محطات

لا فصول سنويّة تشبه الفصول/ رباب هلال

25 نوفمبر 2025

 تكاد الفصول الأربعة تغلق دورتها السنويّة على سوريّة الجديدة، واقترب حلول الشتاء السوريّ الجديد الثاني. فصول ثلاثة نزفتها البلاد الجريحة ولا تزال، وهذا الخريف يطوف بينما تجهد أصابعي عبثاً في لمس أطرافه، أثبّتها في صدري ثمّ ألملم بقيّة قيافته المهيبة، أحشرها في القلب، أو أحشرني في حناياه. يتعبني التركيز، وهنت عزيمتي، وأنفاسي لا تزال تتقطّع، منذ عقد ونصف من الخراب. أشهق بعمق، ثمّ أزفر ببطء، لكبح التوتّر.

أتخفّف من ثقل المدينة والقلق، وأنطلق إلى الريف الجبليّ. أستجدي خريفه الساحر، أزور الأقرباء والأصدقاء، أولئك المفعمين بالطيبة والكرم كباقي الريفيّين السوريّين. من على شرفات بيوتهم الجبليّة وحواكيرهم أحدّق في السماء، في الغيوم الخفيفة تسير بحسب الريح. أخطف غيمة أخبّئ فيها الخريف العتيق المعافى. تتسارع الغيمات تخاتل الشمس، وبدورها الشمس تشاكسها، وبغتة، تنحجب الرؤية. رشقة رصاص تدوّي وسط السكون. أجفل، ويجفل الخريف. ضحكة مقتضبة ساخرة، يقول لي صاحبها: “لا تخافي، الشباب يتسلّون وحسب”. ما ذكّرني بتسالي شباب العهد العفِن. وشباب اليوم، هم من الفصائل، عناصر حواجز أمنيّة تابعة للسلطة الانتقاليّة، بعضهم ملثّمون، يتبدّلون كلّ فترة قصيرة، لا يكاد أحدهم يتحدّث بعفويّة مع الأهالي، يوحون لك بأنّهم غرباء. كما قيل لي مراراً، هنا أو في المدن. أغلبهم بعمر الزهور، ويبدو على بعضهم الفقر، كثيرون بينهم أميّون. فكّرت بأسىً أليسوا ضحايا هم أيضاً، كما الجنود الفقراء ضحايا السفّاح الهارب؟ يا لزهور البلاد المغدورة، أمس واليوم.

هنا، لم تحدث مجازر كما حدثت في مناطق أخرى، إنّما يحدث ما تسمّيه السلطة المؤقّتة ببساطة “أحداثاً فرديّة” وما أكثر هواة الأحداث الفرديّة. بعضهم من بين عناصر الحاجز، وآخرون ملثّمون منفلتون داشرون، ينشرون التهديد والروع على هواهم. وتتتالى الحوادث حتى الساعة: خطف لنساء ورجال وأطفال، اغتصاب وقتل، سرقة محلّات تجاريّة، وعابرون، وبيوت والسطو على بعضها أو حرقها، وحرق أراض ومواسم وغابات. وعلى الأهالي الإجابة عن سؤال العار عن طائفتهم. والجواب الذي ما زال يثير غضب بعضهم:” أنا سوريّ” فيعصف السؤال المرعب، وقد شاع في البلاد:” أيشو يعني سوري؟” فأيّ محظوظ هو الذي ينجو من رصاصهم؟ هذا الفلتان الإجراميّ يعمّ البلاد كلّها، بنسب تتفاوت. كثير ممّا يحدث يوثّق عبر فيديوهات وتصريحات شهود عيان، والسلطة غافلة، وإن زعمت أنّها تطبّق العدالة الانتقاليّة، فلا نشهد سوى أكاذيب لجانها المحقّقة المفضوحة، ومحاكماتها الصوريّة التي لا تحترم العقل، ولا تتوانى عن استغباء الشعب. أعلنت سابقاً ألّا نساء مخطوفات في الساحل السوريّ، عدا واحدة لم تعلن اسمها رغم أنّ قائمة أسماء النساء المخطوفات معلنة سواء من منظّمات حقوقيّة محليّة أو دوليّة، ووسائل إعلاميّة ووكالات أنباء عالميّة. وكنّا شهدنا تقاريرهم، التي تثبت قضيّة خطف النساء وبشكل خاصّ العلويّات. تكرّر المشهد في السويداء، فكيف ستشعر المناطق المنكوبة بالأمان؟ ما تزال القرى تغلق أبوابها عند الغروب. والآباء ينهكهم الخوف على أولادهم. حُرم كثير من الطلّاب وبوجه خاصّ الطالبات من متابعة دراساتهم الجامعيّة. ويكاد الشلل يقضي على الحياة الاقتصاديّة. فأيّة ألغاز ومتاهة سوداء تقض مضاجع السوريّين وتقضم رقادهم؟ فهل تدري السلطة المؤقّتة نتائج ما تفعل، أم أنّها تتعمّد الوصول إلى هذه النتائج الكارثيّة، عبر انعدام الشفافية، وعدم احترام عقول الناس، والخطاب الطائفيّ عبر الإعلام الرسميّ؟ وأخطرها قطع سبل الثقة بينها وبين الشعب هذا الذي ينهبه القلق بأنواعه كالقتل والجوع، واستباحة الحرمات، وتشييع الدولة عوض إنقاذها، ثمّ تقسيم البلاد المتهالكة.

أهشّ القلق، وأساهر الخريف في غيمتي.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى