زيارة أحمد الشرع لواشنطن الناجحة -مقالات، تحليلات وتقارير- عن هذه الزيارة التاريخية تحديث 02 كانون الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق ورفعها
———————————————-
أبعاد زيارة الرئيس السوري للبيت الأبيض: فرصة واختبار/ محمد السكري
30 تشرين الثاني/نوفمبر ,2025
مقدمة
تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق له، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع التحولات السورية الداخلية مع إعادة تشكيل صورة سورية الجديدة الخارجية، إذ جاءت الزيارة بعد أقلّ من عام على بدء المرحلة الانتقالية في سورية، لتمنحها وزنًا إضافيًا بوصفها اختبارًا عمليًا لطبيعة توجهات دمشق، وحدود انفتاحها على الشراكات الدولية.
اكتسبت الزيارة طابعًا استثنائيًا، نظرًا لغزارة اللقاءات التي شهدتها؛ إذ التقى الرئيس الشرع نظيره الأميركي دونالد ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، فضلًا عن لقاء عدد كبير من قادة مجلسي الشيوخ والنوّاب، وأكثر من ثلاثين رئيسًا تنفيذيًا ومديرًا رفيع المستوى في كبريات الشركات الأميركية. وكانت العلاقات السورية-الأميركية قد شهدت نموًّا متسارعًا، منذ اللقاء الذي جمع الرئيسين في المملكة العربية السعودية، في أيار/ مايو 2025؛ ما يعكس رغبة سورية في بناء علاقات ذات طابع جديد مع الإدارة الأميركية وفي اكتساب ثقتها، كما يعكس رغبة أميركية في جعل سورية ضمن سياق تحالفاتها.
يُعزز هذا التحوّل مشاركة قائد التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)، اللواء كيفن ليهي، في أول وفد دبلوماسي أميركي يزور دمشق ويلتقي الرئيس الشرع، الأمر الذي رسّخ العلاقة بين الرمزية السياسية والإطارات العملية، لتكون أكثر تماسًا بالملفات الأمنيّة والقضايا الميدانية والسياسية والاقتصادية. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، تبدو العلاقة بين دمشق وواشنطن محكومةً بمسارات متعددة، تراوح بين الانخراط التدريجي، والانفتاح الممكن، والعودة إلى التصعيد، تبعًا لقدرة الطرفَين على إدارة الملفات المعقدة، كالاتفاق الأمني مع إسرائيل، ومستقبل (قسد)، والموقع الإقليمي لسورية ضمن ترتيبات مكافحة (داعش).
أولًا. سياق الزيارة وطبيعتها وأهدافها: انعطافة أم خطوة
بعد عقودٍ من العلاقات المتوترة بين سورية والولايات المتحدة، شكّلت بداية المرحلة الانتقالية لحظة فارقة، دفعت دمشق إلى إعادة بناء عقيدتها الخارجية على أسس جديدة، تقوم على الانفتاح تجاه الغرب. وبدأت مرحلة ترميم العلاقات مع دول الغرب: الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية خاصة، من أجل إغلاق مرحلة العداء الطويلة، وبدء مرحلة جديدة منسجمة مع توجهات شرق أوسط لا عنف فيه، ويتقاطع مع الرؤية السورية التي تحقق هدف الاستقرار والتنمية.
ويمكن تقسيم مسار العلاقات الأميركية مع الإدارة السورية الجديدة، إلى مستويات عدة. المستوى الأول: عقب سقوط نظام الأسد، وقد بدأ بزيارة وفد من الخارجية الأميركية، ثم زيارات أعضاء الكونغرس لسورية. والمستوى الثاني: كان بلقاءات على مستوى الخارجية بين البلدين. أما المستوى الثالث، فكان باللقاءات الرئاسية عبر واسطة، ولحقها الزيارة التي كانت أول لقاء مباشر بين البلدين في البيت الأبيض. وكان من اللافت أن الزيارة جاءت عقب ظهور مقطع فيديو يظهر فيه الرئيس الشرع والوزير الشيباني، وهما يلعبان كرة السلة مع كلٍّ من قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر، وقائد قوة المهام المشتركة في دمشق العميد كيفن لامبرت، مما أعطى الزيارة رمزية سياسية، ورسالة في الشراكة ضمن مكافحة الإرهاب.
انطلقت السياسة الأميركية الجديدة تجاه سورية، من رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منح سورية فرصة للنهوض، بعد ممارسة دول مختلفة نوع من التحفيز والضغوط على واشنطن، من أجل رفع العقوبات على سورية، منها تركيا والسعودية وقطر. ويمكن تسمية السياسية الأميركية الجديدة “سياسة الفرصة”، أي منح الإدارة السورية مسارًا تدريجيًا لحلّ الملفات الأساسية التي تشترطها واشنطن، وعلى رأسها ملفات الإرهاب، وملفّ إسرائيل، مع أن طبيعة السياسة الأميركية لا تقوم على الفرص، وإنما على الصفقات” Transactionalis”.
كانت الزيارة السورية، بوفد رئاسي ترأسّه الرئيس السوري أحمد الشرع، سابقةً لم تشهدها سورية في تاريخها الحديث، وذلك لكونها أول زيارة على المستوى الرئاسي بين البلدَين، وقد جاءت في سياق وأحداث شهدت تطورات عديدة، عقب لقاءٍ جرى سابقًا في السعودية، على هامش زيارة ترامب إلى منطقة الشرق الأوسط، وكان أول اللقاءات المباشرة بين الإدارة السورية الجديدة والأميركية[1].
وأعلن الرئيس الأميركي حينها بدء عملية رفع العقوبات عن سورية، إيذانًا بتحوّل واضح في السياسة الأميركية، من هنا، بات احتمال زيارة الرئيس السوري واشنطن أقرب من أي وقت مضى، مع التمهيد لذلك في البنية الدولية، عقب رفع مجلس الأمن أسماء الرئيس ووزير الداخلية عن قائمة الإرهاب، وقد سبقها إلقاء الرئيس الشرع لكلمةٍ، ضمن حدث يمكن وصفه بأنه “استثنائي”، في اجتماع خاص للأمم المتحدة، حيث شهد عودة سورية، على مستوى إلقاء الخطاب، بعد آخر خطاب ألقاه الرئيس السوري آنذاك نور الدين الأتاسي عام 1967.
استهلت الرئاسة السورية الزيارة لواشنطن، بطرح ملفات عديدة على واشنطن، لكونها الدولة الأكثر تأثيرًا في الملفات الأمنية والاقتصادية التي تعطّل نجاح المرحلة الانتقالية في سورية، أو تحقيق أي تقدّم فيها، فحملت الحكومة السورية ضمن جدول أعمال زيارتها ملفات: العقوبات الاقتصادية، الاتفاق الأمني مع إسرائيل، قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب ملف انضمام سورية إلى دول مكافحة الإرهاب، ضمن “التحالف الدولي لمحاربة داعش”.
وعلى الرغم من تفرّع الملفات بين ما هو أمني واقتصادي، ما زال الاتفاق الأمني مع إسرائيل يشهد تحديات كبيرة بين الجانبين، ولم يشهد ملفّ العقوبات الاقتصادية أي خروقات جديدة مباشرة على مستوى النتيجة، منذ إعلان الرئيس ترامب رفع العقوبات ضمن الصلاحيات الرئاسية الخاصة به، باستثناء محاولات مجموعات الضغط السورية في أميركا تمرير مقترح لمجلس الشيوخ، من أجل رفع العقوبات كاملة ضمن الحزم التي تخضع للسلطة التشريعية، وما زال يشهد الملفّ جمودًا داخل أروقة الكونغرس المعني الأول برفع حزم مهمة من العقوبات على سورية.
سعت هذه الزيارة لعقد اجتماعات على المستوى النيابي مع أعضاء في الكونغرس، من أجل معالجة أسباب التعطيل، وهي في الغالب متعلقة بالنظرة تجاه الخلفية السابقة للإدارة السورية الجديدة، أو الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة بين الكتل السياسية، لذلك كان أهم ما في الزيارة تغيير تلك الصورة، وتأكيد الانفتاح على العالم من جديد، وقد أعطى انضمام سورية على هامش تلك الزيارة لدول للتحالف الدولي بعدًا يؤكد طبيعة المرحلة الجديدة التي ترغب الإدارة السورية في التعبير عنها والعمل عليها.
استمر اللقاء، بين الرئيسين السوري والأميركي، أكثر من ثلاث ساعات، وهذا دليل على حجم الملفات التي تناولها الطرفان، ويبدو أن هناك تباينًا في الأولويات السورية-الأميركية؛ فدمشق تريد رفع العقوبات بشكل سريع، وبدء عجلة التعافي والتنمية، لأن الوقت يمرّ من عمر المرحلة الانتقالية، في حين تريد واشنطن توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل، والتمهيد من أجل انضمام سورية لاتفاقيات “إبراهام”، الذي يعتبره ترامب مشروعه الذاتي والشخصي. وبناءً على هذا التباين، اكتسبت الزيارة بُعدَين متوازيين: بعدًا رمزيًا يعكس تحول الخطاب والسياسة السورية، وبُعدًا عمليًا يرتبط بمناقشة الملفات العالقة بشكل مباشر على مستوى الرئاسة، لا عبر وساطات دولية أو دول صديقة أو على مستويات الوزارات التقنية.
ثانيًا. متغيرات رمزية وعملية: نتائج مباشرة وغير مباشرة
“نأمل بمستقبل نبيل لشعبنا، خال من التطرف والأصولية وتنظيم داعش”، بهذه العبارة، لخّص الرئيس الشرع مرتكزات المقاربة الأمنية الجديدة في سورية، وذلك خلال لقائه مع برايان ماس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي عن ولاية فلوريدا، عندما سأله ماس: (ولماذا لم نعد أعداء؟)[2].
