابعٍ ترفيهي يجعل أثرها أوسع وأعمق.

        لذلك أرى أن الحرية في الطرح تتكامل مع المسؤولية، فحين أعمل في السينما أو في الكتابة القصصية أستطيع أن أمارس حريتي كاملة، لكن ضمن وعيٍ نقدي يجعلني أدرك أن كل فكرة تُلقى في فضاء عام تُحدث أثراً، إيجابياً كان أو سلبياً.

        أذكر أنني كتبت يوماً نصاً بعنوان «فلسفة الأصوات»، طرح تساؤلاً فكرياً حول مفهوم المساواة في التصويت: هل يُعقل أن يكون صوت الأُمّيّ مساوياً لصوت الأكاديمي؟ محاولاً من خلاله تحريض التفكير في مفهوم الوعي السياسي، وقد صغته ضمن قالب قصصي فانتازي، لم يكن القصد أبداً الدعوة للتمييز، لكن حين نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي، فُهم على نحوٍ مختلف، وتعرضتُ لهجومٍ واسع، إذ رآه بعضهم انتقاصاً من الحقوق. عندها أدركت مجدداً أن طبيعة الوسيط تُحدد شكل التلقي وحدود الحرية، وأن الكاتب مطالبٌ دوماً بمعرفة جمهوره قبل إطلاق رسالته.

        في التلفزيون لا بد من الحذر، ومن استخدام ما أسميه «الذكاء الفني»، أي أن تُقال الفكرة بين السطور، وأن تُقدَّم الرسالة دون مباشرة فجّة أو صدام مع الحس العام. من المهم تقديم الفكرة بلياقة تجعلها تصل دون أن تُحدث تخريباً في الذوق أو في وعي المتلقي.

        على سبيل المثال،  لست ضد تناول مشاهد العنف لكني أتناولها بهدف إثارة النفور لدى المشاهد من الجريمة، والتعاطف مع الضحية. أمّا إذا قُدِّم العنف بطريقة تجعل المجرم محبوباً أو بطلاً، فإن هذا انحدارٌ أخلاقي وفني، مهما بلغت جمالية المشهد البصري. إذ أنّ معيار القيمة في النهاية هو أثر العمل في وجدان المتلقي.

        تختلف المعايير أيضاً باختلاف البيئات الثقافية. ففي المجتمعات المتقدمة كروسيا أو بيلاروسيا، حيث تنعدم الأمية والجميع تقريباً يحمل درجة تعليم عالي، يكون الجمهور أكثر انتقائية وانفتاحاً، يُشاهد ما يختار بوعيٍ وموعدٍ محدد. أمّا في بيئاتنا فثمة موضوعات ما تزال تُعدّ من المحظورات، والخوض فيها قد يجرّ تبعات اجتماعية أو سياسية. لذلك وجب على الكاتب أن يُقدّر طبيعة جمهوره ومجاله التعبيري، وأن يوازن بين الحرية والوعي.

        من موقعك كأكاديمي في الإعلام، كيف تُقيّم تأثير التلاعب الإعلامي، بما في ذلك حملات التجييش والكذب والتلفيق التي استهدفت أهل السويداء والساحل، على تركيبة المجتمع السوري؟ وإلى أي مدى ساهمت هذه الممارسات في تمزيق النسيج الاجتماعي السوري وإذكاء روح الشك والعداء بين مكوّناته؟

        يمكن تصنيف هذا النوع من الإعلام في ثلاث فئات رئيسة.

        الفئة الأولى هي ما أسميه الإعلام المأجور الفردي، أي أولئك الذين يُطلّون بأسمائهم ووجوههم ليمارسوا دوراً تحريضيّاً قذراً، بعيداً كلّ البعد عن أخلاقيات المهنة. هؤلاء منفّذون لأوامر أمنية، وأدوات في خدمة أجهزة المخابرات، يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الشرف المهني. لقد أسهمَتْ حملاتهم مباشرة في التحريض على القتل وفي إشعال الفتن، ولذلك أرى أنّ من مارسَ هذا الدور يتحمّل مسؤولية جنائية وأخلاقية، وسيُحاسب يوماً ما ضمن مسار العدالة الانتقالية بوصفه شريكاً في الجريمة.

        أمّا الفئة الثانية فهي الذباب الإلكتروني، أو كما أحب أن أسميه «الدواب الإلكترونية»، وهي جيوش رقمية تعمل في الظلّ بإمرة غرف أمنية، لا وجه لها ولا هوية إعلامية حقيقية. هؤلاء لا يُمكن وصفهم بالإعلاميين أصلاً، لأنهم مجرد أدوات تكرّر ما يُملى عليها، وتنفّذ سياسات التشويه والتزييف على نطاق واسع في الفضاء الافتراضي.

        أما الفئة الثالثة، وهي الأخطر، فتتمثل في الإعلام الرسمي أو الإعلام الممول سياسيّاً. هذا النوع من الإعلام يُمارس التضليلَ بصورة منهجية ومنظّمة، إذ لا يملك استقلالاً عن مموليه، ولا يُعبّر عن موقفٍ مهني أو وطني، إنّما يخضع كليّاً لأجندة الجهة التي تموّله. نادراً ما نجد فيه صوتاً نظيفاً أو موقفاً حراً؛ فالغالبية العظمى تعمل في إطار بروباغندا معدّة سلفاً، تخلط الحقائق بالأكاذيب وتقدّم الرواية الرسمية في قالبٍ دعائي فجّ.

        مثلاً تغطية بعض الوسائل للأحداث في السويداء، فقد صُوِّرَ الحراك هناك على أنه صدام بين الأهالي والبدو، بينما الحقيقة أنه خلافٌ مع السلطة ذاتها. أو لنأخذ المثال الآخر، ما سُمّي بـ «حملة السويداء منّا وفينا»، التي رُوِّجَ لها إعلاميّاً على أنها مبادرة إنقاذية لأبناء المحافظة، بينما كانت في جوهرها أداةً لتلميع السلطة وإعادة تدوير خطابها، ولم تصل فوائدها إلا إلى الدائرة الضيقة المحيطة بالجهة المنفّذة.

        هذا النمط من الخطاب لا يُمكن وصفه إلا بأنه مشابه للإعلام النازي تقريباً، إذ يقوم على مبدأ: اكذب، اكذب، حتى تُصدّق نفسك. فكما سخّرت الأنظمة الشمولية في التاريخ إعلامها لتبرير القمع والإبادة وتزوير الوعي، كذلك جرى في واقعنا، إذ تحوّل الإعلام إلى أداةٍ سلطوية هدفها تضليل الناس وترويضهم.

        ومع ذلك لا يمكن إنكار أن بين العاملين في هذا المجال من بقي لديهم قدر من الضمير المهني، فاختاروا الانسحاب أو الصمت على المشاركة في هذا الانحطاط الأخلاقي. غير أن الغالبية للأسف، اندمجت في آلة التضليل، حتى بات بعضهم مجرد موظفٍ أمنيٍّ بلباس إعلامي.

        إنّ ما أصاب الإعلام السوري – في مستوياته كافة – هو انعكاسٌ مباشر لبنية السلطة ذاتها، تلك التي تقوم على النفي والإقصاء والكذب الممنهج. ولذلك لا غرابة أن يتحوّل الإعلام إلى ذراعٍ دعائية لسياسات الخراب نفسها التي مزّقت المجتمع السوري وأفقدته توازنه الأخلاقي والإنساني.

        تواجهُ كثيرٌ من شخصياتك الدرامية مأزقاً أخلاقياً واجتماعياً؛ وتكشف تعقيدات وتناقضات المجتمع السوري، هل هناك أمل في الخروج من هذا الواقع المأزوم، أم أنّنا أمام مأزقٍ مستمر؟

        أظنّ أنَّ الأمل الذي كان يوماً ما حاضراً في وجداننا خمدَ أو غابَ إلى أجلٍ غير مسمّى، وربما قُتلَ في طريقه الطويل نحو التحقق. كنّا نعتقد أن الخلاص من سلطة الأسد سيُشكّل بداية لمرحلة جديدة، تُتيح لنا التقدّم خطوةً نحو الأمام، غير أن الواقع أثبتَ عكس ذلك تماماً، فبدلاً من أن يفتح التغييرُ باب الإصلاح، رأينا منظومةً جديدة تستكمل ما لم يستطع النظام السابق إنجازه، وتُجهز حتّى على ما تبقّى من مظاهر الدولة ومؤسساتها التي كانت رغم كل شيء، تحمل بعض التوازن أو الحدّ الأدنى من التنظيم.

        اليوم يبدو الأمل بالخروج من هذا المأزق بعيداً جداً، ليس لأنّ الناس لا ترغب بالتغيير، بل لأنّ البنية التي نشأت بعد الخراب صارت أكثر قسوة وتعقيداً، حتى كأنها جاءت لتُكمل ما عجزت عنه السلطات السابقة. ولذلك يُمكن القول إننا، للأسف أمام مأزقٍ مستمرّ، لم يعد الرجاءُ فيه قريب المنال.

        ممدوح حمادة يرى الواقع بعين الصحافي ويصيغه بذوق الكاتب، إلى أي حدّ لعبت خبرتك كأكاديمي إعلامي دورها في تشكيل منهجك الفني لكتابة السيناريو؟ وهل هناك لحظات خشيت فيها فقدان التوازن بين الدقة الصحفية والحرية الإبداعية؟

        أرى أنّ بين الصحافة والدراما تقاطعات واضحة، خاصة في الكتابة الساخرة. فالصحافة تمتلك مستويات في تناول الموضوع؛ تبدأ من النقد التلميحي، ثم تحليل جذور الظواهر، وصولاً إلى التحريض على التغيير، وقد تبلغ أحياناً المستوى التدميري الذي يجعل السخرية سلاحاً لإسقاط رموز أو أنظمة. غير أنّ الكتابة الساخرة وفنّ الكاريكاتير في عالمنا العربي، وبخاصة في سورية، وُضعت غالباً تحت رقابة السلطة، فبدت أحياناً تمرداً شكلياً يخدمها أكثر مما يُعارضها. هذه الخبرة منحتني فهماً للعلاقة بين النقد والسلطة.

        إنّ خبرتي كأكاديمي أفادتني في فهم الجمهور والوعي بآليات التلقي، وفي ترسيخ الانتباه للتفاصيل والموضوعية باعتبار أن الواقع هو المادة الخام للدراما. ومع ذلك لا أرى تناقضاً بين الدقة الصحفية والحرية الإبداعية، لأن لكلّ منهما قوانينه. فالدراما ليست مقالة، ولو تشاركت معها الروح النقدية، فجوهرها صراع درامي يَشدّ المتلقي، لا طرحُ رأي مباشر. كذلك، الحوار في الدراما هو صوت الشخصيات لا صوت الكاتب، وإلا فقدَ العمل صدقه، فالدراما تتطلّب توازناً دقيقاً بين عينٍ تلتقط الواقع وأخرى تُعيد صياغته جمالياً، حتى لا تتحول إلى خطاب أو وعظ يخلو من الفن.

        في ظلّ تصاعد التيارات الدينية المُتشددة، كيف يُمكن للفن والأدب أن يواصل دوره النقدي والتوثيقي للمجتمع، وهل ترى أن الحرية الإبداعية في سوريا مُعرَّضة لخطر طويل الأمد؟

        الحرية الإبداعية في سورية مُهددة بالانقراض ما دامت مرتبطة بالمؤسسات الرسمية والوصايات السياسية أو الدينية، فالإبداع لا يزدهر إلا في مناخ حر. وتصاعد التيارات المتشددة ليس المشكلة في حد ذاته، المشكلة الحقيقية في غياب دولة القانون؛ فحين يغيب القانون، يُمكن لأي فرد أن يمنع عرضاً أو يُهدد فناناً دون رادع، أو يفرض رأيه أو ذائقته على الآخرين، الضمانة الحقيقية لحرية الفن في وجود قانون يحمي الجميع.

        نظريّاً أستطيع ككاتب نشر أعمالي خارج الإطار الرسمي، لكن الأمر يختلف في الإنتاج الفني داخل سورية، إذ لا توجد حماية حقيقية، وقد يُوقِفُ أيّ شخص التصوير بلا حساب. كنت آمل أن يؤدي سقوط النظام إلى انتعاش ثقافي، لكن القمع أُعيد إنتاجه بأشكال جديدة، وغابت مؤشرات قيام دولة قانون.

        كثير من الفنانين  اليوم يرفضون العمل داخل البلاد بسبب غياب الأمان، ومن يعمل يفعل ذلك مضطراً.

        يوماً ما سأكتب عن تجربتي وكلّ تفاصيلها، لا أميل إلى تسمية الأشخاص أو الجهات علناً، لأن ذلك لا يُثمر سوى إثارة الغبار والدخول في معارك عبثية. كما أقول دائماً: الصراع في الوحل لا ينتصر فيه أحد؛ أحدهما يفرح بالتلطيخ، والآخر ينشغل بتنظيف ما علق به من أدران. لذلك أُفضِّلُ أن أُعبّرَ عن موقفي وملاحظاتي من خلال عملي الإبداعي نفسه، لا من خلال سجالات شخصية لا جدوى منها.

