سرديات مختلفة ومصالح متقاطعة/ حسان الأسود

2025.11.29
بمناسبة خروج المظاهرات في الساحل، وعلى هامش الاحتقان فيه وفي مناطق وسط البلاد، خاصة حمص وريفها، وبالأخذ بعين الاعتبار تعثّر محاولات تنفيذ اتفاق 10 آذار المبرم بين الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، وبالتزامن مع التحركات في السويداء، بالتحديد ما بدر من أحد الأطراف الأعلى صوتًا فيها بإزالة كلمة محافظة عن مبنى رسمي، إشارة إلى مطلب الانفصال، ورفع علم إسرائيل وصور رئيس وزرائها مع صور الشيخين طريف والهجري على سيارات كانت تجوب شوارع المدينة، بهذه الخلطة كلها تكثر الأسئلة عن الدوافع والمصالح والأهداف والخلفيات لكل ما يجري على الساحة السورية. لا مندوحة من القول إنّ الوضع السوري أكثر تعقيدًا من أن يحيط به مقال أو بحث، فهو يحتاج موسوعات لتفكيك تشابكات خيوطه، لكنّ التبسيط أحيانًا يفي بالغرض إذا ما استطاع المرء تكثيف الحجج وتسليط الضوء على كل وجهات النظر.
سوريا وأهلها الآن على مشارف العام الثاني منذ سقوط نظام الأسد، يفصلنا عن ذلك أقل من أسبوعين، وفي العام الماضي جرت مياه كثيرة في الأرض السورية، بدأت بتضحياتٍ جمّةٍ بذلها المقاتلون منذ لحظة انطلاق معركة ردع العدوان، ولم تتوقف حتى لحظة كتابة هذه السطور، ولم تكن التضحيات من طرف واحدٍ فحسب، بل من السوريين والسوريات جميعًا. مضت الأمور ضمن سياقات متعددة وكلّها صبت في النهاية في بوتقة صناعة المشهد الراهن. ترى السلطة السياسية الحاكمة الآن أنّه لا بدّ من مركزة القرار إلى أقصى حدّ ممكن لاعتبارات الضبط ومنع انفلات الأمور من جهة، ولوقف حالة التشرذم وتجنّب التقسيم وانفراط عقد البلاد من جهة ثانية. من هنا كانت رؤيتها التي تجلّت منذ مؤتمر إعلان النصر وصولًا إلى مجلس الشعب الذي لم تكتمل أضلاع مثلثه بعد، على أنّها الضامن لكل ذلك.
كان الأداء على مستوى العلاقات الخارجية خارقًا بامتياز، فتحوّلُ البلد وحكّامها من أضيق دوائر العزلة إلى أوسع ساحات الترحيب والحفاوة عالميًا وحده يستحق الوقوف عنده كثيرًا. رَفْعُ غالبية العقوبات، والنشاط المحموم للجاليات السورية في بلاد المغترب، والعودة الطوعية من دول الجوار، وحملات التبرّع السخيّة، وعمليات إعادة الإعمار الفردية، وغيرها الكثير من مظاهر عودة الحياة إلى الجسد المثخن بالجراح، تصبّ في خانة الإيجابيات وتدعم سرديّة التغيير نحو الأفضل. يحظى هذا الاتجاه بدعم شرائح واسعة من السوريين والسوريات، والبعض يحاول تسويق ذلك على أنّه كافٍ للوصول بسوريا إلى برّ الأمان، على اعتبار أنّ هذه الشرائح تشكّل غالبية كبيرة، وبالتالي تحقق نوعًا من الديمقراطية التي هي حكم الأغلبية، وهذه الشرائح تنتمي بغالبيتها للمكوّن القومي والديني الأكثر عددًا في سوريا، أي للعرب السنّة. ثمّة من يحاول أن يظهر هذه الشريحة الكبرى وكأنها كتلة متجانسة من جهة، وموحّدة الموقف من جهة ثانية، ورأينا أنّه لا توجد مثل هذه الكتلة المتجانسة في سوريا، لا بين العرب ولا غيرهم ولا بين المسلمين ولا غيرهم. وصحيح أنّ هناك توجهًا عامًا يمكن وصفه بأنّه موقف شعوري أو لا شعوري بطبع المشهد، إلا أنّ الاستثناءات أحيانًا تكسر القاعدة ولا تؤكّدها. الاصطفافات بغالبيتها سياسية كما يتراءى لنا وإن كانت تأخذ من حيث مظهرها شكلًا قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا أو مذهبيًا.
بالمقابل، ثمّة وجهات نظر أخرى تحملها أطرافٌ عديدة، بعضها يرى نفسه معارضة جذريةً للسلطة على أساس منبتها ومسيرتها وسياق تشكلها ووصولها لسدّة الحكم، هذا النوع من المعارضة لا مجال للتفاوض بينه وبين السلطة، فهو يرى فيها الشرّ كلّه، ويرى أنها تمثّل الإرهاب بعينه، وبالتالي قطع معها كل الجسور وحرق كل المراكب، وهو بالمناسبة يضمّ تياراتٍ مختلفة المنابت وأفرادًا متعددي الانتماءات منهم عديدون ينتمون للأكثرية العربية السنية، لكنّ غالبية المنتمين إليه تأتي من الأقليات العددية القومية أو الدينية أو الطائفية. البعض الآخر يرى نفسه معارضةً تسعى للوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه على أساس أنّ البلاد ذاهبة باتجاه بناء دولة المواطنة والديمقراطية وتداول السلطة، وأنّ من هم اليوم في صفوف المعارضة قد يصبحون غدًا في الحكم والعكس صحيح، هذا النوع يبني مواقفه على أسس عقلانية ترى الأمور من منظارٍ واسعٍ وتحاول صناعة تقاليدَ سياسيةٍ وتطالب بتكريسها دستوريًا. ومع الأسف الشديد هؤلاء قلّة وليسوا كثرة كاثرة، فالمنطق والعقل يحتجبان غالبًا عندما تثور الغرائز وتعلو أصوات المعارك. قسم آخر يرى نفسه بين هذا وذاك، يؤيّد هنا ويعارض هناك، هذا القسم يمثل مجموعاتٍ عابرة للشريحتين السابقتين، لا يملك تصورًا نهائيًا على أسس أيديولوجية أو سياسية، بل ينظر للأمور من مقاربة الحياة اليومية التي اختلفت كثيرًا حسب تصوّره عمّا كانت عليه قبل عام، أقلّه من ناحية وجود الأمل بمستقبل أفضل.
تقول حنّة أرندت: “أكثرُ الثوّارِ راديكاليةً يتحوّلون إلى محافظين في اليوم التالي للثورة”، هذا يعني ببساطة أنّ الأحكام تتغيّر بتغيّر موجباتها، والمواقف تختلف باختلاف الأرضيات التي تستند إليها. فمن يحاول تغيير واقع معيّن لأنّه لا يتوافق ومصالحه، أو لأنّه يشعر بأنّه مظلوم فيه، يصبح صاحب مصلحة في تثبيت الواقع الجديد الذي تحقق بانتصاره. الثورة ببساطة وسيلة وليست غاية بحدّ ذاتها، وهذا ما ينطبق على السياسة بالوقت عينه، مع اختلافات جوهرية بينهما من حيث القيم والمبادئ والمرجعيات. الثورة تستند بجوهرها على مجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية السامية، بينما لا تستند السياسة إلا إلى المصالح. هكذا يصبح ثائر الأمس الذي ملأ الدنيا ضجيجًا لقلب نظام الحكم، أعتى المدافعين عن نظام الحكم الجديد. المسألة ببساطة انتقال من ساحة لساحة جديدة تفرضها طبيعة الحياة. من هذا المنظور ذاته يمكننا رؤية بعض المطالب المُحقّة بثوبٍ باطلٍ في أرض الواقع، فبعض من يستند إلى مرجعية دينية يطالب بالعلمانية، وبعض من يتمترس خلف الديمقراطية يمارس أشد أنواع الإقصاء والاستئثار، وبعض من يحاضر باللامركزية يعيش أشد أنواع المركزية. هذا لا يقدح بطبيعة الحال بكل هذه المصطلحات ولا بأحقّية تبنيها، بقدر ما يظهر تناقض المواقف وتباين الاعتبارات تبعًا لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.
ما تدّعيه السلطة سببًا لمنع التقسيم يراه قسمٌ من المعارضة سببًا له، فالمركزية مثلًا هي الأداة الإدارية التي ساعدت الديكتاتوريات السياسية على تشديد قبضتها منذ أوّل انقلاب عسكري عام 1949 على الأقل، فمن يريد تجريب المجرّب إذن غير من له مصلحة بإعادة بناء الاستبداد من جديد؟ على الميلة الثانية ترى السلطة أنّ اللامركزية لا تهدف اليوم إلا لشرعنة التقسيم الراهن، بل على نطاق أشدّ خطورة بتنفيذه على أسس ديمغرافية لا جغرافية. هذا يعني ليس فقط تقسيم البلاد، بل تقسيم المواطنة ذاتها على أسس لا تقبلها ولا تحملها، بل على العكس تتناقض معها جوهريًا. وبالعودة إلى ما بدأنا به المقالة هذه، يكفي أنّ التظاهرات خرجت تحت حماية الأمن العام، ويكفي أنّ القنوات الإخبارية الرسمية والخاصة ووسائل التواصل قد غطتها، ويكفي أنّ المتظاهرين عادوا إلى بيوتهم.. لنقول إنّ التغيير حصل فعلًا وإنّ سوريا بدأت بالتعافي رغم السرديات المختلفة والمصالح المتناقضة، بل ربّما بسببها، وهذا كلّه بسبب ثورة الكرامة وتضحيات السوريين والسوريات.
تلفزيون سوريا