كانت هذه الجملة ترجمة لخطوات عملية قامت بها وزارة الداخلي والدفاع، عندما أعلنتا شنّ حملة أمنية واسعة ضد تنظيم الدولة “داعش”، في خطوة تُقرأ ضمن مساعي دمشق لتأكيد التزامها بمكافحة التنظيمات الإرهابية. وقد حمل توقيت هذه الحملة دلالة رمزية واضحة، مفادها أنّ سورية تدشّن عمليًا انخراطها في جهود التحالف الدولي، عبر عمليات ميدانية مشتركة في الحرب على الإرهاب، وأنّ دمشق تسعى إلى إيصال رسالة مباشرة إلى واشنطن والقوى الدولية، بأنّها أصبحت شريكًا في ملف مكافحة الإرهاب، بما يسهم في إعادة تشكيل الصورة عنها. وعلى هذا الأساس، تكتسب هذه الرسالة بُعدَين: بعدًا رمزيًا يعيد تموضع سورية في المشهد الأمني الدولي، وبعدًا عمليًا يمهّد لنقاشات أعمق في واشنطن، تمهيدًا لتوقيع اتفاق انضمام رسمي للتحالف الدولي ضد “داعش”.
من جانب آخر، بدا أنّ الحكومة السورية كانت تدرك أنّ هناك مستويات عديدة للتعامل مع إنجاح الزيارة: مستوى مرتبط بالرئاسة الأميركية، ومستوى متعلق بالبنية التشريعية، ومستوى آخر متعلق بالصحافة والإعلام؛ حيث ركّزت الصحافة الأميركية على ملف الإرهاب وداعش، لما يحمله الملف من أبعاد اجتماعية مهمة ضمن إطار المجتمع الأميركي، ففي لقاء الرئيس الشرع مع قناة FOX، وهي تعدّ مقرَّبة من الجمهوريين ومن الرئيس ترامب، كان عنوان اللقاء “ماضي الرئيس الشرع، وتوجهاته المستقبلية تجاه ملف مكافحة الإرهاب”، وهو جزءٌ من إعادة تشكيل الصورة الجمعية حول الحاكمين الجدد في دمشق.
ركّز الوفد الرئاسي السوري على ملفّ العقوبات، لكونه يؤثر مباشرة في إحراز تقدم في العملية الانتقالية. وقد أدّت هذه الزيارة إلى إعلان وزارة الخزانة الأميركية “تجميد” العقوبات 180يومًا، وكان هناك ترقّب لإمكانية أن ترفع العقوبات بشكل كامل في سياق هذه الزيارة، بجانب إعلان ترامب خفض الرسوم الجمركية المفروضة على سورية، من 41 في المئة إلى 10 في المئة.
ويأتي قرار التجميد ليوضح السياسات الأميركية تجاه سورية، فعلى المستوى الرئاسي، يدفع ترامب من أجل رفع العقوبات بشكل كامل، على الأقل ضمن إطار التصريحات، في حين ترى تيارات داخل الكونغرس الأميركي أنّه من المبكّر رفع هذه العقوبات، حيث تحكم هذه الكتل الخلفيات السياسية والأيديولوجية، والاعتقادات السابقة تجاه الإدارة السورية، بجانب دور للوبي الإسرائيلي داخل الكونغرس.
ولا تعتمد القرارات المصيرية كهذه على البيت الأبيض، وإنما يأخذ المسار طابعًا تقنيًا متعلق بالبيئة البيروقراطية، وبالصراعات داخل الحياة السياسية والأميركية واختلاف التوجهات. ومن هنا يمكن قراءة أن الاجتماع، بين الوفد الرئاسي وماس عضو لجنة العلاقات الخارجية أبرز المعارضين لرفع العقوبات عن سورية، جرى من أجل التأثير في رأيه الذي ينطلق من خلاف كبير مع المجموعات الجهادية العاملة في الشرق الأوسط.
وقد ترى الرئاسة الأميركية في هذا التباين، بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية، أمرًا حسنًا في ظل وجود خشية من رفع العقوبات بشكل كامل، ومن ثمّ يحدث التباين بين مستويات الخطاب ومستوى التطبيق العملي. ويتمثل مبدأ الإدارة الأميركية في أنّ عدم رفع العقوبات بشكل كامل يُعَدّ من أهم أدوات الاستثمار السياسي، من أجل الضغط على دمشق في ملفات أخرى، لا سيما توقيع الملف الأمني مع إسرائيل، إذ ما يزال حجم الاختلاف بين سورية وإسرائيل كبيرًا. وكان من اللافت على مستوى الرمزية السياسية تأكيد الرئيس الشرع من واشنطن، السيادة السورية على الجولان، وهذا على عكس الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل، ويؤكد عدم وجود اتفاق مباشر بين سورية وإسرائيل حتى اللحظة.
إن عودة فرض العقوبات على سورية، في حال رفعها قبل إنجاز اتفاق أمني مع إسرائيل، قد يكون صعبًا للغاية، ومن ثم ترى واشنطن أن التريث في عملية الرفع قد يكون من مصالحها السياسية، ففي المنطق السياسي قد يكون من الصعب منح الإدارة الأميركية سورية فرصةً من دون مقابل ويقين ملموس. والمقابل الذي تراه واشنطن هو إنجاز الاتفاق الأمني مع إسرائيل. علمًا أن واشنطن، قبل زيارة الشرع بيوم واحد، أعلنت إدراج سورية ضمن قائمة “الدول غير المتعاونة بشكل كامل” في جهود مكافحة الإرهاب، بجانب قرارات سابقة لمجلس الشيوخ برفع سورية عن قائمة الدول المارقة، ويعتبر هذا الإدراج إحدى أدوات الضغط والمراقبة، حيت يلزم الخارجية الأميركية بمراقبة النشاط السوري، والتحديث السنوي على القائمة، ما يعني أن سورية ستخضع للمراجعة مجددًا في 2026. ويشير ذلك إلى عدم حودث تغيير جوهري في ملف رعاية الإرهاب[3].
من جانب آخر، بدا أن استمرار هذا النوع من القرارات لا يساعد في تهيئة بيئة استثمارية مشجعة، فالمستثمر ينتظر أن تتوفر بيئة مناسبة ومستقرة، في حين يصنع هذا القرار عراقيل متعلقة بالبيئة الاقتصادية في سورية، وعدم تدفق الاستثمارات لسورية. هذا القرار هو الوحيد الذي اتخذته الإدارة الأميركية، بشكل عملي، ولم تشهد الملفات الأخرى أي تطورات جديدة، لا سيما ملفات (قسد) والاتفاق الأمني مع إسرائيل.
ثالثًا. الملفات الأمنية العالقة: الوقت كأداة لاستمرار الضغط
الاتفاق الأمني مع إسرائيل:
في ظلّ التقاطعات الإسرائيلية -الأميركية، بخصوص ملف مرتفعات الجولان، وتأكيد إدارة ترامب على سيادة إسرائيل على الجولان، أعادت الإدارة السورية التأكيد في سياق زمني وعملي مهم أن “إسرائيل تحتل مرتفعات الجولان، ولن ندخل بمفاوضات معها الآن، ربما تساعدنا الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس ترامب في الوصول إلى هذا النوع من المفاوضات”[4]. وأتى التوضيح من قبل الرئيس الشرع، بعد ساعات من لقاء الرئيس ترامب، من واشنطن عبر قناة FOX.
ويبدو من صيغة التصريح أنّ مسار المفاوضات مع إسرائيل لم يشهد تحولات كبيرة تؤدي إلى توقيع اتفاق أمني، وأن تل أبيب تضغط من أجل انضمام سورية لاتفاقيات إبراهام، في حين تريد سورية اتفاقًا أمنيًا أوليًا، يحقق مجموعة من الأهداف، كالانسحاب من المناطق التي توغلت فيها إسرائيل، والتمهيد لبدء حل ملف السويداء مع توقف التدخل الإسرائيلي، بجانب تأجيل النقاش بشأن مرتفعات الجولان المحتلة. وهذا على عكس ما تريده إسرائيل، التي تريد تنازلًا سوريًا عن مرتفعات الجولان.
وقد استطاعت الإدارة السورية، عبر السياسات الداخلية الخارجية التي تقوم بها، إيجاد مساحات جديدة للتعامل مع التحركاّت الإسرائيلية الدبلوماسية، لا سيما عبر زيارة البيت الأبيض، إذ تحاول الإدارة السورية تضيق الأهداف الإسرائيلية، عن طريق التأثير على ترامب في الملفات التي يريدها من سورية، ومنها ملف مكافحة الإرهاب، وكشف مصير المعتقلين الأميركيين خلال حقبة الأسد، والتعاون الاستخباراتي ضد إيران، والإشارة إلى أن القصف والتوغل الإسرائيلي يهدد العمل بالملفات المشتركة، ويقوض مساعي التوصل إلى اتفاق الأمني، الأمر الذي يرفضه بشكل قاطع نتنياهو، إذ يرغب في فرض شروط تعجيزية على سورية، ومنها الدخول بشكل مباشر باتفاقيات إبراهام.
تصريح الرئيس الشرع من واشنطن، بخصوص ملف الجولان، ذو أهمية رمزية كبيرة، يخرج من إطار التعبير عن الرفض، وهو ذو حمولة سياسية من الناحية الدبلوماسية، لا سيما أنّه أتى بعد اللقاء في البيت الأبيض مباشرة، مما يعني أن الوفد السوري ركّز على الاتفاق الأمني، وأراد عبر هذا اللقاء إعادة التركيز على حدود المفاوضات. وهو عكس ما جاءت به إسرائيل التي تعدّ أن اتفاق الانسحاب من بعض المناطق التي احتلتها متعلقٌ بإمكانية تنفيذ اتفاق سلام شامل مع سورية، وجعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح. وهذا ما أشار إليه نتنياهو في أثناء دخوله الأراضي السورية حيث لاقى دخوله ردات فعل رافضة لانتهاك الأراضي السورية. مما يشير إلى انسداد كبير يتعرض له الاتفاق الأمني بين الجانبين، في حين تبقى التوجهات الأميركية تجاه هذا الملف هي الحاسمة[5].