        بعد المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما صاحبَها من مطالب الأهالي بحق الحماية والمساءلة، كيف ترى مستقبل السويداء اجتماعياً وسياسياً، وما انعكاس ذلك على النسيج المجتمعي المحلي؟

        ما جرى في السويداء لا يُمكن وصفه إلا بأنه مجزرة تحمل سمات الإبادة الجماعية، والمسؤول عنها بشكل مباشر هو السلطة الحاكمة في دمشق وأجهزتها الأمنية، وليس العشائر كما حاول البعض الإيحاء بذلك، فالكثير من أبناء العشائر تبرأوا من هذا الفعل الشنيع، فيما انتحل بعض عناصر السلطة لباس العشائر لتضليل الناس وإخفاء الجهة الفاعلة. وعليه، تبقى المسؤولية الأساسية على السلطة وأدواتها، من أجهزة الأمن والداخلية إلى أبواقها الإعلامية والذباب الإلكتروني الذي عمل على تبرير الجريمة والتغطية عليها.

        لكن الصدمة الكبرى في تقديري، لم تكن من فعل السلطة نفسها، فالسوريون يعرفون جيداً طبيعتها، إنّما كانت من التواطؤ الشعبي العام الذي رافق الجريمة، ومن مواقف بعض المثقفين والإعلاميين الذين دافعوا عنها أو حاولوا تبريرها. هذه الصدمة العميقة ولّدت لدى أبناء السويداء شعوراً قاسياً بالخذلان، إذ وجدوا أنفسهم أمام مجتمعٍ صامتٍ أو متواطئ، وأمام فئاتٍ من النخب ساهمت في تشويه الحقيقة وتبرير القتل.

        هذا الحدث لم يترك شرخاً أفقياً عابراً في المجتمع، بل أحدث انقساماً عمودياً في البنية الوطنية نفسها. فالموقف في السويداء لم يعد مقتصرًا على رفض السلطة، فقد تعدّى ذلك إلى رفضٍ كاملٍ لأي فئة أو جهة تواطأت أو برّرت ما جرى. وهنا تكمن خطورة الجرح، لأنه جرحٌ نازف وعميق، يشبه تلك الجراح التي تُبقي الجسد في حالة إنعاش طويلة، لا يُعرف إنْ كانت ستلتئم أم ستقود إلى الموت.

        في ظلّ هذه المعطيات، بات أبناء السويداء يبحثون عن مخارج فرديّة أكثر من بحثهم عن حلول جماعية. وهذه الحالة نتيجة مخططٍ ممنهج يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي ودفع المناطق السوريّة نحو التقسيم. أرى أنّ المجازر أدوات لإعادة رسم الحدود بالدم، وفق منطق السيطرة والنفوذ الذي تتبعه السلطة وحلفاؤها.

        أما عن إمكانية قيام إدارة ذاتية أو شكل من الحكم المحلي في السويداء، فهي فكرة قابلة للنقاش من حيث المبدأ، إذ تملك المحافظة مقوماتٍ محددةً قد تُمكِّنها من ذلك. لكن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب البيئة السياسية والقانونية السليمة، فالإدارة الذاتية أو أي صيغة حكم محلي تحتاج إلى دولة مدنية تحكمها القوانين، لا سلطة أمنية تتعامل بعقلية الإلغاء والإبادة. وفي ظل النظام الحالي، لا يمكن لأي تجربة من هذا النوع أن تنجح، لأن السلطة ترى في أي استقلالية محلية تهديداً لوجودها.

        إنّ ما يجري اليوم هو استمرارٌ لنهجٍ يقوم على تسليم البلاد إلى قوى النفوذ الخارجية، فالمشهد السوري بات أشبه بسوق مفتوح تتقاسم فيه الدول مصالحها على حساب الشعب السوري. تركيا، روسيا، إسرائيل، إيران… لكلٍّ نصيب ودور، والسلطة نفسها هي من تفتح لها الأبواب وتسهّل تمددها.

        وفي هذا السياق، يمكن فهم ما يجري في الجولان أيضاً، فبعد عقود من الصمود والتمسك بالهوية السورية، بدأ جيل جديد من أبناء الجولان يشعر باليأس من إمكانية استعادة الانتماء السوري بعد ما شهده من مجازر وانهيار أخلاقي في الداخل. كثيرون منهم فقدوا ثقتهم بدولةٍ كانت الهوية السورية بالنسبة إليهم رمزاً لها، فإذا بهذه الهوية نفسها ترتبط في وعيهم اليوم بمجازر وإبادة طالت أقاربهم وأبناء وطنهم.

        لقد ظلَّ الجولان لعقود نموذجاً في الحفاظ على الانتماء الوطني، حتى إنّ من يحمل الجنسية الإسرائيلية هناك كان منبوذاً اجتماعياً. لكن مع مرور الزمن، ومع تلاشي الجيل الذي عرفَ سوريا الحقيقية، ومع استمرار اليأس وانسداد الأفق، بدأ بعض الشباب هناك يلجأ إلى الخيار العملي لا القيمي، أي طلب الجنسية الإسرائيلية أو الالتحاق بوظائفها بعد فقدانٍ الأمل ونتيجةً لخذلانٍ طويل الأمد.

        فالجرح الذي أصاب السويداء تجاوزَ حدود الجغرافيا، وامتدت آثاره النفسية والمعنوية إلى الجولان، وإلى كل من كان يرى في الانتماء السوري معنىً يستحق الدفاع عنه.

        تُطرَحُ اليوم في السويداء سيناريوهات عدة، من العودة إلى دمشق إلى المطالبة بحق تقرير المصير. برأيك، هل ساهم صمت المجتمع السوري وما خلّفه من جرح عميق وشعور بالخذلان لدى أبنائها في تشكيل موقفهم الراهن؟ أم أنّ ما حدث تعبير عن تراكم أوسع للصراعات الاجتماعية والسياسية؟

        إنّ موقف السويداء لم يتشكّل فقط من رفضهم للسلطة المستبدة، هذا أمر مفهوم ومتوقّع، إذ أنّ طبيعة هذه السلطة وخلفيتها الأيدولوجيا معروفة، وقد تذهب وتأتي سلطة أخرى، بل إنّ الصدمة الكبرى كانت في موقف السوريين عامة، وخاصة النخب والمثقفين الذين قابلوا ما حدث إما بالصمت أو بتبرير القتل والدفاع عن الجلاد. هنا أدرك أبناء السويداء أن المأساة في تواطؤ الرأي العام وعجزه عن اتخاذ موقف أخلاقي.

        مجازر السويداء لم تكن حدثاً منفصلاً، إنها امتدادٌ لما جرى في مناطق سورية أخرى، غير أن الصراع هذه المرة اتخذ طابعاً وجودياً وأيديولوجياً، وصل إلى محاولة إلغاء الآخر. لهذا شعر الناس بفقدان ثقتهم بما تبقى من الدولة والمجتمع، واتجهوا للتفكير في خيارات جديدة، بينها المطالبة بحق تقرير المصير، لحماية أنفسهم كأقلّية بعد انهيار الثقة بالمنظومة السورية بمجملها.

        في ظل فقدان الثقة بحكومة الشرع، هل المجتمع المحلي في السويداء قادرٌ على التعافي وإعادة بناء الثقة بينهم وبين باقي السوريين؟ وما هي قدرة الفن عامة والدراما خاصة على مدّ جسور التواصل والسلم الأهلي بين السوريين؟

        برأيي، هذه السلطة ومن يلتفّ حولها لا يمثلون السوريين على وجه الحقيقة، لأنّ الأغلبية الساحقة من السوريين اليوم مغلوبون على أمرهم، واقعون تحت وطأة القهر والعجز. قد تبدو السلطة في حالة من «النشوة المؤقتة» بفعل ما تعتبره انتصاراتها، لكنها حالة زائفة سرعان ما ستنقلب عليها، لأنّ بنية حكمها قائمة على الفراغ التام في المؤسسات، وعلى تفكك الدولة والمجتمع معاً.

        المواطن السوري يعيش اليوم حالة من الانعدام الشامل: انعدام العمل وانعدام الدخل وانعدام الأمان، حتى بات وجوده نفسه أشبه بالعيش على الهامش أو «على المعونة»، كما نقول بالعامية. ومع تَغوُّلِ الأجهزة الأمنية وأنصار السلطة، سيصل هذا الوضع حتماً إلى نقطة انفجار، وسيولد صراعاً داخل المجتمع نفسه، لأن هذا النمط من الاستبداد لا يمكن احتماله طويلاً.

