لأسباب متعدّدة.. هاجس الهجرة يعود إلى واجهة حسابات أكاديميين سوريين/ سامر العاني

2025.11.28
اعتذرت موظفة الاستقبال في أحد معاهد اللغات في دمشق من الطبيب غدير، الراغب بتعلّم اللغة الألمانية تمهيداً للسفر والعمل، موضحة أنّ جميع المقاعد المتاحة ممتلئة، وأن عليه تسجيل اسمه في قائمة انتظار للدورة المقبلة.
أمّا في داخل قاعة الدرس، يجلس طبيب الأسنان غدير، إلى جانب مهندس وصيدلاني وعدد من الأكاديميين، يتابعون مستوى متقدماً في تعلّم الألمانية، باعتبارها شرطاً أساسياً للعمل في ألمانيا. ما يزال حلم الهجرة يراود شريحة واسعة من الأكاديميين وطلاب الجامعات المقيمين في سوريا، مدفوعين بالظروف الاقتصادية المتدهورة والخوف من المستقبل، في ظل غياب أي مؤشرات على تحسّن الأوضاع الاقتصادية أو انفراج في سوق العمل.
يقول الدكتور غدير، لموقع تلفزيون سوريا إنه يخطط للهجرة إلى ألمانيا بحثاً عن فرصة عمل تضمن له حياة مستقرة، بعدما وجد أنّ الآفاق في سوريا مغلقة أمام خريجي التخصّصات الطبية، مؤكداً أنّه لا يرى فرصة واقعية للحصول على وظيفة تغطي احتياجاته الأساسية كطبيب أسنان حديث التخرّج.
معاهد مزدحمة
في المعاهد المنتشرة في الشعلان والمزّة والشهبندر وغيرها من أحياء دمشق، يواجه الراغبون بتعلّم اللغة الألمانية صعوبة في إيجاد مقاعد شاغرة، ما يضطرّهم إلى حجز مواعيد مسبقة قد تمتدّ لأكثر من شهر، ومعظم المتقدّمين يواصلون الدراسة حتى مستوى B1، وهو المستوى الذي يشترطه الجانب الألماني لقبول المتقدّمين للتعليم.
ويؤكد الأستاذ محمود، وهو إداري في أحد تلك المعاهد، أنّ اللغة الألمانية باتت تحتل المرتبة الثانية من حيث الإقبال بعد اللغة الإنكليزية، مشيراً إلى أنّ الطلب عليها شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة.
ويضيف محمود أنّ هذا الإقبال المتزايد يعود إلى دوافع متعدّدة، أبرزها الرغبة في الهجرة بهدف العمل، أو متابعة الدراسة الجامعية، أو حتى الدخول في إجراءات لمّ الشمل.
خوف من المجهول
يرى عدد من الأكاديميين الذين يخططون للهجرة أنّ العمل داخل البلاد بات يفتقر إلى الأفق، وأنّ الهجرة قد تختصر سنوات طويلة من المعاناة في محاولة تأمين ظروف معيشية مقبولة.
ويقول مهندس البرمجيات محمد عثمان، لموقع تلفزيون سوريا، إن الحصول على وظيفة حكومية أصبح شبه مستحيل، وإن وُجدت فهي لا توفر دخلاً يغطّي المصاريف الأساسية، فكيف بمن يسعى لبناء مستقبل أو تأسيس أسرة.
ويضيف أنّه تخرّج قبل ثلاث سنوات، لكنه لم يتقدّم لأي وظيفة حكومية قبل سقوط النظام المخلوع خوفاً من سوقه إلى الخدمة العسكرية، وبعد نحو عام على تحرير سوريا، لا يرى أنّ الوضع الاقتصادي شهد أي تحسن فعلي، ويبيّن أنّ الرواتب الحكومية ما تزال متدنية جداً؛ إذ لا يتجاوز أفضلها مليوناً أو مليوناً ونصف ليرة سوريّة، أي نحو 150 دولاراً تقريباً، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين إيجار منزل متواضع.
ويرى أنّ تعلّم الألمانية والحصول على فرصة عمل في ألمانيا قد يمكّناه من توفير ما لا يستطيع تحقيقه في سوريا مهما امتدّت سنوات عمله.
ويتفق علي أحمد، خريج كلية الصيدلة قبل عام، مع هذا التشخيص، موضحاً أنّ العمل الخاص ليس أفضل حالاً من الحكومي، فعدد الصيدليات يفوق حاجة السوق، وفرص العمل في معامل الأدوية محدودة وأجورها منخفضة، في حين يحتاج افتتاح مشروع خاص إلى رأس مال كبير يفوق كلفة السفر إلى ألمانيا بكل متطلباته، بما في ذلك الحساب البنكي المطلوب للحصول على تأشيرة العمل.
اقرأ أيضاً
وزير الخارجية الألماني فاديفول يزور حرستا شرقي دمشق لتقييم حجم الدمار الذي خلفته الحرب (د ب أ)
متى يعود اللاجئون السوريون؟ تصريحات فاديفول تشعل انقساماً سياسياً في ألمانيا
أسباب غير معلنة
ورغم أنّ الدوافع الاقتصادية تأتي في مقدمة أسباب الهجرة، إلا أنّ هناك أسباباً أخرى غير معلنة، أبرزها المخاوف الأمنية التي تراود بعض الفئات.
يقول طبيب يدرس اللغة الألمانية، فضّل عدم ذكر اسمه، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه ينتمي للطائفة التي ينتمي إليها النظام المخلوع، وإنّ عدداً من أبناء هذه الطائفة يشعرون بقلق متزايد حيال مستقبلهم، خصوصاً لجهة دورهم في المؤسسات لاحقاً، وهو ما يدفع كثيرين منهم للتفكير بالهجرة.
ويتقاطع معه في الرأي الصيدلاني محمد، المنحدر من إحدى قرى ريف حماة، موضحاً أنّهم يسمعون عن حوادث تبعث على القلق، كما تنتشر في مجموعات واتساب تحذيرات تتعلق بمستقبل أبناء الطائفة، تتحدث عن احتمال التضييق عليهم اقتصادياً وأمنياً أو فقدانهم لفرص العمل.
من جهتها تقول مدرّسة اللغة الألمانية، مروى القاسم، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ إشاعات كثيرة تنتشر حول احتمال تعرض هذه الفئة لضغوط مستقبلية، ما يدفع عدداً منهم إلى تسريع خطط السفر، سواء لإكمال التعليم أو للعمل.
وتضيف أنّ بعض الفتيات يفضلن استخدام سيارات الأجرة للوصول إلى المعهدـ أو إلى منزلي في حالات الدروس الخاصّة رغم قرب بيوتهن، بدافع الحذر والخوف من المجهول.
وترى القاسم أنّ هذه المخاوف مبالغ فيها وغير مبررة وفق المعطيات الحالية، إلا أنّ تأثير الشائعات المنتشرة عبر مواقع التواصل ومجموعات المحادثة كبير، خصوصاً في أجواء تتّسم بالقلق وعدم اليقين.
تخوّفات غير مبرّرة
يسعى عدد كبير من اللاجئين السوريين في بلدان المهجر إلى تسوية أوضاعهم تمهيداً للعودة إلى سوريا، رغبةً في الاستقرار والمشاركة في جهود إعادة البناء، ولا سيما الأكاديميون والاقتصاديون وأصحاب المهن المتخصصة. في المقابل، يتطلع كثير من السوريين داخل البلاد إلى الهجرة، بدافع مخاوف تتعزّز عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام مختلفة.
ويقول الباحث وائل علوان لموقع تلفزيون سوريا إنّ من المتوقع أن تستمر الهجرة من سوريا بالتوازي مع هجرة عكسية نحوها، تتمثّل في عودة أشخاص فرّوا سابقاً من بطش نظام الأسد، مقابل مغادرة آخرين تتأثر قراراتهم بما تبثّه شبكات التواصل الاجتماعي من مخاوف تتعلق بمواقفهم السابقة المؤيّدة للنظام المخلوع أو بما يُثار من هواجس تخص بعض المكوّنات الإثنية أو الدينية.
ويضيف علوان أنّ بعض الأفراد يلجؤون إلى إبراز انتمائهم لمكوّنات دينية أو إثنية، مستشهدين بالمحتوى التحريضي المنتشر عبر تلك المنصات، بهدف تعزيز فرص قبولهم في دول أوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا.
ويشير إلى أنّ هذه المخاوف ليست جميعها بلا أساس، إذ يوجد ما يبرر جانباً منها، غير أنّ حجم التضخيم الذي تمارسه منصات التواصل الاجتماعي كبير ومؤثر، ما يجعل أثرها يتجاوز الوقائع الفعلية على الأرض.