اتفاق العاشر من آذار بين الحكومة السورية و(قسد)
يخضع الاتفاق بصورة مباشرة لنتائج التفاهمات التي يمكن أن تنجز، لا سيّما ضمن إطار الملف الأمني مع إسرائيل، حيث يعدّ هذا الملف ضمن سلسة الملفات التي تضمن استمرار الضغط المستمر على دمشق. فلا تريد واشنطن منح سورية وتركيا، كرتًا دون ثمن سياسي واضح، وقبل استقراء مستقبل المصالح الأميركية في سورية، ويبدو أن السياسات الأميركية تدفع تجاه إنجاز الاتفاق العاشر من آذار، على حساب أيّة عملية عسكرية، لكونه يحقق مصلحة أكبر بالإبقاء على أطراف خارج إطار الحكومة السورية تدين بالولاء الكامل لواشنطن. لكن عرقلة (قسد) للاتفاق، من خلال فرض شروط آليات الانضمام للجيش كفيلق عسكري، ومحاولة فرض اللامركزية كشرط سياسي مسبق خارج الإطار الدستوري والبرلماني السوري، يعطّل الاتفاق السياسي بين الطرفين.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تحول ملف (قسد)، من ملفٍّ قائم بذاته، إلى ورقة ضغط على الحكومة السورية وعلى الجانب التركي. ومن ثم، يأخذ الملف بعدًا سياسيًا أكثر من السياق الأمني. ويبدو أن انضمام سورية إلى التحالف الدولي قد شكل ركيزة في إعادة تعريف مركزية الملف ونقله من شمال شرق سورية، إلى العاصمة دمشق التي استعادت زخمها السيادي ومرجعيتها الدولية في القانون الدولي، بوصفها دولة قائمة معنية بمكافحة الإرهاب، عبر جهازها العسكري والأمني، لا عبر مجموعات خارجة عن إطارات الدولة.
يؤدي هذا التحوّل المفاهيمي إلى إعادة صياغة الثقل السياسي والرمزي للملف، حيث تقوم سردية (قسد) على أنّها القوة الوحيدة المعنية بمكافحة الإرهاب، ولذا فإنّ سحب هذا الدور منها قد يؤدي إلى إضعاف شرعيتها الوجودية، وهذا ما تخشاه (قسد)، حيث يُعدّ ملفّ الإرهاب حاسمًا في تشكيل مصيرها الرمزي والسياسي. ولم تُخفِ (قسد) انزعاجها من الزيارة، لكونها لم تضم أيًا من قيادتها ضمن الوفد السوري، وهو ما يشير إلى تحولات بنيوية عميقة يشهدها الملف.
قواعد الاشتباك الجديدة:
ما يزال الصراع التركي-الإسرائيلي حاضرًا داخل الملف السوري، بأنماط عديدة، تدخل ضمنها ملفات الاتفاق الأمني، وملف (قسد)، لكن أنقرة تعدّ نفسها المعني الأول باتفاق (قسد)، ويشير حضور وزير الخارجية التركي حقان فيدان لقاء البيت الأبيض، إلى بحث نمط الفاعلية التركية داخل الملف السوري، لا سيما ضمن إطار الملفات العالقة.
تميل أنقرة إلى الخيار العسكري في ملف (قسد)، وتستند الحكومة السورية على هذا الخيار من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الضغط السياسي. وفي الوقت ذاته لا تمانع تركيا من حسم الملف عبر الإطار السياسي، مع يقينها المستمر بصعوبة التزام (قسد) بجدول أعمال التفاوض، وفق اتفاق العاشر من آذار.
ويبدو من ملامح ما جاء به فيدان أنّ اللقاء ركّز على رسم قواعد الاشتباك التركية داخل سورية، إلى جانب مناقشة مستوى الفاعلية الإسرائيلية المتزايدة، التي باتت تلامس حدود الصدام مع أنقرة. وقد وصف فيدان ملف قواعد الاشتباك مع إسرائيل بأنه يحمل “أولوية”، وهو توصيف يشير إلى احتمالين قد يجتمعان، أو يتحقق أحدهما: الأول أن ملفّ (قسد) يقترب من مرحلة الحسم، والثاني أن الفاعلية الإسرائيلية داخل سورية اتخذت بعدًا خطرًا على تركيا يستلزم ضبطًا مباشرًا.
وتمتلك أنقرة أوراقًا مهمّة للتفاوض مع واشنطن، منها ضمان الاستقرار الإقليمي عبر سورية، الأمر الذي تعده واشنطن أولوية بالنسبة إليها في المرحلة الراهنة، وترى الإدارة الأميركية أن الاعتماد والتنسيق مع الجانب التركي في الإقليم يعدّ أولوية في السياسات التي تتبعها، وقد أشار ترامب في مناسبات عديدة إلى أهمية الدور التركي في سورية[6].
رابعًا. مسارات العلاقات السورية- الأميركية: الاحتمالات والفرص
= المسار الأول: استمرار سياسة “الفرصة والاختبار” والتقدّم الرمزي
تستمر واشنطن في إجراء مقاربة تدريجية تجاه سورية، تقوم على منح “فرصة مشروطة” للإدارة السورية، مقابل اختبارات متتالية في الملفات الأكثر حساسية للولايات المتحدة، على رأسها أن تكون سورية أرض دفاع متقدمة ضدّ إيران، واستمرار ملاحقة ميلشياتها، وتقديم ضمانات بخصوص النشاط الإسرائيلي، وانخراط سورية بشكل كامل بالسياسات الأميركية الإقليمية.
يستند هذا المسار إلى قناعة داخل البيت الأبيض، مفادها أن الانفتاح السريع على دمشق قد يفقد واشنطن أدوات ضغط مركزية، في حين إن النهج التدريجي يمنحها قدرةً أعلى على إدارة التحولات في سورية والإقليم. ومن ثم، يُرجّح أن تستمر واشنطن في الآتي:
تحقيق تقدّم ملموس في الاتفاق الأمني مع إسرائيل، ولو في مرحلته الأولى (انسحابات محدودة، وقف الهجمات، ترتيبات في الجنوب السوري).
تجميد العقوبات وتخفيفها بصورة متقطعة تخضع لمفاوضات مستمرة، من دون رفع كامل في الفترة الأولى.
تعميق التعاون الأمني المحدود المرتبط بملف (داعش) والتحالف الدولي والنشاط الإيراني.
الدفع تجاه تطبيق تدريجي لاتفاق العاشر من آذار، وفق التطورات المتتالية في الملف.
وتؤدي هذه التطورات إلى:
تراجع حجم الاستهداف الإسرائيلي لسورية، واستمرار الالتزام بالتهدئة الأمنية مع الإحجام عن أيّة عملية قصف شديدة.
استمرار المعاناة الاقتصادية، مع تحسّنات طفيفة، وفق الإشارات السياسية الأولية، وبالاعتماد على الموارد الذاتية أو الدعم الإقليمي المحدود.
استمرار الحكومة السورية في محاولات تقديم صورة جديدة عن الواقع السوري، لا سيّما في ملف ملاحقة النشاط الإيراني على الحدود مع لبنان، أو ملاحقة تنظيم (داعش)، بجانب تجنّب أي سياسات استفزازية في ملفّ المقاتلين الأجانب.
تحسّن قدرة دمشق على البناء على الانفتاح الأميركي الرمزي، وتوظيف ملفات مكافحة الإرهاب وترتيبات الإقليم والدعم التركي والعربي لتثبيت مكانتها الدولية.
الحفاظ على هامش مناورة يسمح بتوازن بين الانفتاح الدولي وحماية المصالح الاستراتيجية الداخلية.
وهذا يعني استخدام الوقت كأداة ضغط، لدفع دمشق إلى خطوات إضافية في ملفّ الاتفاق الأمني مع إسرائيل، وملف المقاتلين الأجانب، والتدرّج نحو الدخول في اتفاقيات إبراهام. وفي المقابل، ستسعى دمشق إلى البناء على الانفتاح الأميركي الرمزي، وتوظيف بوابة مكافحة الإرهاب وترتيبات الإقليم والدعم التركي والعربي لتثبيت مكانتها الدولية، مع المحافظة على هامش مناورة يُمكّنها من تأجيل التزامات كبرى في ملف اتفاقيات إبراهام أو ملف (قسد).
= المسار الثاني: تقدّم ملحوظ في العلاقات السورية-الأميركية
إنّ زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن، وما تبعها من رسائل رمزية وأمنية، قد تُنتج اختراقات أعمق ضمن سياق “الفرصة السياسية” التي يفضّلها الرئيس الأميركي ترامب، ولا سيما ضمن عوامل تحتاج إليها الإدارة الأميركية لتثبيت نجاحات سريعة ومضمونة في منطقة الشرق الأوسط، وإن نجاح ذلك يتطلب:
توقيع اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل، ونزع السلاح في الجنوب مع وجود قواعد دولية أو وسيط كروسيا، وتجميد الحديث عن الجولان.
توافق أميركي-تركي على تحقيق تقدّم في ملف العاشر من آذار، وبدء الاندماج ضمن وحدات الجيش السوري.
استئناف مستوى من العلاقات الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار، على المستوى المتوسط.
إعادة تقييم الدور السوري في ملف مكافحة الإرهاب، ورفع سورية بشكل كامل عن القائمة، وذلك بناءً على تقرير المرجعة لعام 2026، بالتزامن مع توقيع دمشق على التزامات أمنية في الملف.
رفع العقوبات بشكل كامل عن سورية، مع وجود ضمانات لإعادة فرضها، في ظلّ تحقيق تقاطع الدور السوري مع المصالح الأميركية، داخل سورية وخارجها.
وتؤدي هذه التطورات إلى:
استقرار أمني نسبي في الجنوب السوري، يفتح المجال أمام التركيز على التنمية وإعادة الإعمار.
تحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص استثمارية وتنموية مستدامة، وإعادة بناء المؤسسات وفق احتياج عملية ما بعد رفع العقوبات.
تعزيز المكانة الدولية لسورية، وفتح أبواب التعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية.
توسيع الدور السوري في السياسات الخارجية، بما يمكّن دمشق من لعب دور فاعل في التسويات الإقليمية والدولية.
وهذا المسار هو الهدف الأساسي للحكومة السورية، ويتقاطع مع رؤيتها على المدى المتوسط، من حيث النجاح في استبدال السردية الماضية، بسردية جديدة وطنية متفاعلة مع المصالح الغربية والأميركية، كالانضمام إلى المنتديات الدولية التي تقودها واشطن لمواجهة النفوذ الإيراني، مثل “مجموعة تنسيق إنفاذ القانون ومنتدى مكافحة الإرهاب العابر للحدود”[7]، ومنسجمة مع السياسات التركية الإقليمية، وغير مضرّة لحلفاء واشنطن في الإقليم، وفي الوقت ذاته يبدأ التركيز على الأبعاد الاقتصادية، مع أن رفع العقوبات بحد ذاته لا يعني بالضرورة عودة تدفق الاستثمارات إلى سورية، لأن الملف مرتبط بالبنى الداخلية المؤسساتية في سورية.
= المسار الثالث: إدارة التوقعات والمخاطر والتحديات
هذا المسار هو الأخطر على سورية، لكونه سيؤدي إلى فقدان دمشق فرصة مهمّة على صعيد مشروع التنمية، وعودة الاستنزاف الداخلي، مع نشاط خارجي يعيد إنتاج سردية التطرف، ويعرقل مسارات التطبيع ورفع العقوبات، وهذا يعني أن الأمور قد تتجه نحو التراجع في الحالات الآتية:
فشل المفاوضات الأمنية مع إسرائيل، أو وارتفاع النشاط العملياتي لإسرائيل داخل سورية، وفشل الوساطة الدولية والإقليمية.
انهيار مسار اتفاق العاشر من آذار، وعودة التوتر التركي-الأميركي بسبب (قسد)، والتوتر الإسرائيلي- التركي بخصوص ملفات الجنوب السوري.
تغيير في المزاج السياسي الأميركي والحسابات الداخلية يدفع نحو إعادة التصعيد، خصوصًا من قبل التيارات الصارمة داخل الكونغرس أو من قبل البيت الأبيض.
حملة إعلامية أو حقوقية تعيد إنتاج سرديات سلبية حول الإدارة السورية الجديدة، وإعادة اعتبار سورية كدولة راعية للإرهاب، وذلك في مراجعات العام 2026.
وتؤدي هذه التطورات إلى:
عودة العقوبات بكامل قوتها، بعد انتهاء مدة التجميد.
تجميد الحوار الأمني والسياسي بين دمشق وواشنطن.
إعادة تفعيل أدوات الضغط العسكرية الإسرائيلية داخل سورية.
إضعاف المسار الدبلوماسي الإقليمي الذي بدأته دمشق.
عودة الاصطفاف السوري ضمن المحاور القطبية الإقليمية أو الدولية.
ومع ذلك، يعدّ هذا المسار أقلّ حظًا من غيره، وفق التطورات السياسية الحالية، إذ تشير حركية العلاقات بين البلدين إلى صعوبة خضوع هذه التطورات للمزاج السياسي، لكن تبقى احتمالات وجود هذا المسار ممكنة ومرتبطة أكثر بالتغيرات الدولية والإقليمية.
خاتمة:
تعيش سورية مرحلة ذات أهمية كبيرة في تاريخها، تتدرج عبرها من السياسات الدبلوماسية التقليدية التي اعتادتها خلال العقود الماضية، إلى أخرى متأثرة بالتحوّلات الداخلية، وقناعة بضرورة الخروج من الأطر التقليدية السابقة، واستعادة العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية.
تُظهر النتائج السياسية الحالية أنّ مستقبل العلاقة السورية-الأميركية سيتحدّد وفق طبيعة النتائج التي ستُحقق ضمن نطاق الحسابات الأمنية، وتوازنات الإقليم، وقدرة سورية على إدارة الوقت وكسبه بطريقة ناجعة. وعلى الرغم من تعدد المسارات المحتملة، فإن “سياسة الفرصة والاختبار” تبقى أكثر توافقًا مع سياسة واشنطن في الملفات المعقّدة، ومع رغبة دمشق في انتزاع مكاسب تدريجية، دون الدخول في التزامات كبرى قبل اتضاح الجديّة الأميركية في اعتبار سورية حليفًا لها في منطقة بلاد الشام.
فالمسار المقبل للعلاقة لا تحكمه الإرادة السياسية وحدها، بل تحكمه أيضًا قوة الملفات المترابطة: الاتفاق الأمني مع إسرائيل، مستقبل (قسد)، العقوبات، دور سورية في ترتيبات ما بعد (داعش)، العلاقة التركية-الأميركية، المقاتلين الأجانب. فكل خلل في أيّ من هذه الملفات قادر على دفع المسار إما نحو تقدّم نوعي أو انتكاسة حادة. ولذلك، فإن إدارة هذه المرحلة تتطلب من دمشق قراءة دقيقة لأولويات واشنطن ضمن نقاطها الخمسة، التي تركز عبرها في التعامل بحذر مع بيئة سورية وإقليمية شديدة التقلّب، بما يجعل أي خطوة، مهما كانت صغيرة، عنصرًا مؤثرًا في إعادة تعريف موقع ودور سورية في السياسات الأميركية في الإقليم.
[1] MUHITTIN ATAMAN, One visit, wide ripples: Syria’s al-Sharaa in the White House, NOV 19, 2025, link: https://shorturl.at/39XTp
[2] Syrian president: We need to get into an agreement about ISIS, Fox Tv, 10 Kas 2025, link: https://shorturl.at/ROArj
[3] Michael Jacobson, Removing Syria’s Designation as a State Sponsor of Terrorism: Retaining Leverage and Ensuring Accountability, The Washington Institute for near east polıcy, Nov 5, 2025, link: https://shorturl.at/rrT5M
[4] Syrian president: We need to get into an agreement about ISIS, Fox Tv, 10 Kas 2025, link: https://shorturl.at/ROArj
[5] سوريا تندد بزيارة نتنياهو للمنطقة العازلة من أراضيها، الجزيرة نت، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/Cb5oK
[6] وزير الخارجية التركي: أنشطة إسرائيل في الجنوب السوري تخلق توترًا جديدًا، تلفزيون سوريا، 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/oytUv
[7] هي مجموعة دولية تقودها الولايات المتحدة وتضم عشرات الدول الأوروبية والآسيوية والعربية، إضافة إلى منظمات دولية. تُستخدم عادة لمناقشة العقوبات، وتمويل الإرهاب، والأنشطة غير المشروعة المرتبطة بجهات تُصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية، مثل (حزب الله، داعش، القاعدة، وشبكات إيرانية).
تحميل الموضوع
مركز حرمون
—————————–
سورية بعد زيارة الشرع البيت الأبيض… مؤشرات وممكنات/ خالد أبو صلاح
28 نوفمبر 2025
في لحظةٍ سياسية نادرة، بدا وكأنّ التاريخ السوري يُعيد ترتيب نفسه على مهل. دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض بخطواتٍ هادئة، لكن وقعها على الجغرافية والسياسة يطرق جدار سبعة عقودٍ من الجفاء والقطيعة. كانت تلك اللحظة أكثر من لقاءٍ بين رئيسين؛ كانت عبوراً رمزياً من زمن العزلة إلى زمن التجربة، من ضفّة الحرب والعداء إلى ضفّة الحوار والمصالح.
لم يسبق أن وقف رئيس سوري على عتبة المكتب البيضاوي منذ استقلال البلاد عام 1946، لأنّ دمشق كانت، طوال تاريخها الحديث، تعيش على خطوط التماسّ بين الشرق والغرب. تموضعت طويلاً في قلب المعسكر الشرقي، ترفع شعارات الممانعة وتُخاصم واشنطن في كلّ ساحاتها: من لبنان إلى العراق، ومن فلسطين إلى ملفات الإرهاب والعقوبات. ثم جاءت سنوات الثورة السورية لتزيد الهوّة اتساعاً، وتغلق ما تبقّى من قنوات التواصل، حتى بدت العلاقات السورية – الأميركية كأنّها من بقايا القرن الماضي.
تزداد رمزية الزيارة حين نتذكّر أنّها الثانية للرئيس الشرع إلى الأراضي الأميركية في أقلّ من ثلاثة أشهر؛ الأولى في سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما شارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الثانية إلى البيت الأبيض، وجاءت بعد ساعات من قرار مجلس الأمن رفع اسم الرئيس ووزير داخليته من قوائم العقوبات الدولية، في إشارة لا تخطئها العين إلى تحوّلٍ في المزاج الدولي تجاه القيادة الجديدة في دمشق.
لم تكن الزيارة إذن مجرّد كسرٍ للعزلة، بل إعلاناً عن ولادة مقاربة أميركية جديدة تجاه سورية، تتجاوز “الانفتاح المشروط” إلى رغبة فعلية في إعادة إدماج دمشق في النظام الدولي، شرط أن تُثبت قدرتها على استثمار هذه الفرصة التاريخية. ففي تصريحات الرئيس، دونالد ترامب، ووزير خارجيته، ماركو روبيو، تجلّت نيّة سياسية واضحة لإسناد مسار التحوّل السوري الجديد، ومنح سورية ما تحتاجه لتستعيد عافيتها دولة طبيعيّة في توازنات الإقليم.
بهذا المعنى، حملت الزيارة رمزية النهاية والبداية في آن: نهاية مرحلة الحرب والنبذ، وبداية اختبار النهوض والمسؤولية، فهي لا تفتح باب العودة فحسب، بل تضع معياراً جديداً للعلاقة بين دمشق والعالم؛ علاقة تُقاس بالفعل، لا بالتصريح، وبما يتحقّق على الأرض لا بما يُقال على المنابر.
الأهم من كلّ مظاهر الاحتفاء كيف سينعكس هذا الحدث على الواقع السوري نفسه. هل ستبقى الزيارة في إطارها الرمزي بما تحمله من قوّة معنوية ودلالات سياسية، أم ستتجاوز ذلك إلى تحوّلٍ فعلي في الجغرافية والاقتصاد والسياسة؟ الإجابة تكمن في أربع إشاراتٍ حاسمة تشكّل موازين التأثير الحقيقي: الجنوب السوري وموازين القوى مع إسرائيل، شمال شرق البلاد وملفّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حركة المال والمساعدات، وأخيراً مصير قانون قيصر والعقوبات الأميركية.
ومن خلال هذه المؤشّرات الأربعة، يمكن قياس وزن الزيارة وعمق أثرها، ومعرفة ما إذا كانت بداية مرحلة جديدة لسورية ما بعد البيت الأبيض، أم مجرّد لحظة سياسية لامعة تبحث عن ترجمتها الواقعية.
الجنوب السوري: المختبر الأمني والسياسي
من بين كلّ الجبهات السورية، يبقى الجنوب، المُمتدّ من تخوم دمشق إلى القنيطرة ودرعا وصولاً إلى السويداء، المقياس الأدقّ لمدى عمق تأثير زيارة الرئيس أحمد الشرع واشنطن. فهذه المنطقة، المُلاصقة لدولة الاحتلال والأردن، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والسياسية في أدقّ صورها، وهي التي ستكشف ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدّة للانتقال فعلاً من مراقبة المشهد إلى ضبط السلوك الإسرائيلي المُنفلت الذي رسم خرائط ميدانية جديدة منذ سقوط نظام الأسد.
تجاوزت إسرائيل في عام بعد إسقاط الأسد نمط الغارات الجوية إلى حضورٍ ميداني ثابت في ريفي القنيطرة ودرعا وقمّة جبل الشيخ، مُعلنة على لسان رئيس وزرائها، نتنياهو، انتهاء اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، ومطالبة بجنوبٍ منزوع السلاح. ولم يقتصر نفوذها على الميدان، بل امتدّ إلى السويداء، حيث تُقدّم نفسها حامية للسوريين الدروز، وتدعم الشيخ حكمت الهجري الذي يتبنى خطاباً انفصاليّاً صريحاً يدعو إلى الاستقلال عن سورية، ويشكر إسرائيل علناً على ما يسمّيه “دعم الجبل”.
في هذا السياق، تصبح ردّة الفعل الإسرائيلية بعد الزيارة المؤشّر الأوضح على مدى واقعية التحوّل الأميركي الجديد، فإذا شهد الجنوب تهدئة ملموسة، وإيقافاً لتحرّكات الجيش الإسرائيلي، يمكن القول إنّ واشنطن بدأت تضبط الإيقاع وتُترجم انفتاحها على دمشق إلى تفاهمٍ أمني فعلي يفضي إلى انسحاب إسرائيلي من المناطق التي احتلها عقب سقوط الأسد. وإذا استمرّ القضم والخرق، فذلك يعني أنّ السياسة الأميركية ما زالت في حدود الرمز، وأنّ البيت الأبيض لم يضع ثقله الحقيقي بعد في الميدان الجنوبي. وبين هذين الحدّين، تقف دمشق في اختبار مزدوّج: أن تُثبت قدرتها على حماية الجنوب سلماً لا حرباً، وأن تُعيد السويداء إلى حضن الدولة بالتفاهم لا الإقصاء. فما يجري هناك لن يحدّد مصير الجنوب وحده، بل سيكشف أيضاً مدى عمق التحوّل الحقيقي في الموقف الأميركي من سورية برمّتها. وإذا كان الجنوب يقيس صدقية الضبط الميداني، فإنّ شمال شرق البلاد يقيس قابليّة الدمج السياسي والإداري.
الجزيرة السورية: اختبار الدمج المؤجَّل
تعدّ منطقة الجزيرة، الغنية بثرواتها وتنوّعها الاجتماعي، الأكثر تعقيداً وترابطاً مع الموازين الإقليمية والدولية، فمنذ توقيعه، لم يتحوّل أي من بنود اتفاق 10 مارس/آذار (2025) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى واقعٍ ملموس. الاتفاق الذي نصّ على دمجٍ تدريجي لـ”قسد” في بنية الدولة قبل نهاية العام، وُلد مثقلاً بالشكوك: دمشق رأته فرصة لاستعادة السيادة، فيما اعتبرته “قسد” مظلّة تفاوضٍ تحفظ مكاسبها وتمنحها وقتاً إضافيّاً بانتظار اتضاح الموقف الأميركي.
على الأرض، يستمر ما يمكن وصفه بـ”التصعيد المحسوب”: اشتباكات محدودة تتقد ثم تنطفئ سريعاً بين قوات الحكومة ومجموعاتٍ تابعة لـ”قسد” على خطوط التماس. هذا الاحتكاك العسكري المُنضبط يوازيه تصعيدٌ سياسي مُتبادل؛ فدمشق تتحدّث عن استعادة السيادة الكاملة، بينما تلوّح “قسد” باللامركزية؛ صيغة تُخفي طموحاً سياسيّاً أكثر منها رؤية إدارية موسّعة. وبين هذين الخطّين، يستخدم الطرفان الوقت سلاحاً صامتاً في معركة مؤجّلة لم تُحسم بعد. وقد أعادت زيارة الرئيس أحمد الشرع واشنطن الملف إلى الواجهة. والسؤال: هل ستفتح الزيارة الباب أمام انتشارٍ جديدٍ للقوات الحكومية في الجزيرة؟
حتى اللحظة، لا مؤشّرات ملموسة على ذلك، فدمشق الخارجة من توتّرات الجنوب والساحل تدرك أنّ فتح جبهة جديدة شرق الفرات مغامرة غير محسوبة، خصوصاً في ظلّ وجود القوات الأميركية في نقاط النفط والطرق الحيوية. أما “قسد”، فتُمارس لعبتها المألوفة: التزامها بالاتفاق، والعمل على كسب الوقت، مترقّبة ما إذا كان الانفتاح الأميركي على دمشق سيتحوّل إلى ضغطٍ فعلي عليها، فإن شعرت بأنّ واشنطن جدّية في تنسيقها مع الشرع، فقد تبدأ خطوات الدمج فعلاً؛ أمّا إن ظلّ الانفتاح في حدود الرمز، فستبقى المناورة سياسة الأمر الواقع.
في المقابل، تتعامل القيادة السورية الجديدة مع الملف ببرودٍ محسوب، فهي لا ترى الجزيرة معركة اليوم، بل ورقة تفاوض الغد، تراهن على تحوّل المزاج الأميركي بعد الزيارة، وعلى استخدام البيت الأبيض نفوذه لتهدئة الأكراد ودفعهم إلى الاندماج، ضمن صفقة استقرارٍ أوسع تشمل الجنوب والاقتصاد والعقوبات.
الانتشار الحكومي شرق الفرات قرار سياسي أكثر منه عسكرياً، مُرتبط بإشارات واشنطن وموقف أنقرة معاً، فإذا سمحت الولايات المتحدة أو شجّعت بانتشارٍ رمزي للقوات السورية في الحسكة والرقة، فذلك يعني أنّ زيارة البيت الأبيض بدأت تتحوّل إلى واقع ملموس. أمّا إذا بقي اتفاق مارس/ آذار في خانة الوعود المؤجّلة، ولم تدفع واشنطن باتجاه تطبيقه، فسيظلّ شمال شرق سورية ساحة هدوءٍ هشّ تتقاطع فوقه إرادات ثلاث عواصم: دمشق، أنقرة، واشنطن.
الاقتصاد: الوجه الأهم للسياسة
من بين جميع الملفات التي حملها الشرع إلى واشنطن، بدا الملف الاقتصادي الأثقل وزناً والأكثر إلحاحاً، فالدولة الخارجة من عقدٍ من الانهيار المالي والعزلة الدولية تبحث عن وسائل فعلية لإعادة تنشيط شرايين المال والأعمال، بعد أن بات الاقتصاد مُنهكاً، والبنية التحتية مدمّرة، وأكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خطّ الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة. لذلك، لم يكن مُفاجئاً أن يضع الشرع هذا الملف في صدارة برنامج زيارته، مُدركاً أنّ السياسة من دون اقتصاد تبقى مجرّد إعلان نيّات. وقد جاءت الزيارة في ذروة أزمة مالية خانقة: خزينة شبه فارغة، وقطاع عام متضخّم يوشك على العجز عن دفع الرواتب، فاضطرّت الحكومة إلى رفع أسعار الكهرباء وتحرير بعض السلع من الدعم، في إشارة واضحة إلى غياب الموارد الخارجية. وفي هذا السياق، برزت المنحة القطرية – السعودية التي نُفّذت عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتغطية رواتب موظفي القطاع العام لعدّة أشهر، خطوة رمزية لكنها محدودة الأثر، فالمبلغ الذي لم يتجاوز 90 مليون دولار لا يكفي إلا لشراء بعض الوقت في اقتصادٍ يحتاج عشرات المليارات للنهوض من الركام.
في واشنطن، يُدرك صانعو القرار أنّ المال هو اللغة الوحيدة القادرة على إعادة دمج دمشق في النظام الدولي، وأنّ أي “سلام مستدام” لا يمكن أن يُبنى على الفقر والانهيار. ولذلك، شملت مباحثات الشرع بحثاً في توسيع الاستثناءات من العقوبات الأميركية لتشجيع حركة المال والتجارة وطمأنة المستثمرين الإقليميين والدوليين. ولكن بين النيات والتنفيذ مسافة طويلة: فلا مؤتمر مانحين أُعلن، ولا خطّة إعادة إعمار وُضِعت، فيما تواصل واشنطن والأوروبيون سياسة الحذر والمراقبة.
وهكذا يعيش الاقتصاد السوري حالة “الانفتاح المعلّق”؛ تحسّن سياسي في المناخ العام، بلا تدفّقات مالية حقيقية. ومع ذلك، يمتلك البيت الأبيض القدرة، إن أراد، على تحريك العجلة سريعاً، عبر توجيه المؤسسات الدولية لإطلاق برامج تمويل عاجلة، وتشجيع دول الخليج على ضخ منحٍ مالية، والعمل مع الأوروبيين للتحضير لمؤتمرٍ دولي لإعادة الإعمار. إلا أنّ ذلك يظلّ رهيناً بقرارٍ سياسي واضح في واشنطن يضع استقرار سورية في صلب المصلحة الأميركية – الإقليمية، لا على هامشها. وفي المقابل، تبقى دمشق مطالبة ببناء ثقة داخلية موازية؛ فالمستثمر لا يأتي إلى بلدٍ بلا قوانين شفّافة، ولا مؤسّسات رقابية فاعلة. وقد تُربط المساعدات المُقبلة بإصلاحاتٍ داخلية، تشمل استقلال القضاء، وضبط المال العام، وضمانات الاستثمار.
وفي المحصلة، المال هو الوجه العملي للسياسة: فإذا بدأت خلال الأشهر المقبلة مؤشّراتٌ فعلية لتدفّق المساعدات وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، سيكون هذا البرهان الأوضح على نجاح زيارة الشرع البيت الأبيض، لا بوصفها حدثاً دبلوماسياً فحسب، بل كمنعطفٍ اقتصادي في مسار الدولة السورية الجديدة. ولكن لا اقتصاد بلا يقين قانوني؛ وهنا يدخل قانون قيصر بوصفه الاختبار الأوضح للثقة.
قانون قيصر: الاختبار الحقيقي للثقة
في اللحظة التي كان فيها الرئيس أحمد الشرع يخطو داخل أروقة البيت الأبيض، كانت وزارة الخزانة الأميركية تُصدر بيانها بتجديد الإعفاء من العقوبات على سورية 180 يوماً. بدا المشهد أشبه بلغة مزدوجة: الكلمات في القاعة الدبلوماسية تتحدّث عن المصالحة والانفتاح، والبيان الرسمي في واشنطن يُترجِم تلك اللغة إلى إشارة سياسية عملية. لم يكن القرار جديداً تماماً، فقد أُعلن للمرّة الأولى عن إعفاءٍ مماثل بدعم سعودي – تركي مُشترك بعد اللقاء الأوّل بين الشرع وترامب في قمّة الرياض، لكنه هذه المرّة اتخذ طابعاً مختلفاً؛ إنه تجديد الإعفاء في لحظة سياسية مُغايرة، بعد أن صارت دمشق في قلب الحدث، لا على هامشه.
كان واضحاً أنّ الإدارة الأميركية أرادت أن تُقرن الحفاوة البروتوكولية بمؤشّر ملموس، وأن تبعث رسالة فحواها: “نحن مستعدّون للتعاون، بشرط أن تُثبتوا أنّ دمشق الجديدة ليست دمشق السابقة”. فتعليق العقوبات، ولو مؤقّتاً، يعني فتح نوافذ صغيرة في جدارٍ ظلّ مُحكم الإغلاق طوال عقدٍ، يسمح هذا القرار بإعادة تنشيط بعض القنوات المالية، وبالتعامل المحدود في قطاعات الطاقة والإعمار والتكنولوجيا. لكنه، في الوقت نفسه، يُبقي على السقف مائلاً، فوق رأس الاقتصاد السوري، إذ لا يبدّد شبح العقوبات كليّاً، بل يعلّقه في الهواء ستة أشهر أخرى.
يدرك الشرع هذه المعادلة جيّداً؛ فهو يعرف أنّ الإعفاء المؤقّت ليس الهدف، بل الإلغاء الدائم، لذلك، جاء تحرّكه في واشنطن مزدوّج المسار: لقاء البيت الأبيض من جهة، ولقاءات جانبية مع البنك الدولي ونواب في الكونغرس من جهة أخرى. أكثرها أهمية كان اجتماعه مع النائب الجمهوري ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، برايان ماست، وهو أحد أشدّ معارضي رفع قانون قيصر. لم يكن اللقاء سهلاً، ولا قصيراً، لكنه كان بمثابة محاولة لفتح ثغرة في جدار المعارضة التشريعية، وإقناع دوائر القرار الأميركي بأنّ القانون الذي وُلد لمعاقبة نظامٍ راحل لا ينبغي أن يبقى سيفاً مُسلّطاً على دولة تحاول النهوض من الركام.
ولكن الحقيقة أنّ واشنطن، بكلّ ما فيها من مؤسّسات مُتشابكة، لا تتحرّك بالمشاعر، بل بالمصالح. ولهذا، ليست المعضلة في قرار الخزانة، بل في قانون قيصر نفسه: ذاك التشريع الذي لا يمكن إسقاطه إلا بإرادة الكونغرس. ولا شيء يشير إلى أنّ الأغلبية الجمهورية والديمقراطية وجدت أرضية مشتركة لإلغائه. ومع أنّ البيت الأبيض يملك ما يكفي من الأدوات السياسية لصنع توافقٍ عابرٍ للحزبين إذا أراد، إلا أنّ السؤال الجوهري: هل تُعدّ سورية فعلاً من أولويات الإدارة؟
إن وُضِع الملف السوري في رأس سلّم الاهتمام، تستطيع الإدارة، من خلال ثقلها السياسي والدبلوماسي، أن تخلق الإجماع اللازم لإلغاء القانون نهائياً. عندها فقط يمكن القول إنّ دمشق صارت على قائمة الأولويات الأميركية، وإنّ الزيارة لم تكن مجرّد لحظة رمزية، بل تحوّلاً استراتيجياً في النظرة الأميركية إلى سورية، أمّا إذا استمر البيت الأبيض في الاكتفاء بالإعفاءات المتكرّرة، بذريعة غياب الإجماع في الكونغرس، فسيكون واضحاً أنّ واشنطن ما زالت تُدير الملف السوري بعقلية العصا والجزرة، مع ميلٍ محسوبٍ إلى العصا، واستعدادٍ محدودٍ لاختبار الجزرة.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ قانون قيصر بات المرآة الأكثر صدقاً لقياس أثر الزيارة، فالتعليق المؤقّت للعقوبات جاء مؤشّراً فوريّاً على الترحيب بالرئيس الشرع، لكنه أيضاً حدّد سقفاً واضحاً لما هو مُمكن حالياً. وما لم يتحوّل هذا الإعفاء إلى مسار تشريعي دائم، ستبقى سورية تعيش في منطقة رمادية: لا هي دولة منبوذة تماماً، ولا هي محرّرة من القيود.
لقد نجحت الزيارة في جعل العقوبات تتنفّس، في كسر جمودٍ دام سنوات، وفي فتح نافذة زمنية صغيرة لالتقاط الأنفاس، لكن من سيقرّر ما إذا كانت تلك النافذة بداية لفجرٍ جديد أم مجرّد استراحة عابرة هو ما سيحدث في أروقة الكونغرس في الأشهر المقبلة، فإما أن تتحوّل هدنة الـ180 يوماً إلى صفحة قانونية جديدة تُعيد صياغة العلاقة بين واشنطن ودمشق، أو تُغلق النافذة، ويعود الجدار إلى صلابته الأولى، معلناً أنّ لعبة العصا والجزرة ما زالت هي القانون الوحيد الذي يحكم المسافة بين العاصمتين.
ما بعد الزيارة.. الرمزية والتحوّل
أنهت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض عزلة استمرت عقوداً، وردمت الهوّة بين دمشق وواشنطن، لكنها، في الوقت نفسه، لم تمنح سورية مفتاح الخلاص بعد؛ بل فتحت الباب واسعاً أمام امتحانٍ طويلٍ ومركّب.
في الجنوب، ما زالت الخرائط ترسمها المدافع الإسرائيلية أكثر مما ترسمها المفاوضات. وفي الشمال الشرقي، لا تزال “قسد” تناور وتشتري الوقت، بينما تتريّث دمشق عن خوض حربٍ لا تملك ترفها، بانتظار أن تثمر زيارة واشنطن عن تفاهمٍ يتيح لها العودة إلى الجزيرة بلا مواجهة مفتوحة.
وفي الاقتصاد، يبقى العجز خانقاً، غير أنّ تجديد الإعفاءات من العقوبات، وما رافقه من حفاوة سياسية، قد يفتح نافذة أملٍ لتدفّق المال والمساعدات وتحريك عجلة الأعمال.
وفي السياسة، يظلّ قانون قيصر الشاهد الأوضح على مدى جدّية التحوّل الأميركي: فالإعفاء المؤقّت 180 يوماً دليل حفاوة ورغبة في اختبار المسار، لكنه أيضاً تذكير بأنّ الطريق ما زال طويلاً، وأنّ العصا لا تزال في اليد الأخرى من الطاولة. والرمزية هنا لا تكمن في الصور التي خرجت من البيت الأبيض، بل في المفارقة التي تختصر اللحظة: أن يلتقي رئيسٌ سوري برئيسٍ أميركي بعد كلّ هذا التاريخ من الصدام، وأن يخرج من اللقاء وقد فُتحت له نوافذ العقوبات، ولو مؤقّتاً، فذلك حدث لا تخطئه العين. لكنه أيضاً يضع دمشق أمام مسؤولية مضاعفة: أن تُثبت قدرتها على التحوّل من دولة نجاة إلى دولة مشروع، ومن جغرافية نزاعٍ إلى ركيزة استقرار. والزيارة، بكل ما حملته من رسائل، لا تُختصر بقرارٍ أو تصريح، بل تُقاس بتراكم أثرها في أربعة مؤشّراتٍ واضحة: هل سيتوقف القضم الإسرائيلي؟ هل تتحوّل مناورة “قسد” إلى اتفاقٍ فعلي؟ هل تتدفّق المساعدات وتُبنى المؤسّسات؟ وهل يُرفع قانون قيصر لا بقرارٍ مؤقّت، بل بإجماعٍ دائم؟
تلك الأسئلة هي الامتحان الحقيقي لزيارة وُصفت بأنّها “تاريخية”، والحقّ أنها كانت بداية التاريخ الجديد، لا خاتمته، فإذا استطاعت دمشق أن تُحوّل الرمزية إلى سياسة، والتهدئة إلى بناء، والانفتاح إلى ثقة، سيُقال إنّ ذلك اليوم في البيت الأبيض كان اللحظة التي بدأت فيها سورية كتابة فصلها الأميركي. أمّا إن بقيت الوعود في خانة التصريحات، فسيبقى المشهد كما كان: بلدٌ يُجيد الانتظار، وعالمٌ يُجيد المراقبة. لكنّ المؤكّد أنّ الزيارة لم تمرّ عبثاً؛ فقد نقلت سورية من الهامش إلى صفحة الاحتمال. وبين الاحتمال والتحقّق، تبدأ دائماً الحكايات الكبرى للأمم التي تقرّر أن تنهض من رمادها.
العربي الجديد،
————————————
قانون قيصر.. من تشريع عقابي إلى أداة لضبط السلوك السياسي/ د. ياسين العلي
نوفمبر 25, 2025
في 20 ديسمبر 2024، أي بعد اثني عشر يوماً فقط من سقوط النظام السوري، انتهت المدة الأصلية لقانون قيصر، بعدما حُدِّدت بخمس سنوات من تاريخ دخوله حيّز التنفيذ.
كان من المنطقي، سياسياً وقانونياً، أن يُنظر إلى هذا التاريخ بوصفه لحظة مفصلية تُفتح فيها صفحة جديدة؛ فالقانون صيغ أساساً لمعاقبة سلطة بعينها، وهذه السلطة لم تعد قائمة؛ غير أنّ ما حدث كان عكس ذلك تماماً؛ إذ سارعت واشنطن إلى تجديد العمل بقانون قيصر لخمس سنوات إضافية، حتى عام 2029، في خطوةٍ تحمل معنىً سياسيّاً أعمق من مجرد إجراء تشريعي شكلي.
بهذا التمديد، بدا واضحاً أنّ قيصر لم يعد قانوناً عقابياً موجهاً إلى نظامٍ راحل فحسب، بل تحوّل إلى أداةٍ لضبط السلوك السياسي للدولة السورية في ثوبها الجديد؛ أداة تُبقي القرار الاقتصادي والسيادي محكوماً بسقفٍ تشريعي خارجي، وتربط هامش حركة الإدارة الانتقالية بمدى توافقها مع اشتراطات السياسة الأميركية ومعاييرها.
بنية عقابية قديمة
منذ تلك اللحظة، اتّضح أنّ سورية، رغم تغيّر بنيتها السياسية، ما زالت تشتغل داخل بنية عقابية قديمة لم تُمسّ جوهرياً. لم تُجْرِ واشنطن مراجعة شاملة لملف العقوبات بعد سقوط النظام، ولم تُطرَح خارطة طريق واضحة لرفعٍ تدريجي مشروط، ولم يُفتح في الكونغرس نقاش جدي حول الانتقال من منطق “معاقبة النظام” إلى منطق “مساندة الدولة في طور التحوّل”. وهكذا وجدت القيادة الجديدة نفسها تتحرّك في فضاء مقيد بقوانين وقرارات وقيود صِيغت لمرحلة سابقة، بينما الخطاب السياسي الدولي يتحدّث بثقة عن “فرصة تاريخية” و“بداية مختلفة” و“دعمٍ لمسارٍ انتقالي”.
في الأسابيع التالية، بدأت وزارة الخزانة الأميركية إصدار تراخيص عامة، مثل GL24 وGL25، قُدِّمت في البيانات الرسمية بوصفها إشارات حسن نيّة وانفراج اقتصادي وإنساني. غير أنّ التدقيق في مضمون هذه التراخيص يكشف أنها لم تكن سوى استثناءات محدودة داخل منظومة قائمة بكاملها؛ فهي لا تُلغي العقوبات، ولا تُفكِّك بناها العميقة، بل تعلِّق جزءاً من آثارها زمنياً وتحت شروطٍ قابلةٍ للمراجعة والرجوع عنها في أي لحظة.
المستثمرون والمصارف لا يقرؤون لغة “حسن النية”، بل يقرؤون النصوص الملزِمة؛ لذلك ظلّ الخطر القانوني قائماً، وبقي “امتثال” المؤسسات المالية الدولية متشدداً، لأن القانون الأصل، وفي قلبه قيصر، لم يتغيّر. وتحوّلت التراخيص عملياً إلى أدوات إدارة تفصيلية للعقوبات، لا إلى مدخل حقيقي لتحرير الاقتصاد السوري من أسرها.
الخطاب الدولي والواقع الاقتصادي
على الجانب الأوروبي، لم يختلف المشهد كثيراً. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي، في أكثر من محطة، عن “تعليق جزئي” لبعض العقوبات، و”توسيعٍ للاستثناءات الإنسانية”، و”تسهيلٍ للمعاملات المتعلقة بإعادة الإعمار المبكر”، لكن الواقع الفعلي ظلّ ثابتاً في خطوطه العريضة: البنك المركزي السوري بقي على قوائم العقوبات، آلاف الأفراد والكيانات ظلّوا خاضعين لتدابير التجميد والمنع دون مراجعة جديّة، المصارف الأوروبية تجنّبت المخاطرة بالتعامل المباشر، والاستثمار بقي شبه غائب. وهكذا، بدا أنّ أوروبا تعيد تسويق سياسة العقوبات بلغةٍ أكثر ليونة، من دون أن تُقدِم على تغيير معماري في بنيتها وآليات عملها.
مع مرور الشهور، أخذ التناقض بين الخطاب الدولي والواقع الاقتصادي يتّضح أكثر فأكثر. فبرغم الحديث المتكرر عن “دعم سورية الجديدة” و“تخفيف معاناة الشعب” و“تيسير إعادة الإعمار”، لم يدخل البلاد استثمار خارجي من الوزن الثقيل، ولم تُستأنف القنوات المصرفية الطبيعية، ولم يُفعَّل التمويل الدولي بالزخم الذي يتناسب مع حجم الدمار والحاجة. ظلّ الاقتصاد السوري يتحرك في منطقة رمادية: لا هو اقتصاد محاصَر رسمياً بالصيغة القديمة، ولا هو اقتصاد محرَّر قادر على استعادة الثقة والانخراط الطبيعي في النظام المالي العالمي.
في هذا السياق، تكرّست وظيفة جديدة لقانون قيصر؛ لم يعد تشريعاً عقابياً مرتبطاً بمرحلة الأسد وحدها، بل تحول إلى إطار تحكم سياسي يُستخدم لقياس وضبط سلوك الإدارة الجديدة. التراخيص الجزئية والمحدودة توحي بمرونة شكلية، لكنها تُبقي السقف القانوني مرفوعاً فوق رأس الدولة؛ والتمديد لخمس سنوات إضافية يضمن بقاء “زر العقوبة” في متناول اليد الأميركية؛ والخطاب عن “التخفيف” لا يخفي حقيقة أنّ البنية العقابية نفسها لم تُستبدل بمنظومة مختلفة، بل أعيد تدويرها لخدمة أهداف أخرى في مرحلة أخرى.
وهكذا، بات قيصر اليوم أقلّ شبهاً بقانونٍ أُقرَّ لمعاقبة جريمة سياسية مكتملة الأركان، وأكثر شبهاً بأداةٍ من أدوات إدارة النفوذ في بلدٍ يخرج من الحرب وهو في حاجة إلى إعادة بناء ذاته ومؤسساته. العقوبات لم تعد مجرد ردّ فعل على سلوكٍ ماضٍ، بل تحوّلت إلى عاملٍ بنيويٍّ من عوامل صناعة السلوك الحاضر، وإلى جزءٍ من معادلة “من يملك حقّ منح الانفراج، ومتى، وبأي ثمن سياسي”.
بعد عامٍ على التغيير السياسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من كل الروايات المبسّطة: سورية تغيّرت في رأس هرم السلطة، لكن منظومة العقوبات لم تتغيّر في جوهرها؛ سقط النظام السابق، لكن لم يسقط معه “منطق معاقبة سورية”؛ وافتُتحت مرحلة انتقالية، لكن بقواعد مالية وقانونية تعود في كثير من تفاصيلها إلى مناخ ما قبل التحول، لا إلى حاجات ما بعده.
حالة “تعليق مؤسسي”
في هذا الفراغ بين ما يقال وما يجري، يعيش الاقتصاد السوري تحت وطأة حالة “تعليق مؤسسي”: دولة تريد أن تنطلق، لكن حركتها مقيدة بمنظومة تشريعية خارجية لا تزال تنظر إليها بعين الشك؛ وإدارة تحاول أن تبني شرعية جديدة في الداخل، فيما تُقاس أهليتها في الخارج بمدى استعدادها للتكيّف مع شروطٍ وضعتها قوانين سابقة لواقعٍ لم يعد قائماً.
من هنا، لا يعود السؤال الجوهري: هل رُفعت العقوبات أم خُفِّفت؟، فهذه صيغة تقنية تخفي أكثر مما تكشف؛ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا مُدِّد لقانون قيصر بعد سقوط النظام الذي استهدفه؟ ولماذا أُبقي الاقتصاد السوري معلَّقاً في منطقة وسطى بين الحصار والانفراج؟ وهل يُراد للعقوبات أن تكون جسراً نحو تسوية عادلة، أم قيداً دائماً يُبقي القرار السوري مرتهناً لميزان المصالح الخارجية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بسورية وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي نفسه: هل يتعامل مع التحوّلات السياسية بوصفها فرصة لمساعدة المجتمعات على استعادة سيادتها، أم بوصفها لحظة مواتية لإعادة هندسة الدول من الخارج عبر أدوات القانون والمال؟ وفي قلب هذا الامتحان، يقف السوريون اليوم أمام معادلة صعبة: أن يبنوا دولة جديدة تحت سقف قوانين لم تُكتَب بأيديهم، وأن يخوضوا معركة التعافي الاقتصادي في ميدانٍ ما تزال قواعده تُرسم خارج حدودهم.
—————————
سوريا بين أميركا والصين/ فراس فحام
أعطت الحكومة السورية التي تولت إدارة البلاد بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد عدة مؤشرات على رغبتها بانتهاج سياسية متوازنة قدر الإمكان، والتعاطي بإيجابية مع مختلف الفاعلين الدوليين.
وتهدف الحكومة وفق إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع خلال تصريحات صحفية في 13 سبتمبر/أيلول الماضي إلى تحقيق التوازن في علاقاتها وتجنيب البلاد الصراعات الدولية.
وفي إطار العمل وفق مبدأ التوازن، أوفدت سوريا وزير خارجيتها أسعد الشيباني لعقد مباحثات في بكين، بعد أقل من أسبوع على استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرع في واشنطن.
ويعكس ذلك رغبة الحكومة السورية في الاستفادة من هوامش المناورة التي يتيحها التنافس الصيني الأميركي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
التنافس الصيني الأميركي وامتداداته
برزت على الساحة الدولية منذ سنوات طويلة التنافسية بين واشنطن وبكين، وكان الرئيس ترامب أعلن خلال فترته الرئاسية الأولى عام 2017 الحرب على الصين، في حين حدد خلفه الديمقراطي جو بايدن عام 2021 الصين منافسا إستراتيجيا للولايات المتحدة، وأكد وجود خطة من أجل مواجهة نشاطها غرب المحيط الهادي.
وبعد مضي قرابة 4 سنوات على إطلاق بكين لمشروع “الحزام والطريق” بمشاركة 150 دولة، الذي يهدف إلى ربط الصين بدول العالم خاصة مع الدول المنتجة للطاقة، والقارة الأوروبية، أعلنت الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2023 عن “طريق التوابل” الذي يجمع كبار مصدري ومستوردي النفط في العالم، ليكون منافسا لمبادرة “الحزام والطريق” الصيني.
وفي آواخر عام 2023 توصلت الصين إلى اتفاق شراكة إستراتيجية بينها وبين نظام الأسد، تشمل التعاون الثنائي في مشروع الحزام والطريق، ويندرج ضمنه أيضا مشروع الربط السككي الممتد من إيران إلى سوريا التي تمتلك موانئ على البحر المتوسط قريبة جدا من الأسواق الأوروبية.
وفي أبريل/نيسان 2025 اتهمت وزارة الخارجية الأميركية شركة “تشانغ كوانغ” الصينية بتزويد جماعة الحوثي بصور أقمار اصطناعية أتاحت للجماعة استهداف سفن أميركية في البحر الأحمر، ضمن الحملة التي أطلقتها الجماعة منذ مطلع عام 2024 تحت عنوان “مناصرة” غزة.
وفي الواقع فإن هذا التطور يعكس امتداد حالة التنافس بين واشنطن وبكين إلى الشرق الأوسط، خاصة على طرق الملاحة الدولية وممرات الطاقة.
ويغري موقع سوريا على البحر المتوسط الصين التي لا توفر الفرص لتطوير علاقاتها مع دول المنطقة، ومن ذلك دخولها على خط الوساطة بين الرياض وطهران التي انتهت بإعلان تطبيع العلاقات بين الجانبين صيف عام 2023.
الأهداف الأميركية بسوريا
نقلت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير نشرته في أبريل/نيسان الماضي أن قادة الحزب الجمهوري الأميركي لديهم قلق من تراجع نفوذ بلادهم في سوريا على نحو يتيح فرصة لكل من روسيا والصين.
في مطلع أغسطس/آب الماضي أعلن المبعوث الأميركي توماس براك ما عرف بورقة “براك” الخاصة بنزع سلاح حزب الله اللبناني بشكل كامل مع حلول نهاية عام 2025، وهذا يقتضي منع تدفق السلاح إلى الحزب مجددا عبر الأراضي السورية، مما يعني ضرورة التنسيق مع الحكومة السورية.
وبالفعل فقد طورت واشنطن هذا التنسيق مع دمشق بعد ضم سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، كما أعلن براك عقب زيارة الشرع إلى واشنطن أن سوريا ستساعد في تفكيك بقايا الحرس الثوري وحزب الله وتنظيم الدولة.
وأكد الرئيس الأميركي مرارا أن رفع العقوبات عن سوريا تم بناء على طلب تركيا والسعودية وقطر، مما يشير إلى أن جزءا من التعاطي الأميركي الإيجابي مع الملف السوري هو استجابة لرغبة حلفاء واشنطن التقليديين في إطار استعادة زخم التحالف مع هذه الدول بعد الاضطرابات التي شهدتها العلاقات بين واشنطن من جهة وأنقرة والرياض في حقبة الإدارة الديمقراطية.
مصالح الصين في سوريا
تبقى مسألة تطوير العلاقة مع دمشق أمرا حيويا لبكين التي لا تزال تبحث عن تطوير مبادرة الحزام والطريق، وهنا تبرز أهمية سوريا التي تمتلك موقعا جغرافيا وموانئ على البحر المتوسط يمكن أن تربط الصين مع تركيا وأوروبا، بالإضافة إلى إمكانية تسهيل وصول الصين إلى دول شمال أفريقيا.
وإضافة لهذا، فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه نظيره السوري في بكين استعداد بلاده للنظر بإيجابية في المشاركة بإعادة إعمار سوريا، وتبقى الصين من ضمن الخيارات المهمة في هذا المضمار لما تمتلكه من قدرة على إنشاء البنية التحتية، بما فيها شبكات الاتصالات والتكنولوجيا.
وفي سياق آخر، فلدى الصين أيضا مخاوف أمنية من سوريا لا تخفيها، ومصدره مستقبل المئات من المقاتلين الإيغور المنحدرين من إقليم تركستان الشرقية الخاضع لسيطرة الصين، والذين قاتلوا طيلة الأعوام الماضية في سوريا ضد نظام الأسد إلى جانب المعارضة، وهم حاليا جزءا من الجيش السوري الجديد، وبالتالي فإن فتح قنوات التواصل بين الصين وسوريا سيكون ضروريا لبكين من أجل ضمان عدم تشكيل هؤلاء المقاتلين تهديد لها.
وأكدت التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية السوري بعد زيارته بكين التوصل إلى تفاهمات أمنية مع الصين، إلا أن مصادر رسمية سورية نفت التقارير التي تحدثت عن نية دمشق تسليم المقاتلين الإيغور إلى الصين.
وأكدت مصادر دبلوماسية في دمشق لموقع الجزيرة نت أن بكين تبحث فقط عن ضبط هذه العناصر، وضمان أن دمشق تعمل على دمجهم الكامل وعدم ترك المجال لهم لإقامة معسكرات مستقلة تكون منطلقة لهجمات ضد المصالح الصينية.
واقع معقد
يتصف الملف السوري بتعقيدات كبيرة نتجت عن 14 عاما من الصراع وتدخل أطراف دولية عديدة فيه، وقد استمرت هذه التعقيدات إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، في ظل بلد مدمر يحتاج إلى مئات مليارات الدولارات من أجل إعادة الإعمار.
ويزيد من صعوبة الأمر استمرار تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية والأميركية على تحسين الاقتصاد، بالإضافة إلى بعض القرارات الأممية التي شكلت عائقا أمام تطبيع وضع الحكومة الانتقالية وأشخاصها.
من جهة أخرى، لا تزال بعض الأطراف الدولية تدعم منظومات ما دون الدولة، مما يبطئ عملية توحيد البلاد مجددا تحت سلطة واحدة، على غرار ما تفعله الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما أن إسرائيل مستمرة منذ سقوط الأسد في الانتهاكات داخل الأراضي السورية.
ويدفع هذا الواقع السابق الحكومة السورية إلى الانفتاح على الأطراف الدولية بشكل عام من أجل حلحلة هذه التعقيدات.
في آواخر يونيو/حزيران الماضي أمر الرئيس ترامب بتوقيع أمر تنفيذي بإنهاء العقوبات على سوريا، مع إبقائها على الرئيس السوري الشرع ومساعديه وتنظيم الدولة ووكلاء إيران، ثم قادت واشنطن لاحقا جهود إزالة الشرع ووزير الداخلية السوري أنس خطاب من على قائمة العقوبات الأممية.
ونجحت زيارة الشرع إلى واشنطن في عقد لقاء مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب برايان ماست الذي يصنف ضمن أهم المتحفظين على إلغاء قانون قيصر، مما أعطى دفعة تفاؤل كبيرة حيال إمكانية إلغاء القانون مع نهاية العام الحالي.
من جانب آخر، أشار المبعوث براك في مناسبات عديدة لاندماج قسد ضمن الدولة السورية، كما تسعى واشنطن من أجل التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، مما يعزز فرص الحكومة السورية في توفير الاستقرار.
وساهم التعاطي الإيجابي السوري مع الصين ومن قبل زيارة الشيباني إلى بكين، في امتناع الصين عن تعطيل قرار مجلس الأمن الذي صدر في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، الذي ينص على إزالة اسم الرئيس أحمد الشرع، ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، كما أعطت التصريحات الصينية الرسمية مؤشرات على الرغبة في تطوير التعاون الاقتصادي مع دمشق.
ورغم تحقيق دمشق لمكاسب متعددة في ظل التنافس الصيني الأميركي، فإن من المحتمل أن تضيق هوامش مناورة دمشق مستقبلا، لأن واشنطن قد لا تتقبل منح سوريا المزيد من النفوذ للصين.
كما أن الحكومة السورية قد تجد أن مصالحها تقتضي تعزيز التحالف بشكل أكبر مع الولايات المتحدة، نظرا لما تملكه الأخيرة من تأثير سياسي دولي، ونفوذ في المنطقة خاصة على إسرائيل التي تعتبر أبرز تهديد لسوريا في مرحلة ما بعد الأسد، بالإضافة إلى النفوذ العسكري لواشنطن في سوريا، وما تملكه من قدرة على تعزيز وحدة الأراضي السورية.
المصدر: الجزيرة
—————————
=======================



