عن الواقع السوري الهجين/ راتب شعبو

30 نوفمبر 2025
يمرّ الكلام في سورية اليوم عن حقوق المكوّنات، وعن ضرورة مشاركتها وتمثيلها في الحكم، وعن سيطرة لون واحد على جهاز الدولة… إلخ، على أنه الكلام الوطني الحريص، في وجه الكلام الطائفي الاحتكاري غير الوطني. لكن الحقيقة أن هذين القولين (التشاركي والاحتكاري) محكومان لمنطق مكوّناتي واحد، ينظر إلى انتماء الفرد إلى مكوّن ما أهم من انتمائه إلى وطنه. هذا منطق ضارّ بالسوريين، من حيث إنه يهبط بهم إلى أدنى من مستوى شعب، ويفتت أرضيتهم الوطنية.
مشاركة المكونات في الحكم، بحسب هذا الكلام، تعني وجود أفرادٍ ينتمون إلى هذ المكوّن أو ذاك في مناصب في الدولة. ومن الطبيعي، وفق الحال السورية هذه، أن تكون المشاركة متناسبة، وإن بشكل ضمني غير رسمي، مع النسبة العددية للمكوّن من السكان. هناك أسئلة بسيطة تطرح في وجه هذا الكلام: كيف لنا أن نعتقد أن وجود شخصٍ في الحكم يعني أن المكوّن الذي ينحدر منه، مشارك في الحكم؟ وقبل ذلك، هل يمكن أن تكون لأي مكوّن مصالح واحدة وهوية سياسية واحدة، تسمح بوجود ممثل أو ممثلين له؟ وحتى إذا افترضنا ذلك، تجاوزاً، ما الذي يلزم “ممثل” المكوّن بأن يكون مخلصاً لهذه الهوية السياسية ولهذه المصالح؟ أليس من المعقول أن يكون مخلصاً أكثر للسلطة التي اختارته ووظّفته مهما كانت سياسات هذه السلطة؟ ما الذي يمنع وجود أشخاصٍ واسعي الأفق ونزيهين في الحكم وينحازون إلى الصالح العام الذي يخدم مصلحة المكوّن المعني مع غيره من المكوّنات، من دون أن يكونوا منحدرين من هذا المكون؟ شهدنا من قبل ونشهد اليوم وجود سوريين يقفون بصدق ومسؤولية في وجه السلطات، حين تمارس تمييزاً سلبياً ضد مكوّن معين، رغم أنهم لا ينتمون إلى هذا المكوّن بالولادة، وشهدنا العكس أيضاً.
لكي يصح الربط بين منبت الشخص ودوره التمثيلي في الدولة، لا بدّ من تحويل الوجود الاجتماعي للمكوّن إلى مؤسّسة تحضر في الدولة بوصفها جهة تمثّل “رعايا” المكوّن. هذا يعني وجود آلية محدّدة لاختيار “الممثلين” ضمن المكوّنات، فيكون المكوّن، وليس السلطة العامة، هي من تختار الذي يمثلها في الحكم، ويكون الشخص، بذلك، مسؤولاً أمام المكوّن الذي ينحدر منه. في مثل هذه الحالة، تتقاسم المكوّنات السلطة، ونكون أمام دولة برؤوس عديدة، دولة مكوّنات بلا مواطنة. لم تصل الدولة في سورية إلى هذا المستوى من التفكّك، ولكنها تسير في هذا الاتجاه، بحسب التوجّه العام للسلطة الجديدة. على أنه من مصلحة هذه السلطة أن تبقي على الحال الهجين الذي كان عليه النظام السوري السابق، أي أن تمارس سياسة تكون فيها مشاركة المكوّنات صورية، وتكون السلطة الفعلية في حوزة نواة صلبة لها عنوان معروف. رغم أن ما يبدو جلياً أن السلطة الحالية في دمشق لا تمتلك رحابة صدر كافية لقبول المشاركة الصورية للمكوّنات في مناصب الدولة، ولا حتى لمشاركة أبناء المكوّنات في القطاع البيروقراطي والجيش والأجهزة الأمنية للدولة.
مهما يكن الحال، عدم تحويل المكوّنات إلى مؤسّسات، كما هو الحال في لبنان مثلاً، يجعل مشاركة المكوّنات صورية إلى حد مثير للسخرية. هذا لا يعني أن الوضع في لبنان أفضل حالاً، على العكس، أحالت مأسسة الطوائف الدولة اللبنانية إلى شاهد مشلول على صراعات أهلية مستمرّة، وهو ما لا يُحسد عليه اللبنانيون ولا نعتقد أن السوريين يريدونه.
كانت مشاركة المكوّنات في زمن سيطرة الطغمة الأسدية صورية، ولا يبدو أن من يطالبون بهذا النوع من المشاركة اليوم ينتبهون إلى هذه الحقيقة، والسبب أن هذه المطالبة تبدو وطنية وعقلانية، قياساً على المنطق والممارسة الإقصائية المتشنجة من سلطة ما بعد الأسد… وعلى هذا الضوء، يمكن القول إن الواقع السوري كان هجيناً على الدوام، يجمع بين لغة مدنية معلنة (الكلام عن شعب، ومواطنة، ومساواة… إلخ)، ووعي مكوّناتي لا ينظر إلى المسؤول مجرّداً من خلفياته العضوية، فيعتبر وجود وزير مسيحي في الحكومة، على سبيل المثال، مشاركة مسيحية. يجمع الواقع السوري الهجين بين شكل دولة حديثة، برلمان وقضاء ودستور ومؤسسات دولة… إلخ، والانشغال بتمثيل مكوّنات اجتماعية لا محل لها، بوصفها كذلك، في إطار الدولة الحديثة. في هذا الواقع الهجين غير المتسق، لا يستوي السوريون واقعياً على مستوى قانوني واحد بوصفهم مواطنين، بل يتدخّل في هذا المستوى عنصر غريب عنه، هو المنبت الاجتماعي للسوري، بطريقة تجعل من يحمل الجنسية السورية التي تميّزه خارج سورية، يحمل “جنسية مكوّناتية” أخرى تميزه داخل سورية، وتحدّد له حقوقاً تختلف باختلاف منبته. الحال هو بالفعل كذلك في سورية من زمن بعيد، حتى بات من يدافع عن دستور يحدّد دين رئيس الدولة بطريقة تستبعد دستورياً نسبة غير قليلة من السكان من هذا المنصب، لا يجد أي غضاضةٍ في الكلام عن المواطنة والمساواة ورفض التمييز الطائفي… إلخ. بات هذا الواقع الهجين غير المتسق مألوفاً في سورية حتى أنه لم يعد يثير الانتباه.
كان المشهد الهجين في الواقع السوري مصدراً دائماً لألم مكبوتٍ عند السوريين الذين يعيشون بالفعل تمييزاً مكوّناتياً على أساس طائفي أو عرقي أو قومي… إلخ، ويعيشون بالكذب مساواة ومواطنة وحداثة. ولا يمكن أن يخرج السوريون من حال الهجنة هذه إلا بالمضي في أحد اتجاهين: الأول، طريق السلامة الذي يذهب إلى دولة حديثة تنظر إلى الفرد مجرّداً من انتماءاته العضوية، وتقوم على مبدأ المواطنة، فيكون السوريون متساوين فعلاً في الدستور والقوانين. والثاني، طريق الندامة الذي يتجه نحو دولة تقاسم السلطة بين المكوّنات التي ينظر إليها أنها مؤسّسات، وتتحوّل بذلك إلى كتل صلبة لا تذوب في الدولة، بل تميل إلى أن تكون دولاً داخل الدولة، وهكذا تصبح علاقة الفرد بالدولة تمرّ عبر علاقته بالمكوّن الذي ولد فيه.
العربي الجديد