        ومع ذلك، أنا أؤمن بأنّ الهوية السورية قادرةٌ على الترميم إذا زالت هذه السلطة وقامت دولة مدنية حقيقية تُعيد الاعتبار للقانون والمواطنة. في هذه الحالة، يمكن أن تُرمم الصدوع، وأن يُعاد بناء الثقة بين السوريين مهما كانت جراحهم عميقة. أمّا في ظلّ هذه السلطة، فكلّ الاحتمالات مفتوحة، ولا يمكن التكهّن بما سيحدث.

        أرجو أن يكون هذا الشرخ مؤقتاً، وأن نتمكن يوماً ما من استعادة شعور الانتماء لسوريا الواحدة، دولة القانون والعدالة، لكنّ التقسيم إن حدث، سيكون تقسيماً على قاعدة العداء الوجودي بين المكوّنات، وهو ما يجعل إعادة اللحمة بعده شبه مستحيلة، وقد تحتاج الأجيال مئة أو مئتي عام لتستعيد ما فُقِد.

        أما عن دور الفن في بناء الجسور، فالمشكلة أن الفن السوري اليوم لا يُنتَج بحرية، بل تحت هيمنة القوى الإقليمية والتمويل المشروط سياسياً. الفنانون والكتّاب جزء من منظومة إنتاج لا يتحكمون فيها، والمُنتِجون خاضعون بدورهم لتوجيهات رأس المال السياسي، سواء كان خليجياً أو لبنانياً أو غيره. لذلك يصعب على الفن أن يؤدي دوراً حقيقياً في ترميم العلاقة بين السوريين، ما لم تتوفر إرادة سياسية تؤمن بهذا الدور وتدعمه.

        ما جديد ممدوح حمادة؟ أما زال هناك متسع للحلم؟

        في الحقيقة، لديّ حالياً عدد من الالتزامات العملية مع أكثر من شركة إنتاج، منها تعاونٌ قديم أُنجِزُهُ حاليا، وآخر جديد، هناك بعض المشروعات القائمة على التعاقد وتوفير الدخل، وليست مشاريع فكرية أو إبداعية بالمعنى الذي يشغلني حقاً، لكنها ضرورية في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي نمرّ بها. إلى جانب ذلك، أحاول إقامة علاقة مع المسرح كلما سنحت الفرصة، رغم أن العمل المسرحي اليوم بات أشبه بمعركة وجود في وجه الحياة نفسها.

         جهدي الحقيقي مصبوبٌ كلّه في الأدب. أعمل على رواية جديدة ومجموعة قصص قصيرة، وأفكر أيضاً في خوض تجربة السينما، رغم أني لا أعلم إلى أي مدى يمكن أن تنجح هذه الخطوة. وفي فترات الفراغ النادرة أرسم، الرسم بالنسبة إليّ نوع من الاستراحة، ومن محاولة لاستعادة التوازن وسط هذا الركض الدائم.

        أعمل على مشروع فيلم رسوم متحركة، وأطمحُ إذا أتاحَ لي الوقتُ والفرصة أن أتفرَّغَ للسينما، فهي الحقل الذي أجد فيه التعبير الأصفى عن رؤيتي الجمالية والإنسانية. سبق أن شاركت بفيلم قصير جداً – لا يتجاوز دقيقتين – في مهرجان مراكش الدولي للفيلم القصير جداً، وحاز على جائزة أفضل سيناريو، وما زلت أواصل العمل على أفلام أخرى آملُ أن تجد طريقها قريباً إلى المهرجانات العالمية.

        أمّا عن حلمي، أحلم ببيت في سوريا، في السويداء أو الجولان حيث كان لي منزلٌ سابقاً، لأستقرَّ بعد سنوات الترحال والتعب، وأعيش حياة بسيطة تشبه الناس العاديين، عملٌ في النهار، وهدوءٌ في المساء بين التلفاز أو الحديقة أو عرض مسرحي.

        اليوم، أنا أسيرٌ لعبودية العمل، بين الكتب والحاسوب، بلا توقيت محدد أو عطلة، أحياناً لا أعرف اليوم أو الشهر.

        أنا ما زلت أحلم، فالحلم ما يُبقينا أحياء، حتى لو ضاق العالم من حولنا.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى